آداب إجابة الدعوة 5

آداب إجابة الدعوة 5

الدرس في آداب إجابة الدعوة 5، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

حكم صوم من دُعي إلى وليمة وتأثيره على الداعي

اختلف العلماء في حكم صوم من دُعي إلى وليمة، فمنهم من يرى أنه يستحب الفطر جبرًا لخاطر الداعي، والراجح أن يُنظر إلى حال الداعي فإن تأثر بصوم المدعو فالأفضل الفطر وإلا فالأفضل إتمام الصوم. يُفضل للصائم أن يجب الدعوة، فإن كان صائمًا فليدعُ لصاحبها بالبركة.

آراء الفقهاء في الأكل من الوليمة للصائم

ذهب أكثر العلماء إلى أن الأكل من الوليمة مستحب وليس واجبًا، بينما ذهب آخرون إلى وجوبه أو أنه فرض كفائي. يرى الإمام النووي وشيخ الإسلام ابن تيمية أن الأفضل للصائم هو جبر خاطر الداعي، فإن كان الفطر يشق عليه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم أفضل.

ختام بالدعاء والصلاة على النبي

المقطع الأخير يتضمن الدعاء بأن ينفع الله تعالى بما قيل، والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، ويُظهر احترامًا وتواضعًا لله تعالى. يُنهي المقطع بالتأكيد على علم الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

