الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 12، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح هذا المحور حديث الشفاعة العظمى للنبي محمد صلى الله عليه وسلم يوم القيامة، حيث يفزع الناس إلى الأنبياء فيعتذر كل منهم بذنبه حتى يأتوا النبي فيخر ساجداً تحت العرش فيفتح الله عليه بمحامد لم يفتح بها على أحد. ويُؤمر برفع رأسه ويُعطى الشفاعة فيشفع في بدء الحساب، ويجب الإيمان بها كما وردت في الصحيحين.
يستعرض المحور أنواع شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم الثابتة بالسنة، منها شفاعة أصحاب الحسنات والسيئات المتساوية، وشفاعة رفع الدرجات، وتخفيف العذاب عن أبي طالب، وشفاعة أهل الكبائر التي تثبت للنبي والملائكة والمؤمنين. ويبين موقف الخوارج والمعتزلة الذين أنكروا جميع أنواع الشفاعة إلا شفاعة رفع الدرجات، وجحدوا شفاعة أهل الكبائر لقولهم بكفر مرتكب الكبيرة.
يختتم المؤلف حديثه عن شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم بدعاءٍ لله أن يرزقه وجميع المؤمنين شفاعته، وأن يغفر لهم ويرحمهم ويحسن خاتمتهم. ويختم بالصلاة والسلام على النبي وآله وصحبه.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا ومصطفانا سيدنا رسول الله، وعلى صحبه وآله ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازمنا في كتاب أصول السنة للإمام المبجل أبي عبد الله أحمد بن محمد بن حنبل رحمه الله تعالى وغفر له، وكنا انتهينا من الكلام على عذاب القبر. قال رحمه الله تعالى وغفر له: «والإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمة، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة، كما جاء في الأثر: كيف شاء الله، وكما شاء، إنما هو الإيمان به والتصديق به». هذه المسألة من المسائل المهمة، وهي مسألة الشفاعة، أي شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوم القيامة، وهي الشفاعة العظمى من خصائص رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وفيها أحاديث في صحيح البخاري ومسلم عن أنس، وعن أبي سعيد، وعن أبي هريرة. وأن الناس يأتون يوم القيامة آدم، فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه، ادعوا الله، أي أن يعجل في الحساب، وقد بلغت الشمس، ونزلت إلى قدر ميل، وأخذ الناس العرق، وأخذ العرق الناس، فمنهم من ألجم، ومنهم من كان دون ذلك. فيأتون آدم فيقولون: أنت أبو البشر، خلقك الله بيديه، ادعوا الله لنا، فيقول: لست هناكم، إن الله أمرني أن لا آكل وأقرب الشجرة فعصيت، نفسي نفسي. فيأتون نوحاً فيقولون: أنت أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض، فيقول: نفسي نفسي. وهكذا موسى وعيسى. ثم يقول لهم آدم: اذهبوا إلى نوح فإنه أول رسول أرسله الله إلى أهل الأرض. ثم يأتون إلى نوح فيقول: اذهبوا إلى إبراهيم، فيقول: إني كذبت ثلاث كذبات في الله، فيقول: اذهبوا إلى موسى، ويقول موسى: اذهبوا إلى عيسى، وكل يقول: نفسي نفسي، حتى يقول عيسى: اذهبوا إلى محمد، عبد غفر الله له ما تقدم من ذنبه وما تأخر. قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فيأتونني فأقع ساجداً تحت العرش، ويفتح علي بمحامد لم يفتح بها على أحد»، يعني يسبح الله عز وجل حتى يقول الجبار جل جلاله: «يا محمد ارفع رأسك، وسل تعطَ، واشفع تشفع، وقل يُسمع». فهذا هو المقام العظيم الذي يؤتاه النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. يجب الإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وأن نبينا يوم القيامة يشفعه الله جل وعلا أنواعاً من الشفاعة، منها هذه الشفاعة: شفاعة تعجيل الحساب في المحشر، هذه تسمى شفاعة تعجيل الحساب في المحشر، فيجب الإيمان بهذه الشفاعة. وكذلك شفاعة أخرى، شفاعات أخرى أيضاً، منها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأقوام تساوت حسناتهم وسيئاتهم أن يدخلهم الله الجنة، فيقبل الله شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم فيدخلهم الجنة. ومنها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأقوام دخلوا الجنة، غير أنهم يرجون أن يكون لهم منازل أرفع من هذه المنازل التي هم فيها في الجنة، فيشفع لهم النبي صلى الله عليه وسلم فيرفعهم الله في الجنة درجات. وهذه الشفاعة الوحيدة التي آمن بها الخوارج والمعتزلة، وأنكروا سائر أنواع الشفاعة. فالخوارج والمعتزلة أنكروا شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم إلا نوعاً واحداً من شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهو شفاعته لأقوام في الجنة أن يرفع الله درجاتهم. هذه الشفاعة الوحيدة التي آمن بها الخوارج والمعتزلة، وأنكروا سائر أنواع الشفاعات التي أثبتها الله لنبينا صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومنها: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأبي طالب خاصة، فإن العباس بن عبد المطلب سأل النبي صلى الله عليه وسلم، قال: يا رسول الله، إن عمك أبا طالب كان يحوطك وينصرك ويغضب لك، فهل نفعته شيئاً؟ قال: «نعم، هو في ضحضاح من نار»، في رواية: «على قدميه جمرتان يغلي منهما دماغه، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار». فهذا شفع له النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، شفع لعمه أبي طالب لأن أبا طالب كاد أن يسلم، كان يحوط النبي صلى الله عليه وسلم ويدافع عنه، ولم يجرؤ المشركون على رسول الله صلى الله عليه وسلم حتى مات أبو طالب وماتت خديجة، فتجرأوا على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أبي طالب، فأخرجه الله من قعر جهنم إلى ضحضاح، أي نار على قدميه فيهما جمرتان يغلي منهما دماغه، فهو في النار لكنه في ضحضاح من النار، درجة أخف، بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ومن الشفاعة أيضاً الثابتة: شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم لأهل الكبائر، وهذه جحدها الخوارج والمعتزلة. فقد ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». هذا حديث ثابت عن رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «شفاعتي لأهل الكبائر من أمتي». فيشفع النبي صلى الله عليه وسلم في أقوام فعلوا كبائر أن يغفر الله عنهم، فيغفر الله لهم. وأنكر هذه الشفاعة خاصة الخوارج والمعتزلة، لأن معناها أن صاحب الكبير مسلم، وأنه أهل للشفاعة، وهم يرونه كافراً خارجاً عن ملة الإسلام. أنواع من الشفاعة، قال المصنف رحمه الله: هذه أنواع الشفاعة التي جاءت في الأحاديث يجب الإيمان بها: الشفاعة العظمى يوم المحشر: تعجيل الحساب. الشفاعة لأقوام استوت حسناتهم وسيئاتهم أن يغفر الله لهم ويدخلهم الجنة. الشفاعة لأقوام هم دخلوا الجنة، لكنهم يرجون من الله أن يعلي درجاتهم، فيشفع فيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم فيعلو الله درجاتهم. الشفاعة لأبي طالب أن يخفف الله عنه، فيخفف الله عنه. الشفاعة لأهل الكبائر أن يغفر الله لهم ولا يعذبهم، فيغفر الله لمن شاء منهم بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أنواع الشفاعة أنكرها المعتزلة والخوارج إلا نوعاً واحداً. ما هو النوع الذي أثبته المعتزلة والخوارج من شفاعات النبي صلى الله عليه وسلم يوم القيامة؟ لأقوام دخلوا الجنة ولكن درجاتهم دنيا، فيريدون أن يعلوا في الجنة، فيشفع فيهم المصطفى صلى الله عليه وسلم فيعلون في الجنة. قال المصنف رحمه الله: «والإيمان بشفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمة، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة». على باب الجنة، كما جاء في الأثر: الشفاعة لأهل الكبائر ليست خاصة بالنبي صلى الله عليه وسلم، بل تشفع في أهل الكبائر الملائكة، ويشفع في أهل الكبائر الصالحون والأولياء والمؤمنون، هؤلاء يشفعون أيضاً في أهل الكبائر. فالشفاعة في أهل الكبائر عامة في النبي صلى الله عليه وسلم، وفي الملائكة، وفي المؤمنين والأولياء، وفي الأنبياء أيضاً، الأنبياء يشفعون لأهل الكبائر. إذن الشفاعة لأهل الكبائر يشفع فيها النبي صلى الله عليه وسلم، ويشفع فيها الأنبياء، ويشفع فيها المؤمنون والأولياء، وتشفع فيها الملائكة. كم أصناف؟ أربعة أصناف: النبي صلى الله عليه وسلم يشفع في أهل الكبائر، الأنبياء يشفعون في أهل الكبائر، الملائكة تشفع في أهل الكبائر، الرابع: المؤمنون والأولياء يشفعون في أهل الكبائر. قال المصنف رحمه الله: «وبقوم يخرجون من النار بعدما احترقوا وصاروا فحمة، فيؤمر بهم إلى نهر على باب الجنة». في لفظ الرواية: على حافة الجنة نهر جاري، فيقال لهم: اغتسلوا، فيغتسلون، فيعودون كأجمل ما يكون، كما جاء في الأثر. الأثر هو حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ومسلم. كما جاء في الأثر، يعني حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ومسلم. كما جاء في الأثر، يعني حديث أبي هريرة في صحيح البخاري ومسلم. قال رحمه الله تعالى: «كيف شاء الله». نحن لا ندري كيفية ذلك الماء، ولا كيفية تلك الأمور، ولكننا نؤمن بها: كيف شاء الله، وكما شاء، إنما هو الإيمان به والتصديق به. الواجب علينا أن نؤمن بذلك وأن نصدق بذلك كما جاء في الأدلة، الأمر بذلك. هذا خلاصة الكلام على شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فنسأل الله جل وعلا بأسمائه الحسنى وصفاته العلى أن يرزقنا شفاعة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن يغفر لنا ويرحمنا برحمته، ويحسن لنا الخاتمة، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.