الدرس في شرح خمسون حديثا في العقيدة 49، ألقاها الشيخ عبدالله بن مرعي العدني
شرح حديث «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا» وتسليته للمسلم في أوقات الفتن، حيث بدأ الإسلام بالنبي ومن معه وصبروا على البلاء العظيم.
يشرح المقطع كيف بدأ الإسلام غريبا وسيعود غريبا، ويبين فضل الثبات على الدين في زمن الغربة وأجر القابض على دينه في آخر الزمان.
يبيّن أن الله عز وجل يضاعف الحسنات للأفراد الصادقين في آخر الزمان، حيث يتناقص الإيمان ويعود إلى المساجد الرئيسية مثل مكة والمدينة.
يشير إلى أن الإيمان يعود إلى مكة والمدينة في آخر الزمان، وأن الدجال يمنع من دخولهما، مما يدل على فضلهما وأهميتهما في الدين.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله، يسر إخوانكم في موقع دار الحديث بالشحر أن يقدموا لكم هذه المادة لفضيلة الشيخ أبي عبد الرحمن عبد الله بن عمر بن مرعي بن بريك، حفظه الله تعالى. والآن مع المادة: بسم الله الرحمن الرحيم، الحمد لله رب العالمين، اللهم صل على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين. قال شيخنا -غفر الله لنا وله وللمؤمنين- الحديث التاسع والأربعون. قال الإمام مسلم رحمه الله في صحيحه: حدثنا محمد بن عباد وابن أبي عمر جميعا عن مروان الفزاري، قال ابن عباد: حدثنا مروان عن يزيد -يعني ابن كيسان- عن أبي حازم عن أبي هريرة رضي الله عنه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وسلم: «بدأ الإسلام غريبا وسيعود كما بدأ غريبا، فطوبى للغرباء». وزاد في رواية: «وهو يأرز بين المسجدين كما تأزر الحية في جحرها». السلام عليكم ورحمة الله وبركاته، الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. هذا الحديث كذلك من الأحاديث العظيمة التي تسلي المسلم في مواضع الفتن، فإن المسلم يتسلى بمثل هذا الحديث في أيام الفتن ومواضع الفتن. فإن الإسلام بدأ غريبا، بدأ بالنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم ومن معه، ابتلوا بلاء عظيما، وكانت لهم المحنة العظيمة، فصبروا، ووفقهم الله جل وعلا لخير الدنيا وخير الآخرة. ومنهم من توفاه الله جل وعلا قبل أن يرى خير الدنيا، فعجلت له آخرته، بل أخرت له آخرته كاملة موفرة، وتوفاه الله جل وعلا قبل أن يرى النصر وأن يرى العزة للإسلام، فتقبلهم شهداء عنده سبحانه وتعالى. والخلاصة أننا نتسلى بمثل هذا الحديث بما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، فإنه شيء من سنة الله عز وجل، كما قال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أشد الناس بلاء الأنبياء، ثم الأمثل فالأمثل». فالإنسان يصبر ويعلم أن الخير فيما يختاره الله جل وعلا له. فكما أن الإسلام بدأ في أول الأمر غريبا بين الناس، غريبا بين الأهل، غريبا بين الأقارب، غريبا بين الراعي والرعية، غريبا بين أخلاق الناس وتدينهم، غريبا في عقائدهم، غريبا كذلك في عباداتهم وسلوكهم ومنهاجهم. وكذلك سيعود غريبا كما بدأ، كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، أبو الصادق المصدوق. فإن الإنسان يتسلى بمثل هذا الحديث إذا وجد وحشة في مجتمعه، أو وجد نكارة، أو وجد غربة. أهل الدنيا في الدنيا يتنافسون، وأهل الدين عن الدين معرضون، دينهم ليس دين النبي عليه الصلاة والسلام إلا القليل ممن رحم الله جل وعلا. فإن الإنسان يتسلى بمثل هذا الحديث: «فطوبى للغرباء». قيل: طوبى شجرة يجازي الله عز وجل