شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 10

الدرس في شرح كتاب الشريعة للإمام الاّجري 10، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تحذير النبي ﷺ من الجدال بالمتشابه وعقوبة الإمام

يشرح الدرس تحذير النبي ﷺ أمته من المجادلة بمتشابه القرآن، مبيناً أن فاعلي ذلك أهل أهواء وزيغ يجب هجرهم وتحذير الناس منهم، مع استعراض عقوبة الإمام لهم بالسجن أو الضرب أو التعزير مستدلاً بأحاديث عائشة وقصة عمر مع صبيغ بن عسل. كما يوضح أن العقوبة لم تكن للسؤال ذاته بل لانصراف السائل عن علم الواجبات إلى ما لا ينفع، مؤكداً واجب ولاة الأمر في عقوبة أهل الأهواء حفظاً للدين.

منهج السلف في ترك المراء والجدال وبدء باب الإيمان

يستعرض المقطع منهج العلماء قديماً وحديثاً في كراهة الخوض في المسائل المعضلة المثيرة للجدل، والأمر بالسؤال عما ينفع في الدين والدنيا مستدلاً بآيات وأحاديث تحذر من كثرة السؤال والمراء. ثم ينتقل إلى استهلال باب عظيم في العقيدة وهو الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى غير مخلوق، مبيناً أن صفة الكلام صفة ذاتية وفعلية لله سبحانه.

إثبات أن القرآن كلام الله غير مخلوق ورد قول الجهمية

يؤكد الدرس أن القرآن كلام الله تعالى وصفة من صفاته غير مخلوقة، ومن زعم أنه مخلوق فقد كفر بإجماع المسلمين لأن الصفات تابعة للذات الإلهية، مستدلاً بآيات صريحة كنزوله بعلمه وأمر النبي ﷺ بإجارة المستجير حتى يسمع كلام الله. كما ينقل عن السلف كعمر بن الخطاب تأكيدهم أن القرآن كلام الله، محذراً من تأويلات الجهمية والمعتزلة والكلابية الأشاعرة المخالفة لعقيدة أهل السنة.

منهج المحدثين في التعامل مع الآثار وأقوال الصحابة

يذكر الشيخ قاعدة المحدثين في التسامح في الآثار غير المنكرة مقابل التشدد في الأحاديث، ثم يورد أثرين: الأول عن عمر بن الخطاب ينهى عن صرف القرآن بالآراء، والثاني عن خباب بن الأرت يحث على التقرب إلى الله بكلامه تعالى، مبيناً المنهج السليم في تلقي الآثار الواردة في العقيدة.

  • 10 جمادى الآخرة 1442هـ - 23/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد، وعلى آله الطيبين وصحبه الغر الميامين، ومن تبعهم بإحسان إلى يوم الدين. لازلنا في قراءة كتاب الشريعة للإمام الكبير الحافظ المحدث الفقيه أبي بكر محمد بن الحسين الآجري رحمه الله تعالى وغفر له، المتوفى سنة ستين وثلاثمائة للهجرة بمكة المكرمة. وهذا الكتاب من الكتب التي تعد من أصول أهل السنة والجماعة التي حوت عقائدهم والرد على مخالفيهم. قرأنا في الأسبوع الماضي الكلام على المناظرات والجدال. قال المؤلف رحمه الله تعالى وغفر له: "باب تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته الذين يجادلون بمتشابه القرآن وعقوبة الإمام لمن يجادل فيه". قال رحمه الله تعالى: "باب تحذير النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم أمته الذين يجادلون بمتشابه القرآن". سيأتي بيان تحذير النبي صلى الله عليه وسلم الواضح منهم، وأنهم أهل أهواء، وأن هذا التحذير يتضمن هجرهم، ويتضمن ترك السلام عليهم، ويتضمن مجانبتهم حتى يتوبوا من هذه الضلالة، ويتضمن تحذير الناس منهم كما سيأتي إن شاء الله تعالى. قال رحمه الله: "وعقوبة الإمام لمن يجادل فيه"، أي أن ولاة الأمور واجبهم عقوبة من يعرف بهذا المسلك، وهو ضرب القرآن بعضه ببعض، وكله حق، لكنه يشكك الناس فيه، فيأخذ المتشابه منه ليشكك الناس في محكماته الواضحة الدلالة. فمثل هؤلاء واجب ولاة الأمر سجنهم أو ضربهم أو تعزيرهم بما يردعهم وأمثالهم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو زكريا يحيى بن محمد الحنائي، قال: حدثنا محمد بن عبيد بن حساب، قال: حدثنا حماد بن زيد عن أيوب عن عبد الله بن أبي مليكة أن عائشة