الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 10، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ المقطع بتوضيح أهمية الإخلاص في الأعمال وفضل الإسلام، مشيرًا إلى أن الأعمال القليلة مع الإخلاص أفضل من الكثيرة بدون إخلاص. يُبرز أهمية النظر في الاعتقاد قبل العمل.
يُنبه إلى أهمية صلاح الباطن والقلب، ويحذر من الغرور بالأعمال الصالحة، مشيرًا إلى خوف الأخيار من عدم قبول أعمالهم. يُظهر أهمية التمسك بالإسلام لتحقيق بركة الأعمال.
يُوضح أن التمسك بالإسلام هو السبيل لتحقيق بركة الأعمال، وأن العبرة ليست بكثرة الأعمال بل بصحتها وموافقتها للسنة. يُبين فضل التمسك بالإسلام حتى مع قلة الأعمال.
إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، لازلنا في هذا الفصل في هذا الباب، والذي أورده شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى بقوله: "فضل الإسلام". وبدأ كما ذكرنا أنه بدأ أولاً بذكر آي القرآن، ثم عرج بعد ذلك على السنة النبوية، ثم أخذ يسرد لنا آثارًا عن الصحابة رضي الله تعالى عنهم. فكان مما مضى أثر أبي، ثم قال رحمه الله تعالى: "وعن أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه قال: يا حبَّذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين". هذا الأثر وهو من أقوال أبي الدرداء رضي الله تعالى عنه، صحابيٌّ جليل، حتى إن جماعة من العلماء كانوا يصِفونَه بحكيم الصحابة، وذلك لجلالة عباراته، إذ إنها كانت تحتوي على كثيرٍ من المواعظ والحكم. وهذا الأمر أوتيه رحمه الله تعالى من خصلةٍ كانت فيه، ألا وهي كثرة التفكر، كما قالت أم الدرداء عنه: "كان كثير التفكر". فولد هذا عنده أن يأتي بمثل هذه الحكم والدرر، رضي الله تعالى عنه. فماذا يقول أبو الدرداء؟ وهذا الأثر رواه الإمام أحمد في كتابه "الزهد"، وأبو نعيم في "الحلية" بإسناد لا بأس به. يقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه هنا: يمتدح أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه عبادة أهل الصلاح من العقلاء والذين عبر عنهم بالأكياس. يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين. إيضاح هذا الأثر: مفادُه أن أبا الدرداء رضي الله تعالى عنه يمتدح جماعة من الأخيار، إلا أنهم مع أنهم قليل التعبد، فهم ينامون في الليل لا يقومون من الليل إلا قليلاً، وهم كذلك يفطرون النهار، ما يصومون في النهار إلا قليلاً. هذه أعمالهم ينامون ويفطرون، وهم أكياس عقلاء. لكن يكثرون من النوم في الليل ويكثرون من الفطر في النهار. فأعمالهم هذه عظيمة عند الله بماذا؟ بما كان في قلوبهم من اليقين، من الصدق، من صحة الاعتقاد. حيث إن هذه الأعمال مع ما احتفت به من أعمال القلوب، لو قارناها بغيرهم من أناس، هم يسهرون الليل يقومون الليل، ومع ذلك يصومون النهار، يكثرون من صوم النهار، حتى إن أعمالهم لو جمعناها لكانت عندنا جبال من الأعمال الصالحة. لكن عند المقياس، إذا وضعنا هذا وهذا في الميزان، فجئنا إلى أعمال أهل الصلاح، وإن كانت قليلة، لكن مشوبة باليقين والصدق وحسن الاعتقاد مع الله، جعلناها في كفة، وجعلنا هذه الجبال العظيمة من الأعمال الصالحة في كفة، لرأينا أن هذه الكفة القليلة لا ترجح وأفضل عند الله من الكثرة. لماذا؟ لأن أعمال هذه الكثرة إنما أقيمت على الغرور، غرور فيهم من الغرور بالله وعلى الله سبحانه وتعالى. هذا مراده رحمه الله تعالى: يا حبذا نوم الأكياس وإفطارهم، كيف يغبنون سهر الحمقى وصومهم، ولمثقال ذرة من بر مع تقوى ويقين أعظم وأفضل وأرجح من أمثال الجبال من عبادة المغترين. هذا كلام بديع، إخواني في الله، والله كلام بديع، كلام من حكم هذا الصحابي الجليل. وهذا من استقرائه لنصوص الكتاب والسنة والقواعد العامة في معرفة كيف تضبط الموازين. فبين رضي الله تعالى عنه أن أعمال من يعمل لا بد قبل النظر في عمله أن ينظر في اعتقاده. وهو أعلم بنفسه، كل واحد منا أعلم بنفسه، أعلم بقلبه. ولهذا إخواني في الله، من هذا الباب أن نعلم رحمكم الله، أن هذا الأثر العظيم فيه بيان على أن العمل الصالح إذا عمله العبد لا بد أن يكون مشوبًا بالخوف، الخوف من الله سبحانه وتعالى. يقول سبحانه: ﴿الَّذِينَ يُؤْتُونَ مَا آتَوْا وَقُلُوبُهُمْ وَجِلَةٌ﴾. صح عن عائشة رضي الله تعالى عنها أنها قالت عندما سمعت بهذه الآية عن قوم يفعلون الأعمال الصالحة وهم على خوف، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: "يا رسول الله، أهو الذي يسرق؟ أهو الذي يزني؟ أهو الذي يشرب الخمر؟" قال عليه الصلاة والسلام: "لا يا ابنة الصديق، بل هو الذي يصوم ويصلي ويتصدق ويخاف أن لا يتقبل ذلك منه". هكذا هم الأخيار. الإنسان الخير إذا عمل عملاً صالحًا لا يقتر على الله، لا يقتر على الله، بل عنده خوف من الله، خوف. وهذا الخوف الذي في قلبه يعظم له ربه جل وعلا ما كان من أعماله، ولو قلت، ولو قلت. وهنا إخواني في الله تأتي مسائل عظيمة نستفيدها من هذا الأثر. أولاها: الاهتمام بالباطن، اهتمي عبد الله بقلبك، فإن القلب هو محل نظر الرب سبحانه وتعالى. قال عليه الصلاة والسلام: "إن الله لا ينظر إلى صوركم ولا إلى أجسامكم، ولكن ينظر إلى قلوبكم وأعمالكم". فالقلب هو محل نظر الرب سبحانه، والقلب يا عبد الله هو منشأ الأعمال، منشأ الأعمال. إن في الجسد مضغة إذا صلحت صلح الجسد كله، صلح الجسد كله، صلوحة أعماله انطلاقًا من قلبك. فحرصي عبد الله على صلاح باطنك، فهو الأصل وهو القوام وهو الأساس. يقول بشر المزني رحمه الله: "ما سبقكم أبو بكر الصديق رضي الله تعالى عنه بكثرة صلاة ولا صيام، ولكن بشيء وقر في قلبه". الإيمان، الاعتقاد الصحيح، اليقين بالله جل وعلا. فالصدق عنده، أعمال عنده أعمال صالحة كثيرة، لكن من أجل أعماله ما كان في قلبه من شدة يقينه بربه، حتى إن إيمان الصديق لو جعل في كفة وإيمان الأمة بأسرها في كفة، لَرَجَح إيمان أبي بكر رضي الله تعالى عنه لقوة يقينه بربه سبحانه وتعالى. ويقول سفيان بن عيينة رحمه الله تعالى: "ما أدرك عندنا من أدرك بكثرة الصلاة والصيام، وإنما أدرك عندنا بسخاء الأنفس وسلامة الصدور والنصح للأمة". هذا الأمر يا إخوان يدور على القلوب، على القلب. هذا