الدرس في شرح الرائد في علم الفرائض 28، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يشرح المقطع عقيدة الإمامين أبي حاتم وأبي زرعة في تكفير من يقول بخلق القرآن، ويرد على شبهة الجهمية القائلة إن إثبات الكلام تشبيه. يستدل بآيات العجل وتكليم الله لموسى وتسبيح المخلوقات، مبيناً تناقضهم في تخصيص عموم الخلق ومفرقاً بين الخلق والأمر.
يتناول المقطع محنة الإمام أحمد بن حنبل خلال فتنة خلق القرآن في عهد المأمون والمعتصم، حيث رفض القول بخلق القرآن رغم التهديد بالسجن والضرب الشديد. صبر على التعذيب نحو ثلاثين شهراً حتى أفحم خصومه وثبت على موقفه، فأُطلق سراحه بعد أن رأى المعتصم ثباته.
بعد خروج الإمام أحمد من السجن، استمرت المحنة في عهد المعتصم والواثق حيث مُنع من التدريس والصلاة الجماعية وفرّ مختبئاً. تولى المتوكل فأظهر السنة وأكرم الإمام أحمد، وانتهت المحنة بعد نحو أربعة عشر عاماً، مما يبرز فضل ثبات العلماء في حفظ الدين.
يبيّن المقطع أن الإمام أحمد وسلف الأمة أوجبوا الصبر على ولاة الأمر وإن أظهروا الكفر البواح أو أمروا بالمعاصي العظمى، ما دام الخروج عليهم يفضي إلى مفسدة أعظم. يبرز فضل الدعاء للولاة كما فعل الفضيل بن عياض، لأن صلاحهم يصلح العباد والبلاد، وهذا من علامات أهل السنة.
الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم. لا زلنا في هذه العقيدة النافعة التي أملاها إمامان حافظان جليلان من كبار أئمة هذا الدين في القرن الثالث والرابع، وهما الإمامان أبو حاتم محمد بن إدريس الحنظلي الرازي، وأبو زرعة عبيد الله بن عبد الكريم الرازي، رحمهما الله تعالى وغفر لهما. توفي أبو حاتم سنة سبع وسبعين ومئتين للهجرة، فهو من علماء القرن الثالث، من علماء المئة الثالثة. قالا رحمهما الله تعالى: ومن زعم أن القرآن مخلوق فهو كافر بالله العظيم، كفراً ينقل عن الملة. ومن شك في كفره ممن يفهم فهو كافر. ومن شك في كلام الله عز وجل فوقف شاكاً فيه، يقول: لا أدري، مخلوق أو غير مخلوق؟ فهو جهمي، فهو جهمي. ومن وقف في القرآن جاهلاً، عُلم وبُدّع ولم يُكفر. ومن قال: لفظي بالقرآن مخلوق، فهو جهمي. أو قال: القرآن بلفظي مخلوق، فهو جهمي. تقدم الكلام على هذه الفقرة فيما يتعلق برد قول الجهمية: إن القرآن مخلوق. وأصل ضلالة الجهمية أنهم أنكروا صفة الكلام لله عز وجل، وقالوا: إن أثبتنا صفة الكلام لله عز وجل شبهناه بخلقه، شبهناه بخلقه. فعندهم إثبات أن الله تكلم هذا تشبيه، هكذا يقولون، وهكذا يزعمون. وصفة الكلام عند السلف الصالحين صفة كمال، وضدها صفة نقص. ولهذا قال الله عز وجل مبيناً فساد قول بني إسرائيل إذ عبدوا عجلاً، قال سبحانه: ﴿وَاتَّخَذَ قَوْمُ مُوسَىٰ مِن بَعْدِهِ مِنْ حُلِيِّهِمْ عِجْلًا جَسَدًا لَّهُ خُوَارٌ ۚ أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾. فدلت الآية على أن من لا يكلمهم كيف يكون إلهاً، إلهاً ومعبوداً، معبوداً يُعبد. فدلت الآية على أن صفة الكلام صفة كمال، وأن الإله من صفاته أنه يتكلم كلاماً يليق بجلاله، ليس كمثله في كلامه شيء. