مقدمة في أصول الدين 2

الدرس في مقدمة في أصول الدين 2، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

شرح منظومة صفوة الزبد: النية والإخلاص ومتابعة السنة

يشرح الشيخ أبيات المنظومة المتعلقة بتصحيح النية قبل العمل وإدامة الإخلاص فيه، ووجوب موافقة القول والعمل للسنة النبوية محذراً من البدع في الأذكار. ويؤكد على وجوب سؤال أهل العلم عند الجهل والسفر لطلب العلم إن لم يوجد معلم، مبيناً حكم المال المكتسب من الربا جهلاً بأنه حلال للراجح.

نقد دليل حدوث العالم ونفي الصفات الاختيارية

يناقش المقطع بطلان استدلال المتكلمين بحدوث العالم على نفي الصفات الاختيارية عن الله كالكلام والرضا والغضب، مؤكداً مذهب السلف في أن الله يتكلم متى شاء ويفعل ما يريد. كما يبرز استغناء الله عن خلقه وانفراده بالخلق والتدبير ونفي المثل والشبيه عنه مع الرد على قول الأشاعرة المتأخرين بقدم كلام الله النفسي.

العقيدة السلفية في الصفات الاختيارية والقرآن وخاتمية النبوة

يقرر المقطع إثبات الصفات الاختيارية لله تعالى كما عليه السلف والأشاعرة الأوائل، ويبين أن القرآن كلام الله المكتوب في اللوح المحفوظ والمقروء باللسان. ويؤكد خاتمية النبوة بمحمد صلى الله عليه وسلم والرد على القاديانية، ثم يعدد فضائل الخلفاء الراشدين والعشرة المبشرين بالجنة وأهل بدر والمهاجرين والأنصار، ويختم بذكر الأئمة الأربعة وسفيان الثوري ومنهج أهل السنة في الاجتهاد والاختلاف.

الخلاف المعتبر وكرامات الأولياء وحدودها

يبيّن المقطع ضوابط الخلاف المعتبر عند أهل العلم، ثم ينتقل إلى تعريف الكرامة بأنها أمر خارق للعادة يجريه الله على يد ولي صالح مع ذكر أمثلة ككرامة العلاء بن الحضرمي وعمر بن الخطاب وأصحاب الكهف. ويوضح أن كرامات الأولياء لا تصل إلى حد خلق ولد من غير أب، ويذكر قصة صلة بن أشيم وإحياء فرسه، مختتماً بقاعدة عدم الخروج على ولي الأمر إلا بكفر بواح.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، وصلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في منظومة صفوة الزبد فيما عليه المعتمد للعلامة أحمد بن رسلان رحمه الله، وكنا وقفنا في مقدمته في الكلام على النية. قال رحمه الله تعالى: فصحح النية قبل العمل فصحح النية قبل العمل وأتي بها مقرونة بالأول وإن تدم حتى بلغت آخرة حزت الثواب كاملا في الآخرة نجرى الكلام على هذين البيتين، وأن النية مصححة للعمل كما في حديث: «إنما الأعمال بالنيات، وإنما لكل امرئ ما نوى». فصحة العمل بالنية، فيكون قبل شروعه ناويا بهذه العبادة أن تكون لله خالصة، حينئذ يكون هذا من أعظم أسباب قبول هذا العمل. النية: فصحح النية قبل العمل، تكون مسبوقة، سابقة للعمل، تكون سابقة للعمل، والمراد بالعمل العبادة. وأتي بها مقرونة بالأول، أي في أول العمل كالصلاة ونحوها، فلا بد من أن تكون مقرونة بأولها، والحج كذلك، وصوم الفرض كذلك. وأما النفل فيشرع أن يكون في أثناء اليوم كما هو معلوم في هذه المسألة. وإن تدم حتى بلغت آخرة حزت الثواب كاملا في الآخرة: هذا احتراز عما يرد من خواطر الشرك ومراءات الخلق أثناء العبادة والعمل. قلنا: وهذا على صورتين. الصورة الأولى: أن يكون هذا الرياء ناقضا لأصل النية الأولى، وهذا يبطل العمل عياذا بالله، لأنه أبطل النية الأولى؛ كان ناويا أن يصلي لله فنوى أن لا يصلي