الذي يؤثر. اهتم بباطنك، اهتم بباطنك، سواء كان في تعاملك مع ربك جل وعلا أن تظهر من قلبك التعظيم للرب، تجعل القلب ممتلئًا تعظيمًا وإجلالاً ومحبةً وتوكلاً وإنابةً وخشوعًا وحسن اعتقاد وحسن ظن بالله. هذا القلب يمتلئ بهذه المعاني والمقامات القلبية العظيمة. وأيضًا يكون ذلك أيضًا حسن القلب في تعاملك مع الخلق، في تعاملك مع الناس. لا تجعل قلبك يا عبد الله إذًا الناس قد ملئ بالحقد والحسد والكراهية والبغضاء والتشكيك والشكوك والوسوسة والظنون السيئة، هذا ما ينفع. لا يا عبد الله، اهتم بباطنك سواء كان في تعاملك مع الله أو في تعاملك مع خلق الله. قال سبحانه: ﴿يَوْمَ لَا يَنْفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ﴾. فحرص يا عبد الله على إصلاح الباطن. وهذا الأثر يدور على هذا المحور. والفائدة الثانية التي استفدنا من هذا الحديث: التحذير من الاغترار، التحذير من الغرور، فإنه من الأدواء المهلكة التي تهلك صاحبها متى ما تورط بها. ولنعبر بأمم كثر من أشخاص وأعيان ومجتمعات، عندما بلغت من الغرور مبلغًا عظيمًا، إذ كانت نهايتها المآسي، أسقطها ربنا جل وعلا في الدنيا قبل الآخرة. وإن الغرور إخواني في الله من خباياه كما يقول العلماء: أنه يكثر أو يكثر في الصالحين، هذه المشكلة. يكثر في أهل الصلاح، كما قال عبد الله بن المبارك رحمه الله تعالى: "لا أعلم في المصلين شيئًا شرًا من العجب في المصلين". تجد أهل العبادة عندهم غرور. والغرور له صور كثيرة، ولا يسع المقام بتتبعها وسردها، لكن له صور. من صور الغرور يا عبد الله أن ترى أنك في عبادة، وأن غيرك ليس في عبادتك. عبادتك فإذا بك تعامل الغير باحتقار، باحتقار، إذلال وامتهان. لماذا؟ اغترارًا بما ترى أنك قد بلغت إليه، وفلان وفلان لم يبلغ ما بلغت إليه. هذا غرور. لا تغتر، لا تجعل عبادتك لربك مضية لأن تترفع على خلق الله، هذا غرور. ومن الغرور يا عبد الله من بعض عباد الله، لا من أهل الصلاة، من لربما يصل به الحال إلى أنه لا يخشى على نفسه من النار. يقول إمام الذهب رحمه الله تعالى: "كل من لم يخشَ على نفسه من النار فهو من أهل الغرور". صحيح. كل من لم يخشَ على نفسه من النار، فمن هذا الذي لا يخشى على نفسه من النار؟ والأنبياء والرسل يسألون الله الجنة ويستعيذون بالله من النار، خوفًا من النار. ثم تأتي أنت ترى أنك بعيد من النار، ولا يخطر ببالك أن تكون من أهل النار. قال: "كل من لم يخشَ على نفسه من النار فهو من أهل الغرور". فليكن يا عبد الله عندك خوف من هذا المرض. وهكذا قص صور عديدة، صور عديدة متعلقة بهذا المرض. وهذا الأثر الذي يذكره أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه فيه بيان لخطورة هذا المرض الذي يدب بين الناس. وأيضًا في هذا الأثر إخواني فيه من الفوائد التي يريده المؤلف رحمه الله تعالى: فيه أن من تمسك بالإسلام ومن كان على الجادة الصحيحة، فعمل الأعمال القليلة، فإن الله يجعل فيها البركة ويعظم لها الأجر والمثوبة. لكن تمسك بالصحيح. فهؤلاء نعم أناس من الأكياس، من الصلحاء والأخيار، ينامون كثيرًا ويفطرون