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. فعلم أن من لا يملك ضراً ولا نفعاً، ولا يرجع قولاً، ولا يتكلم، فهذا لا يكون إلهاً. هذا يدل على عدم ألوهية العجل. ﴿أَلَمْ يَرَوْا أَنَّهُ لَا يُكَلِّمُهُمْ﴾، ﴿أَفَلَا يَرَوْنَ أَلَّا يَرْجِعُ إِلَيْهِمْ قَوْلًا وَلَا يَمْلِكُ لَهُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا﴾. دل هذا على أنه ليس بإله يُعبد. وأما قضية زعمهم أن إثبات الكلام تشبيه، فهذا ناتج عن سوء تصور. فهم إذا قيل لهم: إن الله سميع عليم حكيم، يوصف بهذه الصفات، قالوا: شبه بخلقه. وهذا إفك مبين، لأنه ناتج عن تشبيه الله بخلقه. فإذا قيل: هو سميع، توهموا سمع المخلوق، فنفوا صفة السمع اللائق. وإذا قيل: هو يتكلم كما يشاء سبحانه وتعالى، قالوا: ككلام المخلوق، يحتاج إلى حنجرة، ويحتاج إلى حلق، ويحتاج إلى لسان، ويحتاج إلى مخارج للحروف، وغير ذلك. تعالى الله عن هذا التشبيه علواً كبيراً. ولهذا وقع في مثل هذا بعض الأشاعرة أيضاً في نفيهم حقيقة صفة الكلام لله عز وجل. فالله عز وجل ليس كخلقه، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، وهو السميع البصير. وإثبات صفة الكلام لا يعني إثبات متعلقات المخلوق، إلا إن جعلتم الخالق هو المخلوق. هذا تشبيه جركم إلى التعطيل. فهم شبهوا ثم عطلوا، شبهوا ثم عطلوا. ويقال لهم أيضاً: يقول الله عز وجل: ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَكْسِبُونَ﴾. فهل جعل الله لها ألسنة وحناجر وحلقاً وحبالاً صوتية حتى سمع منها الكلام؟ هل جعل الله في الأيدي أفواهاً حين تكلمت، أو في الأرجل أفواهاً وألسنة حين شهدت؟ ﴿الْيَوْمَ نَخْتِمُ عَلَىٰ أَفْوَاهِهِمْ وَتُكَلِّمُنَا أَيْدِيهِمْ وَتَشْهَدُ أَرْجُلُهُم بِمَا كَانُوا يَقْسِبُونَ﴾. كذلك تسبيح الحصاء حين تسبح تلك الحصاء، أو تسبيح الطعام، كذلك ثبت هذا كله من معجزات رسول الله صلى الله عليه وسلم. سلام الحجر أيضاً حين سلم على رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. ليس كل ذلك خارجاً بحلق أو رئة أو مخارج. واليد والرجل والحصاء والطعام كلها مخلوقة لله عز وجل، فكيف بالخالق سبحانه وتعالى؟ هذا يسمى عند أهل الجدل وأصول الفقه: دليل النقض، أن توجد صورة تنتقض بها، تنتقض بها القاعدة. هذا مخلوق، هذه مخلوقات، ومع هذا لم تحتج إلى حين أنطقها الله وتكلمت وسبحت، لم تحتج إلى حلق ولا إلى لسان، وهي مخلوقة، ولم تحتج إلى مخارج حروف، ولم تحتج إلى أفواه تخرج تلك الأصوات، بل تكلمت كما أراد الله عز وجل لها بقدرته سبحانه وتعالى. ولهذا أثبت الله هذا في مخلوق، ولله جل جلاله المثل الأعلى، ﴿وَلَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾ سبحانه وتعالى. قال الله عز وجل في موسى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَىٰ تَكْلِيمًا﴾. تقدم أن التأكيد للمصدر ينفي المجاز ويدل على الحقيقة. فتعالى الله عما ظن هؤلاء الجاهلين علواً كبيراً. من العجائب أنهم إذا سئلوا: ما دليلكم على أن القرآن مخلوق؟ قالوا: دليلنا عموم قوله تعالى: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، والقرآن شيء. هكذا يستدلون، هكذا يقولون. ومما يدل على تناقضهم أنهم يقولون: إن أعمال العباد السيئة ليست مخلوقة لله عز وجل. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، هل خلق الله عز وجل معاصي العصاة؟ قالوا: لا. قلنا: أنتم تخصون العموم الآن، أنتم لم تأخذوا بالعموم في أفعال العباد، فكيف أخذتموه في كلام الباري جل جلاله؟ هذا تناقض لا جواب لهم عنه. هذا وجه في التناقض لا جواب لهم عنه. فهم يتحكمون، أهل أهواء مضلة. هذه الآية يستدلون بها على خلق القرآن. فإذا قيل لهم: وأفعال العباد؟ قالوا: ليست مخلوقة. هل تدخل في الآية؟ قالوا: لا تدخل في الآية. أليست أفعال العباد شيئاً؟ هذا من تناقضهم العظيم. أيضاً مما يدل: الله عز وجل فرق بين الخلق والأمر. الأمر هو الكلام. ﴿أَلَا لَهُ الْخَلْقُ وَالْأَمْرُ﴾. ففرق سبحانه وتعالى، كما يقول الأئمة كالإمام أحمد رحمه الله، بين الخلق وبين الأمر. ﴿إِنَّمَا أَمْرُهُ إِذَا أَرَادَ شَيْئًا أَن يَقُولَ لَهُ كُن فَيَكُونُ﴾. فهناك خلق، وهناك أمر. وهناك أيضاً من الوجوه أن يقال: هذه الآية من العام المخصوص، أو من العام الذي يراد به الخصوص. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، هذا من العام المخصوص، أو من العام الذي يراد به الخصوص. كقوله تعالى: ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا﴾. هل دمرت كل شيء؟ الجواب: هذا يراد به الخصوص، أي مما أمرت بتدميره. ﴿تُدَمِّرُ كُلَّ شَيْءٍ بِأَمْرِ رَبِّهَا فَأَصْبَحَ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. كذلك نجزي القوم المجرمين. مساكنهم باقية مع أن الآية فيها صيغة عموم، لكن العموم في الآية عموم يراد به الخصوص، أي: تدمر كل شيء أمرت بتدميره، وما لم تؤمر بتدميره لم تدمره، كالمساكن والبيوت، ﴿فَأَصْبَحَ لَا يُرَى إِلَّا مَسَاكِنُهُمْ﴾. وقوله تعالى في هذا الباب أيضاً: ﴿وَأُوتِيَتْ مِن كُلِّ شَيْءٍ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ﴾. هل أوتيت كل شيء؟ الجواب: معنى الآية من العام الذي يراد به الخصوص، أي: أوتيت من كل شيء يؤتاه أمثالها من الملوك. ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾، مخلوق. أما ما كان من صفات الله عز وجل وأسمائه فليست مخلوقاً. بل نقول لهم: ما هو أعظم من هذا. إن الله عز وجل قال في آية الأنعام: ﴿قُلْ أَيُّ شَيْءٍ أَكْبَرُ شَهَادَةً ۖ قُلِ اللَّهُ شَهِيدٌ بَيْنِي وَبَيْنَكُمْ﴾. فوصف الله نفسه بأنه شيء. فهل يدخل في الآية: ﴿اللَّهُ خَالِقُ كُلِّ شَيْءٍ﴾؟ هذا هو الكفر المبين. فالقوم أهل أهواء عظيمة، لا حجة لهم. ولهذا لما كان الإمام أحمد رحمه الله يناظرهم ويرد عليهم، كان يفحمهم، رحمه الله تعالى وغفر له. كان يفحمهم ويسكتهم، ولم يستطيعوا طيلة تلك المحنة أن يأتوا مع الإمام أحمد بحجة صحيحة يقبلها عقل، فضلاً عن نقل. هذه الفتنة، فتنة خلق القرآن، فترة عظيمة ابتليت بها الأمة لبضعة عشر عاماً، في نحو أربعة عشر سنة، في أيام الخلافة العباسية. كانت الخلافة العباسية في أوج ازدهارها في زمن المأمون، في أوج ازدهارها وأوج قوتها وأوج ظهورها، في انتصارات عظيمة وقوة للدولة وهيبة. وكان المأمون قد أخذ شيئاً عن أبي الهذيل العلاف، أحد رؤوس المعتزلة، أخذ عنه القول بخلق القرآن. ولا زال المأمون مع حاشيته المعتزلة الجهمية يدعون إلى القول بخلق القرآن طيلة تسعة عشر عاماً، وهم يدعون إلى خلق القرآن. لكن المأمون في تلك المدة لم يأمر الناس بأمر الدولة، وبأمر