رضي الله عنها قالت: تلا رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم يوماً هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾. هذه الآية تضمنت أن القرآن منه المحكم ومنه المتشابه. هذه الآية تضمنت أن القرآن فيه المحكم وفيه المتشابه، وبيّنت هذه الآية الموقفة من مثل هذا، وهو رد المتشابه إلى المحكم. فالمتشابه مشكل، المتشابه فيه إشكال أو عدم اتضاح للمراد منه، ولهذا سمي متشابهاً أي يشتبه أمره على أناس. الواجب رد هذا المتشابه إلى المحكم، هذا الواجب. قال تعالى: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ فَيَتَّبِعُونَ مَا تَشَابَهَ مِنْهُ﴾، أي ويتركون المحكم فيتبعون ما تشابه منه ابتغاء الفتنة وابتغاء تأويله، ﴿وَمَا يَعْلَمُ تَأْوِيلَهُ إِلَّا اللَّهُ﴾. ثم بيّن جل جلاله موقف الراسخين العلماء الذين هم أولى الناس بمعرفة القرآن: ﴿وَالرَّاسِخُونَ فِي الْعِلْمِ يَقُولُونَ آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. المحكم نؤمن به والمتشابه نؤمن به، كل جاء من عند الله عز وجل، لا نرد هذا بهذا، ولا نكفر بهذا ونرد هذا أو نقبله، بل نحن نؤمن بالجميع: ﴿آمَنَّا بِهِ كُلٌّ مِّنْ عِندِ رَبِّنَا﴾. قال تعالى: ﴿وَمَا يَذَّكَّرُ إِلَّا أُولُو الْأَلْبَابِ﴾. يقول رحمه الله تعالى: فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "فإذا رأيتم الذين يجادلون فيه" أو "به" يعني المتشابه، "فهم الذين عنى الله فاحذروهم". والحديث في صحيح مسلم. قال النووي رحمه الله في شرح الحديث: فيه وجوب التحذير منهم وهجرانهم ومجانبتهم وترك السلام عليهم إلى آخره. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو أحمد هارون بن يوسف، قال: حدثنا محمد بن أبي عمر العدني، قال: حدثنا عبد الوهاب الثقفي عن أيوب، عبد الوهاب الثقفي عن أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن رسول الله صلى الله عليه وسلم قرأ: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ هُنَّ أُمُّ الْكِتَابِ وَأُخَرُ مُتَشَابِهَاتٌ﴾ إلى آخر الآية، فقال: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله"، يعني بالزائغين: ﴿فَأَمَّا الَّذِينَ فِي قُلُوبِهِمْ زَيْغٌ﴾، نسأل الله العافية، والزيغ: الفتنة والهوى. فأولئك، فقال صلى الله عليه وسلم: "إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله فاحذروهم". عن الله تعالى: فاحذروهم. تحذير واضح وتحذير صريح من النبي صلى الله عليه وسلم لمن يأخذ المتشابهة ثم يجادل به الناس. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو بكر بن أبي داود، قال: حدثنا يحيى بن حكيم، قال: حدثنا عبد الوهاب بن عبد المجيد، قال: حدثنا أيوب عن ابن أبي مليكة عن عائشة أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم تلا هذه الآية: ﴿هُوَ الَّذِي أَنزَلَ عَلَيْكَ الْكِتَابَ مِنْهُ آيَاتٌ مُّحْكَمَاتٌ﴾ إلى قوله: ﴿أُولُو الْأَلْبَابِ﴾، فقال: "يا عائشة، إذا رأيتم الذين يجادلون فيه فهم الذين عنى الله تعالى فاحذروهم". قال رحمه الله تعالى: ولهذا الحديث طرق جماعة، أو طرق كثيرة لهذا الحديث. قلنا: الحديث أخرجه مسلم أيضاً في صحيحه. قالوا به. قال: حدثنا أبو بكر عبد الله بن محمد بن عبد الحميد الواسطي، قال: حدثنا إسماعيل بن عبد الكريم، قال: حدثنا مكي بن إبراهيم، قال: حدثنا الجعيد بن عبد الرحمن عن يزيد بن خصيفة عن السائب بن يزيد قال: أتى عمر بن الخطاب رضي الله عنه، فقالوا: يا أمير المؤمنين، إنا لقينا رجلاً يسأل عن تأويل القرآن. فقال: اللهم أمكنني منه، أي دعا عمر رضي الله عنه أن يقبض على هذا الرجل ويقع تحت يده: اللهم أمكنني منه. قال: فبينا عمر ذات يوم يغذي الناس، أو يطعم الناس، إذ جاءه رجل عليه ثياب وعمامة، فتغدى حتى إذا فرغ قال: يا أمير المؤمنين، ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾. فقال عمر: أنته. فقام إليه فحسر عن ذراعيه، فلم يزل يجلده حتى سقطت عمامته. فقال: والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك. لماذا يضرب رأسه إذا كان محلوقاً؟ لماذا؟ عندك فضل، لأنها علامة الخوارج، علامة الخوارج، والنبي صلى الله عليه وسلم قال في الخوارج: "أينما لقيتموهم فاقتلوهم". سبحان الله. قال: والذي نفس عمر بيده، لو وجدتك محلوقاً لضربت رأسك. ألبسوه ثيابه واحملوه على قتب، ثم أخرجوه حتى تقدموا به بلاده، ثم ليقم خطيباً، ثم ليقل: إن صبيغاً طلب العلم فأخطأه، فلم يزل وضيعاً في قومه حتى هلك، وكان سيد قومه. سناده صحيح. وهكذا كانوا رضي الله عنهم في شدتهم في الحق، وفي قطعهم دابر الفتن، وفي وعدهم للفتن وهي في مهدها. قال رحمه الله تعالى: أخبرنا أبو عبيد علي بن الحسين بن حرب الطائي القاضي، قال: حدثنا أبو الأشعث أحمد بن المقدام، قال: حدثنا حماد بن زيد عن يزيد بن حازم عن سليمان بن يسار، عن سليمان بن يسار، عن سليمان بن يسار أن رجلاً من بني تميم يقال له صبيغ بن عسل قدم المدينة، قدم المدينة، قال له صبيغ بن عسل قدم المدينة، وكانت عنده كتب، فجعل يسأل عن متشابه القرآن. فبلغ ذلك عمر رضي الله عنه، فبعث إليه وقد أعد له عراجين النخل، عراجين النخل معروفة التي يأتي عليها التمر تسمى بالخيلان نحوه، وقد أعد له عراجين النخل. فلما دخل عليه جلس، فقال له عمر: من أنت؟ فقال: أنا عبد الله صبيغ. فقال عمر: وأنا عبد الله عمر. ثم أهوى إليه فجعل يضربه بتلك العراجين، فما زال يضربه حتى شجه، أي جعل في رأسه جراحة في وجهه أو في رأسه من شدة الضرب، فجعل الدم يسيل على وجهه. فقال: حسبك. فقال: حسبك يا أمير المؤمنين، فقد والله ذهب الذي كنت أجد في رأسي. قال محمد بن الحسين: فإن قال قائل: فمن يسأل عن تفسير ﴿وَالذَّارِيَاتِ ذَرْوًا * فَالْحَامِلَاتِ وِقْرًا﴾ يقرأ استحق الضرب والتنكيل والهجرة؟ قيل له: لم يكن ضرب عمر رضي الله عنه له بسبب هذه المسألة، ولكن لما تأذى إلى عمر، لما تأدى من الأداء، أي وصل إلى عمر ما كان يسأل عنه من متشابه القرآن من قبل، من قبل أن يراه، علم أنه مفتون قد شغل نفسه بما لا يعود عليه نفعه، وعلم أن اشتغاله بطلب علم الواجبات من علم الحلال والحرام أولى به، وتطلب علم سنن رسول الله صلى الله عليه وسلم أولى به. فلما علم أنه مقبل على ما لا ينفعه، سأل عمر، سأل عمر الله تعالى أن يمكنه منه: اللهم أمكنني منه، حتى ينكل به وحتى يحذر غيره، لأنه راعٍ يجب عليه تفقد رعيته في هذا وفي غيره، فأمكنه الله تعالى منه. هذا واجب أولاة الأمر: من علموا أنهم من أهل الأهواء والبدع وأنهم يفتنون الناس، فالواجب عقوبتهم ضرباً أو سجناً أو غير ذلك. هذا واجب ولاة الأمور، حفظاً لمجتمعات المسلمين وحفظاً لدين الناس. هذا واجب ولي الأمر. قال رحمه الله تعالى: وقد قال عمر رضي الله عنه: "سيكون أقوام يجادلونكم بمتشابه القرآن، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى". هذه أيضاً من القواعد العمرية العظيمة، وهو أن القرآن يفسر بالسنة، وأن السنة تأخذ بالقرآن، فهما مثلان: السنة والقرآن. قال تعالى: ﴿وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الْكِتَابَ وَأَنزَلْنَا إِلَيْكَ الذِّكْرَ لِتُبَيِّنَ لِلنَّاسِ مَا نُزِّلَ إِلَيْهِمْ﴾، فالسنة بيان القرآن. قال عمر: "فإن أصحاب السنن أعلم بكتاب الله تعالى". أصحاب السنن اطلعوا على آثار رسول الله صلى الله عليه وسلم وفهموا تفسيره، وتفسير من سمع تفسير رسول الله وتفسير الصحابة، فهم أعلم الناس بفهم القرآن. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو محمد حسن بن علوية القطان، وقال: حدثنا عاصم بن علي، قال: حدثنا الليث بن سعد عن يزيد بن أبي حبيب عن بكير بن عبد الله بن الأشج أن عمر بن الخطاب رضي الله عنه قال: "إنا سنجادلونكم بمتشابه القرآن، أي متشابه، فخذوهم بالسنن، فإن أصحاب السنن أعلم بكتابنا". قال محمد بن الحسين رحمه الله: وهكذا كان من بعد عمر، كان من بعد، كان من بعد عمر علي بن أبي طالب رضي الله عنه، إذا سأله إنسان عما لا يعنيه، عنّفه ورده إلى ما هو أولى به. والإنسان ينبغي يسأل الله تعالى الهداية في طلبه للعلم والإعانة. فكم من إنسان شغل نفسه بقضايا كان الأولى به أن يشتغل بواجبات دينه عن تلك القضايا، شغل نفسه بأمور لا يطلب منه جوابها، ولا هو ممن يحسن علمها، ولا هو ممن يدرك غورها وفهمها، فهو يقحم نفسه فيها، والناس لا يحتاجون إلى رأيه ولا إلى قوله، ثم يزعم أنه طالب علم، قد ترك ما هو به أولى من حفظ القرآن وفهمه، وتعلم الواجبات والمحظورات والحرام، ترك ذلك كله، تعلم العقيدة وهي أوجب الواجبات، تعلم التوحيد، قد ترك، فهو مشغول بقضايا قد لا يحسن فهمها فهماً صحيحاً. بل إن بعض الناس ربما كتب في ذلك كتابات أو أوراقاً، أو أوراقاً يجمعها يظنها علماً نافعاً. وقيل في البلاغة في باب صلة الموصول: يذكر علماء البلاغة مثالاً، يقولون: لقد صنف في الفقه الذي لا يحسنه. هكذا يقولون: لقد صنف في الفقه الذي لا يحسنه، شاهد. الذي عنده شاهد عندنا المعنى: لقد صنف في الفقه الذي لا يحسنه، يعني مسائل لا يحسنها صنف فيها. وهكذا اليوم، كم يبتلى شباب، عياذاً بالله، بمسائل في التكفير في غاية الدقة، إنما تؤخذ عن الراسخين في العلم، يفتنون بكلمة مجملة من كلام عالم قد أخذوها، وفي كلام ذلك العالم ما يردون. وآخرون يفتنون بقضايا كتكفير المجتمعات أو الحكم بجاهليتها أو غير ذلك، كل ذلك من الفتن العظيمة. فإذا سألته عن مسائل الوضوء كان جاهلاً، وإذا سألته عن مسائل الطهارة والصلاة رأيته جاهلاً، وإذا سألته عن مسائل في التوحيد والعقيدة رأيته جاهلاً، وإذا جلس في المجالس أثار تلك المسائل التي هي طبلويات يظنها علماً نافعاً. ولهذا الواجب النصيحة لهم. كان علي بن أبي طالب إذا سأله إنسان عما لا يعنيه عنّفه، أي شد عليه،حياناً الشدة علاج، ليس اللين دائماً، معالجة من الناس من لا يصحو عقله من سكره إلا إذا ضرب بكلام لاذع، ضرب بكلام لاذع، حينئذ يستيقظ. لكن يعطى كلاً آخر، كأنك تخاطب شخصاً سكران لا يعقل شيئاً. ولهذا هذا واجب وضع الأشياء في مواضعها، كما قال المتنبي: "ووضع الندى في موضع السيف بالعلا مضر كوضع السيف في موضع الندى". كل شيء له قدر، قدر كل شيء له حساب، فيعطى كل شيء مقداره الذي يسلحه. كان علي بن أبي طالب رضي الله عنه إذا سأله إنسان عما لا يعنيه، أمر لا يعنيه، ولا هو من خصوصياته، ولا هو مما يسأل عنه، ولا هو مما يحتاج إلى قوله فيه، عنّفه، أي شد عليه في العبارة، وأغاض عليه في الكلام، هذا لصالحه، هذا من النصيحة. ثم قال: عنّفه ورده إلى ما هو أولى به، أي قال له: اترك هذا، انصرف إلى تعلم الواجبات، إلى تعلم الحلال والحرام، ادرس عند فلان، اقرأ القرآن عنده، واقرأ السنة عند فلان، وتعلم علوم الحلال والحرام عند فلان، وإذا سمعت عنك أنك لا تدرس، لا تدرس، رأيت ويلا عظيماً. مثل هذه النصائع تنفع. قال رحمه الله تعالى: روي أن علي بن أبي طالب قال يوماً: سلوني. فقام ابن الكواء فقال: ما سواد الذي في القمر؟ فقال له: قاتلك الله، سلت تفقهاً ولا تسأل تعنتاً. نسأل الله العافية والسلامة. السؤال الذي يوجه للإنسان قد لا يراد به الفائدة، وإنما يراد به التكلف والتعنت، فمثل هذا لا يجاب إلا على سبيل التعنيف. قال رحمه الله: ألا سألت عن شيء ينفعك في أمر دنياك أو آخرتك؟ يعني هذا الذي ينفعه، تسأل عما تحتاجه من أمر دنياك أو آخرتك. ثم قال: ذاك محو الليل، أي سواد الليل، هكذا فسره علي رضي الله عنه. وهذا الأثر له طرق كثيرة فيها بيان أكثر مما هاهنا. ذاك محو الليل، أي السواد الذي أحدثه الظلام، هكذا فسره علي. هذه الأمور نحن نقول فيها: الله أعلم، الله أعلم، لأنه ليس عندنا نصوص صريحة فيها، ولعل علياً رضي الله عنه وقف من النبي صلى الله عليه وعليه على علم فيها. قال رحمه الله تعالى: قال أبو بكر: قلت، وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل، أو عضل المسائل، يعني المسائل المعضلة، المسائل المشكلة، ويردونها، ويأمرون بالسؤال عما يعني، يعني عما يحتاجه الإنسان ويستفيد منه في حياته ويعنيه في أموره، مثل هذا أنفع به وأولى به. قال محمد بن الحسين رحمه الله: وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل، يعني المسائل المشكلة التي تحتاج إلى علماء يفهمونها ويقررونها. ولهذا كم من المسائل من تجد كبار العلماء يقولون: وهذه مسألة مشكلة، أو يقولون: وهذه المسألة من غوامض العلم. هكذا يقولون: مسائل غامضة قد لا يحسن فهمها كل أحد إلا من وفقه الله، ولا يضرك ألا تعلمها. مسائل كثيرة تمر في مثل هذا. ذكر الإمام محمد بن سليمان الخطابي في شرحه معالم السنن عند الكلام على النذر، في الكلام على قضية: كيف كيف يؤمر بالنذر، كيف يؤمر بالوفاء بالنذر وينهى عن ابتدائه؟ ثم قال: وهذه المسألة من غوامض العلم. شاهد أنها مسألة فيها غموض إلا على من بصره الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله تعالى: قلت، وقد كان العلماء قديماً وحديثاً، هذا منهج العلماء وسبيلهم وطريقهم. وقد كان العلماء قديماً وحديثاً يكرهون عضل المسائل ويردونها، ويأمرون بالسؤال عما يعني، أي عما يعني الإنسان في دنياه أو في آخرته، خوفاً من المراء والجدال الذي نهوا عنه. لأن هذا السائل غالباً يريد الجدل. السائل عن المسائل المشكلة إذا أجبته بجواب في غاية الإحكام والإتقان، قال: لكن ما يقال في كذا؟ ولكن كذا؟ ولكن كذا؟ لأن في قصده إظهار تفوقه وأنه فهم وأنه علم وأنه أدرك، وأن الحاضرين ليسوا في مستوى، فلا بد أن يجادل، حتى لو أتيته بجواب محكم،حياناً ما يفهم كلامه أصلاً، ولا يسمع ما تقوله، لأنه محضر نفسه لأجل أن يورد الاعتراض، سواء أجبت أو لم تجب. ولهذا، ولهذا كان السلف يكرهون هذه المسائل، ويقولون: سل عما غيرها، سل عما غيرها، فيسكت، لا يسأل. غالباً غالباً لا يسكتون لأنهم لا يقصدون البحث عما ينفعهم، وإنما يسألون عما يظهرهم. نسأل الله السلامة والعافية. قال رحمه الله تعالى: خوفاً من المراء والجدال الذي نهوا عنه، ونهى عنه، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قيل وقال وكثرة السؤال، ونهى عن الأغلوطات، وهي المسائل التي يغلط فيها الإنسان في جوابه، مسائل مشكلة فيها إشكال، فيها غموض، فيها شيء من الغلط، عن الأغلوطات. قال رحمه الله تعالى: ونهى عن الأغلوطات. وقال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "أعظم المسلمين في المسلمين جرماً من سأل عن شيء لم يحرم فحرم من أجل مسألته". التكلف مذموم. ما سكت عنه الشرع فهو معفو عنه، فهو معفو عنه. ولهذا يقول الله جل جلاله: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ وَإِن تَسْأَلُوا عَنْهَا حِينَ يُنَزَّلُ الْقُرْآنُ تُبْدَ لَكُمْ عَفَا اللَّهُ عَنْهَا وَاللَّهُ غَفُورٌ حَلِيمٌ * قَدْ سَأَلَهَا قَوْمٌ مِّن قَبْلِكُمْ ثُمَّ أَصْبَحُوا بِهَا كَافِرِينَ﴾. لما سمع الصحابة هذه الآيات، أو هاتين الآيتين، كانوا لا يسألون رسول الله صلى الله عليه وسلم، خوفاً من الدخول في السؤال المنهي عنه: ﴿لَا تَسْأَلُوا عَنْ أَشْيَاءَ إِن تُبْدَ لَكُمْ تَسُؤْكُمْ﴾، فكانوا يفرحون أن يأتي الأعرابي العاقل فيسأل رسول الله صلى الله عليه وسلم فيستفيدون، يفرحون بالذات العاقل الذي يحسن الجواب، السؤال وقصده الفائدة، وهو غريب، يفرحون به غاية