الدرس في شرح كتاب لم الدر المنثور 103، ألقاها الشيخ عبد الحافظ العامري
ينقل المقطع أقوال علماء السلف كمالك بن أنس وابن الحاج وعطاء بن أبي رباح وابن الجوزي وابن حجر في ذم مجالس القصص والوعظ، معتبرين إياها بدعة ومجالس كذب. ويبين أن معظم الأحاديث الموضوعة مصدرها القصاص الذين يخترعون أحاديث في فضائل الأطعمة والأشياء الدنيوية لتلبية رغبات المستمعين.
واجه علماء منهم أبو القاسم البغوي وأبو الأدمي قاصاً يروي أحاديث موضوعة في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم، فآثروا عدم الإنكار المباشر خشية الفتنة وأمر أبو الأدمي بالقراءة فانصرف الناس عن القاص إلى سماع القرآن. يعلمنا هذا أن من لم يستطع إنكار المنكر بيده أو لسانه دون مفسدة أكبر، فليتحيل بالحكمة لإزالته مع كراهية القلب له.
يبيّن المقطع درجات إنكار المنكر باليد واللسان والقلب، ويشير إلى فصل قادم في آداب الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر. ثم ينقل أقوال السلف في التحذير من مجالسة القصاص، مبيناً أن الجلوس إليهم يورث الرضا بالباطل واستخفاف العقل وذهاب المروءة.
يختتم المتحدث الجلسة بدعاء ختامي (سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك)، ويشير إلى أن الترجمة من إعداد نانسي قنقر. بذلك تنتهي المحاضرة بذكر الله والاستغفار.
بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى أهله وصحبه ومن والاه. أما بعد، فما زلنا في هذا الباب، باب القصاص والتحذير من القصاص، وكذلك مجالسة القصاص. بآخر ما ذكرنا في هذا الباب كلام يحيى بن يحيى الليثي رحمه الله تعالى في قصة ذلك الفتى الذي خرج من المغرب، وكان قاصاً يقص في الطريق. فلما وصل المدينة جعل الصبيان يحسبونه، وجعل الكبار ينأون عنه ولهوا عنه، ولم يجلسوا مجلسه. ثم لمسوا إلى مالك بن أنس إمام دار الهجرة رحمه الله، قال: "قد أحسنوا في ذلك"، أي الكبار والصغار أنهم لم يجلسوا إلى مثل هذا. قال المؤلف حفظه الله: قال أبو عبد الله محمد بن محمد بن محمد بن الحاج رحمه الله: "مجلس العلم المجلس الذي يذكر فيه الحلال والحرام واتباع السلف، لا مجلس القصص والوعظ، إذ أن ذلك بدعة". يقول هذا الإمام رحمه الله: إن مجالس العلم الحقيقية هي التي تعلمك الحلال والحرام، حيث يذكر فيها ذلك. وقد جاء نحو هذا عن عطاء بن أبي رباح رحمه الله: "مجالس العلم هي مجالس الحلال والحرام"، مجالس الفقه: كيف تصلي، كيف تصوم، كيف تزكي، كيف تحج، كيف تنكح. كل هذه نتعلم فيها في مجالس العلم. وأيضاً فيها اتباع السلف الصالح ونهج السلف رحمهم الله. مجالس القصص والحصص اعتبروها مجالس كذب ومحدثات. الله إنك لا تعجب، يعني محاضرة مدة ساعة كاملة أو أكثر من ذلك، وكلها قصص: قصص عن الغربيين، قصص عن الشرقيين. هؤلاء أصحاب المجالس القصصية. قال ابن الجوزي رحمه الله: "ومعظم البلاء في وضع الحديث إنما يجري من القصاص، لأنهم يزيدون أحاديث تثقف وترقق، والصحاح يقل فيها هذا". يعني: الصحاح، حديث الصحاح يقل فيها الذي يريده القصاص، وهم يريدون أحاديث الترقيق. وأحاديث الترقيق أقل من أحاديث الأحكام. حديث الأحكام: تعليم الحلال والحرام، تعليم معالم الدين والشريعة هي أكثر. ولهذا هم يخترعون من قبل أنفسهم أحاديث، يقولون: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". ولهذا قال: "معظم البلاء الذي جاء في الحديث في وضعه"، أي