الدرس في آداب السلام 12، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يتحدث عن آداب تبليغ السلام ومشروعية إرساله إلى الآخرين. يشمل ذلك إرسال السلام بشكل مباشر أو عن طريق شخص آخر.
يتناول مسألة جواز إرسال السلام عن طريق الغير ووجوب تبليغه، مع اختلاف أهل العلم في ذلك. يشير أيضًا إلى وجوب الرد على من بلغه السلام.
يشرح حكم الرد على السلام إذا وصل عبر وسيط، حيث يجب الرد على صاحب السلام الأصلي، بينما الرد على الوسيط مستحب وليس واجبًا.
يختتم الشيخ الحديث عن آداب السلام مؤكدًا أهمية السلام ويطلب من الله أن ينفع بما قاله، ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، ولازلنا إخواني في الله في هذا المبحث في ذكر آداب السلام، وقد تناقلنا وانتقلنا من مبحث إلى آخر، بدءًا بمباحث إلقاء السلام، ثم وقوفًا بمبحث صيغ السلام، ثم كان المنتهى في مسائل متعلقة برد السلام، وحرصنا إخواني في الله على العروج على أهم المسائل والمباحث المتعلقة بهذا الباب العظيم من آداب الإسلام. وفي هذا اليوم نكون قد وصلنا إلى آخر مسألة نتطرق إليها، وهي من الباحث المهمة المتعلقة بآداب السلام، ألا وهي مسألة تبليغ السلام، بمعنى أنك تبلغ سلامك إلى غيرك. وعنده في هذا الباب أولًا نذكر الأحاديث المروية في هذا الباب، ثم نعرج على المسائل. فإن مما جاء في السنة النبوية في هذا الباب ما رواه أبو داود بإسناد صحيح عن غالب، قال: «إن جُلوس بباب الحسن، إذ جاء رجل فقال: حدثني أبي عن جدي، قال: بعثني أبي إلى رسول الله صلى الله عليه وسلم، فقال: ائتيه فأقرئه السلام»، أي هذا الصحابي أرسل ابنه إلى رسول الله، فقال له: «فأتيه فأقرئه السلام». قال: «فأتيته فقلت: إن أبي يقرئك السلام». فقال: «وعليك وعلى أبيك السلام، وعليك وعلى أبيك السلام». وفي رواية قال: «عليك السلام وعلى أبيك السلام، عليك السلام وعلى أبيك السلام». فهذه القصة توضح لنا ما نرومه في ذكر حكم هذا الباب، في أن هذا الرجل الصحابي بعث سلامه عن طريق ابنه لرسول الله عليه الصلاة والسلام. وهكذا ما رواه البخاري في صحيحه، قالت عائشة رضي الله تعالى عنها: «أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لها: إن جبريل يقرئك السلام، إن جبريل عليه السلام يقرئك السلام». فقالت: «وعليه السلام ورحمة الله، وعليه السلام ورحمة الله». فالأحاديث الصحيحة فيها مسائل، أولى هذه المسائل كما قال علماء: مشروعية إرسال السلام. إذن ليس من شرط السلام يا عبد الله أنك تواجه من تحب أن تسلم عليه. إن كان مواجهة مرت معنا مسائلها، لكن أحيانًا من تريد أن تسلم عليه يكون في منأى عنك بعيد، لكن بإمكانك أنك تبلغه سلامك. قد يكون هذا عن طريق رسول، تقول: إذا ذهبت إلى فلان فأقرئه السلام، أقرئه مني السلام. هل هذا يجوز؟ نعم هذا يجوز لك أنك تقرئ غيرك السلام، إما بالتعيين: أقرئ فلانًا مني السلام. أقول: نحن ذاهبون إلى عمك فلانًا، أقول: أقرئه السلام، تعينه. أو أنك تجعله على العموم، قالوا: بلغ سلامي إلى كل من يسأل عني. فكل من سأل عنه أبلغه سلامي. فهذا فيه جواز إرسال السلام، والدليل ما مضى معنا في أن جبريل يقرئك السلام، فجبريل سلم على عائشة عن طريق رسول الله عليه الصلاة والسلام، وذاك الصحابي كذلك سلم على رسول الله عن طريق ابنه، فدل على جواز هذا الأمر أنك تبلغ سلامك عن طريق الغير. المسألة الثانية وهي: فيه ما ينبغي على الرسول. ما ينبغي على الرسول الذي أعطي له السلام عليه أن يوصله إلى غيره. أنت حملت هذا السلام، إذن وينبغي عليك أنك تؤديه. لكن بقي المسألة الخلافية بين أهل العلم، هذا التبليغ واجب أم لا؟ نعم، أنا جاء لي فلان وقال: سلم على فلان. وكثيرًا ما نسمع بمثل هذه التوصيات: بلغ سلامي على فلان، وسلم على فلان، وغير ذلك. هل هذا التبليغ واجب أني أؤديه أم لا؟ من أهل العلم من يرى الوجوب، واجب عليك أنك تبلغ السلام. لماذا الوجوب؟ قال: لأنه أمانة، أنت قد أمنت، والأمانة واجب أنك تؤديها. فيرى هذه الطائفة من أهل العلم أنك إذا لم تبلغ السلام إلى من أمنت أن تسلم عليهم، فقد خنت الرسالة وخنت الأمانة، فأنت آثم. وهذا يدلك على عظيم هذه المسألة. ومن أهل العلم ما يرى الوجوب، لا يرى الوجوب، وإنما يرى التفصيل في هذا الباب، يرى التفصيل، وهو أنك يا عبد الله إذا طُلب منك أن تسلم على فلان أو على فلان، فأنت فيه بالخيار، إما أنك تلتزم بحبل السلام بحمله، فحين يكون أمان عندك، واجب عليك أن تؤديه. وإما أنك لا تتحمل هذه الأمانة، قل: لا، أنا ما أنا ملزم بالإبلاغ. وقل: إن شاء الله، إن شاء الله خير، إذا يسر الله، علقها فحينها أنت بالخيار، إن أحببت أن توصلها، وإن أحببت فلا. وهذا الذي يرجح طائفة من أهل العلم على أن الأمر يعود إلى الرسول، وهو من يبلغ الأمانة، فإن التزمتها فهي أمانة واجب عليك أن تؤديها، وإلا فحينها أنت فيها بالخيار، تقول: إن شاء الله، أو بإذن الله، أو إذا يسر الله خير، إن شاء الله، إذا رأيت بإذن الله، فتعلق هذا الأمر، فهذا الأمر يناط. وهذا قول جماعة من المحققين أنهم لم يذهبوا إلى الوجوب مطلقًا، وإنما التفصيل يعود إلى المبلغ وإلى الرسول. الفائدة الثالثة من هذه الأحاديث، قال علماء: أنه من بلغه السلام وجب عليه الرد. وجب عليه الرد، أنت نقل إليك سلام فلان، ما واجبك؟ الواجب عليك أنك ترد، لأن الله جل وعلا كما مر معنا في ﴿وَإِذَا حُيِّيتُمْ بِتَحِيَّةٍ فَحَيُّوا بِأَحْسَنَ مِنْهَا أَوْ رُدُّوهَا﴾، وأنت ملزم برد التحية، سواء كان مباشرة أو عن طريق وساطة، وجب عليك أن ترد. أحاديث الباب التي عندي تم فيها الرد، فعائشة رضي الله تعالى عنها عندما أخبرها نبينا بأن جبريل يقرئك السلام، قالت: «وعليه السلام». وفيه استفاد العلماء أن الرد يكون فوريًا، أن الرد يكون فوريا، لا تتأخر. يعني إن جاءك أحد يقول: كيف حالك؟ فأنا شوف على فكرة، كما يقال، أو على فطنة فلان يسلم، وعليه السلام مباشرة رد، لا تسكت، لأن على القول الصحيح إن سكتت فقد وقعت في الإثم، لأن السلام قد بلغت، واجب عليك أن ترد، ويكون الرد فوريًا مباشرة، لا تتوانى. وهذا كذلك يقال أيضًا في الرسائل، أحيانًا تأتيك رسالة، ورسالة نصية عبر أوراق، أو رسالة عبر هذه رسالة نصية عبر الجوالات، ونحو ذلك من التواصل فيها السلام عليكم. ورد عليه قل: وعليكم السلام ورحمة الله. ورد عليه، لأنه خصك بالسلام، خصك بالسلام. وقد مر معنا الخلاف في هذه المسألة عندما ذكرنا خلاف العلماء في حق المذيع أو من يظهر في الشاشات فيسلم على المستمعين ويسلم على المشاهدين، فالعلماء من المعاصرين على أنك ترد عليه السلام، لأن سلامه على جماعة المسلمين، وأنه فرض كفائي. لكن إذا كان يخصك أنت بالسلام وأرسلك السلام، واجب عليك أن ترد، قل: وعليك السلام ورحمة الله وبركاته. طيب قلنا هنا أنك تسلم وترد على السلام على من سلم عليك. بقي هل واجب أن ترد على الرسول أيضًا؟ الرسول هذا الوسيط إنما جاء بالسلام عن غير، يقول: فلان يسلم عليك. هنا لا إشكال أنك ترد على من سلم، قل: وعليه السلام. لكن هذا الرسول الذي بين يديك، هل تسلم عليه؟ تقول: وعليك السلام وعليه السلام، أم لا؟ على خلاف. الحديث الأول عند أبي داود فيه أن النبي صلى الله عليه وسلم سلم على الاثنين، سلم على المسلم وسلم على الرسول، قال: «وعليك وعلى أبيك السلام، وعليك وعلى أبيك السلام». سلم على هذا المبلغ وسلم على المسلم. «وعليك وعلى أبيك السلام». وأما في حديث عائشة فلا، عائشة رضي الله تعالى عنها إنما سلمت على المسلم، ولم تسلم على رسول الله، والذي قد بلغها، فقالت: «وعليه السلام ورحمة الله وبركاته». قال الحافظ بن حجر رحمه الله تعالى: من خلال التتبع لأحاديث طرق عائشة رضي الله تعالى عنها، فما فيها طريق أنها سلمت على رسول الله. فدل ذلك على أن الواجب في حق من بلغه السلام أن يسلم على المسلم وجوبًا، وعلى الناقل استحبابًا. على الناقل استحبابًا. فإذا قالك فلان: إن فلانًا يسلم عليه، ترد على هذاك المسلم، قل: وعليه السلام ورحمة الله، هذا وجوبًا. وعلى الناقل: وعليك السلام. وعليه أما على الناقل استحبابًا، لا أنت ملزم، ما أنت ملزم برد السلام عليك، إلا إن سلمه، فهذا أمر آخر. لكن نتكلم عن الناقل، يقال: فلان يسلم عليك، أنت وجوبًا ترد على ذاك السلام، وأما الناقل فأنت فيه بالاستحباب. هذا ما يذكر إخواني في الله في هذا المبحث، وهو ما يتعلق بإلقاء السلام، لكن عن طريق وسيط أو عن طريق ناقل، وهي من الأمور الحسنة. ولهذا أبو ذر الغفاري رضي الله تعالى عنه عندما جاءه رجل فقال: إن فلان يقرئك السلام. فقال رضي الله تعالى عنه: «هدية حسنة ومحمل خفيف»، أي أنها هدية، ويا أحسنها من هدية أن يقرئك السلام، وهي محمل خفيف، ما يتطلب منك وزن ولا حمل ولا كلفة، وإنما السلام تحمله فتوصله لإخوانك، فأنعم بها من هدية خفيفة المحمل. وبهذا الحد إخواني في الله، وبهذا القدر انتهينا من ذكر مسائل آداب السلام، طبعًا ما جئنا بها في كل طرقها، لكن عرجنا على أهم المسائل المتعلقة بهذا المبحث. فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.