شرح كتاب كشف الشبهات 9

الدرس في شرح كتاب كشف الشبهات 9، ألقاها الشيخ أبو العباس محمد جبريل

وجوب التسلح بالعلم لدفع شبه أعداء التوحيد

يؤكد المقطع أن طريق التوحيد مستهدف من أعداء أقوياء بالحجة واللسان، فوجب على الموحد التسلح بالعلم النافع لكشف شبههم والثبات على الدين. ويبين أن العلم مع الإقبال على الله يجعل كيد الشيطان ضعيفاً، مستدلاً بوعد الله بنصر جند الموحدين.

حجة الموحد العامي وانتصار دعوة التوحيد التاريخية

يُبيّن المقطع كيف ألزم موحد عامي خصمه القبوري بالحجة التي استخدمها المشركون الأوائل فبهته وعجز عن الرد. ثم يستعرض انتصار دعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب وتحالفها مع آل سعود وعودتها مجدداً مصداقاً لوعد الله بنصر جنده.

خطر الدعوة بلا علم وآفة الكبر والعجب

يحذر النص من الموحد الذي يسلك طريق الدعوة دون سلاح العلم، مبيناً أن الكبر والعجب يمنعان طلب العلم فيقع الداعية في الضلال. ويؤكد ضرورة تزكية القلب وتطهيره من الآفات قبل طلب العلم ليستفيد منه.

القرآن المرجع الشامل للحجة والبرهان

يشير المقطع إلى أن القرآن يحتوي على جميع الحجج والدلائل التي قد يحتاجها الباحث، وأن أي محاولة للاستدلال بالباطل ستجد ردها في القرآن. بذلك يُبرز مكانة القرآن كمرجع شامل للحق والبرهان.