السلطان، وبأمر الحديد والنار، وبأمر السجن والقتل والسيف والحبس والضرب، أن يقولوا بخلق القرآن. إنما كانوا يدعون إلى ذلك، ويجتهدون في الدعوة إلى خلق القرآن، وإلى أصول الجهمية وغير ذلك. حتى دخلت سنة ثماني عشرة ومئتين للهجرة. وحينئذ أمر المأمون والي بغداد، وكان الإمام أحمد رحمه الله في بغداد، وكانت بغداد دار العلم ودار السنة في ذلك الزمان. فأمر في سنة ثماني عشرة ومئتين للهجرة، أمر المأمون والي بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي أن يحمل الناس بقوة الدولة والسيف والسلطان على القول بخلق القرآن. ومن لا يجب، يمتحن ويسجن ويضرب حتى يجيب. فكان أول الأمر: استدعى والي بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي سبعة من العلماء، سبعة من أعيان أهل العلم في ذلك الزمان، وهم: محمد بن سعد الكاتب، الليث، وأبو خيثمة زهير بن حرب، ويحيى بن معين، وأبو مسلم، وإسماعيل الجوزي، والدورقي، وابن أبي مسعود. هؤلاء السبعة استدعاهم، وامتحنهم، وخوفهم بالسيف: إن لم تجيبوا قطعت رقابكم، أو سجنتم وضربتم. فضعفوا، رحمهم الله تعالى، وأجابوا إلى خلق القرآن. فلما بلغ إلى الإمام أحمد رحمه الله تعالى أن هؤلاء العلماء السبعة قد أجابوا المأمون وواليه على بغداد إسحاق بن إبراهيم الخزاعي إلى القول بخلق القرآن، حزن الإمام أحمد حزناً شديداً، واغتم لذلك غماً عظيماً، رحمه الله تعالى. وكان يقول رحمه الله: لو صبر هؤلاء لانقطعت هذه المحنة، وانتهت هذه الفتنة، رحمهم الله تعالى جميعاً. ولله الأمر من قبل ومن بعد. قال الإمام أحمد: هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله، لكان الأمر قد انقطع. وحذرهم الرجل، يعني المأمون. هؤلاء لو كانوا صبروا وقاموا لله عز وجل، لكان الأمر قد انقطع. وحذرهم الرجل، يعني المأمون. لكن لما أجابوا وهم عين البلد، اجترأ على غيرهم. وكان الإمام أحمد رحمه الله إذا ذكر هؤلاء العلماء السبعة يغتم ويحزن حزناً شديداً، رحمه الله. وكان يقول: هم أول من ثلم هذه الثلمة، هم أول من ثلم هذه الثلمة، وأفسد هذا الأمر. هكذا كان يقول، رحمه الله تعالى وغفر له. فلما أجابوا، أمر المأمون واليه بإحضار المزيد من العلماء. فأحضرت دفعة أخرى من العلماء، وعلى رأسهم أحمد بن حنبل، وعبد الله بن محمد بن نوح، وعبيد الله بن عمر القواريري، والحسن بن حماد الملقب بسجادة، وجماعة من أهل العلم، رحمهم الله تعالى جميعاً. فأخذهم الخزاعي، وامتحنهم، فأبوا أن يجيبوا. خوفهم، وامتحنهم. وبعد امتحان وتخويف، أجاب الإمام عبيد الله بن عمر القواريري، وأجاب أيضاً الإمام الحسن بن حماد الملقب بسجادة، وأجاب غيرهم أيضاً. ولم يبق صامداً إلا رجلان: الإمام أحمد بن حنبل، والإمام محمد بن نوح، رحمهما الله تعالى وغفر لهما. فغضب المأمون لما بلغه الخبر أن أحمد بن حنبل ومحمد بن نوح لم يجيبوا في هذه الفتنة، لم يجيبوا. فأمر بحملهم على البريد مقيدين، أمر بحملهم إلى بغداد، إلى الرقة، حيث دار المأمون حين كان والياً وخليفة في ذلك الزمان. فدعا الله الإمام رحمه الله تعالى، دعا الله ألا يريه المأمون. فكان يدعو ويبتهل إلى الله. فجاء نعي المأمون، والإمام أحمد قد وصل إلى الرقة هو ومحمد بن نوح. فقيل: أرجعوهم من حيث جئتم بهم، فقد