شرح أصول السنة للإمام أحمد 14

الدرس في شرح أصول السنة للإمام أحمد 14، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف الإيمان: قول وعمل وزيادته ونقصانه

يشرح المقطع عقيدة أهل السنة بأن الإيمان قول باللسان والقلب وعمل بالجوارح والقلب، ويزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي مستدلاً بالآيات والأحاديث. ويرد على المرجئة والخوارج والمعتزلة مبيناً أن الإيمان مراتب وشعب كما دل عليه حديث الشعبة.

شعب الإيمان وحكم تارك الصلاة وفضل الخلفاء الثلاثة

يذكر المقطع شعب الإيمان من الحب والبغض والعطاء والمنع لله، ثم يستعرض الخلاف الفقهي في حكم تارك الصلاة بين الكفر المخرج والكبيرة مع التأكيد على أنها مسألة اجتهادية لا توجب التبديع. ويختتم بذكر فضائل الخلفاء الثلاثة أبي بكر وعمر وعثمان رضي الله عنهم وترتيب أفضلية ومدة خلافة كل منهم.

إجماع الصحابة على تقديم عثمان على علي وترتيب الخلفاء

يستعرض المقطع إجماع الصحابة على أفضلية عثمان بن عفان على علي بن أبي طالب كما نقله عبد الرحمن بن عوف، ويبين قول أيوب السختياني فيمن قدم علياً على عثمان. كما يذكر حديث ابن عمر في ترتيب الخلفاء (أبو بكر، عمر، عثمان، ثم علي) ويعتبره إجماعاً سكوتياً حجة، ويختم بفضائل المهاجرين والأنصار وأهل بدر والنهي عن سب الصحابة.

ذكر أهل بدر من الأنصار وختام المجلس

يذكر المؤلف أهل بدر من الأنصار وفق ترتيب الهجرة والسابقة، ويعلن انتهاء الجلسة الحالية على أن يستكمل القراءة غداً. ويدعو الله أن يعينه على إتمام شرح العقيدة قبل يوم الخميس.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في قراءة هذه العقيدة السلفية التي من مات عليها فقد نجى عند الله عز وجل، والتي هي باب جليل من أبواب السلامة عند الله سبحانه وتعالى، كما قال جل جلاله: ﴿ يَوْمَ لَا يَنفَعُ مَالٌ وَلَا بَنُونَ * إِلَّا مَنْ أَتَى اللَّهَ بِقَلْبٍ سَلِيمٍ ﴾ [الشعراء: 88-89]، سليم من الشرك، سليم من البدع، سليم من الأهواء، سليم من الضلالات ومضلات الفتن. وهذا لا يكون إلا بعقيدة موافقة لما كان عليه رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم وأصحابه. قال الإمام أحمد رحمه الله تعالى: «والإيمان قول وعمل، يزيد وينقص، كما جاء في الخبر: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا. ومن ترك الصلاة فقد كفر، وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر، وقد أحل الله قتله. وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق، ثم عمر بن الخطاب، ثم عثمان بن عفان. نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يختلفوا في ذلك. ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، والزبير، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وكلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام. ونذهب إلى حديث ابن عمر: كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت. ثم من بعد أصحاب الشورى أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على قدر الهجرة والسابقة أولا فأولا». وهذه الفقرات فيها مسائل جليلة، هدى الله أهل السنة والجماعة فيها إلى الحق المبين، وضل فيها من ضل من أهل الأهواء الزائغين من الخوارج والمرجئة ومن الرافضة وغيرهم. قال رحمه الله تعالى: «والإيمان قول وعمل». الإيمان أقوال تقال باللسان، وأقوال بالقلب أيضا، وأقوال وأعمال تعمل بالجوارح، وأعمال تعمل بالقلب. فقول اللسان: كالعبادة، كالتلفظ بالشهادة، هذا قول اللسان: «أشهد أن لا إله إلا الله، وأشهد أن محمدا رسول الله»، هذا قول اللسان. قراءة القرآن قول اللسان، من قول اللسان الذكر والتسبيح والاستغفار، من أقوال