كثيرًا، لكنهم بالمقابل على الهدى الصحيح، على الجادة الصحيحة. فكان من جراء أمرهم أن الله بارك في أعمالهم، حيث لو قورنت بغيرهم وهي أعظم بكثير لا تساوي شيئًا. وقد مضى معنا في أحاديث مرت في هذا الكتاب العظيم: فضل الإسلام، بيان على أن التمسك بالإسلام ينتج عنه بركة الأعمال. كما قال عليه الصلاة والسلام: "إذا حسن إسلام أحدكم، كان له بكل حسنة عشر أمثالها إلى سبعمائة ضعف". سبحان الله، هذا في حق من؟ إذا حسن إسلام أحدكم، يتمسك بالإسلام الصحيح، عقيدة ومنهاجًا وسبيلاً. وهكذا قل في حق من تمسك بالسنة، من تمسك بالسنة وارتضاها منهاجًا يلقى به ربه جل وعلا، وإن قلت أعماله، فإن الله يجعل فيها البركة. وقد ذكرنا في آثار السلف: من قال رحمه الله: "إن أهل السنة لو قعدت بهم أعمالهم، قامت بهم عقائدهم". عقيدة السنة فيها البركة والنفع الكثير. وهذا إخواني في الله مما أراده المؤلف من ذكره. وأيضًا ختامًا مما يذكر من فوائد أبي الدرداء في هذا الكلام البديع: أن نعلم أن العبرة ليس بالكثرة، العبرة ليس بالكثرة، العبرة ليس بالكم، أنك تكثر، فهذا يذكر أبو الدرداء عن أقوام يعملون أعمالاً كأمثال الجبال، لو قورنت هذه الجبال برجل فعل مثقال ذرة، مثقال صغير جدًا، لكان هذا البر أفضل وأرجح عند الله من هذا الجبل. لماذا؟ لأن العبرة ليس بالكثرة، ليس العبرة بكثرة العبادة، وليس العبرة بكثرة العلم، وليس العبرة بكثرة العدد والأتباع. ما ليس العبرة بهذا إذا لم يكن على هدي صحيح. فما الغنى يا عبد الله أنك تعمل الأعمال الكثيرة وهي على خلاف الجادة، على خلاف السنة، مردودة على وجه صاحبها. أو أنك تكون كثير العلم، لكن على علم الضلال، ما الذي يغنيك هذا العلم؟ أو عندك أتباع كثر، كثر، لكنهم ليسوا على الطريق السوي، ماذا يفيدك الكثرة؟ أو قل من كان كثير الدعوة، أو من كان كثير التأليف، العبرة ليس بالكثرة إخواني في الله، العبرة على ماذا تسير عليه هذا النوع من العبادات والأعمال. لأن العبرة إخواني في الله بفعل الخوارج الذين قال عنهم نبينا صلى الله عليه وسلم: "تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم". انظر النبي يخاطب الصحابة: أن الواحد منكم لو قارن صلاته بصلاة الخارجي لرأيت صلاتك لا شيء، ولو أن أحدكم قارن صيامهم بصيام الخارجي لرى أن صيامه لا شيء. "تحقرون صلاتكم إلى صلاتهم، وصيامكم إلى صيامهم"، لكن أهذه عبرة؟ لا، هذا ليس بعبرة. قال نبينا: "يمرقون من الدين كما يمرق السهم من الرمية". وفي آخر الحديث: "ولو أني أدركتهم لأقتلنهم قتل عاد وإرم". فليس العبرة بكثرة العبادة والتعبد وأنت خارج يا عبد الله عن جادة الإسلام. فهذا الأثر إخواني في الله من الآثار العظيمة الذي أتى به هذا الصحابي الجليل، والذي أراد منها المؤلف رحمه الله تعالى بيان لفضل التمسك بالإسلام، ولو أن الإنسان المسلم لو أتى بالعمل القليل، ولو بالعمل اليسير، فإن ذلك أفضل وأنفع وأرجح عند الله ممن يعمل الأعمال الكثيرة، لكنه قد خرج عن جادة الإسلام ولم يمتثل تعاليمه. أسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.