الدرس في شرح كتاب التوحيد 73، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل
يبيّن المحور أن الواجب التسليم لنصوص الصفات الواردة في الكتاب والسنة إثباتاً بلا تكييف وتنزيهاً بلا تعطيل، مستدلاً بإنكار ابن عباس على من استنكر أحاديث الصفات. ويؤكد أن منهج السلف إثبات الصفات كما تليق بالله سبحانه، رداً على المعطلة والمفوضة الذين أولوا معانيها أو جهلوها زاعمين التشبيه بالمخلوقين.
يشرح المحور أن إسناد النعم إلى غير الله تعالى يُعد شركاً لفظياً خفياً أصغر يُعرف بكفر النعمة، مستدلاً بقوله تعالى: ﴿يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا﴾. ويفرق بين الإسناد المحض المباهاة المنافي للشكر وهو شرك، وبين الإخبار عن السبب عند السؤال فهو جائز.
يفصل المحور الفرق بين الشرك الأكبر والأصغر في نسبة الشفاء والنعم للطبيب والدواء، مبيناً أن الابتداء بإسناد النعمة لغير الله شرك لفظي أصغر بينما اعتقاد الاستقلال شرك أكبر. ويوضح الفرق بين الجواب عن السبب والإخبار به وهو جائز، وبين الابتداء بالإسناد المحض المنافي للشكر.
أعلن المتحدث عن التوقف عند هذا الحد على أن يستكمل القراءة في الجلسة القادمة، واختتم الجلسة بالصلاة على النبي محمد وآله وصحبه وسلم.
الله تعالى الباب قال رحمه الله تعالى: وروى عبد الرزاق، قال رحمه الله: وروى عبد الرزاق عن معمر عن ابن طاوس عن أبيه عن ابن عباس، وهذا سند صحيح رجاله كله ثقات. قال عن ابن عباس أنه رأى رجلا انتفض لما سمع حديثا عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في الصفات استنكارا لذلك، فقال: ما لهؤلاء يجدون لذة عند محكمه ويهلكون عند متشابه. انتهى. والواجب التسليم والانقياد لما جاء من نصوص السنة والكتاب، فالواجب التسليم والانقياد لما جاء فيه نصوص الكتاب والسنة، وترك المنازعة والحرج من ذلك. ولا يتم الإيمان إلا بالقبول والتسليم، لا يتم الإيمان إلا بالقبول والتسليم. وتقدم ذكر القاعدة في باب الصفات: الله سبحانه وأننا نثبت لله ما أثبته لنفسه أو أثبته له رسوله من غير تكييف ولا تمثيل، ومن غير تحريف ولا تعطيل، إثباتا بلا تأويل وتنزيها بلا تعطيل. هذا مذهب السلف. وهذا الرجل الذي استنكر، ابن عباس صنيع وأنكر عليه فعله حين سمع حديثا في صفات الباري جل جلاله فاستنكرها، وهذا من الجهل بالله سبحانه وتعالى، هذا من الجهل بالله سبحانه وتعالى. فليس كمثله شيء وهو السميع البصير. فليس كمدله في ذاته ولا أسمائه ولا صفاته شيء يشبهه سبحانه وهو السميع البصير. ولا يلزم من اتحاد الأسماء، لا يلزم من اتحاد الفاض الأسماء أو الصفات اتحاد المسميات والموصوف. لا يلزم. فنحن نقول: يد الإبريقي، ويد الفيل، ويد الإنسان، ويد النملة، كل له يد تليق به بحسبه. ولله سبحانه المثل الأعلى، ليس كمدله شيء وهو السميع البصير. وقوله: يهلكون عند متشابهة. الأصل في باب الصفات أنه من المحكمات لا المتشابهات. الأصل في باب صفات الباري سبحانه أنها من المحكمات لا من المتشابهات. الأصل في باب صفات الباري وأسمائه أنها من المحكمات لا المتشابهات. ومن أطلق من السلف على صفات الله أنها متشابه، فإنما أراد من جهة الكنه والحقيقة. من أطلق من السلف على صفات الله أنها متشابه، فإنما أطلق ذلك باعتبار الكنه والحقيقة. فباعتبار حقيقة الصفة هذا متشابه لا يعلمه إلا الله سبحانه. فنحن نثبت لله الصفات لكننا نجهل حقائقها، ولا نقول بأنها لا حقائق لها، لها حقائق عند الله سبحانه لكنها مجهولة لنا. كما