مات المأمون. فرح الإمام أحمد رحمه الله تعالى، وظن أن المحنة قد انتهت. هذا في سنة ثماني عشرة ومائتين للهجرة. ظن أن الفتنة قد انتهت. ثم جاء بعد المأمون المعتصم، محمد بن هارون الرشيد، المعتصم بعد المأمون. وكان قد قرب أحمد بن أبي دؤاد، وكان أحمد بن أبي دؤاد مقرباً أيضاً إلى المأمون، وكان يستشيره. فقال أحمد بن أبي دؤاد للمعتصم: إن هذا أمراً قد قام به من قبلك، فلا تتوان فيه. وأمر بإحضارهم مقيدين إلى السجن. وهذا في سنة ثماني عشرة ومائتين للهجرة. فقام المعتصم بالفتنة شر قيام، وسار بسير المأمون، واشتدت الفتنة بعد تولي، بعد تولي الخليفة المعتصم، رحمه الله تعالى. وسجن الإمام أحمد، وأوذي أذى شديداً، رحمه الله تعالى. وضرب ضرباً مبرحاً حتى انخلعت يداه، انخلعت يداه من كتفيه، رحمه الله تعالى وغفر له. وبقي في السجن يضرب ويعذب بأنواع الضرب، نحواً من ثمانية وعشرين شهراً، وقيل: بل بقي نحواً من ثلاثين شهراً. كانوا يناظرونه في القول بخلق القرآن، فكان يفحمهم، كان يفحمهم، وهو ثابت على موقفه، لا يزداد إلا شدة وثباتاً ويقيناً يوماً بعد يوم ببطلان هذه الضلالة، وخسران هذه البضاعة، رحمهم الله تعالى جميعاً. فلما رأى المعتصم ثبات الإمام أحمد وصبره الشديد، أمر به أن يحضر بين يديه فيبرم. قال السجان الذي ضرب الإمام أحمد: لقد ضربته ثمانين سوطاً، لو ضرب بها فيل لهدته. حتى السجان كان متعجباً من صبر الإمام، رحمه الله. وكان الإمام أحمد في قريب من الشيخوخة في ذلك الزمان، فإنه توفي سنة إحدى وأربعين ومئتين للهجرة، رحمه الله. فهذا قبل موته بأقل من عشرين سنة، بأقل من عشرين سنة، أو بنحو عشرين سنة. فكان يضرب، وكان يؤذى، ولم يكن يلين ولا يستكين ولا يرجع، وكان يدين... (تصحيح: والسياق "ولم يكن يلين ولا يستكين ولا يرجع، وكان يدافع...") يدافع عن القرآن وأنه كلام الله عز وجل غير مخلوق، بجميع جهاده: الكلام كلام الباري، والصوت صوت القارئ، إلى آخر ما كان يقرر، رحمه الله تعالى وغفر له. وبقي في السجن سنتين وأربعة أشهر، أو سنتين وستة أشهر، وهو مقيد في ذلك السجن. وفي سنة إحدى وعشرين ومئتين للهجرة، أمر المعتصم، إذ رأى ثبات الإمام أحمد رحمه الله، بإطلاق الإمام أحمد. وفرح المسلمون بخروج الإمام أحمد فرحاً شديداً. وأقام في بيته مدة يتعالج مما عاناه من أمراض وأمور من الضرب الشديد الذي ضرب به في السجن. ثم لما عوفي، عاد إلى التدريس والإفتاء والجمعة والجماعة، حتى مات المأمور... (تصحيح: المعتصم). يقول الذهبي رحمه الله تعالى: قلت: وامتحن الناس بخلق... وامتحن الناس، يعني المعتصم، بخلق القرآن، وكتب بذلك إلى الأمصار، وأخذ بذلك المؤذنين والفقهاء والكتاب. ودام على ذلك أربعة عشر عاماً، حتى أزال الله المحنة على يد المتوكل. ثم مات المأمور، المعتصم، والفتنة في أوجها. يمتحن المؤذنون، ويمتحن أئمة المساجد، ويمتحن العلماء، ويمتحن طلاب العلم، ويمتحن المسلمون بخلق القرآن. فمن أجاب، أعطي راتبه وبقي في وظيفته. ومن لم يجب، ضرب وسجن، ومنع من راتبه، ولم يعط من بيت المال درهماً ولا دانقاً ولا غير دانق. فتنة عظيمة. مات المأمور، المعتصم، في سنة سبع وعشرين ومئتين. ثم ولي الواثق بعده، فقام الواثق في هذه الفتنة بنحو ما تقدم، أو أشد. وانقاد