الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 555

الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 555

الدرس في الصحيح المسند مما ليس في الصحيحين 555، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

فضل المحبة في الله وتأثيرها

المحبة في الله من أعظم الأعمال وأجل الطاعات، وهي من محبة الله عز وجل. يحب المؤمن إخوانه في الله ليس لمصلحة دنيوية، بل لله وحده.

أهمية المحبة في الله وأدلتها النبوية

وردت أحاديث نبوية تؤكد أهمية المحبة في الله وكونها من أوثق عرى الإيمان. وقد جاء في الحديث فضل المتحابين في الله وجزاؤهم يوم القيامة.

التزاور في الله وفضائل المتحابين

يستحب لمن يحب شخصا في الله أن يبين له محبته. المتحابون في الله يكونون على منابر من نور في ظل العرش يوم القيامة، وهذا يدل على فضلهم ومكانتهم العالية عند الله تعالى.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، قال شيخنا مقبض نهاد الوادعي في مسند العبادة الصامت: قال الإمام محمد -رحمه الله-: حدثنا وكيع، وهو ابن الجراح الرؤاسي أبو سفيان، وهو حافظ الحفاظ حديثا من أهل الكوفة، جلس في مجلس سفيان الثوري بعد أن مات سفيان، قال: حدثنا جعفر بن برقان، وهو أيضا كوفي ثقة، عن حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء بن أبي رباح -وعطاء ومفتي أهل مكة، وقال ابن عباس: تسألوني وعندكم عطاء- هو من تلاميذه، لكنه برع في العلم، خاصة في فقه المناسك، فكان الناس يسألونه في المناسك. قال عن عطاء بن أبي رباح: نبي مسلم الخولاني -هو عائذ الله- قال: دخلت المسجد أهل دمشق، فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-، والكهل غالبا عند أكثرها العلم أنه من أربعين إلى خمسين، عن من بلغ أربعين إلى خمسين سنة، هذا يسمى كهلا، وبعد الخمسين يدخل في الشيخوخة. قال: فإذا حلقة فيها كهول من أصحاب النبي -عليه الصلاة والسلام-، وإذا شاب فيهم أكحل العين، براق الثنايا، أن الثنايا تبيض حتى تبرق. قال: كلما اختلفوا في شيء ردوه إلى الفتى الشاب، وكأن معاذا في ذلك الوقت لم يبلغ الأربعين بعد، وكان من العلماء، وأعلم الناس بالحلال والحرام. وكما قال النبي -صلى الله عليه وسلم-: «يقدم العلماء برتوة»، أي برمية حجر، معاذ -معنى من العلماء- من العلماء الصحابة الذين امتازوا أو الذين وفقوا في الأخذ بالعلم علم الكتاب والسنة، وكان أصحاب النبي -صلى الله عليه وسلم- يرجعون إليه. فقال: قلت لجليس لي: من هذا؟ فقال: هذا معاذ بن جبل. قال: فجئت من العشي فلم أحضروا. قال: فغدوت من الغد، يجب أن يدرك هذه الحلقة، ما رآه إنما يأتون من الصباح. قال: فغدوت من الغد، قال: فلم يجيء. قال: فرحت -فرحت- معنى: جاء في الرواح، أنا جئت أولا في العشي بعد صلاة العصر فلم أجده، وجئت من غد بعد الفجر فلم أجده، ثم جئت في الرواح، وهو بعد الزوال. قال: فرحت، فإذا أنا بالشاب يصلي إلى سارية، فركعت ثم تحولت إليه. قال: فسلم، فدنوت منه، فقلت: وإني لأحبك في الله. قال: فمد يده إلي. قال: كيف قلت؟ قال: قلت: وإني لأحبك في الله. قال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعليه وسلم- يحكي عن ربه يقول: «المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله». المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله. وهؤلاء من الذين يظلهم الله، المتحابون في الله لم يتحابوا لأجل أرحام بينهم، ولا أنساب بينهم، ولا شيئا من أمور الدنيا. قال: فخرجت -أن يقول أبو مسلم- قال: فخرجت حتى لقيت عبادة بن الصامت، فذكرت له حديث معاذ بن جبل، فقال: سمعت رسول الله -صلى الله عليه وعلى آله وسلم- يحكي عن ربه عز وجل يقول: «حقت محبتي للمتحابين في، وحقت محبتي للمتبادلين في، وحقت محبتي للمتزاورين في». والمتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله. قال: حدثنا إبراهيم بن أبي العباس، قال: حدثنا أبو المليح -هو الحسن بن عمر الرقي- قال: حدثنا حبيب بن أبي مرزوق، عن عطاء، قال: حدثنا أبو مسلم، قال: دخلت مسجد حمص، فإذا حلقة فيها اثنان وثلاثون رجلا من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وعليه وسلم-، وفيهم فتى شاب أكحل. هذا حديث الحسن، وأبو المليح هو الحسن بن عمر الرقي، كما في تهذيب التهذيب. قال: وخرجه عبد الله بن أحمد في زوائد المسند، قال: في زوائد المسند -زوائد المسند- معنى الحديث التي لا يقول فيها: حدثني أبي، فتعتبر من زوائد المسند. فقال: حدثنا أبو أحمد مخلد بن الحسن بن أبي زميل، إملاء من كتابه، قال: حدثنا الحسن بن عمر بن يحيى الفزاري، ويكنى أبا عبد الله، ولقبه أبو المليح -يعني الرقي- عن الحبيب بن أبي مرزوق به. فهذا الحديث اختلف فيه من ناحية نسبته، وإلا فقد جاء أيضا أخرجه الإمام مالك، أن قوله: «وجبت محبتي للمتحابين» فيه من كلام معاذ عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. وهنا في هذا الحديث أو هذه الرواية من حديث عبادة، قال: «حقت محبتي للمتحابين فيه، وحقت محبتي للمتباذلين فيه، وحقت محبتي للمتزاورين فيه». وجاء في حديث معاذ: «والمتجالسين فيه». وهذا الحديث يدل على أن المحبة في الله عز وجل من أعظم الأعمال وأجل الطاعات، وهي أيضا من محبة الله عز وجل، الذي يحب لله عز وجل يحب إخوانه في الله، ليس لمصلحة دنيوية ولا لغرض من أغراض الدنيا. فإن هذا محبة لله، كما جاء في الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام-: جاء في الحديث عن النبي -عليه الصلاة والسلام- أنه قال: «ثلاث من كن فيه وجد بهن حلاوة الإيمان، أن يكون الله ورسوله أحب إليه مما سواهما، وأن يحب المرء لا يحبه إلا لله، وأن يكره أن يعود في الكفر بعد إذ أنقذه الله، أو قال: كما يكره أن يقذف في النار». فهذه ثلاث، منها: أن يحب المرء لا يحبه إلا لله. فإذا أحب أحب لله، فمن أحب لله وكره لله، وأعطى لله ومنع لله، فقد استكمل الإيمان. وجاء في الحديث: «أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». فالمحبة في الله من أعظم عرى الإيمان، ومن أعظم كذلك أيضا ما يزيد إيمان العبد ويقربه إلى الله جل وعلا، أن يكون همه الله عز وجل وغرضه ربه ورضاء ربه جل وعلا. فلهذا فهو إذا أحب أحب لله، وإذا أبغض أبغض لله، لا يبغض لأجل نفسه، لا يبغض لأجل نفسه أنه مثلا قال فيه كذا أو عمل له كذا أو لم يعطيه كذا فغضب عليه، أو أحبه لأنه أعطاه أو أحبه مثلا لأنه عمل له كذا أو كذا من أمور الدنيا، فهذا ليس المقصود، وإنما المقصود أن يكون محبته لله، رآه على استقامة، رآه على