قال مالك: والكيف مجهول، أي عندنا وفي علمنا مجهول، أما في علم الله فمعلوم. ومن هذا الباب جرى إطلاق السلف على بعض نصوص الصفات أنها من المتشابه، فهي متشابهة باعتبار الحقيقة والكنه. أما معانيها فمعلومة. فَالاستواء معلوم معناه: العلو والارتفاع والصعود والاستقرار. هكذا قال السلف. هذا معلوم المعنى، لكن كيفية الاستواء هذه مجهولة لنا، علمها عند ربي سبحانه. وأما قول المعطلة والمفوضة: إن نصوص الصفات من المتشابه، فإنهم أتوا في معنى المتشابه بمعنى لا يعرفه أحد من العالمين. أتوا في المتشابه بمعنى محدد لم يسبقهم إليه أحد. فادعوا أن ظاهر النصوص تشبيه الخالق بالمخلوق. قالوا: فهذا المتشابه، أي يشابه وصف الله وصف خلقه. هكذا ظنوا. فأما المعطلة فأولوا أو حرفوا، وأما المفوضة فكفوا ولم يثبتوا. والكل أهل ضلال، سواء محرفة الصفات أو المفوضة المجاحلة. الشاهد: قول ابن عباس: يهلكون عند متشابه، أي ما لا تعلم حقيقته. هذا معنى، وهذا مذهب السلف كما ذكره ابن تيمية. وأما وصف الصفات أنها من المتشابه بمعنى أنها تشبه صفات الخلق، هذا معنى محدد قاله متأخر الأشاعرة من الباقلاني فما بعده، كالجويني، كالغزالي، كالرازي ومن بعده. اشتهر هذا المعنى حتى صار المعروف اليوم، وهو معنى حادث لا يعرفه السلف. قال: وفي هذا الأثر أنه ينبغي ذكر أحاديث الصفات وأحاديث أسماء الله للناس ليعرفوا الباري سبحانه. ينبغي ذكر أحاديث الصفات للناس بالتي هي أحسن، يعلمون ويبصرون، وأن الله سميع وأنه بصير، وليس كسمعه شيء، وليس كبصره شيء، وأنه يستوي على عرشه، وأنه يقبض السماوات بيده، وأن له الصفات الحسنة، له الصفات العلى والأسماء الحسنة. يعلم الناس ذلك، فمن أنكرها بين له، ويعرف أنه ليس كمثله شيء وهو السميع البصير. هذا مذهب السلف. وابن عباس لم ينكر على المحدث عن رسول الله بأحاديث الصفات، إنما أنكر على المستنكر السامع. ابن عباس لم ينكر على المحدث للناس بأحاديث الصفات، وإنما أنكر على المستنكر السامع. هذا الذي ينكر عليه، لا كما يقول بعض الجهلة اليوم. قال: ولما سمعت قريش رسول الله صلى الله عليه وسلم يذكر الرحمن أنكروا ذلك، أي أنكروا التسمية وأنهم لا يعرفونها، وهذا من باب العناد والجهل كما تقدم. قال: فأنزل الله فيهم ﴿ وَهُمْ يَكْفُرُونَ بِالرَّحْمَٰنِ ﴾، أي يجحدون اسم الرحمن. فهؤلاء جحدوا الاسم وجحدوا الصفة، والجهمية كذلك، والمعتزلة أثبتوا الاسم ظاهرا وأنكروا الصفة، ففيهم نصف كفر مشرك قريش، عندهم نصف كفر مشرك قريش كما تقدم. وبيان هذه المسائل في غير هذا الكتاب، لكن المصنف أراد أن لا يخلو الكتاب من هذا الأمر، فنسأل الله أن يرحمه. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾. وهذا الباب والذي بعده في بيان الشرك الخفي، هذا الباب والذي بعده في بيان الشرك الخفي اللفظي الأصغر، هذا الباب والذي بعده في بيان الشرك الخفي اللفظي الأصغر، وبيان كفر النعمة. وهذا مما يقوى على كثير من الناس، بل على كثير من طلبة العلم، بل على جملة من أهل العلم إلا من عصمه الله تعالى. وهذا الباب والذي بعده حاصله: أن نسبة النعمة إلى غير الله تعالى شرك. حاصله: هذا الباب والذي بعده أن نسبة النعمة إلى غير الله تعالى شرك، وكفر نعمة ينافي شكر الرب سبحانه. هذا الباب والذي بعده حاصله: أن نسبة النعمة إلى غير الله تعالى شرك، أي أصغر، شرك اللفظي، شرك الخفي، ينافي وهو كفر نعمة أيضا، ينافي شكر الرب سبحانه على ما أزدى من النعم. فإشراك غير الله في إسناد النعم شرك، وقل