اللسان. وأما قول القلب: فالتصديق الجازم بأن ما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم حق مبين، وعدم الشك، وعدم الريب، وعدم الارتياب والتردد في ذلك. وأما عمل الجوارح: فكأداء الصلوات، والجهاد في سبيل الله، وحج بيت الله، ونحو ذلك. وأما أعمال القلوب: فكالتوكل، والخشية، والإنابة، والإخلاص، والصدق، وغير ذلك من أعمال القلوب. وأصل أعمال الجوارح أعمال القلوب، وبينهما تلازم وارتباط. الإيمان قول وعمل، ولهذا يقول الله عز وجل في عشرات المواضع: ﴿ إِنَّ الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ ثم يقول: ﴿ وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، ﴿ وَالَّذِينَ آمَنُوا وَعَمِلُوا الصَّالِحَاتِ ﴾، فيربط ربنا جل وعلا بين الإيمان والعمل، فإنه لا إيمان إلا بعمل، ولا عمل إلا بإيمان. فالإيمان قول وعمل، لا بد من اجتماعهما. واضطربت في هذا الباب المرجئة، فإنها ترى بأنواعها، غلاة أو فقهاء، أن الإيمان قول، ومنهم من قال تصديق، ومنهم من قال معرفة، وكل هذا ضلال عن سواء السبيل. الإيمان قول وعمل، والعمل ركن في الإيمان، العمل ركن في الإيمان. قال رحمه الله: «يزيد وينقص». وهذا ما فارقت به أهل السنة والجماعة الخوارج والمرجئة، فعندهم الإيمان كتلة واحدة لا يزيد ولا ينقص، إما أن يبقى كله وإما أن يذهب كله، كالرأس من الإنسان. وقال أهل السنة: بل الإيمان يزيد بالطاعات وينقص بالمعاصي. قال جل وعلا: ﴿ لِيَزْدَادُوا إِيمَانًا مَّعَ إِيمَانِهِمْ ﴾ [الفتح: 4]، فدل على زيادة الإيمان. قال جل وعلا: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا ﴾ [التوبة: 124]، بعد أن ذكر أنه إذا نزل القرآن، قال جل وعلا مبينا حال الناس بعد نزول الآيات: ﴿ فَأَمَّا الَّذِينَ آمَنُوا فَزَادَتْهُمْ إِيمَانًا ﴾ [التوبة: 124]، دل على زيادة الإيمان. وإذا زاد، يقول العلماء: دل على أن ما كان عليه قبل الزيادة نقص. إذا زاد الإيمان بالطاعة دل على أنه كان في نقص، وهكذا كل ما زاد كان ما قبل الزيادة هو النقص. هكذا يقول أهل السنة والجماعة في ضابط مسألة زيادة الإيمان ونقصانه. قال: «يزيد وينقص». أهل السنة عندهم الإيمان كإناء، كإناء وضعت فيه كوبا من الماء، فنظرت فقيل لك: ماذا في الإناء؟ قلت: فيه قليل من الماء. فجئت بكوب آخر، وكوب آخر، وكوب آخر، وكوب آخر، حتى امتلأ. فسئلت فقلت: هذا الدلو قد امتلأ بالماء. فأخذت من هذا الماء غرفة، ثم أخذت غرفة، ثم أخذت غرفة، فسئل، فسئلت: كيف حال الدلو؟ قلت: قد نقص فيه الماء. وهكذا القلب، كلما عمل الطاعة زاد فيه نسبة الإيمان، زادت فيه نسبة الإيمان، وكلما قل من الإيمان الطاعة وفعل المعصية نقص الإيمان، حتى يكون القلب لا إيمان فيه، أو يكون فيه إيمان ضعيف، إيمان ضعيف. ولهذا سيأتي معنا حديث أبي سعيد: «من رأى منكم منكرا فليغيره بيده، فإن لم يستطع فبلسانه، فإن لم يستطع فبقلبه، وذلك أضعف الإيمان». إذن هناك إيمان ضعيف، وهناك إيمان أقوى، وهناك إيمان قوي. إذن الإيمان يتفاوت. هكذا قرر أهل السنة والجماعة، خلافا للخوارج والمرجئة والمعتزلة. فعندهم الإيمان لا يزيد ولا ينقص. قالت المرجئة: مهما عمل من المعاصي فهو كامل الإيمان. وقالت الخوارج: إن عمل كبيرة ذهب عنه الإيمان وكان كافرا. وقالت المعتزلة: هو في منزلة بين المنزلتين. والخلاف بين المعتزلة والخوارج خلاف لفظي. قال رحمه الله تعالى: «كما جاء في الخبر: أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا». فدل على أن المؤمنين درجات، منهم المؤمن الكامل الإيمان، ومنهم المؤمن الذي إيمانه ليس بكامل ولكنه مؤمن. «أكمل المؤمنين إيمانا أحسنهم خلقا»، ودل هذا على أن حسن الخلق مما يكمل الإيمان. هذا الحديث أخرجه الإمام