الفرح، كما قال أنس رضي الله عنه. قال الإمام الآجري رحمه الله: كل هذا خوفاً من المراء والجدال. فاتقوا الله يا أهل القرآن، أيامى عني بحفظ القرآن وفهمه وتدبره. فاتقوا الله يا أهل القرآن، ويا أهل الحديث، ويا أهل الفقه، ودعوا المراء والجدال والخصومة في الدين، واسلكوا طريق من سلف من أئمتكم، يستقم لكم الأمر الرشيد، وتكونوا على المحجة الواضحة إن شاء الله تعالى، إن شاء الله. فقد أثبت في ترك المراء والجدال ما فيه كفاية لمن عقل، والله الموفق، والله الموفق لمن أحبه. هكذا يختم هذا الباب بهذه الموعظة البليغة والنصيحة العظيمة في وعظ أهل العلم، سواء من تخصص في القرآن، ومن تخصص في الحديث، أن لا يجادلوا في الحديث ولا يماروا بالعلم، أو من اهتموا بالفقه والحلال والحرام، أن لا يجادلوا في الفقه ويتماروا فيه، وأن يسلكوا سبيل أئمتهم وسلفهم، كانوا يكرهون الجدل ويحبون الفائدة والإفادة، ويكرهون المراء ويحبون طرح العلم على سبيل الفائدة والإرشاد. هذا باب، وهذا باب، ثم بين أنه قد بين لنا في أبواب سابقة تفصيل القول في ترك المراء والجدال، وصدق حين قال: ما فيه كفاية لمن عقل، فقد أبلغ في الكلام وأجاب عن كثير من الإشكالات، والكتاب في غاية النفع والفائدة، لا زال أهل السنة يقرؤونه وينتفعون به، كلامه سهل وكلامه أيضاً دقيق جداً، رحمه الله تعالى. قال رحمه الله تعالى: والله الموفق لمن أحب، التوفيق بيد الله عز وجل، الله عز وجل لا يوفق من شاء من عباده، من أحبه الله وفقه، سبحانه وتعالى. ولهذا ينبغي للمسلم أن يكثر من سؤال الله الإعانة والتوفيق، فإن التوفيق عزيز، التوفيق عزيز، كم من محروم التوفيق في العلم، في الحفظ، في الفهم، في الدرس، في أشياء كبيرة، في القراءة، في الكتابة، حرم التوفيق. التوفيق محتاج أن يراجع الإنسان نفسه. قال: "باب ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى، وأن كلامه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر". هذا باب من الأبواب العظيمة، فالرد على الجهمية المعتزلة. وقد تقدم الكلام على هذه المسائل في شرح أصول السنة للرازيين، فيها شرح مفصل في الكلام على هذه المسائل، يعيننا إن شاء الله تعالى في قراءة هذا الباب النافع. قال رحمه الله: "باب ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى". وكلام الله تعالى صفة من صفاته الذاتية، وهو أيضاً صفة فعلية، فالكلام من صفات الذات، وهو أيضاً من صفات الفعل، يتكلم متى شاء، وهو سبحانه كلم موسى، قال تعالى: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾، قال تعالى: ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾، قبل ذلك لم يكلمه، لكن لما جاء لميقات علمه الله كلمه، وكلمه ربه. فصفة الكلام من صفات الله عز وجل الذاتية، وهي أيضاً من صفاته الفعلية، سبحانه وتعالى. والصفات الذاتية تكون ملازمة للذات كالعلم والحياة والقدرة ونحوها، والصفات الفعلية هي التي يفعلها الله عز وجل متى شاء وأراد، سبحانه وتعالى، كالنزول والمجيء ونحوها، والغضب والرضا ونحوها من الصفات، فهي صفات فعلية. الكلام هناك من الصفات ما هو من وجه هو صفة ذاتية، ومن وجه هو صفة فعلية، ومن تلك الصفات كلام الله تعالى. ذكر الإيمان بأن القرآن كلام الله تعالى، إذن القرآن من صفات الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: "وأن كلامه ليس بمخلوق". تعالى الله عز وجل أن تكون صفة من صفاته مخلوقة، لأننا لو جعلنا صفة من صفاته مخلوقة لكان هو مخلوق، عياذاً بالله، فالصفات تابعة للذات، الصفات تابعة للذات، فإذا كان ذاته غير مخلوق فصفاته ليست مخلوقة، سبحانه وتعالى. ومن زعم أن صفة من صفات الله مخلوق فإنه كافر بإجماع المسلمين. قال رحمه الله: "أن كلامه ليس بمخلوق، ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر". هذا