طاعة، يطلب العلم، يطلب الخير، فأحبه لله جل وعلا. فلهذا أبو مسلم الخولاني لما رأى معاذا، ورأى ما كان من أصحاب رسول الله -صلى الله عليه وسلم- من يرجع إليه ويسمعون كلامه أحبه، فلما واجهه قال له: إني أحبك في الله. وهذه سنة عن النبي -عليه الصلاة والسلام-. ثم جاء عند أحمد في السنن أن رجلا أتى النبي -صلى الله عليه وسلم- فقال: يا رسول الله، إني أحب فلانا. قال: فأعلمه، قال: إني أحب فلانا. قال: فأعلمه، أي أنك تحبه. فقال له: إني أحبك في الله. قال: «أحبك الله الذي أحببتني فيه». أحبك الله الذي أحببتني فيه. فدل على أنه سنة أن الإنسان إذا أحب شخصا في الله عز وجل لأجل طاعته ولأجل الخير الذي التمسه منه، فيستحب له أن يبين له محبته ويقول: إني أحبك في الله. فقال: «المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله». أنا على منابر من نور، فيظهرون في الظل، فهم على منابر، وهذه المنابر من نور ظاهرة، وأيضا في ظل العرش، وهذا في المحشر، لأن الظل هذا يكون في المحشر عندما تدنو الشمس من الخلائق قدر ميل، في ذلك الوقت الذي يحتاج الإنسان إلى ظل. فأهل الخير ومن ذكره من نبي -صلى الله عليه وسلم- يستظلون في ظل الله جل وعلا. وفي هذا الحديث أيضا أن الظل هذا ظل العرش، أن الظل ظل العرش، كما ذهب إليه جماعة من أهل العلم من أهل السنة، أن هذا الظل هو ظل العرش. وأما ما جاء في الصحيحين، فلم يذكر أنه ظل العرش، وإنما ظل لله، فقال: «سبعة يظلهم الله في ظله يوم لا ظل إلا ظله». والظاهر أن هذا الظل هو ظل العرش نصب إلى الله عز وجل، لأن هذا ملكه جل وعلا، ويجعل فيه من يشاء من عباده ممن جاء بالصفة التي بينها النبي -عليه الصلاة والسلام- فيه. وقد جمع الحافظ بن حجر وغيره ممن أيضا أن الظاهر السيوطي ألف كتابا فيمن ذكره النبي -صلى الله عليه وسلم- ممن يكون تحت هذا الظل، وأوصلهم الحافظ إلى سبعة عشر أو أكثر، وأما السيوطي فأوصلهم إلى أكثر من خمسين. معنى بعضها غير صحيحة، بعضها حديث غير صحيحة، وبعضها صحيح. ثم ذكر أيضا أن محبة الله عز وجل للمتحابين فيه -أعني هذا السبب- من محبة الله عز وجل للعبد، وأيضا للمتبادلين فيه الذين يتبادلون بالعطايا والهدايا والصدقات في الله عز وجل، ما يريدون جزاء ولا شكورا، إنما يطعمون لوجه الله، لا نريد منكم جزاء ولا شكورا، فهم لوجه الله عز وجل يتبادلون، وكذلك للمتزاورين الذين يزاورون لأجل الله، لم تربطهم رابط من روابط الدنيا. لهذا في ذلك الحديث الذي في البخاري أن رجلا زار أخا له في الله في قرية، فأرسل الله عز وجل على مدرجته ملكا على طريقه، ملك فقال له الملك: إلى أين تذهب؟ قال: إلى أخ لي في هذه القرية. فقال: هل بينك وبينه نعمة أو هل بينك وبينه شيء أو نعمة تربطها عليه؟ قال: لا. فقال: إنما أزوره في الله. قال: فإن الله عز وجل يحبك، أو قال: أدخلك الجنة بهذا. ففضل المحبة في الله والتزاور عظيم، وكذلك أيضا الجلوس في الله عز وجل، جلوس العلم وحلق العلم إذا كانت لأجل الله لأجل التذاكر، فهي أيضا داخلة في محبة الله جل وعلا، أي من الأسباب التي فيها أو التي يحب الله عز وجل فيها العبد. فقال: «المتحابون في الله على منابر من نور في ظل العرش يوم لا ظل إلا ظله». فهذا شيء ما يضطر بهذا الحديث. والله تعالى أعلم.