في الموضوعات من القصاص. هذا يضع مثلاً حديثاً في البقل، البقل يقول: "فيه كذا". ذلك يضع حديثاً في الجرجير، الجرجير فيه كذا: "لو علمت المرأة ما في الجرجير لزرعته تحت السرير". سبحان الله، يأتون بأحاديث في البقولات والخضروات. أصحاب الخضروات يأتون بأحاديث في الخضروات، وأصحاب اللحوم يأتون بأحاديث في اللحوم، وهكذا. معظمهم يأتي بهذا: "الباذنجان فيه سبعة أشفية"، الباذنجان معه في الباذنجان الأسود. هذا الباذنجان وضع واحد حديث، قال فيه: "سبعة أشفية"، يعني يشفي سبعة أمراض. هذا الباذنجان، قال الحافظ ابن حجر: "من وضع هذا الحديث فقد أساء إلى الإسلام". أساء إلى إيش؟ الإسلام. إيش؟ باذنجان في سبعة أشفية. قال: "لأن من أكله أصيب في معدته"، يعني من أكثر من الباذنجان الأسود وطبيعته سوداوية، فمن أكثر منه ربما يؤذي معدته. يقول: رسول كذب، أساء إلى الإسلام، كيف يقول الرسول؟ هو ينسبه كحديث إلى النبي صلى الله عليه وسلم: "قال رسول الله صلى الله عليه وسلم". هكذا ينسبون إلى النبي صلى الله عليه وسلم ما لم يقله. طيب، إذن هذا يجري كما قال ابن الجوزي رحمه الله تعالى في مجالس القصاص، مجالس التشويق والوعظ، يريدون أن يرققوا القلوب، لكنهم يخترعون أحاديث. قال محمد بن عبد الله بن إبراهيم الأدفوي رحمه الله: "حججت في بعض السنين، وحج في تلك السنة أبو القاسم عبد الله بن محمد البغوي، وأبو الأدمي القارئ. فلما صرنا بمدينة الرسول صلى الله عليه وسلم جاءني أبو القاسم البغوي، وهو صاحب تفسير القاسم البغوي رحمه الله، وقال لي: يا أبا بكر، ههنا رجل ضرير قد جمع حلقة في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقعد يقص ويروي الكذبة من الأحاديث الموضوعة والأخبار المخترعة. فإن رأيت أن ننصرف إليه لننكر عليه ذلك ونمنعه منه". فقلت له: "يا أبا القاسم، إن كلامنا لا يؤثر مع هذا الجمع الكثير والخلق العظيم، ولسنا ببغداد فيعرف لنا موضعنا وننزل منازلنا، ولكن هنا أمر آخر وهو الصواب". وأقبلت على أبي بكر الأدمي فقلت: "استعذ بالله واقرأ". قال: "لو أنكرنا عليه بالحلبة ما حد سينصفنا الآن، هذا واعظ جالس يعظ الناس في مسجد رسول الله صلى الله عليه وسلم". فجاء هذان الاثنان: أبو القاسم البغوي، ومحمد بن عبد الله الأدفوي، وأنكرا هذا الذي يذكره هذا القاص في مسجد النبي صلى الله عليه وسلم والناس حوله. فلو أنهم أنكروا عليه لربما حصلت فتنة، أو ما سمع لهم، من تبّه لهم أحد، لأنهم ليسوا في موضعهم، في مكانهم. وهذا من الحكمة في الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، أن العلماء يعرفون أين يضعون الكلام موضعاً، فلم يتعجل. قال: "قال عندنا أمر، فكر في أمر: كيف يصرف الناس عن هذا القاص؟ قال: فقلت لأبي بكر، وهو الذي معه الرجل الثالث: استعذ بالله واقرأ القرآن. قال: فما هو إلا أن ابتدأ بالقراءة حتى انفلت الحلقة، وانفصل الناس جميعاً، وحاطوا بنا يسمعون قراءة أبي بكر، وتركوا القاص وحده. فسمعته يقول لقائده: خذ بيدي، فهكذا تزول النعم". يعني أن الناس انفضوا من عند هذا القاص وتركوه، وذهبوا يسمعون قراءة أبي بكر رحمه الله. وهذا من الحكمة أنهم تحيلوا حتى يفضوا هذا المجلس عن هذا القاص. فبعد ذلك خرج من هذا المسجد. قال: "وهذه"، يقول صاحب الكتاب: "وهذه من الدروس السلفية". فإذا وجد الشخص من نفسه عدم القدرة على الإنكار، أو غلب على ظنه أن إنكاره