الدرس في كتاب الصلاة 36، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يشرح هذا الفصل أحكام الصلاة عند ترك المأمور أو فعل المحظور جهلاً أو نسيانًا، مبينًا أن الإثم يسقط في هذه الحالات وقد يسقط الحكم أيضًا في بعض الأحيان.
يتطرق هذا الفصل إلى أحكام الوضوء والصلاة عند النسيان أو الجهل، موضحًا ضرورة إعادة الوضوء أو الغسل وإعادة الصلاة إذا نُسي الوضوء أو الجنابة.
يصف هذا الفصل صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في الركوع والسجود والجلوس، مع تفاصيل حول وضع اليدين والرأس والظهر.
يؤكد هذا الفصل صحة التورك في التشهد استنادًا إلى الأحاديث النبوية ويختم بالصلاة على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، أخذنا في درس الماضي حديث أبي هريرة في قصة المسيح في صلاته، وتعليم النبي عليه الصلاة والسلام له صفة الصلاة، وهو أول حديث ذكره الحافظ ابن حجر رحمه الله في البلوغ في باب صفة الصلاة، لأهميته ولكونه يعتبر أصلاً في هذا الباب. وعرفنا وعلمنا ما في هذا الحديث من الواجبات والأركان، من استقبال القبلة، وتكبيرة الإحرام، وقراءة الفاتحة، والركوع، والاطمئنان فيه، والرفع من الركوع، والاعتدال حال القيام، والسجود، والاطمئنان فيه، والرفع من السجود، والجلسة بين السجدتين، والاطمئنان فيها. نعم، وأن المصلي يفعل ذلك في صلاته كلها، في هذا الحديث كذلك وجوب الترتيب، وجوب الترتيب بين هذه الأركان، لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «ثم قال: استقبل القبلة فكبر، ثم اقرأ، ثم اركع، ثم ارفع»، ثم تفيد العطف والترتيب، فيدل هذا على وجوب الترتيب بين هذه الأركان في الصلاة. فمن ترك ركنًا وانتقل إلى ما بعده ولم يأت به، بطلت صلاته ولم تصح؛ لأنه لم يرتب. أو إذا نكس، فقدم آخر استجد قبل أن يركع، فصلاته باطلة؛ لأنه لم يرتب الصلاة كما أمر النبي عليه الصلاة والسلام. إذا لا بد من ترتيب هذه الأركان في الصلاة. كذلك في هذا الحديث دليل على أن الجاهل إذا ترك أمرًا من الأوامر جهلاً حتى خرج وقت العبادة، فإنه لا يؤمر بإعادتها. لا يؤمر بإعادتها، فهذا المسيح في صلاته صلى صلوات على هذا الحال، لا يطمئن في هذه الصلاة، فلم يأمره النبي عليه الصلاة والسلام بإعادة الصلوات الماضية، وإنما أمره بإعادة الصلاة الحاضرة، قال: «ارجع فصلي؛ فإنك لم تصلي»، أي هذه الصلاة، ولم يأمره بإعادة الصلاة التي مضت، قد صلاها على مثل هذا الحال. فلهذا قال أهل العلم: من ترك المأمور جاهلاً فإنه يسقط عنه الإثم، ويسقط عنه الحكم إذا كان قد فات وقته. أما إذا كان الوقت موجودًا فإنه يعيد، فإنه يعيد. إنسان صلى ولم يطمئن في صلاته، وبعد الصلاة نبّه من رآه بما أخلّ من اطمئنان في صلاته، فإنه يقوم ويعيد الصلاة؛ لأن وقت الصلاة موجود. وقت الصلاة موجود. وهكذا أيضًا، وهذا يحصل لكثير من النساء التي يشتبه عليهن أمر الدم، فربما تترك الصلاة جهلاً منها أن هذا الدم ليس بدم حيض، وتظنه دم حيض، ثم تسأل: ما حكم هذا الدم؟ فيتبين أنه دم فساد، وهي قد تركت بعض الصلوات جهلاً منها بهذا الحكم. فهل يلزمها أن تعيد هذه الصلوات؟ الجواب: لا، ما دام أنها تركتها جهلاً وقد فات وقتها، فإنها لا تلزم بإعادتها. ولهذا يناسب أن يذكر هذه القاعدة التي قد ينتفع منها طالب العلم، وهي أن من ترك المأمور جهلاً أو نسيانًا فإنه يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم بالنسبة للجاهل إذا كان الوقت موجودًا. أم إذا كان قد فات الوقت، فيسقط عنه الإثم والحكم. من فعل المأمور نعم، من فعل المحظور، أنا قلت: من فعل المأمور، من فعل المأمور أو محظور، من ترك المأمور، من ترك المأمور جهلاً أو نسيانًا يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. طيب، من ترك المأمور جهلاً أو نسيانًا يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. ومن فعل المحظور جهلاً أو نسيانًا سقط عنه الإثم، وسقط عنه الحكم. من فعل المحظور جهلاً أو نسيانًا سقط عنه الإثم، وسقط عنه الحكم. طيب، من ترك المأمور جهلاً أو نسيانًا، عرفنا في الجهل إذا كان الوقت موجود أعاد، وإذا كان الوقت قد ذهب فليس عليه إعادة. وأما إذا تركه نسيانًا، ترك المأمور نسيانًا، فإنه يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. فمن نام عن الصلاة حتى خرج وقتها، هل يأثم؟ الجواب: لا. هل يلزم أن يعيد الصلاة؟ الجواب: نعم، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نام عن صلاة أو نسيها، فليصلها حين يذكرها، لا كفارة لها إلا ذلك». طيب، إنسان نسي أن يغسل عضوًا من أعضائه في الوضوء، مثلاً ترك مسح الرأس وصلى، ثم ذكر أنه لم يمسح رأسه، هل يلزم أن يعيد الوضوء والصلاة؟ الجواب: نعم؛ لأنه ترك المأمور ناسيًا، ليس عليه إثم، لكن يبقى الحكم، وهو الإتيان بالوضوء كما أمر الله جل وعلا، فيعيد الوضوء ويعيد الصلاة. إنسان عليه جنابة، نسي أنه جنب فصلى، ثم ذكر بعد أن صلى صلاة أو صلاتين أو أكثر أنه على جنابة، فهل يلزم أن يعيد هذه الصلوات؟ الجواب: نعم؛ لأنه ترك المأمور ناسيًا، فيغتسل ويعيد هذه الصلوات، يغتسل ويعيد هذه الصلوات. واضح، إذا ترك المأمور ناسيًا أو جاهلاً يسقط عنه الإثم، ولا يسقط عنه الحكم. وإذا فعل المحظور جاهلاً أو ناسيًا سقط عنه الإثم، وسقط عنه الحكم. كـ«الصائم إذا أكل أو شرب ناسيًا أنه صائم، هل يأثم؟ الجواب: لا. هل يصح صومه؟ الجواب: نعم، بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من نسي وهو صائم فأكل أو شرب، فليتم صومه؛ فإنما أطعمه الله وسقاه». إذن، إذا فعل المحظور وهو جاهل أو ناسي، لا إثم عليه، وكذلك حكم العبادة صحيحة. إنسان تكلم في الصلاة جاهلاً أن الكلام لا يجوز، هل تبطل صلاته؟ الجواب: لا، لا تبطل؛ لأنه جاهل. واضح، وأن هذا فعل محظور، فيسقط عنه الإثم، ويسقط عنه الحكم. طيب، قال الحافظ ابن حجر رحمه الله: ومثل في حديث رفاعة بن رافع عند أحمد وابن حبان: «حتى تطمئن قائمًا». ولأحمد: «فأقم صلبك حتى ترجع العظام». وللنسائي وأبي داود من حديث رفاعة بن رافع: «إنها لا تتم صلاة أحدكم حتى يسبغ الوضوء كما أمره الله تعالى، ثم يكبر الله تعالى ويحمده ويثني عليه». وفيها: «فإن كان معك قرآن فقرأ، وإلا فاحمد الله وكبره وهلله». ولأبي داود: «ثم قرأ بأم الكتاب وبما شاء الله». ولابن حبان: «ثم بما شئت»، يعني في ذكر روايات لحديث المسيء في صلاته، في حديث رفاعة، وهو صحيح. صحيح جماعة من أهل العلم، ومنهم الشيخ الألباني رحمه الله، قال: «حتى تطمئن قائمًا»، يعني بدل «حتى تعتدل قائمًا». قال: «حتى تطمئن قائمًا». وعند الإمام أحمد: «فأقم صلبك حتى ترجع العظام». وطمئن قوله: «حتى تطمئن قائمًا» أبلغ من قوله: «حتى ترجع العظام»؛ لأن طمئن رجوع العظام إلى مواضعها وزيادة. رجوع العظام إلى مواضعها وزيادة. وفي رواية أبي داود أمره النبي عليه الصلاة والسلام أن يسبغ الوضوء، ثم يكبر الله جل وعلا، ويتكبيرة الإحرام كما مر معنا، ويحمده ويثني عليه، أي في دعاء الاستفتاح كما سيأتي في الأحاديث التي ستأتي معنا في ذكر أدعية الاستفتاح. وقوله: «فإن كان معك قرآن فقرأ، وإلا فاحمد الله تعالى وكبره وهلله»، يعني إذا كان هذا المصلي ما يحفظ الفاتحة، فإنه يذكر الله عز وجل، فيحمده ويكبر ويهلله: «الحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله». يقول: «الحمد لله، والله أكبر، ولا إله إلا الله»، فيكفي هذا عن قراءة الفاتحة ما دام أنه عاجز عن قراءتها. وقوله في رواية أبي داود: «ثم اقرأ بأم الكتاب وبما شاء الله»، يعني ما زاد عن الفاتحة، سيأتي كذلك الكلام عليه في موضعه. قال رحمه الله: عن أبي حميد الساعدي رضي الله تعالى عنه قال: «رأيت رسول الله صلى الله عليه وسلم إذا كبر جعل يديه حذو منكبيه». وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه، ثم هصر ظهره. فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة. وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى. وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته». أخرجه البخاري. وهذا الحديث، هذا من الأحاديث العظيمة في هذا الباب، في باب صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، ومن الأحاديث المهمة. وذلك أن أبا حميد الساعدي رضي الله عنه ذكر هذا عند جماعة من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، قدر عشرة، كما في رواية أبي داود، منهم أبو قتادة رضي الله تعالى عنه، فتذاكروا صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام، فقال: «أنا أذكر لكم صلاة النبي عليه الصلاة والسلام»، أو «أعلمكم بصلاة رسول الله صلى الله عليه وسلم»، فذكر هذا الحديث. فهنا يذكر أبو حميد الساعدي رضي الله عنه أنه رأى النبي عليه الصلاة والسلام إذا كبر جعل يديه حذو منكبه، حذو منكبه يعني مقابل منكبه، يجعل اليدين مقابل منكبين. قال: «وإذا ركع»، أو هنا قوله: «إذا كبر جعل يديه»، ظاهر هذا أنه مع التكبير يكبر ويجعل يديه حذو منكبه. وصح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه ربما كبر ثم رفع يديه، فيقول: «الله أكبر»، ثم يرفع يديه. وصح كذلك أنه ربما رفع يديه ثم كبر: «الله أكبر». وكل هذه الصور الثلاث ثابتة عنه عليه الصلاة والسلام. والإنسان في هذا مخير، إن شاء رفع يديه ثم كبر، وإن شاء كبر ثم رفع يديه، وإن شاء كبر مع رفع يديه. وإن فعل بهذا مرة أو بذاك مرة، فهذا أفضل. قال: «وإذا ركع أمكن يديه من ركبتيه»، يعني وضع يديه على ركبتيه. وجاء في رواية أبي داود: «كالقابض عليهما»، يعني يمكن يديه من ركبتيه، ويفرج بين أصابع يديه عند الركوع. قال: «ثم هصر ظهره»، كذلك أيضًا في الركوع، جاء في رواية أبي داود كذلك أنه يجافي مرفقيه عن جنبيه، يجافي مرفقيه عن جنبيه عند الركوع، فيقبض على ركبتيه، ويفرج بين أصابع يديه، ويجافي مرفقيه عن جنبيه. قال: «ثم هصر ظهره»، ثم هصر ظهره، ومعنى هصر ظهره يعني جعله مستويًا، جعل ظهره مستويًا من غير تقويس، لا يقوس ظهره، يجعله كالقوس، بل يجعله مستويًا، يجعله مستويًا. وكذلك أيضًا يكون رأسه مساويًا لظهره، كما ذكرنا في درس الماضي، لا يصوب برأسه ولا يخفضه، يكون ظهره كله متساويًا عند الركوع. قال: «فإذا رفع رأسه استوى حتى يعود كل فقار مكانه»، فقار، الفقار يعني عظم الظهر، هي عظم فقارات الظهر. إذا رفع رأسه يعني من الركوع استوى قائمًا حتى يعود كل عظم من هذه العظام والفقارات إلى محله. فإذا سجد وضع يديه غير مفترش ولا قابضهما، إذا سجد وضع يديه كفيه في الأرض، ورفع ذراعيه، لا يجعل الذراع مفترشًا في الأرض كافتراش السبع، فهذا نهى عنه النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «ولا قابضهما»، نعم، ولا قابضهما يعني لا يضم يديه إليه، لا يضم يديه إليه. وكذلك أيضًا يبعد مرفقيه عن جنبيه كذلك في السجود، ولا ينسق كذلك فخذه ببطنه، ولا كذلك ساقه بفخذه، بل يكون معتدلاً، يكون معتدلاً في السجود. طيب، «واستقبل بأطراف أصابع رجليه القبلة»، يعني عند السجود يجعل أطراف الأصابع إلى جهة القبلة، تكون هكذا أطراف الأصابع، القدمين إلى جهة القبلة. قال: «وإذا جلس في الركعتين جلس على رجله اليسرى ونصب اليمنى»، وهذه تسمى جلسة الافتراش، تسمى جلسة الافتراش، ينصب اليمنى ويجلس على اليسرى. وهذه الجلسة هي الجلسة المستحبة في سائر جلسات الصلاة، في سائر جلسات الصلاة، فيجلس مفترشًا، مثلاً الجلوس بين السجدتين، أن يجلس في التشهد الأول، الجلوس في التشهد أو في الصلاة ذات التشهد الواحد كالرواتب أو السنن، وصلاة الفجر، فإنه يجلس مفترشًا. قال: «وإذا جلس في الركعة الأخيرة قدم رجله اليسرى ونصب الأخرى وقعد على مقعدته»، وهذه تسمى بجلسة التورك، ينصب اليمنى ويضع قدمه اليسرى تحت ساقه اليمنى، ويتكئ على إليته اليسرى، هذه الجلسة تسمى بجلسة التورك، وهي مستحبة عند الجلوس في التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين، الجلوس في التشهد الأخير من الصلاة ذات التشهدين، فإنه يجلس فيها متوركًا كما في هذا الحديث، حيث بحميد. وجاء في حديث عبد الله بن الزبير في مسلم أنه يجعل ساقه بين الساق اليمنى والفخذ، وفخذه اليمنى يجعل قدمه اليسرى بين ساقه اليمنى وفخذه اليمنى. طيب، من يرينا الافتراش والتورك؟ نعم، ها حمزة، نعم، الذي يراك كيف الافتراش؟ نعم، هذه جلسة الافتراش والتورك، وهذه التورك. طيب، علمنا الآن شيء من صفة صلاة النبي عليه الصلاة والسلام في هذا الحديث، فيما يتعلق بالركوع، وكذلك السجود، والجلوس في التشهد، والقول بالتورك في التشهد، هو قول الإمام مالك والشافعي وأحمد، إلا أن الإمام الشافعي يجعله في كل تشهد، يعني لو كان تشهد صلاة ذات تشهد واحد، عند الإمام الشافعي يجلس متوركًا. وكذا الإمام مالك، لكن عند الإمام أحمد في أنه لا يتورك إلا في التشهد أو صلاة ذات تشهدين. وهذا هو الصحيح، هو ظاهر الأحاديث، كهذا الحديث أنه يتورك في التشهد أو صلاة ذات التشهدين. نعم، طيب، إلى هنا. صلى الله عليه وسلم عن نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.