من عافاه الله من ذلك لخفاء مسائله ودقتها. وتقدم الكلام على هذا في باب التوكل. قال: باب قول الله تعالى: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنكِرُونَهَا ﴾. قال ابن كثير: أن يعرفوا أن الله هو المسدي المتفضل عليهم، أن يعرفوا أن الله هو المسدي المتفضل عليهم، ومع هذا يذكرون ذلك وينسبونه إلى غيره سبحانه، ويعبدون معه غيره، وينسبون النصر والرزق وغير ذلك من المعاني إلى غير الله سبحانه. قال سبحانه: ﴿ وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾، أي كفر النعمة. أكثرهم يشركون بالله شرك النعمة. وهذا باب عظيم وخطير، يحتاج المسلم أن يتحرز عنه. قال: قال مجاهد: معناه قول الرجل: هذا ما لي، ورثته عن آبائي. هذا على سبيل الإسناد المحض، هذا على سبيل الإسناد المحض ابتداء، وهذا يوجب تناسي الرب سبحانه، هذا يوجب تناسي الرب سبحانه. فقول الرجل ابتداء معتزا مفتخرا: هذا ما لي، ورثته عن آبائي، هذا ينسي الرب سبحانه. فالله مالك كل شيء، مالك يوم الدين. فالله سبحانه هو المسدي النعم. ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۗ إِنَّ الْإِنسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾، ﴿ وَإِن تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ۚ إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَّحِيمٌ ﴾. فكل النعم من الله سبحانه، من مال أو جاه أو صحة وسائر النعم مما لا نستطيع له حصرا، لا تحصوها. وهذا يأتي ابتداء فيقول: هذا ما لي، ورثته عن آبائي. والواجب أن يقول: هذا فضل الله علي ونعمته، فلله الحمد على ذلك. فمن قال مثل هذه الألفاظ ابتداء، من قال هذه الألفاظ ابتداء مسندا لها إلى غير الله إسنادا محضا، هذا يوجب تناسي الرب سبحانه والغفلة عن المنعم الحقيقي وهو الله جل وعلا. فهذا شرك لفظي قد لا ينتبه له كثيرا من الناس. لكن إن قال هذا الكلام على سبيل الإخبار جاز ولم يكن شركا. إن قال هذا الكلام على سبيل الإخبار جاز ولم يكن شركا. كان يقال له: قد كنت يا فلان فقيرا، كان يقال له: قد كنت يا فلان فقيرا فقرا مدقعا، فمن أين لك هذا المال؟ قال: هذا ورثته عن آبائي. فهذا إخبار عن السبب لا تناس للمسبب، هذا إخبار عن السبب لا تناس للمسبب. فهو يسألك: كيف جاءك؟ من أي سبب جاءك؟ يسأل عن السبب، وقد كنت معدما فقيرا، قال: هذا ورثته عن آبائي، أي سبب ذلك، وورثه من آباء لي. هذا جائز، لا شيء فيه. ففرق بين الإسناد المحض وبين الإخبار، فرق بين الإسناد المحض وبين الإخبار. قال: وقال عون بن عبد الله: يقولون: لولا فلان لم يكن كذا. وهذا أيضا شرك لفظي خفي أصغر، نسأل الله العافية منه، فهو خطير. فمن قال ذلك ابتداء، من قال ذلك ابتداء بإسناد محض، كأن يقول: لولا الدواء لمدت، ولولا الطبيب لمشوفيت. فهذا شرك لفظي أصغر، أصغر. إن كان في نفسه أن الله هو المنعم، لكنه بلفظه نساه وترك. فأما إن اعتقد أن الشفاء من الطبيب أو من الدواء، فهذا شرك أكبر بالإلهية والربوبية. إن اعتقد أن الشفاء من الدواء أو من الطبيب، فهذا شرك أكبر بالإلهية والربوبية. أما إن اعتقد أن الله هو المنعم، لكنه قال بلفظه ابتداء إسنادا محضا: لولا فلان لم يكن كذا، فهذا شرك لفظي أصغر، وهو من أنواع الشرك الخفي. لكن القاعدة: أنه إن قال ذلك إخبارا، فهذا لا يلزم منه الشرك، وليس بشرك، بل هو جائز. كان يقال: كيف نجوتم من الغرق؟ كيف نجوتم من الغرق، أو كيف أنجاكم الله من المرض؟ قال: بالدواء الفلاني، ولولا الطبيب الفلاني. كيف انتبهتم للسارق؟ قال: لولا نباح الكلب. قال: كيف انتبهتم لدخول اللص؟ قال: لولا صياح الديك. هذا جائز، لأن هذا إخبار عن السبب لا تناس للمسبب، هذا إخبار عن السبب لا تناس للمسبب. هذه قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. هذا إخبار عن السبب لا تناس للمسبب. فالسائل يسأل عن السبب لا عن المسبب، وهو معلوم سبحانه، والجواب عن السبب وليس تناسيا أو غفلة عن المسبب. هذه قاعدة أهل السنة والجماعة في هذا الباب. ففرق بين الابتداء، فرق بين الجواب والإخبار، فرق بين الابتداء فهو إسناد محض، وبين الجواب والإخبار. ومن هذا الباب ما ثبت في الصحيح من قول النبي صلى الله عليه وسلم، من قول العباس للنبي صلى الله عليه وسلم: إن عمك أبا طالب كان يحوطك ويغضب لك، فما صنعت له؟ قال: لولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. في رواية من حديث أبي سعيد، وفي رواية من حديث أبي سعيد: هو في ضحضاح من نار، ولولا أنا لكان في الدرك الأسفل من النار. فهذا إخبار عن سبب جعل أبي طالب في ضحضاح من نار، وهو شفاعة النبي صلى الله عليه وسلم، وهي شفاعة خاصة بأبي طالب لا يقاس عليها غير، لما قام به. فهذا خصيصة لأبي طالب، وإلا ليس لمشرك شفاعة. شفاعة من رسول الله صلى الله عليه وسلم خاصة بأبي طالب. فهذا إخبار عن السبب لا تجاهل للمسبب. ومن هذا الباب قول النبي صلى الله عليه وسلم: «والله إنك لا أحب البلاد إلي»، لا أحب البلاد إلى الله، في الصحيح المسند: «والله إنك» يقول لمكة: «لا أحب البلاد إلى الله وإلي، ولولا أن قومك أخرجوني». هذا إخبار عن السبب، وإلا الإخراج من الله سبحانه بإرادته ومشيئته، بإرادته الكونية ومشيئته سبحانه، أراد ذلك وقضاه أزلا، فكان ما أراد سبحانه. قال: «ولولا أن قومك أخرجوني، ولولا أن قومك أخرجوني ما خرجت». هذا إخبار عن السبب لا تجاهل للمسبب. وهذا عكس هذا الباب. قال: وقال ابن قتيبة: يقولون: هذا بشفاعة آلهتنا. هؤلاء يسندون النعمة إلى غير الله، وهذا شرك. انظنوا أن نجاتهم بسبب الشفاعة التي يملكها الكافرون في ظنهم، فهذا شرك أكبر. وانظنوها سببا، فهذا شرك أكبر. فما تقدم. قال: وقال أبو العباس بن تيمية، شيخ الإسلام، كفى الأنام، رحمه الله وغفر له: بعد حديث زيد بن خالد، هو الجهني، تقدم في باب التسقيط بالأنواء. قال: بعد حديث زيد بن خالد الذي فيه أن الله تعالى قال: «أصبح من عبادي مؤمن بي وكافر»، الحديث، وقد تقدم. قال: وهذا كثير في الكتاب والسنة، يذم سبحانه من يضيف إنعامه إلى غيره، ويشرك به أن يضيفه ابتداء إسنادا محضا مما يوجب تناسي الرب سبحانه وينافي شكره جل وعلا. قال بعض السلف: هو كقولهم: كانت الريح طيبة، والملاح حاذقة، ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة، على ألسنة كثير. انتهاء. هكذا قال السلف، رحمة الله عليه. ينسبون النعم لغير الله: كانت الريح طيبة. ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. هكذا قال الله: كل نعمة ينعمها الله على الإنسان فمن الله وحده لا شريك له بإسدائها. وهؤلاء يقولون: إذ نجوا من ظلمات البحر وقد علت الأمواج وتلاطمت: كانت الريح طيبة، أو والملاح حاذقة. والله يقول: ﴿ وَمَا بِكُم مِّن نِّعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾. هذا شرك لفظي إن قالوه ابتداء بإسناد محض. قال: ونحو ذلك مما هو جار على ألسنة كثير من الناس. طيب، إن شاء الله تعالى نقف ونقرأ غدا ما بعده. وهذا وصلى الله على محمد وعلى آله وصحبه وسلم.