إلى قول أحمد بن أبي دؤاد. فلما دخلت سنة إحدى وثلاثين ومئتين للهجرة، أمر الواثق بامتحان الأئمة والمؤذنين بخلق القرآن. ولم يتعرض للإمام أحمد رحمه الله، لكنه أرسل إليه: أن لا يدرس الناس، ولا يخطب في المسلمين، ولا يفتيهم، وأنه لا يساكنه في بلد هو فيها، وأنه لا يصلي جمعة، ولا يصلي جماعة، ويعتزل الناس، ويجلس في أرض لا يكون فيها الواثق موجود. فلا زال الإمام أحمد مشرداً في تلك المدة، مختبئاً من الواثق، لأنه يعلم أنه ربما قتله إن وجده. ثم استقر رحمه الله في منزله. ومع هذا كان الإمام أحمد يقول لابنه صالح: إني لأرى طاعته في العسر واليسر، إني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة. وإني لآسف على تخلفي عن الصلاة، وعن حضور الجمعة والجماعة، ودعوة المسلمين. هكذا يقول الإمام أحمد رحمه الله تعالى، في والٍ أظهر الكفر البواح، وامتحن الناس به، وامتحن الأئمة، وامتحن المصلين، وامتحن المؤذنين والكتاب، وأرسل في الأمصار يدعو إلى خلق القرآن، وهو كفر بإجماع أهل العلم، ويقتل من لا يجيبه إلى قوله، وربما سجنه أشد السجن. يقول: إني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة. وإني لآسف على تخلفي عن الصلاة، وعن حضور الجمعة والجماعة، ودعوة المسلمين. ثم لم يلبث أن مات الواثق في سنة اثنتين وثلاثين ومئتين للهجرة. ثم ولي بعده المتوكل، المتوكل رحمه الله تعالى، وكان رجلاً عاقلاً من أهل السنة. فكشف الله به هذه الغمة، وقد بقيت نحو أربعة عشر عاماً. وأظهر السنة، ومحا القول بالبدعة. قال صالح بن... قال صالح بن الإمام أحمد: حججت في سنة إحدى وثلاثين، فوجدت ستار الكعبة مكتوباً فيه على تلك الدوائر الذهبية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فلما قدم إلى بيته، قال للإمام أحمد: يا والدي، إني طفت بالكعبة وأنا حاج هذا العام، فوجدت مكتوباً على ستار الكعبة في تلك الدوائر: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. قال الإمام أحمد: أراد الخبيث أن يحرف القرآن، الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾، وهو لا يريد أن يثبت اسم السميع ولا البصير لله عز وجل، تعمقاً في مذهب الجهمية. نسأل الله العافية والسلام. فعظم أمر الإمام أحمد في زمن المتوكل، ولم يبق من عمره إلا قليل. عظم الإمام أحمد، وأكرمه المتوكل غاية الإكرام، وأظهر الله السنة. حتى قال بشر بن الحارث، الإمام الزاهد، إمام أهل بغداد: إن أحمد أدخل الكير، فخرج ذهباً أحمر. إن أحمد أدخل الكير، فخرج ذهباً أحمر. وقال ابن المديني: ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. قال الميموني: فعجبته هذه العبارة، عظيمة: ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. علي بن المديني، ممن أجاب في المحنة، هو ممن أجاب في المحنة، وله شيء من العذر، رحمه الله تعالى، في ذلك. فقال: ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. قال الميموني، من أصحاب الإمام أحمد: فاستعظمت هذه الكلمة، ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. قال: حتى لقيت الإمام أبا عبيد، القاسم بن سلام، فقلت له: إني سمعت علي بن المديني يقول: ما قام أحد في الإسلام ما قام أحمد بن حنبل. قال: صدق، صدق. إن أبا