لله، وأن تكون الصلاة لمخلوق، عياذا بالله، هذا وقع في خطر عظيم. وأما النية، أو أما الرياء الطارئ: مراءات الناس، كالإطالة فيما أصل نيته فيه صالحة؛ نوى الصلاة لله عز وجل ثم رأى أناسا أو غير ذلك فأطال قليلا، هو على خطر، على خطر، ولكننا نرجو أن ينجيه الله كما يقول أهل العلم في الجملة: صحيح، لكنه وقع في المراءاة. وعندنا حديث أبي هريرة رضي الله عنه وأرضاه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يقول الله عز وجل: أنا أغنى الشركاء عن الشرك، من أشرك معي في عمل عملا أشرك معي فيه غيري تركته وشركه». هذا حديث أبي هريرة في صحيح مسلم، وهو مع حديث «إنما الأعمال بالنيات»، ومع حديث عائشة رضي الله عنها: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد»، وفي الرواية الأخرى: «ومن عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد». سبب لقبول العمل لأنه جمع بين الإخلاص واتباع السنة. أشار إلى هذا الناظم فقال: ونية والقول ثم العمل النية، وكذلك الأقوال العبادية، وكذلك الأعمال التي تعمل بالجوارح وهي عبادات، بغير وفق سنة لا تكمل، بغير السنة لا تكمل، بل تكون مردودة لحديث عائشة رضي الله عنها: «من عمل عملا ليس عليه أمرنا فهو رد»، في الرواية الأخرى: «من أحدث في أمرنا هذا ما ليس منه فهو رد». الله عز وجل يقول: ﴿وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا اللَّهَ مُخْلِصِينَ لَهُ الدِّينَ حُنَفَاءَ﴾، ويقول سبحانه: ﴿لِيَبْلُوَكُمْ أَيُّكُمْ أَحْسَنُ عَمَلًا﴾. قال الفضيل: أخلصه وأصوبه. ثم سئل فقال: أخلصه ما كان خالصا لله، وأصوبه ما كان على السنة. فمن عبد الله على غير السنة فعمله مردود. اليوم كم يتساهل ناس في عبادات، لو وقفوا بينهم وبين أنفسهم سائلين لها: هل هذه العبادات على وفق سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم أم لا، لعلموا أنهم قد عملوا أعمالا ليست على السنة، ليست على السنة. مثل الأذكار التي تذكر بعد الصلوات ليست على السنة، فكيف يضاف إليها الجهر؟ وأما المشروعة: مثل «أستغفر الله، أستغفر الله، أستغفر الله» ثلاثا، و«سبحان الله» ثلاثا وثلاثين، و«اللهم أنت السلام منك السلام»... هذه مشروعة. لكن بعض الأذكار التي تسمع إنما أتى بها بعض الناس فصارت سننا لا تترك، عياذا بالله، وهي من الأمور التي ضيعت بسببها السنن المشروعة. فهذا الناظم وغيره من أهل العلم يحرصون على أن لا يكون عملك أو قولك أو نيتك إلا على سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم. يقول الناظم رحمه الله: ونية والقول ثم العمل بغير وفق سنة لا تكمل من لم يكن يعلم ذا فليسألي من لم يجد معلما فليرحلي أي: من كان جاهلا بمثل هذه الأصول، متوسعا في البدع والضلالات، وإن زعم أن نيته حسنة، فليسأل أهل العلم بتجرد، لا أن يتعالم ويقول: أنا أعلم، إنا وجدنا آباءنا على أمة وإنا على آثارهم مقتدون، وإنا على آثارهم مهتدون. هذا تعصب وجهل، نسأل الله العافية، وضلالة، نسأل الله العافية، وجهالة أيضا. من لم يكن يعلم ذا فليسألي: الله جل وعلا يقول: ﴿فَاسْأَلُوا أَهْلَ الذِّكْرِ إِنْ كُنْتُمْ لَا تَعْلَمُونَ﴾. الواجب سؤال أهل العلم عن بعض الأمور التي فيها إشكال: هل هي صحيحة؟ هل هي صواب؟ ما دليلها؟ أما أن يقول القائل: وجدنا آباءنا على أمة، فهذا والله خسران، أي خسران، نسأل الله السلامة والعافية. هذا من عدم التوفيق. من لم يجد معلما فليرحلي: إذا كنت في بلد لا تجد من يعلمك هذه الأصول من إخلاص النية وموافقة السنة في العمل، فارحل واسأل عن عالم أو عن علماء، فخذ عنهم العلم النافع، وسلهم، وتبصر في دينك، وتعلم الهدى من الضلالة، والزم السنة وتعلمها. من لم يكن يعلم ذا فليسألي، من لم يجد معلما فليرحلي. وطاعة ممن حراما يأكل مثل البناء فوق موج يجعل أي: ليست على شيء. يطيع الله عز وجل ثم يأكل الحرام، يظن أن الحرام يلغى كونه حراما إذا كان طائعا لله، كمن يصلي مثلا ثم يأكل الحرام. وهذا ربما يحمل على المستمر لذلك، المستخف بذلك، نسأل الله العافية والسلامة. وأما المسألة فيها تفصيل: فمن أخذ... فمن كان أبوه له مال حرام فالإثم على الأب، وله أن يأكل من ذلك المال، له أن يأكل من ذلك المال ولو كان ربويا، وإثمه على أبيه، الإثم على الأب. هذا لا يدخل في مثل هذا البيت، لا يدخل في مثل هذا البيت. كذلك من لا يعلم أنه حرام: إنسان عمل أعمالا ربوية وهو جاهل، وكون منها أموالا، ثم عرف أن هذا المال ربوي، فهل ماله الذي حصله من تلك المعاملات حال كونه لا يعلم أنها حرام يحل له الانتفاع به أم لا؟ ثم فهمتم المسألة: إنسان يتعامل بالربا وهو لا يدري أنه ربا، لا يدري أنه ربا، يتعامل بالربا، كون أموالا، ثم هداه الله، عرف أنه حرام وربا، قال: استغفر الله، جاء يسأل: المال الذي كونته هذه أرصد، هل هذا حلال لي أم حرام؟ حلال أم حرام؟ نعم، هذه المسألة فيها خلاف، والراجح فيها أن ماله حلال لأنه جاهل، والله عز وجل أحل أموال المشركين إذ كانوا جاهلين، إذ كانوا جاهلين أحل أموالهم لهم، فصارت رؤوس أموالهم حلالا لهم إذ كانوا جاهلين. ويقول جماعة من المحققين منهم ابن تيمية في رسالة وغيره من أهل العلم، وهو أحد الوجهين في المسألة: إنما له حلال، وهذا هو الراجح، لأن الآية فيها بعد العلم التحريم، بعد العلم. آية البقرة فيها التحريم بعد العلم، قال جل وعلا: ﴿فَمَنْ جَاءَهُ مَوْعِظَةٌ مِنْ رَبِّهِ فَانْتَهَى فَلَهُ مَا سَلَفَ وَأَمْرُهُ إِلَى اللَّهِ﴾. فله ما سلف، أي بعد مجيء الموعظة. هذه بعض المسائل، وهناك مسائل أخرى أيضا. شاهد البيت يحمل على المستخف الذي يفعل العبادة غصبا، كمن يأخذ مثلا أرضا لمسلمين ثم يصلي فيها غاصبا لها، هذا في خطر عظيم، أو يأخذ ثيابا غصبا ثم يقول: أصلي إن شاء الله. الصلاة والغصب كل واحد سقط الثاني، والحمد لله خرجنا سالمين، هذا ما هو صحيح. يقول الناظم رحمه الله: وطاعة ممن حراما يأكل مثل البناء فوق موج يجعله بنى بيتا على موج البحر، هل يثبت البيت؟ ما يثبت البيت أبدا. فاقطع يقينا بالفؤاد واجزمي بحدث العالم بعد العدم هذه مسألة مشهورة، وهي مسألة حدوث الحوادث، مسألة من أصول المتكلمين، من الجهمية ومن تبعهم من المعتزلة، فالأشعرية ظاهرها فيه كلام مقبول والمقصود منها باطل محرم. فأما ظاهرها: فالأناسي والله عز وجل مخلوق، هذا لا يجادل فيه أحد، لا يجادل فيه أحد ولا ينكره. قال تعالى: ﴿الْحَمْدُ لِلَّهِ رَبِّ الْعَالَمِينَ﴾، أي خالقهم ومربيهم سبحانه وتعالى. وكل ما سوى الله فهو مخلوق، وهو عالم. فاقطع يقينا بالفؤاد واجزمه بحدث العالم بعد العدم. لكن المراد عند غلاة المتكلمين بما يسمونه دليل حدث العالم: نفي الصفات الاختيارية عن الذات الإلهية، نفي الصفات الاختيارية، هذا المراد