الدرس في شرح كتاب التوحيد 72، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يختم المتكلم الباب بتنبيهين مهمين: النهي عن خوض العامة في تكفير الحكام وإسناد ذلك للعلماء، ووجوب الدعاء لولاة الأمر كعلامة لأهل السنة. ثم يشرع في باب جحد الأسماء والصفات مبينًا أن أنواع التوحيد الثلاثة متلازمة وأن الشرك في نوع يستلزم الشرك في الباقي مستدلًا بالاستغاثة بغير الله.
يؤكد المقطع وجوب إفراد الله بالكمال المطلق في الأسماء والصفات إثباتاً ونفياً، وأن من جحد شيئاً مما أثبته الله لنفسه أو نفاه عنه فقد كفر كفراً أكبر. ويبين أن مقالات الجهمية والمعتزلة والأشاعرة كفر لأنها مبنية على تشبيه صفات الباري بالمخلوقات مما أدى إلى التعطيل، لكن لا يكفر أعيانهم لوجود شبهة تمنع التكفير.
يشرح المقطع أن جحد شيء من أسماء الله أو صفاته سواء عن شك أو عناد أو تردد يعد كفراً أكبر مخرجاً من الملة، ويستدل بإنكار قريش لاسم الرحمن مبيناً أن الجهمية والمعتزلة أشد كفراً في تأويلهم للصفات. ويختم بوصية علي بن أبي طالب رضي الله عنه بمراعاة فهم المخاطبين عند بيان الحق.
يختتم المتحدث الجلسة بالإشارة إلى رواية عبد الرزاق عن ابن طاوس عن أبيه. ويعلن عن مواصلة القراءة في الجلسة القادمة إن شاء الله مختتماً بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.
طيب، نكمل إن شاء الله تعالى. وها هنا تنبيهان يختم بهما الكلام على باب "ألم ترى إلى النبي لا يزعمون". ها هنا تنبيهان يختم بهما الباب. التنبيه الأول: أنه لا ينبغي الخوض في مسائل تكفير حكام المسلمين من قبل العامة أو أحد طلبة العلم، والواجب إسنادها إلى أهلها وهم أهل العلم الراسخون الذين يستنبطون من النوازل الحق من الباطل. هذا هو الواجب، فإن هذه المسائل مزلة قدم من لم يحسنها، زائغة عن منهج أهل السنة والجماعة. التنبيه الثاني: من علامة أهل السنة والجماعة الدعاء لولاة الأمور. من علامة أهل السنة والجماعة الدعاء لولاة الأمور في ظهر الغيب وفي مجالسهم، هذا من علامة أهل السنة والجماعة؛ لأن بصلاح ولاة الأمور صلاح أمر العباد والبلاد، فينبغي الدعاء لهم سرًّا وجهرًا. وإنما يستنكف من الدعاء لهم الخوارج المارقة، وأما أهل السنة فمن علامتهم الدعاء لولاة الأمر، وأن الله يحفظهم ويسددهم ويسر لهم البطانة الصالحة، كما كان الإمام أحمد يقول: "لو أعلم لي دعوة صالحة لصرفتها للسلطان". أهل السنة ليسوا أهل حقد على أولياء الأمور، لكنهم أهل نصح ودين، هذا الفرق بين أهل السنة وبين الخوارق المارقة. فهذا شيء نتواصل به، لا سيما في هذه الأزمان، أزمان الفتن. قال المصنف رحمه الله تعالى: "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات". وهذا باب مهم، أورده المصنف رحمه الله في هذا الكتاب، كتاب التوحيد، لأن توحيد الإلهية يتضمن توحيد الربوبية وتوحيد الأسماء والصفات. وتوحيد الأسماء والصفات والربوبية يستلزم توحيد الإلهية. فأنواع التوحيد متلازمة، والموحد من وحد الله في ذاته وأفعاله وصفاته، وأفرد الله بعبادته. الموحد من أفرد الله ووحده في ذاته وصفاته وأفعاله، وأفراده