أحمد وأبو داود والنسائي بسند حسن من حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه. وفي الباب أحاديث، كحديث ما قرأناه العصر في الأربعين عن أبي هريرة في الصحيحين: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «الإيمان بضع وستون شعبة، أو قال: بضع وسبعون شعبة، فأعلاها قول: لا إله إلا الله، وأدناها إماطة الأذى عن الطريق، والحياء شعبة من الإيمان». هذا الحديث نص على أن الإيمان ذو شعب، وأن الإيمان مراتب، فيه العالي والأعلى، وفيه الأدنى، وكل ذلك من شعب الإيمان. فالصلاة من شعب الإيمان، والزكاة من شعب الإيمان، وتسمى إيمانا، وتسمى إيمانا. وهكذا جاء في الأدلة الكثيرة هذا الأمر. فهذه الشعب من الإيمان: الصلاة، الزكاة، الحج، الصوم، قراءة القرآن، ونحوها. الإيمان ذو شعب، ذو شعب. أيضا جاء عن أبي أمامة رضي الله عنه عند الترمذي، والحديث حسن: «من أحب لله، وأبغض لله، وأعطى لله، ومنع لله، فقد استكمل الإيمان». إذن من شعب الإيمان: الحب في الله، والبغض في الله، والإعطاء في الله، والمنع في الله. من فعل هذا فقد استكمل الإيمان. هذا يدل على أن الإيمان يمكن أن يستكمل، وكذلك يمكن أن ينقص، ويكون المؤمن في خطر. قال رحمه الله تعالى: «ومن ترك الصلاة فقد كفر». هذا يدل عليه حديث جابر رضي الله عنه على ظاهره في صحيح مسلم: «بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة». بين المسلم وبين الكفر أو الشرك ترك الصلاة. وفي الباب أيضا حديث: «العهد الذي بيننا وبينهم الصلاة، فمن تركها فقد كفر». هكذا أخبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. والله عز وجل جعل الصلاة علامة، علامة الأخوة، فإذا ذهبت الصلاة ذهبت الأخوة الإيمانية: ﴿ فَإِن تَابُوا وَأَقَامُوا الصَّلَاةَ وَآتَوُا الزَّكَاةَ فَإِخْوَانُكُمْ فِي الدِّينِ ﴾ [التوبة: 11]، مفهوم الآية أن من لم يصلي لا يعتبر أخا لنا في الدين. وهذا ظاهر الأدلة. ومن ترك، يقول الإمام محمد رحمه الله: «ومن ترك الصلاة فقد كفر». وهذه المسألة خلافية بين أهل العلم: هل المراد بالكفر الكفر المخرج عن الملة، فيكون كافرا ككفر المشركين والكفار، أم أن المراد أنه كفر عمل؟ فيه خلاف بين أهل العلم. جمهور أهل العلم على أن من ترك الصلاة تهاونا وكسلا فهو مسلم عاص، مرتكب لكبيرة من كبائر الذنوب وعظائمها. هذا مذهب جمهور أهل السنة. وذهب الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث في رواية الإمام أحمد وروايات أخرى، اختلف القول، لكن الأظهر في قول الإمام أحمد هذا: ذهب الإمام أحمد وأكثر أهل الحديث إلى أن من ترك الصلاة تهاونا فقد كفر. مسألة خلافية، المسألة خلافية بين أهل العلم، فكلها من عقيدة أهل السنة والجماعة أن نعلم أن الخلاف في هذه المسألة لا يلزم منه التبديع، ولا التضليل، ولا ما دون ذلك، ولا ما فوقه. المسألة اجتهادية، لكن ينبغي إطلاق القول بالكفر عند العامة لإرعابهم وتخويفهم من أمر التهاون بالصلاة، وهذا هو مسلك المحققين من أهل العلم. فنطلق العبارة ونقول: من ترك الصلاة فقد كفر. قال: «وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة». هذا الموضع فيه خلاف بين أهل العلم في مباني الإسلام: الصلاة، ثم الزكاة، ثم الصيام، ثم الحج، تسمى مباني الإسلام. فمن أهل العلم من قال: من ترك هذه المباني فقد كفر، فيكون عنده ترك الصلاة كفرا، وترك الحج كفرا، وترك الزكاة كفرا، وترك الصيام كفرا. وهذا قول فيه نظر، ولكن قاله بعض أهل العلم. ومن أهل العلم من قال: بل يكفر من ترك الصلاة والزكاة، وبه قال الإمام أحمد في رواية. ومن أهل العلم من قال: بل يكفر بالصلاة وحدها، وهذه الرواية التي ذكرها الإمام أحمد هاهنا في هذا الموضع من هذا الكتاب: «وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة». فترك الصيام ليس بكفر، ترك الحج ليس بكفر، ترك الزكاة ليس بكفر، هذا على هذه الرواية. وهناك قول رابع، وهو أن الصلاة أيضا ليس تركها كفرا، إلا أن يكون جاحدا أو مستخفا أو نحو ذلك. قال رحمه الله: «وليس من الأعمال شيء تركه كفر إلا الصلاة، من تركها فهو كافر». المسألة خلافية، وهذا قول لأكثر أهل الحديث، وذهبت طوائف من أهل الحديث إلى أنه ليس بكافر، والأدلة قوية في البابين. قال: «وقد أحل الله قتله». هذا لولي الأمر. ولي الأمر إذا أمر تارك الصلاة فلم يمتثل، فهو على صورتين: الصورة الأولى: أن يقول له: صل وإلا قتلناك. فهذا كافر إجماعا، فلا يصلي، صل وإلا قتلناك، ولا يصلي، يعاندك، ولا يصلي، هذا كافر بالله عز وجل، لا يختلف في كفره، لا يختلف في كفره، لأنه لو كان مؤمنا لأطاع، لو كان صادقا لأطاع. فهذه الصورة لا خلاف بين أهل العلم في أن صاحبها كافر. والصورة الثانية: ما إذا أمر ولي الأمر، أو حكم الحاكم على فلان من الناس بقتله لكونه ترك الصلاة. فهذه المسألة ترجع إلى التفصيل السابق الذي تقدم، وليست كالصورة الأولى، وهي صورة الذي يدعى إلى السيف أو يصلي فيأبى، ويقول: لا أصلي، بل أموت، ولا أركع لله ركعة. فمثل هذا لا خلاف في كفره. قال: «وخير هذه الأمة بعد نبيها». انتقلنا إلى مبحث آخر، وهو مبحث الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وهو من المباحث المهمة. وباب ترك الصلاة ضلت فيه طوائف من الناس في هذا الزمان، زعموا أن من قال إن تارك الصلاة ليس بكافر فقد دخلت عليه شبهة الإرجاء، شعر أو لم يشعر، كما قرره سفر الحوالي في ظاهرة الإرجاء. وهذا خطأ عظيم، هذا خطأ عظيم، فالمسألة خلافية بين أهل السنة والجماعة، وفي دائرة أهل السنة والجماعة. فمن قال بالكفر فهو من أهل السنة والجماعة، ومن فصل فهو من أهل السنة والجماعة، وليس هذا الباب بابا للتبديع ولا للتضليل. قال رحمه الله: «وخير هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، خليل رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأفضل هذه الأمة بعد نبيها أبو بكر الصديق رضي الله عنه، وهو أعلم الصحابة رضي الله عنه وأكثرهم إيمانا، كما جاء في الأدلة. وكانت خلافته مدتها سنتان وثلاثة أشهر. خلافة أبي بكر كانت مدتها سنتان وثلاثة أشهر. ثم عمر بن الخطاب الفاروق رضي الله عنه، فاروق هذه الأمة، وهو أفضل الصحابة بعد أبي بكر رضي الله عنه، والأدلة على ذلك كثيرة. وكانت خلافة عمر أبي حفص رضي الله عنه عشر سنين وستة أشهر تقريبا. خلافة عمر رضي الله عنه كانت عشر سنين وستة أشهر تقريبا. ثم عثمان، ثم عثمان بن عفان، صهر رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنتيه، ذو النورين، ذو النورين، نعماء عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه، فضائله كثيرة وجليلة وعظيمة، رضي الله عنه وأرضاه. وكانت خلافته اثنتي عشرة سنة. خلافة عثمان رضي الله عنه كانت اثنتي عشرة سنة. قال: «نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وسلم، لم يختلفوا في ذلك». يعني الإمام رحمه الله بهذا ما قاله عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه. الإمام أحمد يقول: «نقدم هؤلاء الثلاثة كما قدمهم أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، لم يختلفوا في ذلك». فالصحابة أجمعوا أن أفضل هذه الأمة أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان. ولهذا قال عبد الرحمن بن عوف رضي الله عنه: «إني قد نظرت في أمر الناس فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا». يعني لما أراد أن يختار بين عثمان أو علي أو غيرهم من الصحابة، قال عبد الرحمن بن عوف: «إني