الدرس في التعليق على شرح ميمية ابن القيم للعثيمين 30، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
بدأ العلامة رحمه الله بشرح قصيدة ميمية تصف الجنة وتدعو للإقبال عليها، موضحا معاني "جنات عدن" وسبب تسميتها.
أهل الجنة يتفاوتون في المنازل لكنهم لا يحسدون بعضهم، الجنة دار إقامة بلا موت أو مرض ونعيمها باقٍ.
كانت مخالفة آدم عليه السلام ابتلاء وامتحانًا، وأدت إلى نيله منزلة رفيعة بعد التوبة، وبعض الذنوب قد ترفع منزلة العبد بالتوبة.
يستخدم الشيطان الوساوس والأقوال البراقة لتزيين المعصية، كما حدث مع آدم عليه السلام، لجعل الإنسان يقع في الذنوب.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على المرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علامة من العلماء رحمه الله، في قصيدته الميمية: وهم رغبا في العمل للفوز بالجنة ونعيمها، قال رحمه الله: فحي على جنات عدن فإنها منازلك الأولى وفيها المخيم. قال العلامة من العلماء رحمه الله: قوله "فحي" أي فأقبل، وحي اسم فعل أمر بمعنى أقبل، وهكذا قول المؤذن في الأذان "حي على الصلاة، حي على الفلاح"، أقبل، أقبل، وأقبل إلى الصلاة، وأقبل إلى الفلاح. قال: وقوله "جنات عدن" أي جنات الإقامة، جنات الإقامة، لعنى عدن تدل على معنى الإقامة والدوام. قال: وسميت بذلك؛ لأن المقيمة فيها لا يبغي عنها حولا، يعني لا يبغي عنها تحويلا، ولا يريد دارا غيرها، ولا مسكنا سواها. وقوله "جنات"، جنات يشمل كل ما فيه معنى الجنان، والجنة سميت بذلك لكثرة أشجارها وثمارها، حتى أن الداخل فيها لربما اختفى واستتر، فلا يرى. ومادة الجيم والنون، كما يقول أهل العلم، تدل على الخفية والاستتار، ومنه القلب يقال له جنان؛ لأنه لا يرى، وهكذا يقال الجنين جنين؛ لأنه مستتر في الرحم، يقال لهم أجنة، وهكذا الجن، عالم الجن، سمعوا بالجن أنهم مختفون لا يرون، وهكذا الجنة سميت بذلك؛ كما قلنا لكثرة أشجارها وثمارها. قال: فالإنسان في هذه الدنيا إذا نزل في أي قصر من القصور، فإنه قد يرى قصرا غيره أحسن منه، فيقول: ليت لي مثله، ويطلب الرحيل إليه، ولكن هذا ليس في الجنة، فالإنسان فيها لا يتمنى منزلة غير منزلته. قال تعالى: ﴿لا يبغون عنها حولا﴾، ولا يرى غيره أنعم منه، مع أن أهل الجنة يتفاوتون في المنازل، وفي الدرجات، فهم في تفاوت، ومع ذلك فلا يرى كل واحد من أهل الجنة أنه دون غيره في المنزلة، أو أن غيره أفضل منه، بل هناك قناعة تامة بما هو فيه من النعيم. قال: ولهذا سميت الجنات عدن، يعني دار الإقامة التي لا موت فيها، ولا مرض، ولا سآمة، ولا نظر إلى ما عند غيره. كما جاء في الحديث أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إنه إذا دخل أهل الجنة الجنة، نادى مناد: يا أهل الجنة، إن لكم أن تحيوا فلا تموتوا أبدا، وأن تصحوا فلا تسقموا أبدا، وأن تنعموا فلا تبأسوا أبدا، وأن تشبوا فلا تهرموا أبدا». وهذا هو كمال النعيم، النعيم الذي يعلم صاحبه أنه باق ومستمر، وغير