بالعبادة، فلم يعبد معه أحد. وكل من أخل بأحد أنواع التوحيد لزمه الإخلال بالنوع الآخر، لأن أنواع التوحيد متلازمة. وكل من أشرك في نوع من أنواع التوحيد لزمه الإشراك في الأنواع الأخرى لأنها متلازمة. فمن استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك في توحيد الإلهية والربوبية والأسماء والصفات. من استغاث بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله فقد أشرك في توحيد الإلهية، وأشرك في توحيد الربوبية، وأشرك في توحيد الأسماء والصفات. أما شركه في توحيد الإلهية: فأن صرف شيئًا من العبادة لغير الله سبحانه خوفًا ورجاء وطمعًا وتألهًا قلبيًّا، فهذا شرك الإلهية. وأما شرك الأسماء والصفات: فإنه يستغيث وينادي من لا يسمعه وهو يعتقد أنه يسمعه، وربما كان في بطون الصحاري أو في لجج البحار أو في رؤوس الجبال، فهذا يدعي أن من يدعوه دعاء استغاثة يسمع سمع الإله ويعلم الغيب، وهذا شرك بالأسماء والصفات. الله يقول: ﴿ إِن تَدْعُوهُمْ لَا يَسْمَعُوا دُعَاءَكُمْ وَلَوْ سَمِعُوا مَا اسْتَجَابُوا لَكُمْ ﴾ [فاطر: 14]، ﴿ وَهُمْ لَا يَسْمَعُونَ ﴾. فمن أشرك في استغاثته بغير الله أحدًا لزمه الشرك بالأسماء والصفات، إذ جعل مدعوه ومستغاثه له صفات لا تكون إلا لله سبحانه من الإحاطة بالمسموعات وإدراكها ولو في لجج البحار أو في بطون الصحاري أو في رؤوس الجبال، وهذه صفة الإله سبحانه لا سواه. وهو يزعم أنه يقدر على نفعه وضره، فهذا شرك الربوبية، فهو في حال كربته ينادي معبودًا يعتقد أنه يدفع عنه أو يمنع ما أصابه، وهذا شرك الربوبية. ولهذا نص الأئمة على أن الاستغاثة بغير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله شرك في الإلهية وشرك في الربوبية، كما ذكره الشيخ عبد الرحمن بن حسن في رده على داود بن جرجيس، وشرك في الأسماء والصفات، كما ذكره نادرة العصر حافظ الحكم رحمه الله في أعلام السنة المنشورة. وهذا الذي عليه الأئمة، والواجب إفراد الله سبحانه بتوحيد الأسماء والصفات، بأن نفرد لله سبحانه الكمال المطلق، نفرد لله سبحانه ونثبت له الكمال المطلق، فله الأسماء الحسنى أي البالغة في الحسن، وله الصفات العلى. نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وننفي عن الله ما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وكل من لم يثبت لله شيئًا من الصفات فقد كفر كفرًا... كل من لم يثبت لله ما أثبته لنفسه أو ينفي عن الله ما نفاه عن نفسه فهو كافر كفرًا أكبر. كل من لم ينفِ... كل من لم يثبت لله ما أثبته لنفسه أو شيئًا مما أثبته لنفسه، وكل من نفاه عن الله ما نفاه عن نفسه أو شيئًا مما نفاه عن نفسه أو نفاه عنه رسوله أو أثبته له رسوله، فهذا كافر كفرًا أكبر. فإن قال قائل: أتكفرون المعتزلة والأشاعرة ومن حذى حذوهم؟ فالجواب: أن مقالتهم كفر. الجواب أن مقالتهم كفر، ولولا وجود الشبهة لكفرناهم بأعيانهم، لولا وجود الشبهة فيهم وأنهم يظنون تنزيه الباري وهم يعطلون صفاته أو أسماءه، لولا وجود الشبهة فيهم لكفرناهم بأعيانهم. ولهذا لما ناظر شيخ الإسلام ابن تيمية بعض الجهمية قال: "لو قلت بقولكم لكفرت". قال شيخ الإسلام ابن تيمية لبعض الجهمية: "لو قلت بقولكم لكفرت، وأنتم عندي لستم بكفار". لو قلت بقولكم لكفرت، وأنتم عندي لستم بكفار. مع أن الجهمية كفار كما قال ابن القيم: "ولقد تقلد كفرهم خمسون في عشر من العلماء في البلدان". لا لك أي الإمام حكاه عنهم، بل حكاه قبله الطبراني، شاهد أن هذا إجماع من أهل العلم على تكفيرهم. لكن من وجدت بحقه الشبهة المانعة لا نكفر لوجود الشبهة، ولو قلنا بقوله لكفرنا. فهؤلاء، مبنى مذهبهم... المعتزلة والأشاعرة والجهمية، مبنى مذهبهم تشبيه صفات الباري بصفات المخلوقين. أصل مبنى مذهب الجهمية والأشاعرة والمعتزلة تشبيه صفات الباري بصفات المخلوقين، فمن هنا استشنع الأسماء والصفات، من هنا استشنع أسماء الله وصفاته، وقالوا: إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم. من هنا قالوا: إن إثبات الصفات يستلزم التشبيه والتجسيم، هكذا قالوا، فهم عطلوا الباري. ولهذا نظروا إلى لازم قولهم، سماهم أهل السنة المعطلة. هم لا يقرون أنهم معطلة، لكننا نسميهم معطلة لأن لازم قولهم وحقيقة قولهم تعطيل الباري عن صفاته، وتشبيه الباري بالمعدومات والجمادات. وقد ألف أهل العلم كتبًا في الرد عليهم، ألف أهل العلم كتبًا في الرد عليهم. وهكذا المفوض، مذهبهم مبني على تشبيه الباري بغيره، ولهذا قال صاحب الجوهر: "وكل نص أو أن تشبيه أوله أو فوض ورم تنزيه". فنصوص الباري وصفاته عندهم... نصوص صفات الباري عندهم ظاهرها التشبيه، وهذا كفر العياذ بالله. والكلام على هذا في غير هذا المحل، كلام على مذهب الأشاعرة والجهمية ومن حذا حذوهم في غير هذا المحل. لكن المصنف لم يرد أن يخلي هذا الكتاب من التنبيه على هذا الباب، فرحمه الله وغفر له. قال: وقول الله تعالى... قال: "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات". والجحد: إنكار ما تعرف. الجحد: إنكار ما تعرف. هذا هو الجحد، والمراد هنا ما هو أعم من هذا، فالمراد بالجحد هنا مطلق الامتناع. المراد بالجحد هنا مطلق الامتناع، فإن عرب الفقهاء إذا أطلقوا الجحد يريدون به المنع وما بعده، هذا الذي جرى عليه عرب الفقهاء. فإذا قالوا: نكفر من جحد كذا، لا يعنون أن غير الجحد ليس بكافر، فالممتنع والمعاند والمستكبر وغير ذلك كلهم كفار يدخلون تحت الجحد، وإنما يعبرون بالجزء والمراد الكل. فقوله: "باب من جحد شيئًا" أي: امتنع من إثبات شيء، سواء أنكره أو توقف فيه أو نحو ذلك، فهذا كفر أكبر مخرج عن ملة الإسلام. باب من جحد شيئًا، أي: امتنع من إثبات، سواء امتنع لشبهة فهذا كفر، أو امتنع عنادًا فهذا كفر، أو امتنع شكًّا وترددًا فهذا كفر. الشك من أنواع الكفر، والامتناع من أنواع الكفر، والعناد أيضًا. هذا معنى كلام المصنف رحمه الله وغفر له. وعلى هذا يدخل بهذا الباب كل من حرف الصفات أو أولها أو امتنع من إثباتها، أو قال: لله أسماء لكنها أعلام محضة ليست تحتها نعوت ولا صفات، كما يقوله المعتزلة، كلهم يدخلون تحت هذا الباب. أو قال: أثبت لله صفات لكن لا أدري معانيها ولا ما أراد الله منها، هذا أيضًا يدخل بهذا الباب. قال: "باب من جحد شيئًا من