نظرت في أمر الناس»، يعني الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، «فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا»، يعني أجمع الصحابة على أن أفضل الصحابة وأفضل الأمة بعد عمر بن الخطاب هو عثمان بن عفان رضي الله عنه وأرضاه. وكان أيوب السختياني رحمه الله من أئمة السلف، كان يقول: «من قدم عثمان... من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار»، يعني فضحهم، فهم أجمعوا على أن عثمان أفضل. وهذا يأتي يقول: بل أقدم عليا على عثمان. يقول أيوب السختياني: «من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى»، أي فضح، «فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار». لماذا أزرى بالمهاجرين والأنصار؟ لماذا يقول أيوب: «من لم يقدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار»؟ لماذا يقول هذه العبارة؟ لأنهم كما قال عبد الرحمن بن عوف: «نظرت في أمر الناس فلم أرهم يختلفون، فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا من الناس». السؤال يقول: عبد الرحمن بن عوف نظرت في أمر الناس، من الناس؟ الصحابة. ومن الصحابة؟ المهاجرون والأنصار. فلم أرهم يعدلون بعثمان أحدا. فإذا قال قائل: بل أنا أقدم عليا، قيل: فضحت المهاجرين والأنصار، أنت ما وفقت. ولهذا يقول أيوب السختياني رحمه الله: «من قدم عثمان على علي فقد أزرى بالمهاجرين والأنصار»، كأنه يعترض ويقول: لا، أخطأت، سبحان الله. ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أمير المؤمنين الرابع، رابع الخلفاء الراشدين، علي بن أبي طالب، ابن عم رسول الله صلى الله عليه وسلم، وزوج ابنته، ووالد الحسنين الحسن والحسين. وحبه إيمان، وبغضه نفاق، عياذا بالله. ولا يحب عليا إلا مؤمن، ولا يبغضه إلا منافق. وهكذا المهاجرون والأنصار. كذلك قال: «ثم بعد هؤلاء الثلاثة أصحاب الشورى الخمسة: علي بن أبي طالب، وطلحة، طلحة بن عبد الله، والزبير بن العوام، وعبد الرحمن بن عوف، وسعد بن أبي وقاص. وكلهم يصلح للخلافة، وكلهم إمام». أي هؤلاء الخمسة، كل واحد من هؤلاء أهل أن يكون أمير المؤمنين وخليفة المسلمين، غير أنهم قدموا عليا عليهم، فهو أفضل الخمسة. قال: «وكلهم إمام»، أي كلهم يصلح أن يكون خليفة وإماما للمسلمين. قال: «ونذهب إلى حديث ابن عمر: كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون». أي موجودون، يسمعون ويعلمون، وكلامنا يصلهم، وكلامنا منتشر في نواحيهم، فهو في موضع للاطلاع. هذا يسمى الإجماع السكوتي، هذا إجماع سكوتي، وهو حجة. كنا نقول: «كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون: أبو بكر، ثم عمر، ثم عثمان، ثم نسكت». ولا يعني هذا الطعن في علي رضي الله عنه، بل هذا في ذاك الزمن. ثم بعد عثمان قالوا: علي. هذا، هذا ما يحمل عليه الحديث، أن هذا قاله في ذلك الزمن، في زمن عثمان أو نحوه. وأما بعد ذلك فقد اتفقوا على أن أفضل الناس بعد عثمان علي بن أبي طالب رضي الله عنه. هذا الحديث أخرجه البخاري، وانفرد به عن ابن عمر: «كنا نعد ورسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون». فرسول الله صلى الله عليه وسلم حي وأصحابه متوافرون، أي في حياة الرسول صلى الله عليه وسلم. وهذا يعتبر حديثا مرفوعا، وهو أيضا إجماع وحجة قاطعة معتبرة. ثم من بعد أصحاب الشورى: أهل، أهل بدر من المهاجرين، ثم أهل بدر من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على قدر الهجرة والسابقة أولا فأولا. قال جل وعلا: ﴿ لَا يَسْتَوِي مِنكُم مَّنْ أَنفَقَ مِن قَبْلِ الْفَتْحِ وَقَاتَلَ ۚ أُولَٰئِكَ أَعْظَمُ دَرَجَةً مِّنَ الَّذِينَ أَنفَقُوا مِن بَعْدُ وَقَاتَلُوا ۚ وَكُلًّا وَعَدَ اللَّهُ الْحُسْنَى ﴾ [الحديد: 10]. وقال جل وعلا: ﴿ وَالسَّابِقُونَ الْأَوَّلُونَ مِنَ الْمُهَاجِرِينَ وَالْأَنصَارِ وَالَّذِينَ اتَّبَعُوهُم بِإِحْسَانٍ رَّضِيَ اللَّهُ عَنْهُمْ وَرَضُوا عَنْهُ وَأَعَدَّ لَهُمْ جَنَّاتٍ تَجْرِي تَحْتَهَا الْأَنْهَارُ ﴾ [التوبة: 100]. فخير الناس المهاجرون والأنصار، وفضائلهم كثيرة. قال جل وعلا: ﴿ لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِن دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِّن رَّبِّهِمْ وَرِضْوَانًا وَيَنصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ ۚ أُولَٰئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ ﴾ [الحشر: 8]. ثم قال في مدح الأنصار: ﴿ وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِن قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِّمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَىٰ أَنفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ ۚ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾ [الحشر: 9]. هذا مدح لهم، ويؤثرون على أنفسهم، هذا مدح لهم، ولو كان بهم خصاصة. ﴿ وَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ ﴾، أي شدة حرصها على الدنيا حتى يرتكب الحرام، عياذا بالله. ﴿ فَمَن يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَٰئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ ﴾. هذا مدح عظيم للصحابة من المهاجرين والأنصار. ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يقدم أهل بدر، ومنه حديث حاطب الذي تقدم معنا في النواقض. «وما يدريك يا عمر، لعل الله اطلع على أهل بدر، فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». وهم درجات، الصحابة درجات ومنازل، بحسب الهجرة والسابقة، فمن كان أكثر سابقة كان أعلى ممن يأتي بعده. ولهذا فضل رسول الله صلى الله عليه وسلم الصحابة الأوائل على الصحابة المتأخرين، كما في حديث أبي سعيد المشهور: «لا تسبوا أصحابي». يقول النبي صلى الله عليه وسلم: هذا الحديث: «لا تسبوا أصحابي، فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفا». قاله النبي صلى الله عليه وسلم لما تكلم خالد بن الوليد في عبد الرحمن بن عوف. قال الراوي: «سب خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف»، ولم... المقصود بالسب أي التنقص، يعني قال له: نحن وإياكم سواء، أو بهذا المعنى. هذا السب الذي قاله. قال الراوي: «سب خالد بن الوليد عبد الرحمن بن عوف»، أي قال: أنتم ونحن سواء. فأنتم تقدمتم بالإسلام، ونحن جئنا فعملنا في الإسلام أعماله. هذا معنى كلام خالد بن الوليد، سيف الإسلام، وسيف من سيوف الله المسلولة، رضي الله عنه وأرضاه. فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تسبوا أصحابي»، أي لا تنتقصوهم. المقصود بالسب الانتقاص، وليس السب الذي عندنا اليوم، اللي هو اللعن والشتم، هذا ما هو... ما يعرفونه، ما يعرفون هذا، هذا خلق ذميم، ما يعرفونه. إنما المراد الانتقاص، أي لا تنتقصوا أصحابي. «لا تسبوا أصحابي» يعني الذين سبقوكم بالإسلام والهجرة والسابقة. «فوالذي نفس محمد بيده، لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبا ما بلغ مد أحدهم ولا نصيفا». يحتمل أن المراد مد أحدهم ذهبا، ويحتمل أن المراد مد أحدهم حنطة أو بر، فيكون أبلغ في التفضيل. قال رحمه الله تعالى: «ثم أهل بدر من الأنصار، من أصحاب رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، على قدر الهجرة والسابقة أولا فأولا». نقف هاهنا، ونقرأ غدا ما بعده، ونسأل الله أن يعين على أن نكمل هذه العقيدة إن شاء الله قبل يوم الخميس بإذن الله سبحانه وتعالى.