ناقض من نواقض الإسلام، فالجهمية كفروا بأمور، ومنها ذكرنا هذه الأمور وهي خمسة أمور، ومنها زعمهم أن القرآن مخلوق، زعمهم أن القرآن مخلوق، ومنها نفيهم الصفات والأسماء عن الله عز وجل، ومنها قولهم بتسلسل العالم، قولهم بتسلسل الحوادث، ومنها أيضاً قولهم بخلق، بفناء الجنة والنار، عياذاً بالله. أصول تقدم الكلام عليه. الشاهد: ومن زعم أن القرآن مخلوق فقد كفر، إلا أن يكون جاهلاً فيعلم ويعرف ويبين له أن هذا كفر أكبر، وأن هذا معناه أن الله مخلوق أيضاً، فإن رجع بعد العلم والبيان، وإلا فإنه عياذاً بالله من الكافرين. وقد لا يكفر بعض الناس لأجل وجود الشبهة، فأهل السنة والجماعة يعذرون بالشبهات، وهذا ما يسمونه بالتأويل، من كان له تأويل أو شبهة يتأنى فيه، فإنه ملتبس عليه الأمر، لا يدري وجه الصواب من وجه الباطل في القضية، فهذا يبين له ويعرف ويعذر بشبهته، فإن زالت الشبهة نزلنا الحكم عليه. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين: اعلموا رحمنا الله وإياكم، آمين، أن قول المسلمين الذي لم تزر قلوبهم عن الحق ووفقوا للرشاد قديماً وحديثاً، هناك من المسلمين من زار، وهم جماعة من المتأخرين، طائفة يقال لهم الجهمية، ويقال لهم المعتزلة أيضاً. قال رحمه الله تعالى: قال محمد بن الحسين رحمه الله: اعلموا رحمنا الله وإياكم أن قول المسلمين الذين لم تزر قلوبهم عن الحق ووفقوا للرشاد قديماً وحديثاً أن القرآن كلام الله تعالى ليس بمخلوق، لأن القرآن من علم الله، سبحان الله، وعلم الله عز وجل لا يكون مخلوقاً، تعالى الله عن ذلك. وهذه الحجة لعل أول من أشار إليها وذكرها هو الإمام أحمد بن حنبل رحمه الله تعالى، وقد قدمنا ذلك في شرح أصول السنة لأبي حاتم وأبي زرعة، لما كان في السجن رحمه الله، قال: لقد استعظمت قول من يقول إن القرآن مخلوق بآيتين من كتاب الله، قال: لأن القرآن من علم الله، وعلم الله صفة من صفاته، وليس علم الله مخلوقاً، قال تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ﴾، فالقرآن أنزله الله بعلمه، أي بعلم الله عز وجل، فدل على أنه من صفات الله عز وجل، وعلى أن الكلام من صفات الله، وعلى أن القرآن يتعلق بصفة العلم ويتعلق أيضاً بصفة الكلام. قال رحمه الله تعالى: لأن القرآن من علم الله، وعلم الله عز وجل لا يكون مخلوقاً، تعالى الله عن ذلك. دل على ذلك القرآن والسنة، وقول الصحابة رضي الله عنهم، وقول أئمة المسلمين، لا ينكر هذا إلا جهمي خبيث، والجهمي عند العلماء كافر، أي الجهمي الخالص، الجهمي الخالص. لأن الجهمية درجات ثلاث، الجهمية درجات ثلاث: جهمية محضة، قدمنا ذكر بعض عقائدهم كقولهم بفناء الجنة والنار، وقولهم بتسلسل الحوادث، وحوادث لا أول لها، وقولهم بأن القرآن مخلوق، ونفيهم أسماء الله عز وجل وصفاته، وأشياء كثيرة، وأشياء من هذا النوع وقعوا فيه، هؤلاء يسميهم العلماء الجهمية المحضة. وهناك الجهمية المعتزلة، وهم الذين أنكروا الصفات وأثبتوا الأسماء مجردة عن الصفات، وقالوا بخلق القرآن، وهم المعتزلة القدرية، ونفي القدر أيضاً من عقائد الجهمية، أن الإيمان هو المعرفة. والمعتزلة درجة ثانية، الدرجة الثالثة الكلابية الأشاعرة، الدرجة الثالثة هم الكلابية الأشاعرة، وهم إناث الجهمية، عندهم بعض أصول الجهمية مشوا عليها وقالوا بها، وقرروا الجهمية الإناث لأنهم متناقضون. قال رحمه الله تعالى: والجهمي عند العلماء كافر. قال الله تعالى: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِّنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾، أي القرآن، فسمى القرآن كلام الله، سماه القرآن كلام الله، فدل على أن القرآن كلام الله عز وجل، صفة من صفاته سبحانه وتعالى، فأجره حتى يسمع كلام الله، إذن الذي سمعه منك بصوتك وقراءتك هو كلام الله عز وجل، الصوت صوت