الأسماء والصفات، وقول الله تعالى: ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ﴾" [الفرقان: 60] الآية. أي: يجحدون اسم الرحمن، يجحدون اسم الرحمن؛ لأنهم يجحدون ذات الله سبحانه وينكرون وجود... والله سبحانه لا... المراد أنهم ينكرون اسم الرحمن خاصة، ينكرون اسم الرحمن خاصة، وهذا قول طائفة من مشركي قريش، وهذا عناد منهم وجهل، هذا عناد منهم وجهل، وإلا فإن في كثير من أشعارهم إثبات اسم الرحمن، وهم يعرفون اسم الرحمن، لكن لما جاءهم من طريق المصطفى صلى الله عليه وسلم استكبروا وقالوا: لا نعرف إلا رحمن اليمامة، يعنون مسيلمة الكذاب لعنه الله، وهذا من الكفر والعناد، وإلا في أشعارهم إثبات اسم الرحمن كما قالوا: ﴿ وَمَا يَشَاءُ الرَّحْمَٰنُ يَعْتَدِ وَيَطْلُقُ ﴾. فهؤلاء الكفار جحدوا هذا الاسم. وهل عرف عنهم جحدوا شيئًا آخر من باب الأسماء والصفات؟ الجواب: ذكر العلماء أنه لا يعرف عن الكفار إلا إنكار اسم الرحمن، وهذا في طائفة منهم، هذا في طائفة منهم. وعلى هذا فالجهمية والمعتزلة ونحوهم وإن أقروا بالأسماء والصفات في الجملة فالتحقيق أنهم لا يثبتون شيئًا، لأن الأسماء عندهم أعلام محضة لا صفات تحتها، فلا يفهمون من الرحمن اسم الرحمة، صفة الرحمة، لا يفهمون من الرحمن صفة الرحمة. ولهذا الجهمية... الجهمية ومن حذا حذوهم عندهم أشد كفرًا من الكفار في إنكار اسم الرحمن. الجهمية والمعتزلة والأشاعرة ومن حذا حذوهم عندهم أشد كفرًا من أنكر اسم الرحمن. قال رحمه الله: "وفي صحيح البخاري قال علي: حدثوا الناس بما يعرفون". أي: بما يفهمون، هذا معنى قوله يعرفون، وإلا كل أحد يعرف كلام الله وكلام رسوله، لكن معنى كلامه رضي الله عنه: أي بما يفهمونه في عقولهم لا بما لا تستوعبه عقولهم. قالوا: في صحيح البخاري قال علي: "حدثوا الناس بما يعرفون"، يعني بما يفهمون، "أتريدون أن يكذب الله ورسوله". قال أهل العلم: إنما قال علي هذا لما كثر الخصاص في وقته، إنما قال علي هذا لما كثر الخصاص في خلافته رضي الله عنه، وصاروا يذكرون أحاديث للناس فربما لا يحسن الناس فهم المراد من تلك الأحاديث فيبادرون إلى الإنكار، يبادرون إلى الإنكار، وهذه الأحاديث لها معانيها عند أهل العلم والمراد منها معروف عند أهل العلم، لكن العام قد لا يدرك ما يفهمه... ما من تلك الأحاديث، فأمرهم رضي الله عنه أن يحدثوا الناس بما يفهمونه ويعقلونه وينفعهم في أصل دينهم. والمراد من هذه النصيحة التي قالها علي بن أبي طالب رضي الله عنه وأرضاه: تنبيه الداعي لله على الحكمة في بيان الحق، تنبيه الداعي لله على الحكمة في بيان الحق، وأن يبين الحق للناس بما يقرب إلى قلوبهم وأفهامهم، ولا يعني علي أن يسكت عن الحق، بل الواجب بيان الحق، لكن كيف تبين الحق هذه القضية؟ الحق لا يجوز السكوت عن بيانه، لكن كيف تبين الحق؟ بينه بما يقربه إلى الناس ويحببه في قلوبهم ويزينه في صدورهم، ولا يعني السكوت عنه. سيأتي الكلام. قال: "وروى عبد الرزاق عن ابن طاوس عن أبيه". طيب، لعل الوقت قد دخل، نقرأ غدًا إن شاء الله وتعالى. فإذا كان لكم شيء... الله صلى الله على محمد وعلى رسوله.