لا ينفع، أو أنه يتسبب في منكر أكبر، يعني لا تتعجل واجعل عندك الحكمة، فقد لا يسمع قوله، أو قد إنكار يجر منكر أكبر منه، أو تجر فتنة. قال: "فلا يتكلم ولا ينكر، ولكن لا يرضى ولا يقر، ومتى سنحت الفرصة فلا يتردد في إنكار المنكر حسب ما جاء في السنة". لأن المنكر على ثلاثة درجات كما في الحديث عن النبي صلى الله عليه وسلم: «من رأى منكم منكراً فليغيره بيده». هؤلاء ما غيروا باليد، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه. وبالقلب: الانصراف عن موضع المنكر. وباللسان: الوعظ والتذكير والنصيحة. وباليد: التغيير الذي يكون إزالته، الإزالة، هذا لمن له القدرة على الإزالة. قال: "وسيأتي معنا فصل في كيف يكون الأمر بالمعروف والنهي عن المنكر في هذا الكتاب أيضاً"، فصل في كيف ينكر المنكر وكيف يؤمر بالمعروف. قال حاتم بن عون الأصم، وهو يقال له حاتم الأصم رحمه الله: "لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك لاحترزت، وكلامك يعرض على الله تعالى ولا تحترز". يعني يقول: احسب على كلامك، انتبه. لو أن صاحب خبر جلس إليك ليكتب كلامك، يعني صاحب خبر، يعني صاحب حديث، صاحب نقل يريد أن يكتب عنك كل شيء، فأنت ستحترز وتتخير الكلمات لأن كلامك سينقل عنك وينشر، ولا شك أنك تحترز ألا تقول كلاماً خاطئاً أو كلاماً سيئاً. فكيف وكلامك يعرض على الله سبحانه وتعالى؟ إذن سيكون ذلك أشد احترازاً، أنك تنتبه لهذا. رحم الله حاتم الأصم، وما كان أصم، أي لم يكن أصم، وإنما لقب بذلك لقصة جرت له. انظروا ترجمته، ترجمة حاتم الأصم رحمه الله. قال محمد بن موسى الجرجاني رحمه الله: "سمعتم محمد بن كدير الصنعاني يقول: الجلوس إلى القصاص فيه ثلاث خصال: الرضا، واستخفاف بالعقل، وذهاب المروءة". فقلت له، يعني محمد بن موسى الجرجاني يقول لابن كدير الصنعاني: "قد شدت"، يعني هذا تشديد، كيف يكون فيه ثلاث خصال لذلك الجالس، يعني السامع؟ أولا: يرضى، يكون راضياً بالكلام الذي يقال في المجلس. وثانياً: يستخف بعقله، مثل قصة صاحبنا صاحب البقر مع النعجة، هذا فيه استخفاف بالعقل، يعني يسمع مثل هذا ويصدق. فذاك الذي قيل له ذلك ذهب وفعل كما قال ذلك القاص، وذلك الداعي، ذلك من الدعاء، ذهب وفعل مع المعزة. ذلك استخف بعقله وذهب. وذهاب المروءة، لأن المروءة تمنعك أن تسمع الخرابيط، المروءة تمنعك أن تسمع الكذب والزور والبهتان. قال: "فقلت له: قد شدت. فقال: والله لو أني ملكت شيئاً من أمور المسلمين، يعني لو كنت والياً وكنت حاكماً، لنكلت بهم، يعني القصاص، لجعلتهم عبرة، يعني سيضربون بسياط لأنهم يستخفون بعقول الناس". قلت: "بأي حجة؟ يعني تقول هذا الكلام، حجتك؟ قال: هم أكذبوا الخلق على الله وعلى أنبيائه، يكذبون على الله وعلى الأنبياء عليهم الصلاة والسلام باختلاقهم القصص والأكاذيب". قال: "ومن يجلس إليهم شر منهم". حتى الذي يجلس عند هذا، الإمام يقول: "شر منهم، لأنهم هم مكنوهم وأعانوهم وكثروا سوادهم". ولا حول ولا قوة إلا بالله. لهذا ينبغي أن لا يكثر سواد أهل البدع والأهواء، ومنهم هؤلاء القصاص الذين أكثر حديثهم القصص، وليس أكثر حديثهم: قال الله، وقال رسول الله صلى الله عليه وسلم، وقال الصحابة، ومن تبعهم بإحسان. نكون بهذا، إن تهينا من هذا الباب نكتفي بهذا، وهذا الشر إلى هنا. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك. ترجمة نانسي قنقر ترجمة نانسي قنقر