القارئ والكلام كلام الباري سبحانه. وقال تعالى: ﴿وَقَدْ كَانَ فَرِيقٌ مِّنْهُمْ يَسْمَعُونَ كَلَامَ اللَّهِ ثُمَّ يُحَرِّفُونَهُ مِن بَعْدِ مَا عَقَلُوهُ﴾، شاهد: يسمعون كلام الله، إذن القرآن كلام الله عز وجل. وقال تعالى لنبيه عليه السلام: ﴿قُلْ يَا أَيُّهَا النَّاسُ إِنِّي رَسُولُ اللَّهِ إِلَيْكُمْ جَمِيعًا الَّذِي لَهُ مُلْكُ السَّمَاوَاتِ وَالْأَرْضِ لَا إِلَهَ إِلَّا هُوَ يُحْيِي وَيُمِيتُ فَآمِنُوا بِاللَّهِ وَرَسُولِهِ النَّبِيِّ الْأُمِّيِّ الَّذِي يُؤْمِنُ بِاللَّهِ وَكَلِمَاتِهِ﴾، وهو القرآن. وقال لموسى عليه السلام: ﴿إِنِّي اصْطَفَيْتُكَ عَلَى النَّاسِ بِرِسَالَاتِي وَبِكَلَامِي﴾، شاهد: وبكلامي، فدل على أن القرآن كلام الله. قال محمد بن الحسين: ومثل هذا في القرآن كثير. وقال تعالى: هذا الأول في جعل القرآن كلام الله، وأنه صفة كلام الله عز وجل، أو من صفة كلام الله عز وجل. قال رحمه الله تعالى: هذا الكلام على أنه من علم الله. وقال تعالى: ﴿فَمَنْ حَاجَّكَ فِيهِ مِن بَعْدِ مَا جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ﴾، أي من الله عز وجل، فالقرآن من علم الله عز وجل. وقال تعالى: ﴿وَلَئِنِ اتَّبَعْتَ أَهْوَاءَهُم بَعْدَ الَّذِي جَاءَكَ مِنَ الْعِلْمِ إِنَّكَ إِذَا لَمِنَ الظَّالِمِينَ﴾، شاهد: من بعد ما جاءك من العلم، فهو من علم الله عز وجل. وأصرح من هذا قوله تعالى: ﴿أَنزَلَهُ بِعِلْمِهِ وَالْمَلَائِكَةُ يَشْهَدُونَ﴾، أنزله بعلمه، وهو القرآن، فالقرآن أنزل بعلم الله عز وجل، وهذا أصرح في الدلالة. قال محمد بن الحسين رحمه الله وغفر له: لم يزل الله تعالى عالماً متكلماً سميعاً بصيراً بصفاته قبل خلق الأشياء، من غير من قال غير هذا كفر. سنذكر، وسنذكر من السنن والآثار وقول العلماء الذين لا يستوحش من ذكرهم، ما إذا سمعها من له علم وعقل زاده علماً وفهماً، وإذا سمعها من في قلبه زيغ، فإذا أراد الله هدايته إلى طريق الحق رجع عن مذهبه، وإن لم يرجع فالبلاء عليه أعظم. قال رحمه الله تعالى: حدثنا أبو جعفر محمد بن صالح بن ذريغ العكبري، قال: حدثنا محمد بن عبد المجيد التميمي، قال: حدثنا أبو إسحاق الفزاري عن الحسن بن عبيد الله النقعي، عن الحسن بن عبيد الله النقعي عن سعد بن عبيدة عن أبي عبد الرحمن السلمي قال: سمعت عمر بن الخطاب رضي الله عنه يقول على منبره: "أيها الناس، أيها الناس، إن هذا القرآن كلام الله، فلا أعرفن ما عطفتموه على أهوائكم، فإن الإسلام قد خضعت له رقاب الناس، فدخلوه طوعاً وكرهاً، وقد وضعت، وقد وضعت لكم السنن، ولم يترك لأحد مقالة إلا أن يكفر عبد عمداً، عمد عين، أي متعمد، فاتبعوا ولا تبتدعوا، فقد كفيتم، اعملوا بمحكمه وآمنوا، وآمنوا بمتشابهه". يقول: حسن لغيره. قدمنا قاعدة عند المحدثين أن الأحاديث يتشدد فيها ويفحص طرقها، وتفحص طرقها، أما الآثار فيتساهل فيها إذا لم تكن منكرة، فإذا وجد فيها ضعف يسير احتمل، كما قال يحيى بن سعيد القطان وعبد الرحمن بن مهدي وجماعة، وجعلوه منهج المحدثين الأوائل رحمهم. قال: أخبرنا أبو محمد عبد الله بن صالح البخاري، قال: حدثنا عثمان بن أبي شيبة، قال: حدثنا جرير عن ليث بن أبي سليم عن سالمة بن كهيل عن أبي الزعراء عبد الله بن هانئ قال: قال عمر بن الخطاب رضي الله عنه: "القرآن كلام الله، فلا تصرفوه على آرائكم". وبه. قال: حدثنا أبو القاسم عبد الله بن محمد بن عبد العزيز البغوي، قال: حدثنا داود بن رشيد، قال: حدثنا أبو حفص الأبار عن منصور عن هلال بن يساف عن فروة بن نوفل قال: أخذ خباب بن الأرت بيدي فقال: "يا هناه، تقرب إلى الله تعالى بما استطعت، فإنك لست تتقرب إليه بشيء أحب إليه من كلامه". نقف هنا إن شاء الله، ونكمل بعد المغرب. هذا، وصل الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.