بها أهل طاعته، أو أصنافا من أهل طاعته. وقيل: إنه الثواب العظيم الموفر في الدنيا وفي الآخرة، وهذا أحسن وأقرب، وهو الذي تدل عليه هذه اللفظة. فإن الله عز وجل وعد بالوعد الطيب الحسن المبالغ فيه طوبى لمن كان على هذا الأمر، وهو الثبات على الدين في زمن الغربة. ولهذا صح عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أنه قال: «القابض على دينه في آخر الزمان كالقابض على الجمرة». ولهذا يكتب له أجر خمسين من أصحاب النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قالوا: منا ومنهم يا رسول الله؟ قال: «بل منكم». ولا إشكال بهذا. قد يقول قائل: كيف الصحابة رضي الله عنهم أفضل من الناس، ثم بعد ذلك يكون لمن جاء بعدهم أجر خمسين من الصحابة؟ أجاب العلماء عن ذلك بأن هذا الحديث معناه زيادة الأجر ومضاعفته، فضلا من الله جل وعلا ورحمة. ومع هذه المضاعفة لن يبلغ المتأخر فضلا متقدما، لأن المتقدم له من السابقة والفضل والصدق وحسن الإسلام وسلامة كذلك هذا الإسلام من الشوائب، ما جعله يسبق غيره الذي عمل العمل الكثير. ومن ذلك قول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفسي بيده لو أن أحدكم أنفق مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفه». لماذا؟ لأن عمل المخلص والصادق والموحد ومن له هذه السابقة يفوق صاحب العمل الكثير. وانظر في مثل ذلك في رجل صلى ركعتين، فيها من الخشوع والإخبات لله جل وعلا والتوجه إليه ما لم يكن له معه التفات لا حسي ولا معنوي، يعني لم يلتفت في صلاته، لم ينشغل بشيء، بل مقبل على الله جل وعلا بصدق وإخلاص. ورجل صلى مئة ركعة، خالط هذه الركعات المئة شيء من الالتفات الحسي والالتفات المعنوي، فصاحب الركعتين يفوق صاحب المئة لما كان من كمال في هاتين الركعتين. وهذا معنى أن آخر الزمان يبتلى الناس، فمن فضل الله عز وجل وتفضله على عباده ورحمته بهم أن يضاعف لهم في الحسنات، فيجعل لهم أجر مثل أجر خمسين من الصحابة إذا صبروا. وهذا يدل أنهم قد تكون لهم فلتات، وقد تكون لهم سقطات، لكن من رحمة الله عز وجل إذا ثبتوا وصبروا، فإنه جل وعلا يضاعف لهم الحسنات والأجر، حتى يكون للرجل الواحد أجر خمسين من الصحابة إذا ثبت. وهذا جزاء عظيم، وهو بعض ما ذكر في هذا الحديث. «طوبى للغرباء»، أي الذين يصبرون عند تغير الناس وتبدلهم. وفي زيادة حديث عبد الله بن عمر قال: «وإن الإيمان ليأرز بين المسجدين كما تأرز الحية إلى جحرها»، يعني أنه في آخر الزمان الإيمان يتناقص من الأرض، ينسحب بعد أن انتشر ودخل كل بيت حجر ومدر. فقد صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه زوي له الأرض فرأى مشارقها ومغاربها، وأن ملكه سيبلغ ما زوي له منها، فلا يبقى بيت حجر ولا مدر أو وبر إلا ويدخله هذا الإسلام بعز عزيز، عزا يعز الله عز وجل به الإسلام وأهله، وذلا يذل الله عز وجل به أهل الشرك والكفر. وبعد هذا فإن الإسلام يتناقص كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام، حتى يرجع الإيمان إلى المسجدين -يعني مكة والمدينة- يرجع الإيمان كما قال النبي عليه الصلاة والسلام: «كما تأرز» يعني ترجع وتختفي الحية في جحرها. ومعناه أن جحر الإيمان ومصدر الإيمان كما كان من مكة والمدينة، فإنه في آخر الزمان يرجع إلى مكة والمدينة. ولهذا فإن الدجال يمنع في آخر الزمان أن يدخل مكة والمدينة، وفي هذا فضيلة هذين البلدين، وكذلك الإيمان فيهما. وبهذا نكتفي، والحمد لله رب العالمين.