مقدمة في أصول الدين 3

الدرس في مقدمة في أصول الدين 3، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

الفرق بين كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء وحكم الخروج على ولي الأمر

يبين المقطع الفرق الجوهري بين كرامات الأولياء ومعجزات الأنبياء، رافضاً قاعدة الأشاعرة القائلة بجواز اشتراكهما. كما يؤكد وجوب طاعة ولي الأمر وتحريم الخروج عليه إلا بكفر بواح مع الاستطاعة وأمن المفاسد.

إجماع أهل السنة على وجوب طاعة الولاة وتحريم الخروج عليهم

يقرر المقطع إجماع أهل السنة على السمع والطاعة لولاة الأمر في المنشط والمكره، مع النهي عن الخروج عليهم إلا بكفر بواح مستدلاً بالأحاديث وآثار السلف. ويؤكد وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة لأنهم مجتهدون مأجورون.

وجوب نصب الإمام ومنهج السلف في خلافات الصحابة وحقوق الله على نفسه

يشدد المقطع على وجوب نصب الإمام كفرض كفاية لحفظ الأمن وإقامة الحدود، مع بيان منهج أهل السنة في الاعتذار للصحابة والترحم عليهم. ويوضح ما أوجبه الله على نفسه من تحريم الظلم وإثابة المحسنين وعدم تعذيب أحد إلا بعد إرسال الرسل.

الرد على الأشاعرة في نفي الظلم عن الله وبيان مذهب السلف في الثواب والعقاب

يرد المقطع على قول الأشاعرة بجواز الظلم في ملك الله، مبيناً أن الظلم المنفي شرعاً هو ظلم الجزاء لا التصرف في الملك. ويقرر أن الثواب على الطاعة والعقاب على المعصية حق واجب، مع تفصيل في مغفرة الذنوب دون الشرك الأكبر.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم أجمعين. لازلنا في مقدمة صفوة الزبد فيما عليه المعتمد كما في بعض النسخ الخطية للعلامة أحمد بن الحسين بن رسلان رحمه الله تعالى وغفر له. كنا وقفنا على الكلام على الأولياء، وجاء سؤال بعد ذلك، وإن شاء الله يجاب عنه اليوم. يقول الناظم رحمه الله تعالى: «والأولياء ذو كرامات الرتب ومن تهو لولد من غير أب» كنا المطبوعات فيها خطأ مكتوب: «ومن تهو لوالد من غير أب». يعني المراد قلب الجمادات ونحوها، قلب الجمادات ونحوها، أو الآيات الكبرى: هل يفعلها؟ هل تفعل كرامة؟ وهذا الموضع فيه تفصيل كما قدمنا أمس، هذا فيه تفصيل. وذكرنا عن صيلة بن أشيم العداوي، وأنه لما كان في الغزو أكرمه الله فأحيا له فرسه بعد موته، كرامة من الله عز وجل لهذا المجاهد الصالح رحمه الله تعالى. ذكرنا بعض الكرامات أمس، فأهل السنة والجماعة يعتقدون بكرامات الأولياء، خلافاً للمعتزلة ومن تأثر بهم في هذا الباب كابن حزم. ونقل عن الإسفرايني، ولا يصح، وكذلك عن ابن حزم في ثبوته نظر ربما. والأولياء ذو كرامات الرتب، والكرامة هي أمر خارق للعادة يجريه الله أو يجري مع ولي صالح من أولياء الله عز وجل. فإذا كان فاسقاً أو فاجراً فهذا استدراج لأجل أن يأخذه الله عز وجل أخذ عزيز مقتدر، كما قال سبحانه: ﴿سَنَسْتَدْرِجُهُم مِّنْ حَيْثُ لَا يَعْلَمُونَ * وَأُمْلِي لَهُمْ إِنَّ كَيْدِي مَتِينٌ﴾. هذا استدراج من الله عز وجل. فالكرامة لا تكون إلا لصالح، لا تكون لكافر ولا لفاجر ولا لمجرم، فإن حصلت فهو استدراج له. والولي قد لا يعلم بالكرامة كما ذكرنا الكلام على ذلك. ورد سؤال عن قول بعض الناس: إن ما جاز أن يكون كرامة معجزة للنبي يجوز أن يكون كرامة للولي. هذا السؤال ورد أمس، وهذه قاعدة يذكرها أهل الكلام من الأشاعرة وغيرهم، وهي غلط. غلط قولهم: قاعدة «إن ما جاز أن يكون معجزة للنبي يجوز أن يكون كرامة للولي». كلام مغلوط، فإن المعجزات خاصة بالأنبياء وهي التي ميزهم الله عز وجل بها. فانشقاق القمر معجزة لمن؟ من الأنبياء؟ النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. من شقاق القمر معجزة له. والقرآن معجزة لمن؟ للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وانقلاب العصا حية معجزة لمن؟ من أنبياء الله صار له معجزة انقلاب العصا حية: موسى عليه السلام. موسى عليه السلام كذلك. من الذي كان يبرئ الأكمه ويحيي الموتى ويخلق من الطين طيراً معجزة له؟ من هذه؟ عيسى عليه السلام. فهذه آيات كبرى لم تكن للأولياء، إنما هي خاصة بهؤلاء الأنبياء. هذه المعجزات الكبرى إنما هي خاصة بالأنبياء، ليست للأولياء. فلا يقال: إن ولياً يجوز أن يشق له القمر، كما قال تعالى: ﴿فَأَرَاهُ الْآيَةَ الْكُبْرَى﴾. هذه آية كبرى، فالآيات الكبرى خاصة بالأنبياء. وأما الصغرى كتكثير البركة ونحو ذلك، فهذه قد تقع للأولياء، ولكنها إن وقعت للأولياء لا تكون كوقعها للأنبياء، لأن الأنبياء أعظم من الأولياء. والولي لا ينال كرامة إلا باتباعه للنبي، فباتباعه للنبي يكرمه الله عز وجل. هذا الذي عليه السلف الصالح رضي الله عنهم وأرضاهم. وأما قول أهل الكلام والأشاعرة بذاك الكلام، أنه كل معجزة لنبي يجوز أن تكون كرامة للولي، هذا يسقط الاستدلال بمعجزات الأنبياء. هذا الكلام يسقط الاستدلال بمعجزات الأنبياء لأنها ليست خاصة بهم بل تجوز لغيرهم، فبما تميز هذا النبي في تلك الآية أو بمعنى آخر فكان ماذا؟ هذا قدح. ولهذا الأشاعرة، للأسف، عندهم خلل في باب معجزات الأنبياء، حتى إن بعض علمائهم ترك الاستدلال بالمعجزات كما صنع الغزالي رحمه الله، ترك الاستدلال بالمعجزات. عندهم خلل في هذا الباب، بينه أئمة السلف رحمهم الله تعالى. وهذا الكتاب لا يصلح للإطالة في بيان مثل هذه الأمور، وإن كان بعض الناس قد يحرص على معرفة مثل هذه الدقائق، ولكننا في مقدمة كتاب القصد منه الفقه، القصد منه الفقه. ونمر: فما كان موافقاً للحق وللكتاب والسنة وما عليه سلف الأمة وعليه دلائل ظاهرة فإنه يظهر وينصر، وما كان خلاف ذلك فإنه يبين وجه الخلل فيه. فهذه القاعدة منتقدة على المعتمد، منتقدة لما فيها من خلل لمن تأمل وتدبر. قال رحمه الله تعالى: «ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على ولي الأمر» ولي الأمر هو من استقر له الحكم في بلاد المسلمين، إما أن يستقر له بالبيعة فيبايعه أهل الحل والعقل فتتم له الولاية، وإن كره ذلك من ليس من أهل الحل والعقل. هل فهمنا هذا؟ ولي الأمر هو من ثبت له بالبيعة الحكم واستقر له الحكم. هذا نوع من أنواع ولاية ولاة الأمر يسمى ولي أمر المسلمين، ولا يشترط أن يجتمع جميع الناس على ولايته. فإذا بايعه أهل الحل والعقل، إن عقدت له البيعة، هل فهمتم هذا؟ إذا بايعه أهل الحل والعقل، وجهاء الناس وعلماؤهم وأهل الشأن، فلا يضر أن يخالف بعد ذلك مخالف، وتتم له البيعة ويلزم الجميع. هل فهمنا هذا؟ فهذا علي بن أبي طالب رضي الله عنه، أبى معاوية رضي الله عنه وأهل الشام أن يبايعوه لشبهة وتأويل، وبايعه أهل الحل والعقد. فهل علي بن أبي طالب خليفة أم ليس بخليفة؟ عندك يا أخان أبا جابر، عندك؟ خليفة، أولا ليس بخليفة؟ علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه، أمير المؤمنين، أمير المؤمنين، رابع الخلفاء، خليفة، أولا هو خليفة؟ طيب، ما بايعه أهل الشام؟ رفضوا بيعته، ومعاوية قال: لا أبايعه حتى تسلم إلي قتلة ابن عمي. هل هذا ناقض لبيعته؟ هذا ليس بناقض لبيعته، لأنه قد بايعه الصحابة أهل الحل والعقد. أنتم فهمنا هذا يا إخواني؟ بايعه أهل الحل والعقد، فكون بعض الناس يشوشرون هاهنا وهاهنا، مثلاً في أزماننا أو في أزمان ستأتي أو في أزمان تقدمة، لا يقدح في من بايعه أهل الحل والعقد وتم له الأمر. النوع الثاني من أنواع ولاة الأمور: من ثبت له الأمر بالغلبة من المسلمين، من ثبت له الأمر بالغلبة، حصل حرب ثم استولى على البلاد وهزم مخالفين، فتم له الحكم بالسطوة وبالسلطة وبالقوة، فيقال له: ولي أمر المسلمين، قد يسمى حاكماً، لا مشاحة في الاصطلاح. لكن ولي الأمر هذا الذي جاء في اللفظ الشرعي يسمى رئيساً، الحكم واحد، أحكام الرئيس والحاكم، ولي الأمر، كلها أحكام باب واحد، كلها باب واحد. يقول رحمه الله: «ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على ولي الأمر» وإن كان ظالماً فاسقاً جباراً عنيداً، فظلمه وفسقه وغشه وخيانته لا تبيح لنا الخروج عليه وعنه، إلا في حالة واحدة، إلا في حالة واحدة: إذا أظهر الكفر البواح، وكان لنا، وكان لنا استطاعة، وأمنت المفاسد الكبرى، فيخلع. حديث عبادة رضي الله عنه في الصحيحين: «وَمَرَنَا السَّمْعَ وَالطَّاعَةَ إِلَّا أَنْ تَرَوْا فِي مَنَشَّطِهِمْ» بايعنا رسول الله صلى الله عليه وسلم على السمع والطاعة في العسر واليسر والمنشط والمكره، وأثرة علينا، وأن لا ننازع الأمر أهله، بأي نوع من أنواع المنازعة، حتى اللفظية، إلا أن تروا كفراً بواحاً عندكم فيه من الله برهان. بهذه الشروط الخمسة يخرج عليه، ويزاد شرط آخر وهو الاستطاعة، فإن كانت الاستطاعة مفقودة حرم الخروج. هذا الذي عليه إجماع أهل السنة والجماعة، وظلمه عليه وفسقه عليه وجوره عليه وبغيه عليه ليس عليه. لما جاء في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إِنَّكُمْ سَتَلْقَوْنَ بَعْدِي أَثَرَةً وَأُمُوراً تُنْكِرُونَهَا» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ». أدوا إليهم حقهم وسلوا الله حقكم. هذا أمر رسول الله صلى الله عليه وسلم، صلى الله عليه وسلم. في صحيح مسلم: «إِنَّهُ سَيَكُونُ عَلَيْكُمْ أُمَرَاءُ تَعْرِفُونَ وَلَا يُهْتَدُونَ بِهَدْيِي وَلَا يَسْتَنُّونَ بِسُنَّتِي» قالوا: فما تأمرنا يا رسول الله؟ قال: «اسْمَعْ وَأَطِعْ لِلْأَمِيرِ وَإِنْ ضَرَبَ ظَهْرَكَ وَأَخَذَ مَالَكَ». اسمع وأطع للأمير وإن ضرب ظهرك وأخذ مالك. وهذا لا يعني تشريع وتسويغ المنكرات وعدم البراءة منها إلى الله، بل يجب إنكار المنكر وإنكار الخطأ والنصح للولاة وللمسؤولين، ولكن الخروج لا يجوز عليهم، ولا منازعتهم لا باللسان ولا باليد وغير ذلك. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة، وعليه إجماع علماء المسلمين، عليه إجماع علماء المسلمين. ولم يقل إن الحاكم يخلع بفسقه إلا المعتزلة، وعندهم من أصولهم إنكار المنكر. فما هو إنكار المنكر عند المعتزلة؟ هو الخروج على الولاة والحكام، يعدون من إنكار المنكر. فكل من خرج على ولاة أمر المسلمين تحت راية إنكار المنكر، فسلفه في ذلك المعتزلة، سلفه في ذلك المعتزلة، لأن من أصولهم أن الخروج بفسق الحاكم وظلمه مشروع. كلام على هذه المسائل، يقول الناظم رحمه الله: «ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على ولي الأمر» قد يقول قائل: فما بال سعيد بن جبير قد خرج على الحجاج؟ وما بال الخارجين مع ابن الأشعث وفيهم قراء وعلماء؟ والجواب عن هذا أن يقال: عرفت شيئاً وغابت عنك أشياء، وهذا سبب الخلل عندما ينظر الإنسان بعين واحدة لا يرى الشيء مكتمل، وربما بسبب الهوى. يعمل الله البصائر. ما جرى من السلف زلة وخطأ، ما منهم من أحد عاش إلا رجع عنه وتاب منه واستغفر الله منه، كما صح ذلك بالإسناد الصحيح عن عامر بن شراحيل الشعبي، إمام أهل الكوفة رحمه الله، وكان ممن ابتلي بشيء من ذلك رحمه الله. ما منهم من أحد مات إلا رغب عن مصرعه كما قال أيوب رحمه الله. وسعيد بن جبير ندم وتاب في آخر عمره، فلم تذكرون خروجه ولا تذكرون توبته ورجوعه ورجوعه؟ والكلام على ما استقر عليه عند أهل السنة الأمر على أنه لا يجوز الخروج على ولاة الأمر. ثم إنهم هذا وجه آخر: كان سعيد بن جبير يرى الحجاج كافراً، فإن علماء ذلك الزمان الخوارج كانوا يرون كفر الحجاج، وهذا أيضاً حصل في قول لجماعة من العلماء ثم رجعوا عنه. فهذا سبب آخر، وظنوا الاستطاعة فأخطأوا في ذلك، وحصلت الفتنة، ثم ندموا، رحمهم الله تعالى وغفر لهم وعفى عنهم. والزلات لا يستدل بها، فلو استدللت بزلة كل عالم اجتمع فيك الشر كله. من أخذ بقول من قال بحل النبيذ المسكر شرب خمراً، وذاك العالم معذور وأنت غير معذور، بل معذور. الكلام يطول في مثل هذا. الشاهد: هذا البيت على عقيدة السلف. واليوم، للأسف، اليوم خاض الخائضون هذا البحر الخضم، فندموا، وإذا برأس من رؤوسهم يقول: لقد اكتشفنا الآن أن منازعة الحكام لا منفعة فيها للإسلام. سبحان الله، هذا الذي اكتشفته الآن؟ هل أخذته عن كلام سيد الأنام صلى الله عليه وعلى آله وسلم القائل: «وَأَنْ لَا نُنَازِعَ الْأَمْرَ أَهْلَهُ، اصْبِرُوا حَتَّى تَلْقَوْنِي عَلَى الْحَوْضِ، أَدُّوا إِلَيْهِمْ حَقَّهُمْ وَسَلُوا اللَّهَ حَقَّكُمْ»؟ دارت التجارب، وجدوا أنهم كما قيل: لا للإسلام نصر، ولا لغير ذلك كسر، لا للعلمانية ولا لغير، بعد أن سفك من الدماء ما سفك. ولهذا ينقل الإجماع النووي رحمهم، وأن الخروج على الحكام يؤدي إلى سفك الدماء وانتهاك الأعراض وقتل الأبرياء وانتصار أعداء الإسلام على المسلمين وإذهاب شوكة الدين ومفاسد لا تحصى. هكذا يقول الأئمة والعلماء إجماعاً، كما قاله الإمام أحمد وغيره من السلف. بل إن الذي يخرج على الحكام عند السلف خارجي، إذا كان خرج تديناً، إذا كان خرج تديناً، وليست له، ليس له تأويل. والكلام يطول في هذا. قال رحمه الله تعالى: «ولم يجز في غير محض الكفر خروجنا على ولي الأمر وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نثبت» وهذا البيت فيه قاعدة عظيمة، قاعدة أهل السنة والجماعة، وهي وجوب السكوت عما شجر بين الصحابة من خلاف. بين الصحابة رضي الله عنهم وأرضاهم، وما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نثبت. كلهم مجتهد، وكلهم مأجور، أجراً أو أجرين. أنتم معي في هذا؟ بين الأجر والأجرين. كلهم متأول أراد الهدى والحق، ولم يرد الباطل ولا الهوى، رضي الله عنهم وأرضاهم. وما جرى بين الصحابة من خلاف، بين جند أمير المؤمنين علي بن أبي طالب وأهل العراق ومن معهم، وبين جند من أول ملوك الإسلام العادلين معاوية بن أبي سفيان رضي الله عنه وأرضاه، خالي المؤمنين، ومن معه من جند الشام، كلهم مجتهد مأجور، والصواب مع علي، ومعاوية مأجور مخطئ. هذا الذي عليه أهل السنة والجماعة. ولهذا لما استتب الأمر لمعاوية رضي الله، كان يقول لعلي: لا أبايعك حتى تسلمني قتلة ابن عمي عثمان بن عفان، إنهم في جندك. فيقول له علي: إذا استقرت الأمور أقمنا عليهم القود والحد. وهذا هو الفقه الصحيح، هذا هو الفقه الصحيح. ولهذا نقل الإجماع، وهو من مقاصد الشريعة، أن الحدود، قتلا ونحوه، لا تقام في أزمان اضطراب الدول، لا تقام الحدود، لأن هذا سيفتح باب الفتن. فإذا استقرت البلاد وحصل الأمن وثبت الحكم وأمنت البلاد، جيء بعد ذلك بالقضاء في الدماء. ولهذا نقل القرطبي وغيره الإجماع على هذه المسألة. بعض الناس يقال: لماذا لا يقام حد كذا ولماذا لا يقام حد كذا؟ أوتي من قصوره، لا تقام الحدود أزمان الاضطرابات. قال علي رضي الله عنه: بايعني، فإذا استقرت الأمور قاضيناهم وأقمنا عليهم الحد. معاوية رضي الله عنه يقول: بل سلم لي، فإن الله عز وجل قد أذن، قد أمر بتسليمهم لي، وأنا وليه، أنا وليه. إلى آخر، أختم بالكلام: أن معاوية رضي الله عنه لما استقر له الأمر لم يستطع أن يقيم على هؤلاء الحد، فدار الكلام على صحة ما كان يقوله من علي بن أبي طالب رضي الله عنه، وأدرك معاوية معنى ما كان يقوله علي، إذ كان خليفة المسلمين، وندم أيضاً علي على المعركة والحرب، رضي الله عنه وأرضاه، ندم في آخر عمره، وكان يقول للحسن: لو استقبلت من أمري ما استدبرت ما أخذت في هذا البعد، أو بهذا المعنى. ولهذا كان الحسن ميالاً إلى الصلح، وفيهم طبق قول رسول الله صلى الله عليه وسلم: «إِنَّ ابْنِي هَذَا سَيِّدٌ، وَلَعَلَّ اللَّهَ أَنْ يُصْلِحَ بِهِ بَيْنَ فِئَتَيْنِ عَظِيمَتَيْنِ مِنَ الْمُسْلِمِينَ». وهذا ما جرى وحصل، والحديث عن أبي بكر في الصحيح. و«ما جرى بين الصحاب نسكت عنه وأجر الاجتهاد نثبت»، نثبت لهم أجر الاجتهاد، كلهم مجتهد مصيب، ولا نخوض في هذا الباب بأكثر من هذا، لا نخوض بأكثر من هذا، نعتذر لهم ونترحم عليهم ونترضى عليهم، ولا نذكرهم إلا بالجميل، خلافاً لطرائق بعض الناس ممن يطرق طرقاً هذا الباب، فهو له طارق، ولا ينفع هذا الطرق، لأن هذا مخالف لعقيدة أهل السنة والجماعة، يؤدي إلى ميل، ميل الصدر، وهذا هو المحذور الذي ذكره أهل العلم، وفرض على الناس. يقول الناظم رحمه الله: «فرض على الناس إمام ينصب» أي لا بد على الناس فرضاً كفائياً أن ينصبوا حاكماً، إماماً، أميراً، يقيم فيهم الحدود ويظهر فيهم الشرع وتأمن به السبل ويحصل به أمن البلاد. فإن من المعلوم أن بلداً لو مات حاكمها ولم يأتِ بعده حاكم قوي، اضطربت البلاد، اضطربت البلاد، وحصل فيها من الشقاء والفقر والنكبات ما الله به علم. فكيف إذا عدم هذا؟ إذا مات تضطرب البلاد، هذا يطمع بالرئاسة، وهذا ينازع، وهذا كذا، وهذا مدعوم كذا، وهذا كذا. فكيف إذا لم يوجد؟ فوجود ولاة الأمر والحكام من أسباب الأمن والأمان وحفظ الأعراض وحفظ الدماء. مصالح جاء الإسلام بإقراره، الإسلام لا ينظر إلى المصلحة الفردية في مثل هذا الموضع، بل ينظر إلى المصلحة الكبرى. ظلمت، بغي عليك، أخذ مالك، أنت فرد، لكنه لو انهدم هذا السور جاء الظلمة فاستباحوا ما لا يستباح، وجاء القتلة فقتلوا من لا يجوز قتله، وحصلت من الفتن ما الله به عليم. وها هي بلدان المسلمين اليوم بين عيننا وناظرنا، رأي العيان، ماذا يجري فيها؟ هل هناك دولة بعد أن حصل فيها ما حصل عادت إلى أحسن مما كانت عليه؟ أبداً، لا يوجد. شرد الناس، تهتكت الأعراض، جاءت الجريمة المنظمة، تقاسموا النساء والأطفال بيعاً وشراءً، بيع الأعراض، الأعضاء، أقصد بيع الأعضاء البشرية، وبيع كذا، جرائم منظمة. دعك من الذل والهوان وعدم الأمن وسفك الدماء وظهور الرافضة أخزاهم الله، فتن، يعني تجعل العاقل يقف معتبراً لمثل هذا. أهل السنة ليسوا مجاملين، نحن ما نقول: دافع عن الحاكم في خطأه. الله جل وعلا يقول في آية النساء: ﴿وَلَا تُجَادِلْ عَنِ الَّذِينَ يَخْتَانُونَ أَنفُسَهُمْ﴾، ها أنتم هؤلاء جادلتم عنهم في الحياة الدنيا، فمن يجادل الله عنهم يوم القيامة، أم من يكون عليهم وكيلاً؟ فنبرأ إلى الله من المدافع عن ظلم ظالم أو حاكم، بل نبرأ إلى الله من كل ظلم، ونبرأ إلى الله من كل بغي، ونبرأ إلى الله من الاعتداء على مسلم بغير حق، نبرأ إلى الله من ذلك، وننكر ذلك سراً وجهراً إن استطعنا. فقيام ولاة الأمر أمر واجب على الأمة وجوباً كفائياً، يأثمون إذا لم يفعلوا ذلك. «فرض على الناس إمام ينصب وما على الإله شيء يجب» ليس على الله من أحد من الناس أن يوجب على الله شيئاً، فيقول: يجب على الله أن يفعل كذلك. لا، هذا الله جل وعلا هو المالك وهو الخالق وهو المدبر سبحانه وتعالى، والكل ملكه ملكاً مطلقاً، فله أن يفعل ما شاء، وليس لأحد أن يفرض على الله عز وجل شيئاً. ولأن ينزم الله عز وجل بشيء، فلا واجب على الله من أحد أصلاً، لا واجب على الله. ومع هذا فأهل السنة والجماعة، وهو مذهب السلف، يقولون: إن الله عز وجل أوجب على نفسه أموراً. الله جل وعلا أوجب على نفسه أموراً، أوجب على نفسه أموراً، أوجب على نفسه أموراً، جل جلاله، لكمال عدله سبحانه وتعالى وعظيم حكمته، تفضلاً منه سبحانه وتعالى ورحمة منه سبحانه وتعالى بعباده. منها: أن الله حرم على نفسه الظلم، في حديث أبي ذر في صحيح مسلم، وهو أشرح حديث لأهل الشام، عن أبي دليس الخولاني عن أبي ذر، قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: «يَا عِبَادِي إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي وَجَعَلْتُهُ بَيْنَكُمْ مُحَرَّماً فَلَا تَظَالَمُوا». شاهد: أوجب الله على نفسه تحريم الظلم، «إِنِّي حَرَّمْتُ الظُّلْمَ عَلَى نَفْسِي». الله جل وعلا يقول: ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، الله لا يظلم أحداً سبحانه وتعالى، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾ سبحانه وتعالى. وأوجب على نفسه سبحانه الإحسان إلى المحسنين وإثابة الطائعين، قال تعالى: ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ إِنَّ اللَّهَ بِالنَّاسِ لَرَؤُوفٌ رَّحِيمٌ﴾، وما كان الله ليضيع إيمانكم، تعملون ثم رب العزة لا يعطيكم على إحسانكم إحساناً، سبحان الله، ﴿وَمَا كَانَ اللَّهُ لِيُضِيعَ إِيمَانَكُمْ﴾، فالله لا يضيع أجر المحسنين، الله لا يضيع أجر المحسنين. قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ مِن ذَكَرٍ﴾، ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن، فلا يخاف إيش؟ تتمة الآية: ﴿فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾، لا يظلمه الله عز وجل. أوجب على نفسه هذا الأمر سبحانه وتعالى. كذلك أوجب على نفسه أن يحرم الجنة على المشرك، ومن يشرك بالله فقد إيش؟ تتمة الآية: ﴿فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، حرم من؟ الله جل وعلا عليه الجنة. وكتب جل وعلا على نفسه الرحمة، قال تعالى: ﴿كَتَبَ رَبُّكُمْ عَلَى نَفْسِهِ الرَّحْمَةَ﴾. هذه أشياء أوجبها ربنا جل جلاله لنفسه وعلى نفسه، جل جلاله وتعالى وتعظم وتقدس. وأوجب الله عز وجل أيضاً على نفسه أن لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل. ما الدليل على هذا؟ ما الدليل على أن الله عز وجل أوجب على نفسه أن لا يعذب أحداً إلا بعد إرسال الرسل؟ قال تعالى: ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾، الله جل جلاله، ﴿وَمَا كُنَّا مُعَذِّبِينَ أَحَداً حَتَّى نَبْعَثَ رَسُولاً﴾. لماذا أذكر هذا الكلام؟ لأن البيت الذي بعده خطأ. قال رحمه الله تعالى: «فرض على الناس إمام ينصب وما على الإله شيء يجب يثيب من أطاعه بفضله ومن يشأ عاقبه بعدله» وهذا الكلام حسن، كلام جليل، كلام طيب. فالله عز وجل يثيب أهل الإحسان فضلاً وكرماً، ويعاقب أهل الظلم والعصيان عدلاً وقسطاً، ﴿وَلَا يَظْلِمُ رَبُّكَ أَحَداً﴾، ﴿وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾. «يغفر ما يشاء غير الشرك» الدليل قوله تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. والشرك الأصغر فيه خلاف، والراجح أنه لا يغفر أيضاً. «يغفر ما يشاء غير الشرك به»، خلود النار دون شك، هذا الشرك الأكبر، خلود النار. قال تعالى: ﴿وَمَن يُشْرِكْ بِاللَّهِ فَقَدْ حَرَّمَ اللَّهُ عَلَيْهِ الْجَنَّةَ﴾، ماذا بعد هذه الآية؟ ﴿وَمَأْوَاهُ النَّارُ﴾، ﴿وَمَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ أَنصَارٍ﴾، به خلود النار دون شك. هذا الذي أريد أن أقول: أنه خطأ. «له عقاب من أطاعه كما يثيب من عصى، ويولي نعمة» هذا البيت ليس بصوابه. «له عقاب من أطاعه كما له ثواب، له عقاب من أطاعه كما يثيب من عصى، ويولي نعمة كذا، له أن يؤلم الأطفال، ووصفه بالظالم استحالة». الظالم عند الأشاعرة، هذا على مذهب الأشاعرة، كلام هذا على مذهب الأشاعرة في طورهم الأول، ليس فيما صار إليه أبو الحسن الأشعري رحمه الله تعالى، إذ لقي الإمام الساجي، المعروف الإمام الساجي، فإنه لما لقي الإمام الساجي رجع إلى السنة، رجع إلى مذهب الإمام أحمد رحمه الله تعالى وغفر له. ثم لما لقي حنابلة البصرة أخذ عنهم كتب الإمام أحمد ومقالاته. الظالم عند الأشاعرة: الظلم هو التصرف في ملك الغير بدون وجه حق، هذا الظلم عند الأشاعرة. الظلم عند الأشاعرة هو التصرف في ملك الغير بغير حق، بغير وجه حق، بدون وجه حق. يقول: والخلق كلهم ملك لله عز وجل، فله جميع ما في السماوات وما في الأرض، كلهم ملكه وتحت تصرفه، فكيف يوصف بالظلم؟ والظلم هو التصرف في ملك الغير بغير حق، والكل ملك لله عز وجل، فلو تصرف الله عز وجل في ملكه بأي شكل كان، فلا يقال عنه ظالم. هكذا يقول الأشاعرة في مذهبهم. والحق الذي قرره السلف رحمهم الله تعالى، قبل أن يخلق الله الأشاعرة، وقبل أن يخلق الله الكلابية، وقبل أن يخلق الله الجهمية، الذين هؤلاء فروع عنهم ومتأثرون بأصولهم، أن المراد بالظلم الذي نفاه الله عز وجل في القرآن وذكره، المراد الظلم في الجزاء والحساب، فلا يحمل الإنسان سيئات غيره أو سيئات لم يعملها، هذا نوع ظلم نفاه الله عز وجل. كذلك لا يضيع الله أجر المحسنين لحسنات عملوها، قال تعالى: ﴿وَمَن يَعْمَلْ مِنَ الصَّالِحَاتِ وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَلَا يَخَافُ ظُلْماً وَلَا هَضْماً﴾، ما المراد بالظلم هاهنا المنفي؟ أي أن ينقص من حسناته، أو يعاقب على حسناته بعقاب سيئات، هذا نفاه الله عز وجل. ومن يعمل من الصالحات وهو مؤمن فلا يخاف ظلماً، أي أن نحمل عليه ما ليس عليه فنعاقبه به، أو أن نهضمه حقه من الحسنات فلا نعدها له، فلا يخاف ظلماً ولا هضماً. قال تعالى: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، أي في الإحسان والجزاء والإساءة، الله لا يظلم الناس شيئاً، ولكن الناس أنفسهم يظلمون. فقوله: «له عقاب من أطاعه كما» مردود بمثل هذه الآيات: ﴿مَن عَمِلَ صَالِحاً فَلِنَفْسِهِ وَمَنْ أَسَاءَ فَعَلَيْهَا وَمَا رَبُّكَ بِظَلَّامٍ لِّلْعَبِيدِ﴾، هذا مردود بمثل هذه الآية وغيرها من الآيات. فالله عز وجل قد يثيب من عصى ويغفر له، قد يثيب الله من عصى ويغفر له تفضلاً منه وكرماً. ولهذا فقوله بعد ذلك: «يثيب من عصى» فيه تفصيل، فإن كانت المعصية شركاً أكبر، فالله لا يثيب من أشرك شركاً أكبر. إن كانت المعصية شركاً أكبر، فالله لا يثيب من من عصى معصية شركاً أكبر، الله لا يثيب من عصى معصية شركاً أكبر. لكن الذنوب تحت المشيئة، فقد يذنب، قال تعالى: ﴿إِنَّ اللَّهَ لَا يَغْفِرُ أَن يُشْرَكَ بِهِ وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾، قد يشاء الله أن يغفر لعاصر فيغفر له، لا مانع من ذلك، فيكون هذا فضلاً وكرماً وجوداً وإحساناً من الله عز وجل، ﴿وَيَغْفِرُ مَا دُونَ ذَٰلِكَ لِمَن يَشَاءُ﴾. هذا لا بد من ذكره في تفصيل مثل هذا البيت. أما أن يقال: «له عقاب من أطاعه»، فهذا يخالف الذي جاء في القرآن، هذا يخالف الذي جاء في القرآن. والمراد بالظلم في الآيات المنفية، المراد به في حق الله عز وجل، الظلم في الجزاء والحساب، وليس التصرف في ملك الغير. إن كان هذا يعد شيئاً من الظلم، لكنه ليس المراد. أما إيلام الأطفال، فهي مسألة تابعة لباب الحسن والقبح العقلي التي خالف فيها المعتزلة من جهة والأشاعرة من جهة أخرى، ونقف عندها إن شاء الله تعالى. فإذا كان لكم شيء، وقفنا هاهنا إن شاء الله تعالى. ترجمة نانسي قنقر