بكر قام يوم الردة، وكان له أنصار وأعوان. وإن الإمام أحمد قام في زمن المحنة، ولم يكن له أنصار ولا أعوان. ولهذا كانوا يقولون، وكان يقول: لست أعلم في الإسلام مثل الإمام أحمد. هذه المحنة العظيمة التي قام بها الجهمية والمعتزلة، محنة ابتلي بها أهل الإسلام. وهذه المحنة فيها الكثير من الفوائد والعبر. فمن ضمن الفوائد التي في هذه المحنة العظيمة: أن البلاء موجود في هذه الأمة بالمحن. قال تعالى: ﴿أَلِفٌ لَّامٌ مِيمٌ * أَحَسِبَ النَّاسُ أَن يُتْرَكُوا أَن يَقُولُوا آمَنَّا وَهُمْ لَا يُفْتَنُونَ * وَلَقَدْ فَتَنَّا الَّذِينَ مِن قَبْلِهِمْ فَلَيَعْلَمَنَّ اللَّهُ الَّذِينَ صَدَقُوا وَلَيَعْلَمَنَّ الْكَاذِبِينَ﴾. فلابد من بلاء على الإسلام وأهله، ومحن تمر بأهل العلم، فضلاً عن غيره. وفي هذا أيضاً: أن حق أهل العلم في الصبر أعظم من حق غيرهم. فإنهم يعلمون من الحق ما لا يعلمه غيرهم، ويقومون في الدين بما لا يقوم به غيرهم. فإذا كان أهل العلم يولون ويجبنون، فإن هذا يؤدي إلى ضياع الدين، عياذاً بالله. ولهذا حزن الإمام أحمد على إجابة يحيى بن معين، والقواريري، ويحيى بن معين، وعلي بن المديني، ومحمد بن سعد كاتب الليث، وأبي خيثمة، وغيرهم. أجابوا، فحزن الإمام أحمد، وكان يقول: لو صبروا لذهبت هذه الفتنة، ولانكسر الرجل عن دعوة الناس إليها. فأهل العلم إذا أرادوا الله عز وجل وصبروا واحتسبوا الأجر، فإن الله عز وجل يذهب بثباتهم محناً وفتناً عظيمة. ولهذا هجر الإمام أحمد كل من أجاب في المحنة، إلا قليلاً. هجرهم، ولم يرو عنهم، وزجرهم. كل ذلك لأجل أنهم ثلموا في الإسلام هذه التلمة. ومن فوائد أيضاً هذه القصة العظيمة، والمحنة الجليلة، التي هي من أعظم المحن التي حصلت في الأمة: أنه ينبغي لأهل العلم أن ينظروا في مآلات الأمور، قبل أن ينظروا في ما يعيشونه اليوم، في مآلات الأمور. لو أن أحمد بن حنبل أجاب، والعلماء أجابوا، لربما ضاع من الإسلام ما ضاع، وصارت سنة يُؤتسى بها، ويهتدي الناس بضلالها، ويصيرون بعدها على دين ملزم، فيمحى الله... (تصحيح: فيمحى من السنة ما يمحى). ولهذا صبر الإمام أحمد رحمه الله على السجن، وصبر على الضرب، وصبر على النفي، وصبر على الأذى، صبراً عظيماً. كل هذا لأنه يعلم أنه إن لم يفعل، فإن الأمر سيكون شديداً على أمة الإسلام. وفي هذه القصة أيضاً: أن الإمام والوالي إن دعا الناس إلى الكفر وألزمهم به، أو المعاصي العظيمة، فالواجب عليهم الصبر، إن كانوا لا يستطيعون استبداله بغير مفسدة. بغير... (تصحيح: فالواجب عليهم هو الصبر). والسمع والطاعة لولاة الأمر، ليس هذا جبناً. جيء للإمام أحمد، فقيل له: إن هؤلاء أظهروا الكفر البواح، أفلا نحرّض الناس على قتالهم؟ قال: لا، لا تنزعوا يداً من طاعة، واصبروا، حتى يستريح بر، ويستريح من فاجر. هكذا كان يقول، على نهج سلف الأمة، رحمهم الله. واليوم هذه المسألة تعتبر مثالاً عظيماً للحكام الذين يظهرون الكفر البواح، ولا يستطيع الرعية ولا العلماء أن يزحزحوهم، أو أن يغيروهم دون مفسدة على الإسلام وأهله. فالأمر في مثل هذه الحالة بالصبر. قال تعالى: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا مَا آتَاهَا﴾. قال تعالى: ﴿لَا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلَّا وُسْعَهَا﴾. فأثبت أن بالاستطاعة تتنزل الواجبات. فإذا لم توجد الاستطاعة، أو حصل العجز، أو غلب على الظن حصول الفتنة العظيمة التي تربو على المفسدة التي يراد إزالتها، أو تساويها، أو تدانيها، فلا يجوز حينئذ الخروج على الأئمة. ومنها أيضاً: أنه ليس كل من قال بخلق القرآن كفر. فالواثق لم يكفره الإمام أحمد، ولا كفر من قبله، بل كان يرى لهم السمع والطاعة، لأنه يرى أنهم فتنوا، وكان ربما يرى أن لهم شبهة في الباب تمنع من تكفيرهم. فليس كل حاكم أظهر الكفر البواح خرجنا عليه، أو كفرناه. بل لا بد من توفر الشروط وانتفاء الموانع، وأن ننظر في الحال. وهذه المسائل من أغمض المسائل. فهذا إمام... (تصحيح: وهذا إمام) يحرف القرآن، يكتب على ستار الكعبة تحريفاً: ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾، ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. وهذا أمر عظيم. ويأمر المؤذنين والوعاظ والخطباء، وفقهاء المكاتب، وطلاب العلم، بالامتحان، وأن يقولوا بالكفر، وإلا سجنوا أو ضربت أعناقهم. فهو دعا إلى كفر بواح، وأمر به، وقننه، وشرعه، وحمل السلاح في الدفاع عنه، وجعل الدولة تناضل دون ذلك الكفر البواح. ومع هذا يقول الإمام أحمد: إني لأرى طاعته في العسر واليسر، والمنشط والمكره، والأثرة، والأثرة، رحمه الله. وكان يأمر بالدعاء لهم، فكان يدعو للولاة. ولهذا صار من علامة أهل السنة أنهم يدعون لولاة الأمور، كما قال البربهاري: إذا رأيت الرجل يدعو لولاة الأمر، فأعلم أنه صاحب سنة. وإذا رأيته يدعو على ولاة الأمر، فأعلم أنه صاحب بدعة. فينبغي الحرص على الدعاء لهم. قال ابن المبارك: الفضيل بن عياض، رحمهم الله تعالى. قال الفضيل: لو أن لي دعوة مستجابة، لصرفتها للأمير. لو أن لي دعوة مستجابة، لصرفتها للأمير. فقال عبد الله بن المبارك: بين لنا هذا الأمر، أحسن الله إليك، ودعا له. قال: إن الأمير إذا دعي له، فاستجاب الله الدعوة، أوشك الله أن يصلح العباد والبلاد، فيفتح المساجد ودور العلم، ويأمر بالمعروف، وينهى عن المنكر، ويدعو إلى الجهاد، وتصلح أحوال العباد والبلاد. وإذا دعي عليه، قام من فتنة، وقام بنشر المعاصي، وقمع أهل العلم، وحصل منه ما حصل من الأمور العظيمة. فقام الإمام عبد الله بن المبارك، الذي يلقب بشيخ الإسلام، فقبل الفضيل بن عياض على رأسه، وقال: من يحسن هذا؟ من يحسن هذا؟ جزاك الله خيراً عن الإسلام وأهله. فهذا المعنى مثال عظيم، ينبغي التدبر والتعلم فيه، واستنباط المعاني منه. وبهذا نكون قد انتهينا من هذه الرسالة. وبقيت مسألة واحدة، أردفها الإمام أبو محمد عبد الرحمن بن أبي حاتم، نقرأها إن شاء الله تعالى في المجلس القادم. فنسأل الله عز وجل أن يرحم الإمام أحمد وسائر علمائنا المسلمين، وأن يقدر لهذه الأمة أمر رشد، يعز فيه أهل الطاعة، ويذل فيه أهل المعصية، ويؤمر فيه بالمعروف، وينهى فيه عن المنكر، وأن يولي علينا خيارنا، ولا يولي علينا شرارنا، وأن يصلح ولاة الأمور في كل مكان، وأن يسر لهم البطانة الصالحة التي تعينهم على الخير وتأزرهم عليه وتأمرهم به، وأن يصرف عنهم بطانة السوء، وأن يهديهم ويصلحهم ويصلح بهم، إنه جواد كريم. وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه وسلم.