إن الحمد لله نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، فمن المسائل المتعلقة بإجابة الدعوة مسألة إذا كان المدعو صائمًا، أحيانًا تأتيك دعوة إلى وليمة عرس، كأن تأتيك مثلًا يوم الخميس وأنت صائم، فما هو العمل؟ يقول العلماء إن الصوم ليس بعذر في أن تتخلف عن إجابة الدعوة، ليس بعذر لك أن تحضر إلى الدعوة ثم تدعو لأهلها، تدعو لأصحابها بالخير والبركة، واليوم وثبت ذلك عن عدة من الصحابة في أحاديث مرفوعة عن رسول الله عليه الصلاة والسلام حول ذلك. فمما جاء في شأن هذا الأمر ما رواه مسلم في صحيحه من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلي، وإن كان مفطرًا فليطعم». فليطعم، فقوله «إذا دعي أحدكم فليجب» الدعوة تجيب إليها أولًا، ثم بعد ذلك التفصيل، فإن كنت صائمًا قال «فمن كان صائمًا فليصلي»، الصلاة بمعنى الدعاء، تدعو لها لها، جزاكم الله خير، بارك الله لك، بارك عليك، تدعو لهم بالبركة. وإن كان مفطرًا فليطعم، أي فليأكل من هذه الوجبة. وقد ذكر أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه دعي إلى طعام إلى وليمة، فجلس مع القوم وعندها مد يده وقال «كلوا بسم الله»، فمد يده ثم قبض، قال «إني صائم». وروي ذلك هذا الفعل أيضًا عن جمع من الصحابة، عن أبي أيوب وعن غيره رضي الله تعالى عنهم. ومن هنا اختلف العلماء في الحكم الشرعي للعمل بهذه الأحاديث. قال الشافعية، وهذا المشهور عنهم، أنه يستحب للصائم الذي صام صوم النفل أن يفطر، هذا يستحب، ليس واجب، ما هناك أحد يقول بالوجوب أنك تفطر، لا، إنما الأفضل ويستحب أنك تفطر. قال: وذلك جبرًا لخاطر الداعي الذي دعاك، ولي أعد الوليمة يفرح، فإنك تفطر من أجله. واستدلوا أيضًا بحديث جاء من حيث أبي سعيد الخدري من أن رسول الله كان في مجلس عند وليمة، فإذا برجل يقول «أنا صائم»، فقال هنا «أفطر وصوم يومًا مكانه». لكن هذا ما ثبت، لم يصح هذا الحديث. فالشاهد أن طائفة من الفقهاء يرون الأفضل أنك تفطر، وطائفة من العلماء يقولون لا، ما نستطيع أن نقول الأفضل الفطر، بل نقول الأمر عندنا واحد، الأمر راجع إليك، إليك أيها الصائم، وأنت بالخيار، إن شئت أتممت صومك، وإن شئت أفطرت، فما عندي أفضلية. وهؤلاء استدلوا بما جاء من حديث عن جمع من الصحابة، من حديث أم هانئ مثلًا أنها قالت: قال عليه الصلاة والسلام «الصائم التطوع أمير نفسه، إن شاء صام وإن شاء أفطر». إن شاء صام وإن شاء أفطر، فالأمر عنده يرجع إليه، ما هناك أفضل من آخر. وهناك قول ثالث وهو الأنسب والأرجح، وهو اللائق بهذا المقام، وهو إذا كنت أنت يا عبد الله صائمًا ودعيت إلى وليمة، فإن جئت ستأتي وتدعو لصاحبها بالبركة، فانظر في نفسك وانظر للداعي، إن كان سيتأثر من صومك يقع في خاطره شيء وأحب أنك تفطر، فهنا الأفضل أنك تفطر لهذا الفعل جبرًا لخاطره، إن رأيت هذا منه. وإن رأيت أن الأمر عنده ما يفرق، تقول له «أنا صائم»، ما شاء الله صائم، حياك، خذ راحتك، ترك الأمر لك، فحينها الأفضل لك أن تتم الصوم ولا تفطر. إذن الأمر يا عبد الله يعود إلى القرينة. وهذا الذي رجحه الإمام النووي رحمه الله تعالى حيث قال: «قالوا أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل»، هذا قاعدة، ما هناك أحد أوجب أنك تفطر وجوبًا، لا باتفاق. قالوا: «أما الصائم فلا خلاف أنه لا يجب عليه الأكل، لكن إن كان صومه فرضًا لم يجوز له الأكل لأن الفرض لا يجوز الخروج منه، وإن كان نفلًا وهذا الذي نريده، وإن كان نفلًا جاز له الفطر وتركه». فإن كان يشق على صاحب الطعام صومه فالأفضل الفطر، وإلا فإتمام الصوم، والله أعلم. وهذا كلامه محكم في هذا الباب، أنك تنظر، إن رأيت أن صاحب الدعوة سيشق عليه أنك تصوم، فجبرًا لخاطره أفطر يا عبد الله واحتسب الأجر عند الله عز وجل. وعلى هذا الترجيح كذلك ذهب إليه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى حيث قال: «وأعدل الأقوال إذا حضر الوليمة وهو صائم، إن كان ينكر قلب الداعي بترك الأكل فالأكل أفضل، وإن لم ينكر قلبه فإتمام الصوم أفضل». فعادت المسألة يا عبد الله إلى جبر الخاطر. فإذا أنت دعيت من قبل شخص وهذا شخص يعز عليك، لكن دعوته كانت مع يوم صومك، فلا شك أن الأفضل لك يا عبد الله جبر لخاطره، وهو سيشق عليه أنك تصوم هذا اليوم، ومعك عدة أيام تفطر فيها، فحينها يا عبد الله أفطر، وإلا فإن رأيت أن صاحب الوليمة ما يفرق عنده كونك صائمًا أو مفطرًا، فإنك تكمل صومك. هذا مسلك تربوي من يراعيه؟ يراعيه المدعو الذي دعي إلى وليمة. وهناك مسلك تربوي ينبغي أن يراعيه الداعي وهو صاحب الوليمة، فإن قدم عليه شخص مدعو وقال «يا أخي أنا صائم»، فما هو دورك؟ الدور يا عبد الله أنك لا تلح عليه بالفطر، لا تلح عليه، لا تلح عليه. وهذه مسألة نبه عليها شيخ الإسلام رحمه الله تعالى، تكلم حول مسألة الإلحاح على الطعام، تلح عليه وخاصة في حق من كان صائمًا، فقال رحمه الله تعالى: هو يتحدث عن الداعي إذا ألزم، لا، مثل بعض الناس يقول «يا أخي البركة، تفضل تغذي»، قل «يا أخي الله أنا صائم»، ما صائم؟ «لا لا لا لا لا لا لا لا لا»، لا يوجد أن يصوم له، أفطر ضروري، ما تذهب إلا بالفضل، «أخي أنا أتركني طيب»، الآن نص النهار مر، باقي ساعات، دعني، «لا أبدًا ما عندي». لا تلح عليه، لا تلح عليه بهذا الإلحاح. كما قلنا الأمر سيرجع إلى المدعو، هو الذي سينظر، إن رأى أن الأصلح الفطر سيفطر من أجلك، وإن رأى إتمام سيتم. أنت في دورك اعذر، لا تلح عليه. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «وإذا ألزمه بما لا يلزمه كان من نوع المسألة المنهي عنها»، هذا يدخلك في أمر أعظم، أنك تلح عليه وتسأله «لا بد لا بد»، لماذا لا بد؟ هو ليس لا بد، الصائم المتطوع أمير نفسه، إن شاء أفطر، إن شاء صام. فهذا مسألة إخواني في الله ينبغي أن يراعى من قبل الجانبين، فالمدعو يراعي هذا الجانب، والداعي كذلك يراعي هذا الجانب. مسألة كذلك أنبث مسألة من المسائل المتعلقة بإجابة الدعوة، وهي هل من حضر الدعوة دعوة العرس هل يجب عليه أن يأكل أم لا يجب عليه الأكل؟ وهذه مسألة وقع فيها الخلاف، والخلاف فيها شديد بين العلماء، لأن أنظار العلماء اختلفوا. هم متفقون على أن الدعوة تحضرها، ما هي الدعوة؟ احضر حضور الدعوة، أجيب الداعي، حق المسلم على المسلم إجابة الدعوة، تلبي الدعوة، حضور حضرت. فمن أهل العلماء يرى أن الذي ينبغي أن يفعل أنك تحضر فقط، قالوا هذا القصد، وهذا الغرض من الدعوة. ومن أهل العلماء يرى أن الغرض من الدعوة أن تأكل، على هذه الأنظار اختلف العلماء. فالمذهب الأول مذهب أكثر العلماء، أكثر العلماء وهو المحكي يعني الحنابلة والشافعية والحنفية يرون على أن من حضر الدعوة أن الأكل من الوليمة ليس بلازم، بل هو مستحب، وأن الواجب هو الحضور فقط، هو الحضور فقط دون الأكل. واستدلوا بأدلة في هذا الباب، منها ما مر من موضوع الصائم، قالوا انظروا للصائم، الصائم ما الذي فعل؟ الذي فعل حضر، سقط عنه الواجب، يكفيه يحضر، انتهى، والفطر ترك بالخيار. قالوا إذن علمنا أن الحكم من الدعوة هو أنك تحضر، فمن حضر وسلم وبارك وهن العروس على زواجه يكفي هذا، وأن الأكل ليس عليه بواجب. واستدلوا أيضًا بما ثبت في صحيح مسلم أن النبي صلى الله عليه وسلم قال «إذا دعي أحدكم إلى طعام فإن شاء أطعم وإن شاء ترك»، إن شاء طعم وإن شاء ترك، رواه مسلم في صحيحه. وهذا كما قلنا أكثر العلماء على هذا المذهب، ولهذا يقول حافظ بن حجر رحمه الله تعالى: «يؤخذ من الحديث أن المفطر لو حضر لا يجب عليه الأكل»، المفطر لو حضر لا يجب عليه الأكل، وهو أصح الوجهين عند الشافعية. هذا المذهب الأول، وهو مذهب أكثر العلماء، أن يلزموك بالحضور، وأما الأكل فأنت لست ملزم به. وهذا قد يفعله بعض الناس، يفعله بعض الناس، لربما ينتهي من دوامه أو ينتهي من وظيفته أو يكون مستعجل على موعد، فيقول «يكفينا»، أمر على أهل أصحاب العرس، وبارك لهم، ثم أنصرف، على هذا القول نعم، أكثر العلماء يرون أن هذا جائز. المذهب الثاني وهو مذهب من يقول: لا، أن الدعوة إنما تتم بالأكل منها، وأن الأكل من الوليمة واجب، وأن من حضر ثم انصرف فإن الذم يبقى، الذم مطالبة بأن يبرأ، وتبرئة الذم تكون بالحضور مع الأكل، بالحضور مع الأكل. وهؤلاء أيضًا استدلوا بما جاء في صحيح مسلم من حديث أبي هريرة قال: قال عليه الصلاة والسلام «إذا دعي أحدكم فليجب، فإن كان صائمًا فليصلي أي فليدعو، وإن كان مفطرًا فليطعم». وجاء كذلك عن ابن مسعود، رواه الطبراني في معجمه، قال: قال عليه الصلاة والسلام «إذا دعي أحدكم إلى وليمة فليجب، فإن كان مفطرًا فليأكل، وإن كان صائمًا فليدعو وليقل إني صائم». الشاهد «إن كان مفطرًا فليأكل»، فهذا الأمر قال علماء: فيه الأمر بأن يأكل منها. لهذا يقول الشيخ ابن عثيمين رحمه الله تعالى: قال لو قدرنا مثلًا وهو ممن يرى الوجوب، شيخ ابن عثيمين ضرب بمثال حسيًا لهذه المسألة، قالوا: أن رجلًا أعد وليمة، أعد وليمة ودع فيها عشر من أصحابه خاصة، دع عشر من أصحابه، فكلهم حضروا، كلهم حضروا وسلموا وباركوا وهنوا له الزواج، ثم قالوا «الأكل اعذرنا الأمر مستحب ما هو واجب»، فانصرفوا. قالوا: فماذا سيفعل بالأكل؟ هذا سيذهب ماله فسادًا، هذا ضياع للمال، قالوا: هذا ليس من العقل، وليس هذا من الحكمة، قال: فالحكمة أنك تأكل مما أعد لك، فهذا إنما أعد الطعام لكم يا من ستأتون، فليس الغرض ثم تأكل إن كنت مفطرًا، فهذا المذهب الثاني ممن ألزم مع الحضور أن تأكل. والمذهب الثالث من قال: أن الأمر فرد كفائي، فرد كفائي، إن رأيت أن جماعة أكلوا سقط عنك الواجب، لك أن تنصرف، أما إن رأيت الجميع ما أكل، لا وجب عليهم أن يتطوعوا للأكل. هذا المذهب الثالث في هذه المسألة. فهذا من يذكر في هذا الباب من أقوال العلماء. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.