شرح كتاب التوحيد 7

الدرس في شرح كتاب التوحيد 7، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

تعريف الشرك وتقسيمه إلى أكبر وأصغر

يشرح المقطع معنى الشرك لغةً بأنه مطلق المداخلة، ثم يقسمه إلى شرك أكبر وهو جعل ندٍّ لله في الإلهية أو الربوبية أو الأسماء والصفات، وشرك أصغر عرّفه المصنف بالرياء أو بأنه كل وسيلة نهى الله عنها توصل إلى الشرك الأكبر، مع ذكر اختلاف العلماء في تعريفه. يُبرز هذا المحور الأسس اللغوية والشرعية التي يقوم عليها التصنيف الثنائي للشرك.

الشرك الأصغر كوسيلة للشرك الأكبر وتقسيمات الشرك الأكبر

يبيّن المقطع أن الشرك الأصغر هو كل وسيلة توصل إلى الشرك الأكبر، كالحلف بغير الله وقول "ما شاء الله وشئت" والرياء، وأن تعاريف الأئمة له متفقة غير متعارضة. ثم يفصّل أنواع الشرك الأكبر إلى ثلاثة: شرك الدعوة بدعاء غير الله، وشرك القصد والإرادة بالعمل لغير الله، وشرك الطاعة بطاعة المخلوق في معصية الخالق.

أنواع الشرك الأكبر والفرق بينه وبين الأصغر وحكم الشرك الخفي

يستعرض المقطع أنواع الشرك الأكبر الأربعة (الدعوة، الطاعة، الإرادة، المحبة) مستدلاً بالآيات، ويبين الفروق الجوهرية بين الشرك الأكبر والأصغر من حيث الخلود في النار، حبط العمل، والمآل. ثم يناقش مسألة الشرك الخفي موضحاً أنه ليس قسماً ثالثاً بل يندرج تحت الأكبر (كرياء المنافقين) أو الأصغر (كرياء المصلين)، مستنداً إلى قول ابن باز وضعف حديث "الشرك الخفي".

ختام الدرس والإشارة للباب القادم

يختتم المتحدث الدرس الحالي بالإشارة إلى أنهم سيدخلون في الباب التالي غداً، ويختتم بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وسلم. يشكل هذا المحور خاتمة مختصرة تربط الدرس الحالي بما سيأتي لاحقاً.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

نكمل بقية الباب إن شاء الله تعالى. نحن الآن في باب الخوف من الشرك، نحن في باب الخوف من الشرك، وهذا باب عظيم. هذا الباب باب عظيم. فأما الشرك فهو في اللغة: مطلق المداخلة. الشرك في اللغة مطلق المداخلة، يقال: اشترك فلان وفلان، أي: أدخله في الشرك. الشرك في اللغة مطلق المداخلة، هذا معنى الشرك من حيث اللغة. ومنه يقال: فلان شريك فلان، يعني: إذا كان له نصيب فيما اشتركا فيه، ولو كان نصيباً يسيراً؛ لا يشترط أن يكون النصيب حتى يثبت اسم الشريك كبيراً أو مماثلاً، بل لو كان يسيراً فهو شريك. هذا معنى الشرك من حيث اللغة. ولهذا ضربه الله سبحانه وتعالى مثلاً في قوله سبحانه: ﴿ضَرَبَ اللَّهُ مَثَلًا عَبْدًا مَمْلُوكًا لَا يَقْدِرُ عَلَى شَيْءٍ وَمَنْ رَزَقْنَاهُ مِنَّا رِزْقًا حَسَنًا﴾ الآيات، ففيه المشاركة. ومن هنا صار الشرك شركاً؛ لأن فيه المشاركة، أي: المداخلة. والشرك على نوعين: الشرك الذي يقصده المصنف رحمه الله في هذا الباب على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر. الشرك الذي يعنيه المصنف رحمه الله في هذا الباب على نوعين: شرك أكبر، وشرك أصغر. فأما الشرك الأكبر: فأن يجعل نداً لله سبحانه في عبادته ونحوها. هذا هو الشرك الأكبر: أن يجعل لله نداً في إلهيته، أو في ربوبيته، أو في أسمائه وصفاته. هذا هو الشرك الأكبر: أن تجعل لله نداً في إلهيته، أو في ربوبيته، أو في أسمائه وصفاته. فمن جعل لله نداً في عبادته، يعبده كما يعبد الله، أو يصرف له شيئاً مما يصرف لله، فقد أشرك بالله سبحانه في عبادته، في إلهيته. وكذلك من أثبت لله شريكاً في ربوبيته يتصرف في الكون، أو ينفع ويضر، أو يدبر الأمر، أو نحو ذلك، فهذا أيضاً شرك أكبر. وهكذا أيضاً من سمى مخلوقاً بأسماء خاصة بالله، أو صرف لمخلوق شيئاً من الصفات الخاصة بالله سبحانه، فقد أشرك شركاً أكبر. من صرف شيئاً من أسماء الله أو صفاته المختصة به إلى مخلوق، فقد أشرك شركاً أكبر. هذا هو النوع الأول الذي هو الشرك الأكبر: أن يجعل لله نداً، يعني: في إلهية، أو في ربوبية، أو في أسمائه وصفاته. قال سبحانه: ﴿فَلَا تَجْعَلُوا لِلَّهِ أَندَادًا وَأَنتُمْ تَعْلَمُونَ﴾. والند هو النظير والمماثل. هذا معنى الند من حيث اللغة: النظير والمماثل. والله سبحانه ليس كمثله شيء، ﴿قُلْ هُوَ اللَّهُ أَحَدٌ﴾، ﴿وَلَمْ يَكُن لَّهُ كُفُوًا أَحَدٌ﴾، ﴿هَلْ تَعْلَمُ لَهُ سَمِيًّا﴾. فالله سبحانه لا ند له سبحانه وتعالى. هذا النوع الأول من أنواع الشرك: أن تجعل لله نداً في إلهيته، أو في ربوبيته، أو في أسمائه وصفاته. فمن جعل لله نداً في ذلك فقد أشرك شركاً أكبر. هذا الذي يعنيه الشيخ رحمه الله بقوله: "باب الخوف من الشرك". فالشرك الأكبر: أن تجعل لله نداً كما تقدم. ولا يعلم في باب الأسماء والصفات شرك أصغر، ولا كذلك في باب الربوبية على المشهور، الذي صرح به الأئمة رحمهم الله. إلا أن بعض العلماء ثار بحثاً في مسألة إسناد النعم، نؤجل البحث في ذلك إلى باب إسناد النعم في أواخر الكتاب، نردي إلى بحث المسألة هناك. الشاهد: أن الشرك لا يكون الشرك الأصغر في الأسماء والصفات، ولا في الربوبية. وأما الشرك الأصغر فقد عرفه المصنف فقال: الرياء. يعني: تبعاً لحديث: "أخوف ما أخاف عليكم الشرك الأصغر"، فسئل عنه فقال: الرياء. ويعبر ابن القيم وغيره من أئمة الدعوة بقوله: يسير الرياء. هذا تعريف من التعاريف عند الأئمة، فإن للأئمة في تعريف الشرك الأصغر ثلاثة تعاريف: منهم من يعرفه بالمثال، من أئمة الدعوة، من يعرفه بالمثال، فيقول: الشرك الأصغر هو الرياء، أو قول: ما شاء الله وشئت، أو الحلف بغير الله. هكذا يقول. ومنهم من يعرف الشرك الأصغر بالأمثلة، فيقول: الشرك الأصغر هو الرياء، أو يسير الرياء، أو التصنع، أو قول القائل: لولا كذا، لولا الله وفلان، لولا الطبيب لمت، أو نحو ذلك. هذا تعريف عند الأئمة يعرفونه بالمثال. ومنهم من يقول: الشرك الأصغر هو كل وسيلة مما نهى الله عنه إلى الشرك الأكبر. الشرك الأصغر هو وسائل الشرك الأكبر، فكل وسيلة إلى الشرك الأكبر فهي شرك أصغر. كل وسيلة إلى الشرك الأكبر فهي شرك أصغر. فمن عظم غير الله ليس كتعظيم الله، تعظيماً منهيا عنه، كتعظيم الحالف للمحلوف به، فهذا شرك أصغر. وهكذا من غلا في شخص، فهذا شرك أيضاً. من غلا في شخص، هذا شرك أيضاً. وهكذا كل وسائل الشرك الأكبر شرك أصغر. وعلى هذا فمحبة الدينار والدرهم، حتى تكون وسيلة إلى ترك الطاعات أو فعل المحرمات، شرك أصغر. محبة الدينار والدرهم، أو نحو ذلك، كمحبة صارفة للإنسان عن الطاعة أو العبادة، أو مدخلة له في المحرمات، فهذا شرك أصغر. وهذا قد نص عليه شيخ الإسلام ابن تيمية وغيره رحمهم الله تعالى. ومن أهل الدعوة، من أئمة الدعوة، من يقول: الشرك الأصغر ما كان وسيلة مما نهى الله عنه إلى الشرك الأكبر، وجاء في النصوص تسميته شركاً. من أئمة الدعوة من يقول: الشرك الأصغر هي وسائل الشرك الأكبر، وجاء في النصوص تسميته شركاً، كالحلف بغير الله. من حلف بغير الله فقد أشرك، أي: شركاً أصغر؛ لأن التعظيم فيه ليس كتعظيم الله، أو ليس كتعظيم مخرج عن الملة، لكنه وسيلة إلى التعظيم الشركي، وسيلة إلى أن يعظم فيشرك بربه سبحانه. لأن الحالف لا يحلف إلا بمن يعظمه، لا بمن يهينه أو يستهينه. الحالف لا يحلف إلا بمن يعظمه، لا بمن يستهينه. فعلى هذا: الشرك الأصغر ما كان وسيلة إلى الشرك الأكبر، وجاء في النصوص تسميته شركاً. ومن تأمل في هذه الثلاثة، المثالث، قد يظن أن بينها التعارض. من نظر في هذه المثالث، ولم يتأمل، قد يظن أن بينها تعارضاً. وكلها سواء، كلها سواء، لا تعارض بينها. كل التعاريف صحيحة. فالحلف بغير الله جاءت النصوص بتسميته شركاً. من حلف بغير الله فقد أشرك، أي: شركاً أصغر. ويدخل تحت هذا النص كل من عظم غير الله تعظيماً يخشى أن يدخله في الشرك الأكبر، فنستدل عليه بالحلف؛ لأنه جاء في النصوص تسميته شركاً. وهذا مسلك الفقهاء، ولا يعني تعريب هؤلاء الأئمة كابن باز أو كغيره من أهل العلم، إذا قيدوا فقالوا: مما جاء تسميته في النصوص، لا يعنون أنها محصورة، وأن الشرك الأصغر عبارة عن الرياء لأنه جاء فيه النصوص، والحلف لأنه جاء فيه النصوص، وما شاء الله وشئت لأنه جاء فيه النصوص، وما دون ذلك لا يكون شركاً أصغر. هذا لم يريدوه رحمهم الله وغفر لهم، وإنما مرادهم أن يلحق النظير بالنظير. فالحلف بغير الله مثلاً يدخل تحته جنس تعظيم غير الله. الحلف بغير الله مثلاً يدخل فيه جنس تعظيم غير الله، كتعظيم الحالف لمن حلف به. فمن عظم، ولو لم يحلف، من عظم، ولو لم يحلف، فقد أشرك. سواء أخرج التعظيم بصورة الحلف، أو بصورة الثناء الزائد المبالغ فيه، فهذا كله يكون من جنس الشرك الأصغر، يدخل فيه، ونستدل عليه بقول النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم: "من حلف بغير الله فقد أشرك". وهكذا من أتى بألفاظ فيها المساواة لما هو من خصائص الله سبحانه، فأشرك فيه مخلوقاً، فقد أشرك، ونستدل على ذلك بقول الرجل: ما شاء الله وشئت. قال: "أجعلتني لله نداً؟ بل ما شاء الله وحده". فمن ساوى غير الله بالله سبحانه لفظاً، لاعتقاده، لفظاً لاعتقاده، فيما هو من خصائص الله سبحانه، فهذا شرك. هذا يعد من الشرك، ونستدل على ذلك بهذا الحديث العظيم: "أجعلتني لله نداً؟". وهكذا كل من عمل عملاً يطلب مدحة الناس، ليسمعوه، أو يطلب أن ينظروا إلى عمله فيرائيهم، فهذا شرك أصغر. هذا يعتبر من الشرك الأصغر. فكل وسيلة إلى الشرك الأكبر هي شرك أصغر. هذا الذي عليه مدار كلام الأئمة. كل وسيلة إلى الشرك الأكبر فهي شرك أصغر. هذا الذي عليه مدار كلام الأئمة. ومن هنا قد يقال في التوسل البدعي إنه شرك أصغر. من هنا قد يقال في التوسل البدعي إنه شرك أصغر، من أجل أنه وسيلة إلى الأكبر. قد يقال في التوسل البدعي، الذي سيأتي الكلام عليه: "أسألك بجاه فلان، أو بحق فلان، أو بحق نبيك"، أو نحو ذلك، هو وسيلة إلى الشرك الأكبر. ولا خلاف بين أئمة الدعوة إلا فيما يظهر من عباراتهم، وإلا فصنيعهم واحد، رحمة الله تعالى عليهم أجمعين. هذا الذي ينبغي أن يعلم. والشرك الأكبر أيضاً: شرك العبادة. منه شرك الدعوة. الشرك الأكبر الذي هو في باب الإلهية، منه شرك الدعوة: كأن يدعو مع الله أحداً. قال سبحانه: ﴿فَلَا تَدْعُ مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾. وقال سبحانه: ﴿وَمَن يَدْعُ مَعَ اللَّهِ إِلَٰهًا آخَرَ لَا بُرْهَانَ لَهُ بِهِ فَإِنَّمَا حِسَابُهُ عِندَ رَبِّهِ ۚ إِنَّهُ لَا يُفْلِحُ الْكَافِرُونَ﴾. فهذا نوع من أنواع الشرك الأكبر الذي هو دعاء غير الله، دعاء غير الله كدعاء الله سبحانه. ومنها: شرك القصد والإرادة والرياء. كما قال سبحانه: ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْحَيَاةَ الدُّنْيَا وَزِينَتَهَا نُوَفِّ إِلَيْهِمْ أَعْمَالَهُمْ فِيهَا وَهُمْ فِيهَا لَا يُبْخَسُونَ * أُولَٰئِكَ الَّذِينَ لَيْسَ لَهُمْ فِي الْآخِرَةِ إِلَّا النَّارُ ۖ وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ الْعَاجِلَةَ عَجَّلْنَا لَهُ فِيهَا مَا نَشَاءُ لِمَن نُّ رِيدُ ثُمَّ جَعَلْنَا لَهُ جَهَنَّمَ يَصْلَاهَا مَذْمُومًا مَّدْحُورًا﴾ الآيات. ﴿مَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الْآخِرَةِ نَزِدْ لَهُ فِي حَرْثِهِ ۖ وَمَن كَانَ يُرِيدُ حَرْثَ الدُّنْيَا نُؤْتِهِ مِنْهَا وَمَا لَهُ فِي الْآخِرَةِ مِن نَّصِيبٍ﴾. هذا شرك النية والإرادة والقصد، وهو التصنع للخلق. هذا شرك النية والإرادة والقصد، وهو التصنع للخلق: أن يعمل العمل لهم ابتداءً، كمن صلى لأن فلاناً يراه، أو صام لأن فلاناً يراه، أو تهجد لأن فلاناً يراه، أو نحوها من الأعمال التي لا تعدية فيها، كالصلاة والصيام، وجنسها مما لا تعدية فيه. فهذا يعتبر من الشرك الأكبر، عياذاً بالله. ومنها: شرك الطاعة. قال سبحانه: ﴿اتَّخَذُوا أَحْبَارَهُمْ وَرُهْبَانَهُمْ أَرْبَابًا مِّن دُونِ اللَّهِ وَالْمَسِيحَ ابْنَ مَرْيَمَ وَمَا أُمِرُوا إِلَّا لِيَعْبُدُوا إِلَٰهًا وَاحِدًا ۖ سُبْحَانَهُ عَمَّا يُشْرِكُونَ﴾. هذا شرك الطاعة. هذا شرك الطاعة. ومنها: شرك المحبة أيضاً. أن يحب غير الله كما يحب الله. أن يحب غير الله كمحبة المؤمنين لله. أن يحب غير الله كمحبة المؤمنين لله. قال سبحانه: ﴿وَمِنَ النَّاسِ مَن يَتَّخِذُ مِن دُونِ اللَّهِ أَندَادًا يُحِبُّونَهُمْ كَحُبِّ اللَّهِ ۖ وَالَّذِينَ آمَنُوا أَشَدُّ حُبًّا لِّلَّهِ ۗ وَلَوْ يَرَى الَّذِينَ ظَلَمُوا إِذْ يَرَوْنَ الْعَذَابَ أَنَّ الْقُوَّةَ لِلَّهِ جَمِيعًا وَأَنَّ اللَّهَ شَدِيدُ الْعَذَابِ﴾. فالشاهد: هذا شرك المحبة. فالشرك الأكبر في باب العبادة لا يخرج عن هذه الأربعة الأقطاب: إما أن يكون شرك دعوة، أو شرك طاعة، أو شرك إرادة وقصد، أو شرك محبة. هذه الأربعة الأنواع هي أنواع الشرك الأكبر في باب عبادة غير الله سبحانه وتعالى. أما في باب الأسماء والصفات: فلا شرك أصغر في باب الأسماء والصفات، لا شرك أصغر. وأما في باب الربوبية: فلا شرك أصغر، فالمشهور من قول الأئمة، في المشهور من قول الأئمة: لا شرك أصغر في باب الربوبية. وينبغي أن يعلم أن الشرك مراتب، بعضها فوق بعض. ينبغي أن يعلم أن الشرك الأكبر مراتب، بعضها فوق بعض. وأما الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر: فالشرك الأكبر لا يدخل صاحبه الجنة أبداً، وهو من الخالدين في النار، وهو ممن يحبط جميع عمله، ولا ينفعه عمل. هذا من أهم الفروق بين الشرك الأكبر والأصغر. وأما الأصغر فصاحبه من المسلمين، ومعاله إلى الجنة، وإن دخل النار فمعاله إلى الجنة إذا دخل النار. فإذا دخل النار بذنبه لا يدخل دخول تأبيد، لا يدخل دخول تأبيد، معاله إلى الجنة. والشرك الأصغر لا يحبط جنس العمل. الشرك الأصغر لا يحبط جنس العمل، لكنه قد يحبط العمل الذي دخله إذا استحكم فيه. الشرك الأصغر لا يحبط جنس العمل، لكن قد يحبط العمل الذي دخله إذا لم يدفعه. فقد يحبط عمله، يعني: الذي دخل فيه الشرك الأصغر. أما الأكبر فإنه يحبط أصل، يحبط الأعمال، لا ينفع معه عمل. ﴿وَحَبِطَ مَا صَنَعُوا فِيهَا وَبَاطِلٌ مَّا كَانُوا يَعْمَلُونَ﴾. ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. ولقد أوحي إليك وإلى الذين من قبلك: ﴿لَئِنْ أَشْرَكْتَ لَيَحْبَطَنَّ عَمَلُكَ وَلَتَكُونَنَّ مِنَ الْخَاسِرِينَ﴾. هذا أمر عظيم ينبغي أن يتعوذ المسلم منه. وهل يغفر الشرك الأكبر؟ لا يغفر. وهل يغفر الشرك الأصغر؟ لا يغفر. هما في هذا سواء. لكن كما تقدم: إذا تاب منه الإنسان قبل الله توبته، وهكذا الأكبر. وأما إذا مات عليه فإنه يبقى في ميزانه. فإن وجد في ميزانه ما يثقل ميزانه من أعمال صالحة خالصة، ومن توحيد، ومن صدق، ومن طاعات عظيمة ظاهرة وباطن، فقد لا، قد لا يؤثر الشرك الأصغر إذا رجح الميزان. لا يؤثر الشرك الأصغر بالموازنة. هذا الذي عليه المحققون من أهل العلم في هذا الباب. فهذا باب: إذا عرفنا الشرك، وأن منه الظاهر والخفي. الشرك منه ظاهر وخفي، ينبغي الخوف منه. والخفي قد يكون في باب الأكبر، وقد يكون في باب الأصغر. الشرك الخفي قد يكون شركاً أكبر، وقد يكون شركاً أصغر. فمثال الشرك الخفي الأكبر: شرك المنافقين، الذين إذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراؤون الناس، ولا يذكرون الله إلا قليلاً. هذا شرك خفي أكبر. ومثال الشرك الخفي الأصغر: من صلى رياء أو سمعة، أو استمر على الرياء والسمعة في صلاة، هذا شرك خفي أصغر. وبهذا نعلم أن قول الإمام المصنف رحمه الله في بعض الرسائل، وتبعه طائفة من أئمة الدعوة: أن الشرك أكبر وأصغر وخفي، فيه نظر، كما قال سماحة الشيخ الإمام شيخ الإسلام عبد العزيز بن باز رحمه الله: هذا فيه نظر. فإن الشرك الخفي لا يخرج عن أن يكون أكبر أو أصغر. الشرك الخفي لا يخرج عن أن يكون أكبر أو أصغر. قال الإمام عبد العزيز بن باز رحمه الله: وإنما قال من قال إن الشرك الخفي قسم ثالث، استدلالاً بما رواه الإمام أحمد في مسنده من حديث أبي سعيد الخدري، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: "ألا أدلكم على أخوف، أو إن مما أخاف، أشد مما أخاف من المسيح الدجال؟ أخوف ما أخاف عليكم من المسيح الدجال". قالوا: ما هو يا رسول الله؟ قال: "الشرك الخفي، أن يقوم الرجل يصلي، فيزين صلاته لمكان الرجل". وهذا حديث ضعيف. هذا حديث ضعيف. هذا الحديث حديث ضعيف، فيه علتان. فشاهد أن هذا الحديث حديث ضعيف. فرجعنا إلى قول الأكثر، وأن أكثر الأئمة: ألا أن الشرك إما أكبر وإما أصغر. أما الخفي فهو مندرج، تارة في الأكبر، وتارة في الأصغر. فالذي في باب الأكبر: شرك المنافقين، يراؤون الناس، أي: في صلاتهم. إذا قاموا إلى الصلاة، وإذا قاموا إلى الصلاة قاموا كسالى، يراؤون الناس. هذا رياء المنافقين، شرك أكبر خفي، لا يعلمه أحد، هو في الصدور. أما في الظاهر فلا يطلع عليه إلا الله سبحانه وتعالى، لا يطلع عليه أحد لأنه مخفي. وهكذا أيضاً من صنع عملاً رياء وسمعة، هذا لا يطلع عليه إلا الله. لكن ذاك كفر أكبر، شرك أكبر، وهذا شرك أصغر. طيب، إذا كان لكم شيء... إلا ندخل غدا في الباب الذي بعده. هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.