الدرس في شرح كتاب التوحيد 24، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يوضح الحديث النبوي عن ثابت بن الضحاك أن النذر بالذبح في مكان كان يُعبد فيه وثن جاهلي لا يجوز الوفاء به، سداً للذريعة ومنعاً للمشابهة بالمشركين. ويبين الشيخ الفرق بين الصنم والوثن، مؤكداً أن لفظ «وثن» في الحديث يعم النوعين معاً.
يحرر المقطع الفرق اللغوي والشرعي بين الصنم ذي الصورة والوثن غير المصور كالأحجار والقبور. ويقرر إجماع العلماء على أن النذر بالذبح في مكان كان فيه وثن أو عيد جاهلي يعد نذر معصية لا ينعقد ولا تجب فيه كفارة يمين.
يجوز نقل الوفاء بالنذر من موضع شرك أو معصية إلى موضع طاعة لجمع البراءة من المعصية وإتمام النذر، مستنداً إلى أحاديث الكفارة والحلف. كما يؤكد بطلان النذر فيما لا يملكه الإنسان، ووجوب استفصال المفتي في المسائل المجملة كذبح عند القبور ودعاء عندها لتحديد الحكم بدقة.
طيب، نكمل إن شاء الله تعالى الباب. قال شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، أجزل الله له الأجر والثواب: "باب لا يذبح لله بمكان يذبح فيه لغير الله". وقول الله تعالى: ﴿ لَا تَقُمْ فِيهِ أَبَدًا ۚ لَّمَسْجِدٌ أُسِّسَ عَلَى التَّقْوَىٰ مِنْ أَوَّلِ يَوْمٍ أَحَقُّ أَن تَقُومَ فِيهِ ۚ فِيهِ رِجَالٌ يُحِبُّونَ أَن يَتَطَهَّرُوا ۚ وَاللَّهُ يُحِبُّ الْمُطَّهِّرِينَ ﴾ [التوبة: 108]. تقدم الكلام على الآية أمس. قال: عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة. بضم الباء على المشهور، ببوانة بضم الباء على المشهور، وقيل بفتحها: بوانة وبوانة أشهر. وهو موضع أسفل من مكة، دون يلملم، في ناحية ينبع، كان أهل الجاهلية ينحرون عنده. قال: عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة. وموضع كان يشرك بالله فيه... بوانة، موضع كان يشرك بالله فيه، ليس موضع يشرك فيه، هو موضع بين مكة وناحية ينبع. بوانة موضع بين مكة ونواحي ينبع، دون يلملم، هذا هو الصواب. أما أنه يشرك، فسيأتي في الحديث أنه لم يكن يشرك فيه. قال: عن ثابت بن الضحاك رضي الله عنه قال: نذر رجل أن ينحر إبلا ببوانة، فسأل النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فقال له النبي صلى الله عليه وسلم في جوابه: لما قال: "إني نذرت أن أنحر إبلا ببوانة"، قال: «هل فيها... هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد؟». وهذا يدل على المنع من الوفاء بالنذر. هذا يدل على المنع من الوفاء بالنذر: النذر إذا كان في المكان وثن من أوثان الجاهلية، ولو بعد زواله، كما قاله المصنف رحمه الله في المسألة السادسة. شاهد من هذه الفقرة أنه لا يجوز، لا يجوز أن ينحر في مكان فيه وثن من أوثان الجاهلية يعبد من دون الله سبحانه، ولو بعد زواله؛ لأن السائل إنما سأل رسول الله في حجة الوداع بعد أن أزيلت الأصنام والأوثان. السائل سأل رسول الله صلى الله عليه وسلم في حجة الوداع، أو بعد حجة الوداع كما في بعض الروايات، وفي هذا الزمن قد أزيلت هذه المنكرات، والنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يعلم بزوالها. لكن الأمر كما تقدر: أن العبادة في مكان كان يعبد المشركون فيه غير الله، فيه مشابهة للمشركين ومضاهاة لعباداتهم، وفيه إحياء المكان بعد زوال الناس عنه وانصرافهم منه، وفيه إشاعة ذكره. سد الذرائع أصل من أصول الشريعة، سد الذرائع من أكبر أصول الشريعة. قال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد». وقوله صلى الله عليه وسلم: «وثن» يدخل فيه الصنم. قوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «وثن» يدخل فيه الصنم. والمعنى: هل كان فيها وثن أو صنم يعبد؟ فإن الجاهلية كانوا يعبدون الأوثان والأصنام. أهل الجاهلية كانوا يعبدون الأصنام والأوثان. تقدم الكلام على الفرق بين الصنم والوثن: وأن الصنم ما عبد وله صورة، الصنم ما عبد وله صورة، والوثن ما عبد وليست له صورة. فالقبور أوثان، والأشجار أوثان، والمغارات أوثان، وما كان على صورة منحوتة فهو صنم. هذا الأصل وعمدة الباب أثر مجاهد، وقد صح عنه، وعليه المحققون من العلماء: أن الصنم ما عبد وله صورة، والوثن ما عبد وليست له صورة. إلا أن في عبارات الأئمة... إلا أن في عبارات الأئمة أنهم أطلقوا الصنم على الوثن والصنم، واستدلوا بآية إبراهيم: ﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا ﴾ [الشعراء: 71]، وهم يعبدون الأصنام والأوثان. ومع هذا قال ربنا سبحانه: ﴿ قَالُوا نَعْبُدُ أَصْنَامًا فَنَظَلُّ لَهَا عَاكِفِينَ ﴾ [الشعراء: 71]، وهم قد وقعوا أيضا في عبارة الأوثان، ووقعوا في عبارة التماثيل أيضا. وفي هذا الحديث قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية» يعني: صنما أو وثنا. وتحرير هذه المسألة أن يقال: تحرير المسألة أن يقال: إذا أطلق الصنم مجردا دخل فيه الوثن، وإذا أطلق الوثن مجردا دخل فيه الصنم، هذا أولى ما يقال بمثل هذا الموضع. وإذا اجتمعا افترقا: إذا قيل: لا تعبد الأصنام ولا الأوثان، فالأصنام ما كانت على صورة: طيرا أو بشرا أو أسدا أو نحو ذلك، والأوثان ما ليست لها صورة ك القبور ونحوها. هذا حاصل تحرير الفرق بينهما، والعلم عند الله سبحانه. هذا حاصل تحرير الفرق بينهما. فالوثن إذا أطلق يدخل فيه الصنم. فقوله: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية يعبد» يعني: هل كان فيها معبود من دون الله سبحانه، سواء كان إيش يا إخوان: صنما أو وثنا. وهذا يدل على أنه يمنع من الوفاء بالنذر في مثل هذه الحالة، يمنع من الوفاء بالنذر في مثل هذه الحالة. قالوا: لا. قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم؟». والعيد: أي معنى «عيد من أعيادهم»؟ أي: اجتماع من اجتماعات الجاهلية. معنى قوله صلى الله عليه وسلم: «عيد من أعيادهم» يعني: اجتماعا، يعني اجتماعا من اجتماعاتهم الذي تتكرر. ولهذا يقال: العيد مأخوذ من العود وهو التكرار، يعود بين فترة وأخرى، فسمي عيدا من العود، يعني: من التكرار. فالعيد سمي عيدا لأنه يتكرر، ولأنهم يجتمعون عليه. سمي العيد عيدا لأنه يتكرر، ولأنهم يجتمعون عليه. هذا معنى العيد، هذا معنى العيد. «هل كان فيها» قال: «فهل كان فيها عيد من أعيادهم» يعني: هل كان فيها اجتماع من اجتماعات الجاهلية؟ وهذه يحصل فيها المنكر والزور، سواء كان من الشرك بالله أو ما دون. فهذا مكان معصية، مكان اجتماع الجاهليين لا يسلم من شرك أو ما دون الشرك، فهو مكان معصية وكفر. قالوا: لا. وهذا يدل على أن المكان إذا كان مكان معصية أو كفر أو نحو ذلك، فإنه لا يوفى بالنذر فيه، لا يوفى بالنذر فيه. قالوا: لا. فقال رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «أوف بنذرك». صيأت الكلام في الباب القادم على حكم النذر وحكم الوفاء به، وأنه واجب. قال: «أوف بنذرك، فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله». وفي هذا دليل على أن النذر هاهنا نذر معصية: النذر بالذبح في مكان فيه وثن، أو كان فيه وثن ثم أزيل، أو فيه عيد واجتماع من أعياد الجاهلية. النذر هاهنا نذر معصية، وما كان من نذر المعصية فإنه لا وفاء، لا وفاء به بإجماع العلماء. نذر المعصية لا وفاء به بإجماع العلماء، لا يختلفون في ذلك. كل نذر معصية فلا وفاء به بإجماع العلماء. كل ما كان من نذر المعاصي فإنه لا وفاء به بإجماع العلماء. لكن هل ينعقد النذر أم لا ينعقد؟ سيأتي الكلام على هذا. وهل فيه كفارة يمين؟ فيه خلاف، والأظهر أنه لا كفارة يمين في نذر المعصية؛ لأن الحديث الذي في سنن الترمذي: «وكفارته كفارة يمين» حديث ضعيف، وحديث الباب أقوى. قال: «لا وفاء لنذر في معصية الله». ولو كان عليه كفارة يمين لقال: «وكفر عن يمينك». لو كان عليه كفارة يمين لقال: «فإنه لا وفاء لنذر في معصية الله، وكفارته كفارة يمين». هذا مذهب الجمهور من العلماء، مذهب الأئمة الثلاثة، خلافا للإمام أحمد في المشهور عنه. وهل ينعقد؟ الجواب الذي استظهره العلماء أنه ينعقد النذر هاهنا: انعقد، ولو كان في معصية، فإنه ينعقد لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة الآتي في الباب الآتي إن شاء الله: «من نذر أن يطيع الله فليطعه، ومن نذر أن يعصيه فلا يعصه». ولو كان لم ينعقد النذر لقال صلى الله عليه وعلى آله وسلم: «فلا نذر له، ومن نذر أن يعصي الله فلا نذر له». وها هنا مسألة مهمة: وهي إذا نذر أن يذبح في مكان فيه شرك، أو ذبح لغير الله سبحانه، فإنه لا وفاء لنذره. انتهينا من هذا، لا وفاء لنذره. انتهينا من هذا. لكن هل له أن يغير النذر ويغير المكان، فيترك مكان الشرك والمعصية ويذهب إلى مكان طاعة، فيوفي بنذره في مكان الطاعة؟ هل له أن يغير المكان الذي فيه المعصية إلى مكان فيه طاعة أم لا؟ الجواب: استظهر بعض أهل العلم أن له ذلك. فإذا نذر أن يذبح في قبة فلان، قيل له: اذهب فاذبح في بيتك، ويكون حينئذ قد عمل بالنذر. استظهر هذا الشيخ العلامة أحمد بن يحيى النجمي رحمه الله وأسكنه في سيح جنانه: أنه بمثل هذا يغير مكان المعصية. فلو أنه نذر أن يذبح بمكان فيه معصية، يذبح في مكان لا معصية فيه، حتى يجمع بين وجوب الوفاء بالنذر وبين ترك مكان المعصية. وهذه الفتوى تدل عليها أصول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم، هذه الفتوى تدل عليها أصول من حديث رسول الله صلى الله عليه وسلم: كما في حديث أبي هريرة عند مسلم: «من حلف على يمين فرأى غيرها خيرا منها فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». هذا من باب الحرص على الطاعة: «فليأت الذي هو خير، وليكفر عن يمينه». في الصحيحين حديث أبي هريرة أيضا: «من حلف فقال في حلفه: واللات والعزى، واللات، فليقل: لا إله إلا الله». ومن قال لصاحبه: «تعال أقامرك»، فليتصدق. هذه أصول عامة تدل على أن الأولى بمثل هذا الذي نذر أن يذبح في مكان شرك أن يغير المكان، فيسلم له النذر ويتقبل الله منه الذبح. قال: «ولا في ما لا يملكه ابن آدم». ما لا يملكه ابن آدم لا نذر فيه، لا نذر فيه. كأن يقول: «إن شف الله مريضي تصدقت بسيارة فلان، أو من دكان فلان، من ماله الخاص مثلا». هل ينعقد؟ الجواب: لا ينعقد. فهذا نذر باطل، هذا نذر باطل، هذا نذر باطل غير منعقد. «لله علي إن شف الله مريضي أن أتصدق بسيارة فلان»: هذا نذر غير منعقد لأنه فيما لا يملك ابن آدم. وهذا لا نذر فيه، لا ينعقد النذر. وسيأتي الكلام على مسائل النذر وحكمه في الباب الآتي. قال: رواه أبو داود، وإسناده على شرطهما، أي: على شرط البخاري ومسلم. وفي هذا الحديث كما قال المصنف: المسألة الثالثة، الرابعة: قال: استفصال المفتي إذا احتاج إلى ذلك. وهذا أصل عظيم في الأمور المجملات أو التي فيها الاحتمالات: لا يطلق الإنسان الجواب. يأتيك رجل يقول: ما حكم الذبح في قبة كذا؟ لا تستعجل وتقول له: هذا شرك أكبر. قل له: لمن تذبح؟ قال: أذبح لله سبحانه. قل له: هذا شرك أصغر، هذا بدعة. قال آخر: أذبح في قبة كذا، لمن تذبح؟ قال: أذبح للولي. قل له: هذا شرك أكبر. وهكذا يستفصل طالب العلم في المسائل، لا يطلق القول. قال: رجل دعا، رأيته يدعو عند قبة فلان رافعا يديه، هل هو مشرك؟ الجواب: نستفصل. من دعوت؟ قال: دعوت الله وحده، لكني اعتقدت أن المكان أولى بالإجابة من الله سبحانه. قلنا: هذا شرك أصغر، هذه بدعة، لا يجوز لك هذا، المكان ليس مكان إجابة الدعاء... إلى آخر ما يجري معه من كلام. قال آخر: رأيته يدعو. سألناه: لماذا تدعو عند قبة فلان؟ قال: أنا أدعوه أن يدعو الله لي. قلنا: هذا شرك أكبر، مخرج عن ملة الإسلام. هكذا ينبغي أن يكون المفتي مستفصلا في المسائل، لا يطلق العبارة. ولهذا لما جاء إلى النبي الرجل أو الرجال وسألوه عن من يذبح إبلا ببوانة، لأنه نذر، قال: «هل كان فيها وثن من أوثان الجاهلية؟ هل كان فيها عيد من أعيادهم؟» هذا أمر مهم في هذه الأبواب: الاستفصال في محل الإجمال والاحتمال، الاستفصال في محل الإجمال والاحتمال. أما حكم الباب فقد تقدم الكلام عليه. إن شاء الله غدا ندخل في حكم النذر. فإذا كان لكم شيء... إلا وقفناه هنا. هذا، وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم. ترجمة نانسي قنقر. ترجمة نانسي قنقر.