فان، فيكمل بذلك له اللذة، بخلاف نعيم الدنيا، مهما تلذذ فيه الإنسان وتنعم، فهو يعلم في قرارة قلبه، علم اليقين، أنه سيفارقه، سيفارق هذا النعيم، وسيرحل عنه، وهذا من أعظم مكدرات نعيم الدنيا. قال: وقوله "منازلك الأولى"؛ لأن آدم عليه السلام أخرج منها بعد أن كان فيها، فهي المنزل الأول الذي سكنه أبونا آدم عليه السلام، وإليه ترجع الذرية، ذرية آدم من أهل الجنة، فسيكون مآلهم، ويكون مسكنهم ودارهم هي الجنة. قالوا: هذا دليل على أن المؤلف رحمه الله يرى أن الجنة التي أخرج منها آدم عليه السلام هي جنة الخلد، وهذا أحد القولين للعلماء، والاختلاف في هذه المسألة مشهور، والراجح فيها أنها هي جنة الخلد، ورجح ذلك جماعة كثر من أهل العلم، ومنهم شيخ الإسلام ابن تيمية، ومن العلماء رحمهم الله، وغيرهما. قال: ولكن آدم عليه الصلاة والسلام، لحكمة أرادها الله عز وجل، حصلت منه المخالفة، فأخرج منها، فلقد كان في ذلك المصلحة لآدم، ولبني آدم؛ لأنه لو لم ينزل آدم من الجنة، لما صار هناك ابتلاء وامتحان، ولكان كل الناس في الجنة، فهذه من حكم من الحكم التي أرادها الله عز وجل بوقوع آدم في تلك المعصية، من أكله من الشجرة التي نهاه الله جل وعلا عنها، وكان سببا في إخراجه من الجنة؛ أن يبتل الله جل وعلا العباد، ويمتحنهم، وينظر من يؤمن، ومن يكفر، ومن يطيع، ومن يعصي. قال: كما أنه لو لم ينزل آدم من الجنة، لما حصل له هذا الوصف العظيم، «عصى آدم ربه فغوى، ثم اجتباه ربه»، فالاجتباء والاصطفاء لم يحصل إلا بعد أن عصى آدم ربه، فتاب عليه، لذلك وهذه منزلة رفيعة. وهكذا بعض الذنوب ربما يقع فيها العبد، وتكون سببا في رفعته، وفي علو منزلته، لكن ليس معنى هذا أن الإنسان يتعمد فعل المعاصي والذنوب، لا، هو مأمور بالابتعاد والاجتناب، لكن لو حصل أن أذنب، أو أخطأ، أو زل، فإنه يتوب، ويرجع، ولعل ذلك يكون خيرا له، يكون خيرا له. قال: فالله عز وجل حكيم فيما قدره على آدم، وفي ذلك المصلحة له، ولذريته. ثم قال رحمه الله: ولكننا سبي العدو، فهل ترى نعود إلى أوطاننا ونسلم؟ قال رحمه الله: يعني أن العدو الذي سبانا هو الشيطان الخبيث؛ لأنه هو الذي تسبب في إخراج آدم من الجنة، وذلك لما وسوس له، ولزوجه، بالوساوس العظيمة. قال تعالى: ﴿وقاسمهما إني لكما لمن الناصحين﴾، أي أتى بإقسامات عظيمة، بحجة أنه لمن الناصحين. وهكذا يفعل الشيطان بالإنسان، يغرره، ويزين له فعل المعصية والذنب، بأوجه من التزيين: افعل، لا تحرم نفسك من شهوات الدنيا، ومن الذنوب، الله غفور رحيم، افعل الذنب، ثم توب، والله يتوب عليك، ونحو ذلك من مثل هذه الوساوس، فيغتر الإنسان، فيقع في الذنب، وفي المعصية. وقال تعالى: ﴿فدلاهما بغرور﴾، قال: فقال لآدم: ﴿هل أدلك على شجرة الخلد وملك لا يبلى﴾. وسبحان الله، فإن آدم بشر، فصدق هذه الإقسامات العظيمة، وهذا هو الغرور، وهذه الزخرفة، فحصل ما حصل، والله على كل شيء قدير. طيب الله ثرى أبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.