بهذا الدليل: نفي الصفات الاختيارية عن الله عز وجل، وهذا من أبطل الأدلة وأكثرها تناقضا واضطرابا. دليل نفي الحوادث من أكثر الأدلة اضطرابا، المراد نفي اتصاف الله جل جلاله بالصفات الاختيارية، كالكلام: يتكلم متى شاء، والاستواء، ونحو ذلك من الصفات، والرضا والغضب. وفي الحديث: «إن ربي قد غضب اليوم غضبا لم يغضب قبله مثله ولن يغضب بعده مثله». ينفون هذه الصفات، يؤولونها بالإرادة ونحو ذلك. شاهد أن هذا سيق لأجل نفي الصفات الاختيارية. معتقد السلف أن الله يفعل ما يشاء، يفعل ما يشاء سبحانه، وأن صفات الله عز وجل الاختيارية: الله عز وجل قادر عليها بالقوة وبالفعل. فإذا كنتم تقولون إن هذا المخلوق الساكت متكلم، تصفونه حال سكوته بالكلام لأنه قادر على الكلام، قوي على الكلام، فلله عز وجل المثل الأعلى، فالله عز وجل قادر على كل شيء، فهو يتكلم متى شاء، وهو يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى. والقول في الصفات فرع عن القول في الذات. قال: فاقطع يقينا بالفؤاد واجزمي لحدث العالم بعد العدم. هذا دليل قدمنا الكلام عليه على أنه باطل، قدمنا الكلام على أنه باطل. والله يفعل ما يشاء، يفعل ما يشاء سبحانه وتعالى. أحدثه لا لاحتياجه الإله، ولو أراد تركه لما ابتداه. الله عز وجل خلق الخلق لا لاحتياجه إليهم، قال الله عز وجل: ﴿وَمَا خَلَقْتُ الْجِنَّ وَالْإِنْسَ إِلَّا لِيَعْبُدُونِ﴾. قال الإمام ابن كثير: أي ما خلقتهم إلا لعبادتي، لا لاحتياجي إليهم. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ﴾. الله هو الغني الحميد. ﴿إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ * وَمَا ذَلِكَ عَلَى اللَّهِ بِعَزِيزٍ﴾. نحن فقراء إلى الله سبحانه وتعالى، وهو الغني الغنى المطلق سبحانه وتعالى. أحدثه لا لاحتياجه لإله، وما أريد منكم منهم من رزق. تتمة الآية: ﴿وَمَا أُرِيدُ أَنْ يُطْعِمُونِ﴾. الله غني سبحانه وتعالى. ولو أراد تركه لما ابتدأ، فهو لما يريده فعال. لآية سورة البروج: ﴿فَعَّالٌ لِمَا يُرِيدُ﴾. فعال لما يريد. وليس في الخلق له مثال. لقول الله عز وجل في آية الشورى: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. كمثله شيء. هذا مطابق للفظ المثال: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ثم قال جل وعلا: ﴿وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. فمع كوننا نثبت له سمعا وبصرا، ونثبت للمخلوق سمعا وبصرا، لكن الله كما قال في أول الآية: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾، فمعناها أن الله سميع بصير، وليس كسمعه ولا كبصره شيء، ليس له مثيل سبحانه وتعالى. ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ وَهُوَ السَّمِيعُ الْبَصِيرُ﴾. هذه مبالغة في النفي: ليس كمثله شيء، فكيف به سبحانه؟ مبالغة في النفي. قال رحمه الله: قدرته لكل مقدور جعل. الله قادر على كل شيء، قادر على كل شيء سبحانه وتعالى. ﴿وَرَبُّكَ يَخْلُقُ مَا يَشَاءُ وَيَخْتَارُ مَا كَانَ لَهُمُ الْخِيَرَةُ﴾. ﴿إِنَّ اللَّهَ عَلَى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ﴾ سبحانه. وعلمه لكل معلوم شمل. عندكم شمل بكسر الميم، وعلمه لكل معلوم شمل بكسر الميم، يجوز الكسر والفتح. أنا عندي في نسختي بفتح الميم: وعلمه لكل معلوم شمل. الله جل وعلا يقول: ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾ سبحانه وتعالى. ﴿أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. ﴿وَمَا تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ إِلَّا يَعْلَمُهَا وَلَا حَبَّةٍ فِي ظُلُمَاتِ الْأَرْضِ وَلَا رَطْبٍ وَلَا يَابِسٍ إِلَّا فِي كِتَابٍ مُبِينٍ﴾. ﴿أَلَا يَعْلَمُ مَنْ خَلَقَ﴾ سبحانه، ﴿وَهُوَ اللَّطِيفُ الْخَبِيرُ﴾. فعلم الله عز وجل شامل للخلق، فهو يعلم ما كان وما سيكون وما لم يكن لو كان كيف يكون سبحانه وتعالى. ﴿اللَّهُ أَحَاطَ بِكُلِّ شَيْءٍ عِلْمًا﴾. منفرد بالخلق والتدبير، فهو الخالق وحده، لا يخلق إلا إياه سبحانه وتعالى، لا يخلق إلا هو سبحانه وتعالى. بالخلق والتدبير هو المدبر لشؤون العباد، قال تعالى: ﴿فَمَنْ يُدَبِّرُ الْأَمْرَ﴾، فسيقولون الله. هو الذي يدبر الأمر سبحانه. جل عن الشبيه والنظير. الله عز وجل يقول: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَنْدَادًا﴾، أي نظراء، ﴿وَأَنْتُمْ تَعْلَمُونَ﴾، أي أنه لا نظير له. ولفظ الشبيه من الألفاظ التي توسع فيها، ولفظ الشبيه الأولى أن يقال المثيل، لأن هذا لفظ المثل هو الذي جاء في القرآن: ﴿لَيْسَ كَمِثْلِهِ شَيْءٌ﴾. ولفظ الشبيه توسع فيه. حي مريد قادر علام، له البقاء والسمع والكلام. كلامه كوصفه القديم لم يحدث، المسموع للكليم. هذا غلط يخالف طريقة السلف. الله يتكلم متى شاء سبحانه وتعالى. الله يتكلم متى شاء سبحانه وتعالى. وكلم الله موسى تكليما. الله كلم موسى، وقبل ذلك لم يكلم سبحانه وتعالى. وكلم الله موسى تكليما. يتكلم متى شاء، أراد سبحانه أن يكلم موسى فكلمه، ويوم القيامة يتكلم الله عز وجل بما شاء سبحانه وتعالى. وهذا على مذهب طريقة الأشاعرة المتأخرين، من بعد أبي المعالي الجويني، لا يثبتون إلا الصفات العقلية. لهذا يقول: حي مريد قادر علام، له البقاء والسمع والكلام، كلامه كوصفه القديم لم يحدث، المسموع للكليم. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿وَكَلَّمَ اللَّهُ مُوسَى تَكْلِيمًا﴾. ﴿وَلَمَّا جَاءَ مُوسَى لِمِيقَاتِنَا وَكَلَّمَهُ رَبُّهُ﴾. وكلمه ربه، قبل ذلك لم يكلمه، ولما جاء لميقاتنا كلمه ربه. يتكلم متى شاء سبحانه وتعالى. وهذه المسألة هي موضع الخلاف مع الكلابية خاصة، ثم تبعهم الأشاعرة المتأخر. معتقد السلف الذي نقل فيه الإجماع، وقره غير واحد من الأشاعرة الأوائل، أن الله تثبت له الصفات الاختيارية، كما قر بذلك الباقلاني، أبو الطيب، ووجد أيضا في كلام العلامة أبي الحسن الأشعري في كتبه إثبات الصفات الاختيارية لله عز وجل. والقول في بعض الصفات كالقول في بعض، سواء بسواء، فنفيكم للمحبة أو للغضب يلزم منه نفيكم للسمع والبصر، فالباب واحد، القول في الصفات واحد. قال رحمه الله: يكتب في اللوح وباللسان يقرأ كما يحفظ بالأذهان. الكلام كلام الله عز وجل الذي في القرآن، هو المكتوب في اللوح، والمكتوب هو القرآن، والمقروء أيضا هو القرآن. قال عز وجل: ﴿وَإِنْ أَحَدٌ مِنَ الْمُشْرِكِينَ اسْتَجَارَكَ فَأَجِرْهُ حَتَّى يَسْمَعَ كَلَامَ اللَّهِ﴾. فعندنا كلام مسموع، وعندنا متكلم بذلك الكلام المسموع، وهو أنت يا رسول الله، فأجره حتى يسمع منك بصوتك ماذا؟ سمع كلام الله. قال رحمه الله: يكتب في اللوح وباللسان يقرأ كما يحفظ بالأذهان. أرسل رسله بمعجزات، بمعجزات ظاهرة للخلق، باهرات. الله أيد رسله بالمعجزات، وهي خوارق العادات، خوارق العادات، تحدى الرسل بها أممهم، وتحدى الأمم بها أن يأتوا... تحدى الأمم رسولهم أن يأتوا بآية أو آية فأتوا بها، كانشقاق القمر والإسراء والمعراج ونحو ذلك، وإدخال موسى يده ثم إخراجها بيضاء، والعصا ونحو ذلك. وخص من بينهم محمدا، فليس بعده نبي أبدا، لقوله تعالى: ﴿وَلَكِنْ رَسُولَ اللَّهِ وَخَاتَمَ النَّبِيِّينَ﴾. وفي الصحيحين: «أنا خاتم النبيين، لا نبي بعدي». وجاء بعض القاديانية وقال: أنا اسمي لا، وبشر بي رسول الله. إنه كيف بشر بك؟ قال: اسمي لا، اسمه لا، ثم حرف العرب فقال: لا نبي بعدي، لا نبي بعدي، قال: أنا لا. نسأل الله العافية. حديث «لا نبي بعدي»، لا نافية للجنس، لا نبي بعدي، ويقول: لا نبي بعدي. نسأل الله العافية والسلام. سمى نفسه لا، وقد بشر النبي صلى الله عليه وسلم، والبشارة تطرق في الخير والشر، وهذا من الشر، بأن بعده ثلاثين كذابا، كلهم يزعم أنه نبي، منهم هذا وأمثال. وخص من بينهم محمدا فليس بعده نبي أبدا. فضله على جميع من سواه، فهو الشفيع والحبيب للإله. كان لو قال الخليل، فإن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح مسلم قال: «إن الله اختارني خليلا كما اختار إبراهيم خليلا»، والخلة منزلة أعظم من منزلة المحبة، الخلة هي خالص المحبة. فلو أن الناظم قال خليل، وصح السياق والوزن واستقام، كان أولى. فضله على جميع من سواه، فهو الشفيع والخليل للإله كان، أقرب لموافقة اللفظ النبوي. فإن النبي صلى الله عليه وسلم لم يقل: أنا حبيب الله، وإنما قال: «إن الله اختارني خليلا كما اختار إبراهيم خليلا»، فهو خليل الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وبعده فالأفضل الصديق، أي أبو بكر رضي الله عنه، عبد الله بن عثمان، أفضل الصحابة رضي الله عنه. لو وزن إيمان أبو... وزن إيمان أبي بكر، وزن إيمان أبي بكر رضي الله عنه، وهو الملقب بالصديق لكثرة تصديقه رسول الله صلى الله عليه وسلم. والأفضل الثاني له الفاروق، أي عمر رضي الله عنه، أمير المؤمنين أبو حفص عمر بن الخطاب العدوي رضي الله عنه وأرضاه. عثمان بعده، عثمان بن عفان رضي الله عنه، ذو النورين. كذا علي، أبو الحسن وأبو الحسين، رضي الله عنهم وأرضاهم جميعا. هؤلاء عند أهل السنة هم الخلفاء الراشدون: أبو بكر ثم عمر ثم عثمان ثم علي رضي الله عنهم جميعا. فالستة الباقون، فالبدرية تتمة العشر، تتمة العشر السعدان. فالخلفاء في نظم الأسماء العشر رضي الله عنهم وأرضاهم للمصطفى، خير صحب، نص أنهم في جنة الخلد نصا، زادهم شرفا. هم طلحة والزبير، هم طلحة وابن عوف والزبير مع أبي عبيدة والسعدان والخلفاء. هؤلاء هم العشرة المبشرون بالجنة رضي الله عنهم وأرضاهم. فالبدرية: أي فأهل بدر، فإن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إن الله طلع على أهل بدر فقال: اعملوا ما شئتم فقد غفرت لكم». هذا يدل على عظيم منزلتهم. ثم انتقل إلى الأئمة: وبعد أهل بدر كذلك يأتي المهاجرون فالأنصار. الله عز وجل قد مدح الصحابة: ﴿لِلْفُقَرَاءِ الْمُهَاجِرِينَ الَّذِينَ أُخْرِجُوا مِنْ دِيَارِهِمْ وَأَمْوَالِهِمْ يَبْتَغُونَ فَضْلًا مِنَ اللَّهِ وَرِضْوَانًا وَيَنْصُرُونَ اللَّهَ وَرَسُولَهُ أُولَئِكَ هُمُ الصَّادِقُونَ * وَالَّذِينَ تَبَوَّءُوا الدَّارَ وَالْإِيمَانَ مِنْ قَبْلِهِمْ يُحِبُّونَ مَنْ هَاجَرَ إِلَيْهِمْ وَلَا يَجِدُونَ فِي صُدُورِهِمْ حَاجَةً مِمَّا أُوتُوا وَيُؤْثِرُونَ عَلَى أَنْفُسِهِمْ وَلَوْ كَانَ بِهِمْ خَصَاصَةٌ وَمَنْ يُوقَ شُحَّ نَفْسِهِ فَأُولَئِكَ هُمُ الْمُفْلِحُونَ﴾. فضل الصحابة كثير، وكذلك التابعون. ولهذا ثبت عدد من الصحابة: «خير الناس قرني، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم، ثم الذين يلونهم». ذكر ثلاثة بعد قرنه صلى الله عليه وسلم، ذكر قرنين بعد قرنه صلى الله عليه وسلم، واختلف حفظ الراوي له. ثم شرع في الأئمة: والشافعي ومالك والنعمان وأحمد بن حنبل سفيان. شافعي: محمد بن إدريس بن شافعي، الشافعي، توفي سنة أربعين ومئتين للهجرة، رحمه الله تعالى وغفر، إمام أهل السنة وناصر السنة. ومالك: إمام دار الهجرة، مالك بن أبي عبد الله الأصبحي، مالك بن أنس أبو عبد الله الأصبحي، والأصبحي نسبة إلى... ظاهر أنها نسبة إلى قبيلة الصبيحة التي في أطراف الحجاز، فأصولهم منهم. مالك بن أنس إمام دار الهجرة. نعمان: نعمان المراد به أبو حنيفة، النعمان بن ثابت، رحمه الله تعالى. وقع في شيء من البدع نسبة إليه، القول بخلق القرآن، ونحن ثم ثبت رجوعه عن ذلك كله، فصار من أئمة أهل السنة والجماعة. وأحمد بن حنبل: إمام أهل السنة والجماعة في زمن الذي صار محنة للناس، أحمد بن حنبل محنة مأمونة، وبحب أحمد يعرف المتنسك. سفيان: المراد سفيان الثوري، الذي يعتبر شيخ الإسلام، سفيان بن سعيد الثوري، هو ثقة وأبوه ثقة. وغيرهم من سائر الأئمة كالأوزاعي وابن جرير الطبري ويحيى بن معين وعلي بن المديني وأقوام كثر. وغيرهم من سائر الأئمة على هدى، والاختلاف رحمه. كلهم على هدى، هذا الموقف الصحيح، كلهم على هدى وعلى صواب، أرادوا الحق، فكل اجتهد فيما يسوغ فيه الاجتهاد، فلا يثرب على مجتهد في خطأ أخطأه، لا يثرب عليه، لأن النبي صلى الله عليه وسلم كما في صحيح البخاري قال: «إذا اجتهد الحاكم فأصاب فله أجران، وإذا اجتهد فأخطأ فله أجر واحد». فأثبت لهم الأجر على الخطأ، ويتبع ذلك العذر، يتبع ذلك العذر أيضا، يعذرون. والاختلاف رحمه، ذكر فيه حديث، لكن لا يثبت: «اختلاف أمتي رحمة». هذا لا يثبت، هذا حديث لا يثبت. لكن الاختلاف منه المحمود ومنه المذموم، فالاختلاف فيما يسوغ فيه الاختلاف رحمة، والاختلاف فيما لا يسوغ فيه الخلاف نقمة. الاختلاف فيما يسوغ فيه الخلاف هذا من رحمة الله عز وجل، والاختلاف فيما لا يسوغ فيه الخلاف كأصول الدين والعقائد ونحوها والمناهج، فهذا خلاف مذموم عند أهل العلم، يجب على المخالف فيه التوبة والرجوع. وليس كل خلاف جاء معتبرا، إلا خلاف له حق من النظر، ولا يحتج بالخلاف، وإنما الحجة في الإجماع، هكذا يقول أهل العلم. لكن الخلاف السائغ لا ينكر فيه، لا ينكر فيه، بل يصوب ويخطئ. والأولياء ذو كرامات الرتب، ومنتهوا لوالد من غير أب. والأولياء ذو كرامات الرتب: هذا فيه إثبات كرامات الأولياء، والكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه الله على يد رجل صالح. ما هي الكرامة؟ أمر خارق للعادة يلقيه الله عز وجل، يجريه على يد رجل صالح، قد يكون بتحد، وقد يكون بغير تحد، على المعتمد الراجح، على المعتمد الراجح في تعريف الكرامة: الكرامة أمر خارق للعادة. كما جرى للعلاء بن الحضرمي، تحدى فحصلت له كرامة، كرامة المشي على الماء. وكذلك عمر رضي الله عنه، صح عنه أنه كان يخطب ثم قطع خطبته فقال: يا سارية الجبل، الجبل، فسمع سارية وهو بأطراف أرض المعركة في نواحي الشام صوت عمر رضي الله عنه، فلزم الجبل فانتصر ونصر. هذه كرامة لعمر، لأمير المؤمنين. وعمر رضي الله عنه وأرضاه قد لا يعلم الولي بالكرامة، كما بعض الروايات أن عمر لم ينتبه لهذا القول، ولكن الله أجراه على لسانه في خطبة جمعة. أصحاب الكهف: أصحاب الكهف لم يعلموا بما جرى لهم وهو كرامة، إذ أوى الفتية إلى الكهف، ﴿آوَى الْفِتْيَةُ إِلَى الْكَهْفِ﴾، الآية، أوى إلى الكهف فلبثوا فيه 300 سنين وازدادوا تسعة، لبثوا 300 سنين وازدادوا تسعة وهم لا يدرون، فلما بعثوا أرسلوا أحدهم بورقهم، أي فضتهم، نقودهم، والفضة إلى السوق، قال: كأن هذه المدينة ليست مدينتنا، إني أرى الطرق والمعالم والمباني قد اختلفت، ثم مشى ورأى الناس في أزيائهم اختلفوا، فكلمهم وقال وطلب طعاما، فاستغربوا كلاما، ثم لما أخرج دراهم أساءوا به الظن وقالوا: هذا رجل غريب وجد كنزا من كنوز من مضى مدفونا، فأخرج هذه الفضة، من أين أخرجت هذه الفضة والكنوز؟ قال: إنها دراهمنا. قالوا: لا بل أنت وقفت على كنز من الكنوز، ثم سيق به، وقال: لا بل نحن فتية خرجنا خالفنا الملك فلان. قالوا: الملك فلان له أكثر من ثلاثمائة سنة قد مات، أكثر من ثلاثمائة سنة، ثم أمر بهم إلى الوالي فجيء، فعرفهم، وكان من خبرهم ما كان، رضي الله عنهم وأرضاهم. فلبثوا في كهفهم ثلاثمائة سنين وازدادوا تسعة. حتى الكل حفظه الله بصحبته للأخيار، صاحب هؤلاء الفتية، شباب في أول شبابهم، تمسكوا بالحق وبالتوحيد، وأنكروا عبادة غير الله عز وجل، وأنكروا ما عليه دين قومهم، ثم خافوا على أنفسهم فخرجوا، وهم سبعة ومعهم كلبهم، سبعة وثامنهم كلبهم. هذه كرامة لهم، والكرامات معجزات لأنبيائهم، لأنهم ما نالوا الكرامات إلا بمعجزاتهم. ومن تهو لولد من غير أب. عندكم إيش؟ عندكم لوالد لا، صواب لولد، عندي أيضا لوالد، وهي غلط، صواب: ومن تهو لولد من غير أب. يعني أن الأولياء لا يصلون إلى خرق العادات حتى إنهم يخلقون ولدا بلا أب، يأتي الولي مثلا يقول: عندي كرامة، إيش كرامتك؟ قال: الآن أخلق لكم طفلا من غير أب ولا زواج ولا حمل ولا شيء. ومن تهو لولد من غير أب، أي إنهم لا يصلون إلى مثل هذا، لا يصلون إلى مثل هذا الأمر، لا يصلون إلى مثل هذا الأمر. قلب الجماد ونحوه، يأتي إلى حجر ويقول: أحول هذه السارية إلى إنسان. بعض الأمور تجوز مثل إحياء فرس مثلا، أو صلة بن أشيم العذري كان في الغزو، هذا صح. صلة بن أشيم العذري رحمه الله تعالى من كراماته أنه كان في الغزو، فأثناء المعركة سقط فرسه ميتا، سقط فرسه ميتا، فضرب عليه فقام حيا وقاتل، فلما وصل إلى البيت قال لابنه: إن هذا الفرس عارية، عارية، فلما خرج من الفرس سقط الفرس ميتا، وقد كان الفرس قد مات. هذا جرى لصلة بن أشيم. الموضع فيه تفصيل عند أهل السنة والجماعة. ومنتهوا لولد من غير أب. ولم يجز في غير محض الكفر، خروجنا على ولي الأمر. نخفها هنا ونقرأ غدا هذا البيت وما بعده إن شاء الله تعالى، حتى ننتهي من هذه المقدمة الكلامية، وسيأتي معنا بعدها مقدمة في علم أصول الفقه، ثم ندخل في الأبواب الفقهية في كتاب الطهارة. فإذا كان لكم شيء... إلا وقفناها هنا. صلى الله وسلم على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم.