الدرس في شرح رسالة فضل الإسلام 70، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يبدأ الشرح بتوضيح حديث ابن مسعود حول رسم النبي صلى الله عليه وسلم للصراط المستقيم والسبل المختلفة، مشددًا على أهمية اتباع الصراط المستقيم وتجنب التفرق. يُفصّل الشرح معاني الحديث ويستخرج فوائد حول وحدة الطريق إلى الله.
يُبرز المقطع أهمية اتباع الصراط المستقيم كمنهج النبي عليه الصلاة والسلام، ويحذر من مخالفته التي تؤدي إلى الضلال والنار، ويوضح دور الشيطان في إضلال الناس عبر مختلف الطرق.
يشرح كيف يحاول الشيطان إضلال الناس عبر الوقوف في طرق الخير المختلفة، ويبين أن الشيطان يمكن أن يكون إنسانًا يدعو إلى الضلال، وأن الطرق المنحرفة غالبًا ما تكون بسبب البدع والمحدثات.
يختتم الشرح بطلب النفع بالعلم من الله تعالى والصلاة على النبي محمد، ويعبر عن الأماني بالاستفادة من الأحكام والمسائل المذكورة في الشرح.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، قال إمام محمد بن عبد الوهاب رحمه الله تعالى في رسالته "فضل الإسلام": قال عن ابن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: خط لنا رسول الله صلى الله عليه وسلم يومًا خطًا، ثم قال: "هذا سبيل الله"، ثم خط خطوطًا عن يمينه وعن شماله، ثم قال: "هذه سبل، على كل سبيل منها شيطان يدعو إليه"، ثم تلا قول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ وَلَا تَتَّبِعُوا السُّبُلَ فَتَفَرَّقَ بِكُمْ عَنْ سَبِيلِهِ﴾، قال: رواه أحمد والنسائي. وهذا الحديث، إخواني في الله، قد مر معنا في شرحنا لمسائل البدع والمحدثات، كما مرت، والمؤلف رحمه الله تعالى ها هنا ذكر هذا الحديث مستدلًا به على لزوم الصراط المستقيم، وعلى لزوم الجادة وعدم الخروج عنها. وهذا الحديث، إخواني في الله، احتوى على عدة مسائل، نذكرها أو نذكر بعضها، من ذلكم ما فيه من ضرب المعاني بأشياء محسوسة، ضرب المعاني بأشياء محسوسة، فنبينا صلى الله عليه وسلم شبه لنا الصراط المستقيم بخط خطه لنا في الأرض، ثم خط وجعل السبل شبهها بطرق متعرجة، فهذا منه عليه الصلاة والسلام من باب الإيضاح والإفهام. وهذا قد ثبت عنه عليه الصلاة والسلام في أكثر من باب أنه لربما رسم أو خط خطًا في الأرض، كما في حديث بيان أجل الإنسان، خط نبينا مربعًا، ثم خط خطًا، فكان يفعل هذا أحيانًا صلوات ربي وسلام عليه، بغية الإفهام حتى يفهم المخاطب الذي يقال له، وهذا واضح في هذا الحديث. فائدة ثانية: أن طريق الحق، وأن الطريق الموصل للنجاح هو طريق أوحد، فنبينا صلى الله عليه وسلم إنما خط خطًا واحدًا، وحكم على هذا الخط بأنه هو سبيل الله، قال: "هذا سبيل الله"، فبهذا نعلم، إخواني في الله، أن الله سبحانه وتعالى ما جعل الطريق الموصل إليه هو طريق واحدة. وهذا واضح لكل مسلم، فديننا واحد، وربنا واحد، وقرآننا واحد، ونبينا واحد، وهكذا منهاجنا واحد، فما عندنا هناك تعدد، ما عندنا هناك فرق ولا جماعات ولا نحل ولا ملل، فإنما هي جماعة واحدة لا جماعات، وصراط واحد لا عشرات. ومن زعم أن تعدد الجماعات ظاهرة صحية تدل على نضوج المجتمع، هذا خطأ فادح، بل هذا مصادم للنص القرآني، فنصوص الكتاب والسنة كلها تدل على أن الطريق الموصل إلى الله طريق واحدة، ما عندنا طرق. فمن زعم أن هذه الجماعات، جماعة هنا وجماعة هنا وجماعة هنا، وأنها الكل يكمل الآخر، وأنها تهدف إلى أمل منشود، هذا غلط، لماذا؟ الفرق إذا كنا على طريق واحدة، إذا ما هناك تفرق، بل العقل والشرع دل على المذمة لهذا التفرق والتعدد. وأدلة كثيرة قد مر ذلك الكثير منها، فالتعدد والتفرق في الدين مذموم، مذموم، الشرع دل على ذلك، بل حتى العقل، وهم الناس عندما تفرقوا جماعات ومِلَل، ونحن ما الذي صار؟ الكل يكيد للآخر، الكل يكيد للآخر، ويكيل للآخر التهم والافتراءات والأكاذيب والبواطل، لماذا؟ حتى يسقطه، إذن أين التعاون في هذا المضمار؟ وتأمل يا عبد الله العهد الصحابة، العهد الأول، لما كانوا جماعة واحدة، ما الذي كان مآلهم؟ مآلهم الظفر والنصر والقيام لهذا الدين، والفتوحات والغزوات، لكن لما دبت فيهم البدع والفرق، ذهب هذا وضمحل، لهذا أمر ربنا جل وعلا بعدم الافتراق وعدم الاختلاف، حتى لا تذهب ريحكم، أي تذهب القوة. فهذه الفائدة المرجوة من هذا الحديث، كذلك فائدة ثالثة تُستفاد من هذا الحديث، وهو أن الصراط المستقيم الذي نحن أمرنا أن نسير عليه هو الصراط الذي جاء به نبينا عليه الصلاة والسلام. ولهذا جمع من أهل العلم إذا أراد أن يفسر الصراط المستقيم، قال: هو ما جاء به محمد بن عبد الله عليه الصلاة والسلام، قد يقول قائل: أنت بالأمس لما ذكرت الصراط المستقيم قلت: هو الإسلام، نعم، قلت: هو الإسلام، وأشرت إلى أنه، إلا أن هناك خلاف بين العلماء في مفهوم الصراط المستقيم. منهم من قال: هو الإسلام، ومنهم من قال: هو نبينا عليه الصلاة والسلام، ومنهم من قال: هو القرآن، لكن لو تأملت يا عبد الله لوجدت أن هذه المعاني تتفق ولا تفترق، إذ أنه لا يمكن أنك تأخذ بأحدهم إلا إذا أخذت بالآخر. فمن ذهب إلى أن الإسلام هو الصراط المستقيم، سأسألك سؤال: كيف هو الإسلام على هدي؟ من ستقول: على هدي ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم اعتقادًا وعملًا وقولًا وفعلًا؟ ومن قال بأن القرآن هو الصراط المستقيم، ستسأل: والقرآن أمر بماذا؟ أمر بالإسلام، وأمر باتباع نبينا عليه الصلاة والسلام، إذن لا يمكن أنك تسير بالصراط المستقيم إلا بأخذ أحدهما، وكل أحد منهم يدل على الآخر باللزوم والتضمن. ولهذا قال جماعة من العلماء: أن الصراط المستقيم هو كل ما جاء عن الله، هذا الصراط المستقيم، كل ما جاء عن الله وأمرك الله بالأخذ به هو الصراط المستقيم، أمرك الله بالأخذ من هديه، فنبينا هو الصراط المستقيم، أمرك ربنا بأخذ القرآن، إذن هو الصراط المستقيم، أمرك الله بلزوم الإسلام، إذن هو الصراط المستقيم. فالصراط المستقيم هو كل ما جاء عن الله سبحانه وتعالى، ويدلك على أن نبينا هو الصراط المستقيم أيضًا قوله عليه الصلاة والسلام: «كلكم يدخل الجنة إلا من أبى»، قال: "ومن يأبى يا رسول الله؟" قال: "من أطاعني دخل الجنة"، إذا من سار على وفق منهج نبينا عليه الصلاة والسلام كتبت له النجاح. ثم قال: كذلك من فوائد هذا الحديث، إخواني في الله، أن اللزوم لهذا الصراط هو أمر واجب، هو أمر واجب، بدليل أن النبي قرأ قول الله: ﴿وَأَنَّ هَذَا صِرَاطِي مُسْتَقِيمًا فَاتَّبِعُوهُ﴾، أنت مأمور بالاتباع، فلا تجعل الصراط المستقيم يا عبد الله، أو السير على منهج نبيك عليه الصلاة والسلام وما جاء به، لا تجعل عرضًا للإجتهاد. هل أسير على هذا المنهج أم أني أسير على ما يواكب العصر؟ بعض الناس هكذا حاله، يعرف أن هذه الطائفة المنصورة وهذه الفرقة الناجية، وهذا هو الهدي المستقيم، وهذا هم على الأثر الصحيح وعلى الخط المستقيم، يعلم هذا كله، لكن يقول: هؤلاء يسيرون على عكس التيار، ولا طاقة لدي، لا طاقة لي على هذا المعاكس، المجتمع بأكمله أن أكون شاذًا، أن أكون فردًا، أن أكون وحيدًا فريدًا مع هذه الجماعة ما يمكنني، إذن ماذا؟ لا يفعل؟ يركب الموجة، ينظر يمنة، ينظر يسرة، أين موجة الناس؟ موجة الناس مع تلك الجماعة. وهذا قد رأيناه، والله، رأيناه، والله، رجل غريب يأتي، وقد درس في دول قد علم التوحيد منذ نعومة الأطفال، وقد جاء موحدًا صافيا، لكن جاء إلى بلاد فرأها أنها تعصف بفرقة من الفرق الضالة، فرأى أنه أضعف أن يسير عكس التيار، فقال: أنخرط معهم، فدخل فكان واحدًا منهم، خسر الدنيا والآخرة، نسأل الله السلامة والعافية. ولهذا أمرك ربك بالاتباع، وأن هذا صراطي مستقيمًا فاتبعوه، هذا ليس محل اجتهاد أو نظر أو إعادة نظر، لا، إنما تتبع الذي أمرت باتباعه يا عبد الله، فهذا الصراط المستقيم. كذلك في هذا الحديث، إخواني في الله، به بيان عن أن أسباب الضلال كثيرة، فتأمل في هذا الحديث، عندما خط نبينا هذا الخط الأوحد، خط عن يمينه وعن شماله خطوطًا خطوطًا، فدل على أن هذه الخطوط كثيرة، لا كثرها الله، وهذه كلها من سبل الضياع وسبل الفراق، وأنها تبعد المرء عن الصراط المستقيم، تبعد عن الصراط المستقيم. ولهذا لا تستغرب يا عبد الله إذا رأيت الناس أكثر الخلق على ضلال، ولهذا تجد الله جل وعلا ما يذكر الكثرة إلا على وجه المذمة، أكثرهم لا يشكرون، أكثرهم لا يعلمون، أكثرهم لا يؤمنون، بالمقابل من كان على الجادة فهم الأقل، وقليل من عبادي الشكور، إلا الذين آمنوا وعملوا الصالحات، وقليل ما هم. وعندما ذكر نبيه افتراق الأمة على ثلاث وسبعين فرقة، كلها في النار إلا واحدة، فهذا يدلك على أن السبل التي تجرك إلى الضلال والمهلك كثيرة، وبهذا يا عبد الله لا تجعلها قاعدة في اتباع الأكثرية، فهذا ليس معيار، وهذا ليس ميزان. ولهذا كان من عبارات السلف الصالح أنهم قالوا: لا تغتر بكثرة الهالكين، ولا تستوحش الطريق لقلة السالكين، لا تستوحش، فهذا من الابتلاء الذي جعله الله على أهل الإسلام، أن جعل من كان على الجادة هم الأقل، ابتلاء ومحنة من الله سبحانه وتعالى، علم ذلك من علمه. كذلك في هذا الحديث بيان على أن هذه الطرق والفرق مآلها إلى النار، مآلها إلى النار، كيف علمنا أن مآلها إلى النار؟ لأن النبي ماذا قال؟ قال: "هذه سبل، وعلى كل سبيل منها شيطان"، فما ظنكم بالشيطان يفعل؟ شيطان قال عنه ربنا سبحانه وتعالى: ﴿إِنَّمَا يَدْعُو حِزْبَهُ لِيَكُونُوا مِنْ أَصْحَابِ السَّعِيرِ﴾، هذا ما آله، هذا هدفه. فإذا علمت هذا يا عبد الله فلا تغتر بالمخالفة السنة، لا تستهين بها، لا تستهين، كحال بعض الناس يرى أن الأمور سهلة، ما دام أنها أو لا، حتى وجدنا من بعض من ينتمي إلى العلم والفكر، وهو يهون من شأن هذه التفرقات والجماعات والملل، بحجة أن الجميع ينبثق من الإسلام، إذن ولو يا عبد الله. إذا كانت هذه الفرق الفلانية والجماعة الفلانية والملة والنحلة التي فرقت الأمة شذر مذر، بأنها قد خرجت من الإسلام، معناها خلاص نهون من أمرها، لا والله، فهذا نبيك عليه الصلاة والسلام يخبر أن هذه الملة والفرق والجماعات مآلها إلى النار، لأن على رأسها الشياطين، فلا تهتهاوى يا عبد الله في مخالفة السنة ومخالفة الصراط المستقيم، فأمرها عظيم وخطير. كذلك في هذا الحديث أيضًا بيان على أن الإنسان يخشى على نفسه أمام هذه الخطوط الكثيرة، فهي خطوط، فأنت ربما يا عبد الله تبتل بشيء من مكائد الشيطان فتنجو منها، لكن هل هذا النجاة من هذا الأمر انتهى؟ لا والله، هناك مسلك ثاني ومسلك ثالث، وكيد رابع، وحي الكثير، الشيطان لا يزال مع كل واحد منا حتى يلقى ربه، حتى في الرمق الأخير، حتى عند ساعة الاحتضار، الاحتضار والشيطان عند رأسك، لن يكل، لن يمل، لن يهده له بال حتى يوقعك في حبائله. وهذا الحديث يدل على هذا، فخطى نبيه خطوطًا كث، عن اليمين وعن الشيطان، وكلها سبل الشيطان، يحاول معك هنا وهنا وهنا، ويدل هذا المعنى ما جاء من حديث أبي فاكهة أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الشيطان قعد لابن آدم بأطرقه في جميع الطرق»، قف لك، قال: فوقف له في طريق الإسلام. انظر، تخيل هذا المثال العظيم في حق رجل أسلم لتوه، أو هم أراد أن يسلم، إذ بالشيطان يقف عنده، قال: فأتاه في طريق الإسلام، قال: أتسلم وتذر دينك ودين آبائك وآباء آبائك؟ قال: فعصاه فأسلم، ثم وقعد له في طريق الهجرة، قال: أتهاجر؟ أتترك بلادك وسماءك وأرضك؟ قال: فعصاه فهاجر. ثم أتاه وقعد له في طريق الجهاد، قال: أتجاهد؟ جهاد النفس والمال، فتقتل الأنفس وتزهق الأرواح وتقسم الأموال؟ قال نبينا: فعصاه فجاهد، قال نبينا: بعدها والذي نفسي بيده، من فعل هذا كان حقًا على الله أن يدخله الجنة. الشاهد من هذا: انظر كيف الشيطان، طريق بعد طريق، يقف لك، أردت أن تصلي، وقف لك، أردت أن تزكي، وقف لك، أردت أن تصل الرحم، وقف لك، أردت أن تتصدق، وقف لك، أردت أن تذكر الله، وقف، وقف، وقف، ما ينتهي، ينبض في كل ساعة، في إضلالك، فالطرق كثيرة يا عبد الله. ولهذا كان الواحد منا يخاف على نفسه من الضلال والانحراف، ومن حكمة الله جل وعلا أن جعل طلب الصراط المستقيم من أعظم الأدعية الموجودة في فاتحة الكتاب: ﴿اهْدِنَا الصِّرَاطَ الْمُسْتَقِيمَ﴾، تتلوها ليلًا ونهارًا في كل ركعة، لأن هذا الصراط محفوف يا عبد الله بالمخاطر، فلا ثبات إلا من ثبته الله عليه، فتسأل ربك جل وعلا الهداية. كذلك في هذا الحديث، إخواني في الله، فيه أن في كل طريق له شيطان، كما قال نبينا: «وما من سبيل إلا وعليه شيطان»، لكن بقي: هل هذا الشيطان هو شيطان الجن؟ هل هذا الشيطان المارد؟ لا، بل الشيطان هنا أعم. ولهذا قال بعض العلماء، كما ذكر ذلك بكر بن العلاء رحمه الله تعالى: قال: أحسبه أراد شيطانًا من الإنس، أحسبه، في شرح لهذا الحديث، قال: أحسبه أراد شيطانًا من الإنس، فلا تظن أن الشيطان هو الشيطان الذي ينفذ في الصدر بالوسواس الخناس، لا، قد يكون كذلك آدمي، آدمي، نعم، جثمانه جثمان إنسان، لكن قلبه وعقله شيطان، شيطان، ممن يمسي على هذا الصراط المنحرف، ثم يدعوك نهارًا جهارًا إلى مخالفة أمر الله ومخالفة أمر رسوله. وقد مضى معنى في قوله عليه الصلاة والسلام: «أولئك الدعاة على أبواب جهنم، هم دعاة شياطين»، ولا زالت الشياطين من الإنس تلعب لعبها في هذه الأزمان، هناك من يدعو للإلحاد، شيطان من شياطين الإنس، ومنهم من يدعو إلى المروق عن الدين والكفر، ومنهم من يدعو إلى غيرها من الفرق الضالة والجماعات المنحرفة. كل من نصب نفسه أن يكون داعيًا إلى غير الصراط المستقيم فهو شيطان، شاء أم أبى، كذلك في هذا الحديث، إخواني في الله، بيان على أن وبه نختم هذا المقام، على أن هذه الطرق المنحرفة ذهب أكثر العلماء إلى أنها البدع والضلالات والمحدثات، فهي من أعظم ما يصطاد به الشيطان الناس في إخراجهم عن الصراط المستقيم. من كان على الصراط المستقيم من أي دين كان، استطاع الشيطان في اليهود لما كانوا على الجادة أخرجهم عن الصراط المستقيم بالبدع والمحدثات والضلالات، وأتى للنصارى لما كانوا على الصراط المستقيم أوقع في أنفسهم الرهبانية ابتدعوها، فخرجوا عن الصراط المستقيم. وهكذا هذه الأمة المحمدية، ما فعل الشيطان فعلته في هذه الأمة أن أخرجهم عن الصراط المستقيم بمثل ما أدخلهم في البدع والمحدثات والضلالات، طيب بقي مسألة: ولماذا العلماء يصرون على أن هذه السبل هي البدع والمحدثات؟ هذا الأمر أوضحه الشاطبي رحمه الله تعالى في "الاعتصام"، وبين أن هذه السبل ما تفسر بالمعاصي أبدًا، ما تفسر بالمعاصي. مع أن المعاصي نعم من فعل الشيطان ومن وحي الشيطان، لكن هنا في الحديث تتخذ طريق تنافي الإسلام، ما يكون إلا بالبدع، وبين رحمه الله تعالى العلّة في هذا، قال: لأن المعاصي لن تكون طريقًا تشبه طريق الإسلام، لأن هذا الحديث لو تأملته، النبي صلى الله عليه وسلم أشار إلى أمر مهم، ذكر خطًا وذكر خطوطًا، إذن هذه الخطوط تشابه هذا الخط الأوحد تشابهه. لكنها خالفت في اتجاهه، في تياره، إذن فيه شبه، بقي مسألة: ما هو الذي يشابه الإسلام في أحكامه في معاملاته في طاعاته في الذي أمر الله به، والذي حرم الله؟ ما الذي يشابهه؟ المعاصي، المعاصي ما تشابه الإسلام بهذا، ما يشابهه إلا دين البدعة، البدعة تضاهي الإسلام. لأن لهذا العلماء عندما يفسرون البدعة يقولون: أنها أمر محدث يضاهي الشريعة، في عبارة: يضاهي الشرعية، فهي تنافي الشريعة، الشريعة يأتي بواجبات، أحكام، أزمان، أوقات، وتجد البدعة على هذا التيار، لها مناسبات، لها طقوس، لها أقوال، لها أعمال، لها أجور، من فعل كذا كان له كذا، من اتخذ سبحًا كان له، من صلى بعمامة كان له كذا، من ذكر الله بهذا الورد كان له أجور مفتوحة لهم، كأنهم دين يقننون لخلق الله. فهذا هو دين البدعة، ولهذا تجد العلماء قاطبة عندما يفسرون هذا الحديث أن الطرق هنا هي طرق البدعة، وما عليه الجماعات الضالة، لأن طريقها هو في الحقيقة تشريع للناس، بدءًا بالعقيدة، فعقيدتهم تضاهي العقيدة الإسلامية، في باب الأسماء، في باب الصفات، في باب الإيمان بالقدر، في باب الإيمان بالله، في مسائل الإيمان، في قواعد كثيرة، ناهيك عن المعاملات والعبادات. فهذا إخواني في الله من يذكر في هذا الحديث من مسائل وأحكام، فأسأل المولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.