الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 97، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
ينقل المقطع وصية الحسن البصري لأهل السنة بالترفق والرحمة فيما بينهم لقلة عددهم، محذراً من التفرق. ويستشهد بقول الفضيل بن عياض بوجوب اتباع طرق الهدى وعدم الاغترار بكثرة الهالكين، مؤكداً أن الكثرة ليست دليل حق وأن على المسلم التمسك بالسنة وإن قل السالكون.
يحذر النص من اتباع العادات الشائعة المخالفة للشرع، ويؤكد وجوب مخالفتها قولاً وفعلاً. ويستشهد بكلام النووي والفضيل بن عياض في عدم الاغترار بكثرة الهالكين ولا الاستيحاش من قلة أهل الهدى، مبيناً أن الصحابة كانوا يعدون أعمالاً يستخف بها الناس اليوم من الموبقات.
يحث المتحدث على عدم الاستيحشة من الوحدة في طريق الحق مستشهداً بابن مسعود وسفيان الثوري الذي أوصى بأهل السنة خيراً لكونهم غرباء. ويصف ألم المؤمن عند رؤية المعاصي وفرحه بلقاء أهل الخير، مؤكداً وجوب المودة والتعاون والتراحم بين أهل السنة وعدم التنافر، مع التنبيه على فضل مجالستهم والإحسان إليهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وأصحابه ومن والاه. قال المؤلف حفظه الله في باب صفة الغرباء وعدم الوحشة من القلة: قال الحسن بن أبي الحسن البصري رحمه الله: «يا أهل السنة، ترفقوا رحمكم الله، فإنكم من أقل الناس». هذه نصيحة الحسن رحمه الله، يقول: يا أهل السنة، ترفقوا، فيرفق بعضكم ببعض، فإنكم أقل الناس، يعني في المجتمعات أنتم قليل، يرفق بعضكم ببعض، ولا يهجر بعضكم بعضاً. احذروا من أسباب القطيعة، وأسباب التهاجر، وأسباب التشاحن. فينبغي على أهل السنة أن ينفذوا بمثل هذه النصائح الثمينة الغالية: أنتم قليل، فلا تفرقوا أنفسكم، لا تشتتوا أنفسكم، ارفقوا بأنفسكم، ارحموا بعضكم بعضاً. ينبغي على أهل السنة أن يعملوا بمثل هذه الوصايا، هذه وصايا العلماء رحمهم الله في كل زمان ومكان، يوصوننا بالخير، يوصون أهل السنة بالخير. لهذه الوصايا، الوصية بالرفق والترفق، ينبغي أن نمتثل مثل هذه الوصايا العظيمة. فنحن قليل، نحن في المجتمع قليل، أهل السنة الذين يعملون بكتاب الله وبسنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، لا ينبغي لهم أن يتشتتوا وأن يتفرقوا. فانظر إلى الحال الذي وصل إليه أهل السنة في هذا الزمان، ولا حول ولا قوة إلا بالله. قال الفضيل بن عياض رحمه الله: «اتبع طرق الهدى، ولا يضرك قلة السالكين، وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين». هذه أيضاً من الوصايا العظيمة للفضيل بن عياض: عليك باتباع طرق الهدى التي هي سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا يضرك من لم يمشي عليها، أي قلة السالكين على طرق الهدى. وإياك وطرق الضلالة، ولا تغتر بكثرة الهالكين، يعني بكثرة من يمشي على طرق الضلالة والعياذ بالله. لأن بعض الناس يقتر بالكثرة، والكثرة أغلب ما جاء فيها في كتاب الله عز وجل الذم. وما أكثر الناس ولو حرصت بمؤمنين، وما يؤمن أكثرهم بالله إلا وهم مشركون. أكثر ما جاء في ذلك في ذم الكثرة. فانتبه، انتبه. تقول: إن الكثرة ليست علامة على أنها أولى على الحق. الله عز وجل قال: ﴿لَا يَغُرَّنَّكَ تَقَلُّبُ الَّذِينَ كَفَرُوا فِي الْبِلَادِ﴾ [آل عمران: 196]، يعني أنهم عندهم المتاع، وعندهم الأموال، وعندهم الدنيا. لا تنخدع بهذه، فهذه ليست دلالة على أنهم على حق وأنهم على هدى، بل هذا من الابتلاء، ابتلاء من الله عز وجل، يبتليهم بالنعم. والله عز وجل يعطي الكافر الدنيا، ويجعل الدنيا سجن المؤمن، ليجزى بالنعيم يوم القيامة. فأنت عندك طريق واضح تمشي عليه، ولو كان الذين يمشون معك على هذا الطريق قلة. قال ابن مفلح رحمه الله - وكتابه عظيم، هو كتاب الآداب الشرعية، ألفه ويذكر فيه السند، وما مشى عليه الإمام أحمد رحمه الله، يذكر فيه مذهب الإمام أحمد في كثير من المسائل العلمية، وهو كتاب نفيس - قال: «ينبغي أن يعرف أن كثيراً من الأمور يفعل فيها كثير من الناس خلاف الأمر الشرعي، ويشتهر ذلك بينهم، ويقتدي كثير من الناس بهم في فعله، والذي يتعين على العالم مخالفتهم في ذلك قولاً وفعلاً، ولا يثنيه عن ذلك ودهم وقلة رفيق». يعني الناظر يقول: كثير من الأمور الآن التي يفعلها العامة هي على خلاف الأمور الشرعية، يعملون على حسب عادة ومقتضى، فيعملون أشياء وتشتهر بينهم هذه الأشياء، فالناس الذي يولد ويرى الناس على شيء يقول: هذه الأشياء لعلها هي دين الله عز وجل أو مما شرعه الله، فيعمل مثل ما يعمل كثير من الناس. فيتعين على العارف اللبيب الفاضل أن يخالفهم في ذلك قولاً وفعلاً. ولقد قال الشيخ محيي الدين النووي - وهو المعروف إمام النووي - قال: «ولا يغتر الإنسان»... يعني يذكر كلام النووي: «ولا يغتر الإنسان بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه، ممن لا يراعي هذه الآداب». يعني بعض العادات عادات غير شرعية، الناس يمشون عليها، سواء كانت في الأفراح والمناسبات، أو كانت في الأموات، يمشون على هذه عادات غير شرعية، أو كان في المعاملات، يمشون على عادات غير شرعية. في كثير من أمور الحياة يمشي عليها هؤلاء الناس. وهذا... انظر، انظر في زمان من؟ في زمان النووي رحمه الله. بل قد حصلت الأمور المنكرة في زمان الصحابة، لكن لما كان الصحابة يتصدون لها كانت هذه لا تشتهر منها. يعني يقول أنس: أنتم الآن تعملون أعمالاً... يعني في زمان أنس رضي الله عنه بعد موت كثير من الصحابة، يقول لمن حولكم: أنتم تعملون أعمالاً هي في عيونكم أدق من الشعر، كنا نعدها في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم من الموبقات. يعني هذا لو فعلها واحد في زمن النبي عليه الصلاة والسلام لقالوا: فعل مهلك، هذا فعل ذنب عظيم. أنتم الآن تستخفون بالذنوب والمعاصر، وترونها هينة مثل الشعاب. المؤمن يرى الذنب في عينه أو في رأسه كالجبل، وغيره العاصي القانط والعياذ بالله يرى أنها مثل الذباب. قال به هكذا. فلذا ينبغي على اللبيب وعلى الفقيه أن لا يغتر لكثرة من يمشي من الناس على غير سواء السبيل. قال النووي: «ولا يغتر الإنسان بكثرة الفاعلين لهذا الذي نهينا عنه، ممن لا يراعي هذه الآداب، وامتثل ما قاله السيد الجليل، السيد الجليل الفضيل بن عياض: لا تستوحش طرق الهدى لقلة أهلها، ولا تغتر بكثرة الهالكين». امتثل، يقول النووي: النووي يوصي في كلمته، يقول لك: امتثل ما قاله السيد الجليل الفضيل بن عياض. يتقدم قول الفضيل قبل قليل: «اتبع طرق الهدى»... يقول: خذه بالمعنى: لا تستوحش من الوحشة، القلة يكون عندك وحشة، لا تستوحش ذلك، ولو كنت وحدك على الطريق، فإنك جماعة. الجماعة موافقة الحق. ولو كنت وحدك، كنت وحدك كما قال ابن مسعود: لو كنت وحيداً في زمن ليس يوجد فيه إلا أنت، وأنت على الهدى، وأنت على الخير، وأنت على الحق، فلا تستوحش ذلك. فالمسلم لا يخاف كثرة الذين يشتغلون طرق الغواية، بل عليه يشتغل طرق الهداية، ولو كان مع قلة قليلة من الناس، من الأتباع الذين يمشون على هذا الطريق. قال سفيان الثوري رحمه الله: «استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء». ما أجمل هذه الوصايا! وصايا عظيمة. ماذا يقول سفيان؟ استوصوا بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء. يعني يوصي بعضهم بعضاً، أهل السنة يرحم بعضهم بعضاً، ويرفق بعضهم ببعض، أنكم غرباء في زمن تكثر فيه المنكرات والمعاصي والعياذ بالله. عندما تذهب الأسواق وتسمع تلك الآلات، آلات اللهو والمزمار والمعازف، تركب في سيارة أجرة نحوها تسمع الأغاني، وكذلك تشم رائحة الدخان، وأيضاً المسكرات، وقس على ذلك. ألا يستوحش قلب، تضيق مباشرة عندما تجلس مع الناس هذا حالهم مدخنون، أو مسكرون، أو ناس كلامهم كله في الدنيا، أو كلامهم كله والعياذ بالله خارج عن الإقرار، خارج عن الأمر الشرعي، يتكلمون في معاصي. فلا شك أن قلب المؤمن الحي، وأن السني الذي على الخير، على الصلاة، على الذكر، على تلاوة القرآن، قلبه يأبى هذه الأمور، أنه ينكر الأمور، دخلهم لأن قلبه حي، قلبه عامل، قلبه مليء بالإيمان. ولهذا عندما يرى أحد الأشياء في هذا المجتمع فإنه يتألم ويتحسر: لماذا هذه الأشياء تصير بهذه؟ هؤلاء... لهذا ينبغي عليك أن تستوصي بأهل السنة. إذا رأيت سنياً يمسك فيه، وتعظم كما يقال عليه من نواجد، أن السنة قليل، أن السنة قليل. تفرح عندما ترى طلبة العلم، عندما ترى الأخيار، عندما ترى المصلين، ترى القائمين. أبو سعيد رضي الله عنه إذا رأى أهل الحديث، طلبة العلم، قال: «مرحباً بوصية رسول الله صلى الله عليه وسلم». من وصى بهم النبي عليه الصلاة والسلام؟ من تضلهم الملائكة بأجنحتها، وتستغفر لهم الحيتان في البحار، والنمل في جحوره، والملائكة في السماء. أولئك أخيار، أولئك المصلون. لهذا تستمسك فيهم، تفرح عندما ترى السنة. تستوصوا، يقول سفيان: بأهل السنة خيراً، فإنهم غرباء. ينبغي أن يكون كلامنا مع أهل السنة، أهل السنة كلام الخير، وكذلك كلام المصلح، وكلام الفائدة، لأنك ترى شخص على ما أنت عليه، لأنه يمشي على الكتاب والسنة، وتفرح به، وتتبشش له. هكذا ينبغي علينا أن نكون. نستوصي بعضنا بعضاً، لا ينفر بعضنا بعضاً. ومجرد أنك ترى نفسك على الحق وعلى السنة، فإنك لا ترى للآخرين وزناً، لا ينبغي أن يكون هذا بيننا. بل الجميع يرى أن كل سني ينبغي أن يحافظ عليه، ينبغي أن يجذب، ينبغي أن يكون معنا على المودة، على المحبة، على الألفة، على المودة، ومعيناً لهذه المجالس العظيمة، مجالس خير وبركة. ومجالسة السنة كلها خير وبركة. استوصوا بأهل السنة خيراً. هذا كلام العلماء رحمهم الله تعالى. فإنهم غرباء. يكفي ما يلاقون من الناس، يكفي ما في قلوبهم من التألم والحسرة على ما عليه الناس من الذنوب والمعاصي، عياذ بالله. لهذا هذه الوصايا، لهذا الباب، باب الغرباء، أن لا يستوحشوا من قلة السالكين لهذا الطريق، وكذلك لا يغتروا بكثرة الهالكين والعياذ بالله. طيب، نكتفي بهذا. سبحانك اللهم وبحمدك، أشهد أن لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.