  • 15 جمادى الآخرة 1442هـ - 28/01/2021مـ
التفريغ النصي الكامل

قال المصنف رحمه الله تعالى وغفر له: إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله لا بد له من أعداء قاعدين عليه، إذا عرفت ذلك يعني أن من حكمة الله عز وجل وجود أعداء من شياطين الإنس والجن، أصحاب زخارف في المقال والأقوال، يحاربونك لأجل ما تحمله من التوحيد. وأن هؤلاء الأعداء -هذه المقدمة الثانية- قد يكونون أهل علم، أو لهم كتب، أو أهل جدل ونظر، يُشار إليهم بالبنان. إذا عرفت ذلك، وعرفت أن الطريق إلى الله -يعني إلى تحقيق التوحيد والدعوة إليه- لا بد له من أعداء قاعدين عليه، أهل فصاحة وعلم وحجج، فالواجب عليك أن تعلم -أو تعلم، في بعض النسخ: أن تتعلم- من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين. هذه نتيجة النظر في المقدمتين: إن كان لهذه الدعوة -دعوة التوحيد- ولهذا المنهج والطريق أعداء قاعدون، وهؤلاء الأعداء أهل فصاحة وعلم ووجاهة وحجج، لقدم أن المراد بعلومهم ما يكونون فيه من علوم لغة غالبا، وقد يكون لهم علوم أخرى يسيرة أيضا. فالواجب عليك هذا الذي يجب عليك، أيها الموحد الذي يسلك طريق التوحيد والدعوة إليه، فالواجب عليك أن تعلم -أو تعلم في بعضها- أن تتعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين. هذا الذي يجب عليه، هذا هو الواجب عليك: طلب العلم. فإن الشبهة -ما تقدم في أول هذا الكتاب- مبناها على الجهل، فهي تشبه الحق، كما قال ابن القيم: «الشبهة عارض يرد على القلب يشبه الحق، فإن جاءه علم فكشفه، وإلا تراكم على القلب حتى يصير صاحبه مرتابا»، أو كما قال ابن القيم رحمه الله. كما تقدم في أول الكتاب: فعلاج الشبه العلم. هذا الذي يجب على الموحد الذي يسلك هذا الطريق -طريق التوحيد- أن يتعلم التوحيد، يتعلم من صغير -من صغير مسائل إلى كبيرها، وليس فيها صغير لكن بالنسبة إلى بعضها بعض بينها البين- يتعلم من أول مسائله إلى آخر مسائله. هذا الذي يجب عليه. قال رحمه الله: «أن تعلم من دين الله ما يصير لك سلاحا تقاتل به هؤلاء الشياطين»، فإنهم سيحاربونك، وكما تقدم حربهم حرب زخارف الأقوال والشبه ونحوها، وقد يصلون إلى الأذى بالسجن ونحوه، وقد يصلون إلى سفك الدم الحرام. لكن لا بد أن تتسلح بالعلم لتثبت أولا، كما قال جل وعلا: ﴿وَلَوْلَا أَنْ ثَبَّتْنَاكَ لَقَدْ كِدْتَ تَرْكَنُ إِلَيْهِمْ شَيْئًا قَلِيلًا﴾. فلا بد من سلوك أسباب الثبات على الدين، ومنها العلم، ثم تدعو إلى الله سبحانه، وتكشف شبه المبطلين، وتفضح مقالاتهم. قال رحمه الله: «ما يصير لك سلاحا»، فالعلم أقوى الأسلحة وأمضاها، أقوى من سلاح اليد أو نحوها من الأسلحة، العلم أقواها، تقاتل به هؤلاء الشياطين سواء كانوا من الإنس أو من الجن، الذين قال إمامهم ومقدمهم لربك عز وجل: ﴿فَبِعِزَّتِكَ لَأُغْوِيَنَّهُمْ أَجْمَعِينَ﴾ [ص: 82]، وقال: ﴿لَا أَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ﴾ [الأعراف: 16-17]. هكذا يعلن الحرب على الموحدين، أنه سيقعد لهم في طريق التوحيد والدعوة، ويأتيهم من كل سبيل يصل إليهم به. قال مجاهد: «عن أيمانهم وعن شمائلهم، ومن خلفهم، ومن أمامهم، ومن تحتهم أيضا»، قال: «ولم يقل من فوقهم لأن رحمة الله سبحانه وتعالى تتنزل عليهم من السماء، فلم يكن إليها سبيل»، يعني لا منعها. ﴿لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ﴾ بأنواع من الأذى. الذي يكشف ذلك كله أمران: أولهما العلم النافع. قال: «ولكن إن أقبلت على الله تعالى وأصغيت إلى حجج الله وبيناته فلا تخف ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفا». هذا من حسن تصنيف المؤلف رحمه الله، بعد أن ذكر عظيم الكيد الذي يكيد الشيطان وأتباعه أهل التوحيد به، نبه على أن من تسلح بالعلم -هذا السلاح الأول- وانطرح على عتبة العبودية للرب جل جلاله سبحانه وتعالى، متحليا بالصدق والإخلاص واليقين، مداويا لقلبه، فمثل هذا ينصره الله سبحانه وتعالى، ويكون كيد الشيطان فيه وفي دعوته ضعيفا جدا، لأنه جمع بين دوائين عظيمين: الأول التسلح بالعلم، والثاني العبادة والانطراح والانكسار بين يدي الجبار سبحانه وتعالى. فمن أقبل على الله أقبل الله عليه، ومن نصر الله نصره الله سبحانه وتعالى. قال: «ولكن إن أقبلت على الله تعالى وأصغيت إلى حججه وبيناته فلا تخف ولا تحزن، إن كيد الشيطان كان ضعيفا»، مهما عمل أو كاد فكيده ضعيف. ثم ضرب المصنف رحمه الله مثلا عظيما، من باب ضرب الأمثال، وتلك الأمثال نضربها للناس، وما يعقلها إلا العالمون. قال رحمه الله: «والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين». هذا مثل عظيم وتسلية للموحد، أنه يجد العامي من الموحدين -العامي هو الذي فهم توحيد الألوهية وعرف دلائله وأدلته ودرسه، هذا هو العامي في هذا المحل، الذي عرف توحيد الإلهية ودرسه وتعلمه، وقيل: سائر أنواع التوحيد- قال: «والعامي من الموحدين يغلب الألف من علماء هؤلاء المشركين». وهذه سنة الله سبحانه وتعالى، هذه سنة الله سبحانه وتعالى. قال رحمه الله: كما قال تعالى: ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 173]. قال: فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان. قال جل وعلا: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173]. قال تبارك وتعالى: ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا وَيَوْمَ يَقُومُ الْأَشْهَادُ * يَوْمَ لَا يَنْفَعُ الظَّالِمِينَ مَعْذِرَتُهُمْ وَلَهُمُ اللَّعْنَةُ وَلَهُمْ سُوءُ الدَّارِ﴾ [غافر: 51-52]. فالله سبحانه ينصر الموحدين في الدنيا والآخرة، في الحياة الدنيا منصورون غالبون قاهرون ظاهرون، ويوم يقوم الأشهاد لهم الظهور التام عند الله سبحانه وتعالى. ولهذا جاء في الصحيحين عن المغيرة بن شعبة، ومعناه عن معاوية، وعن غيرهم من الصحابة رضوان الله عليهم: «لا تزال طائفة من أمتي على الحق ظاهرين، لا يضرهم من خالفهم ولا من خذلهم حتى يأتي أمر الله وهم على ذلك». فهذا ظهور تام لهذه الطائفة في الدنيا بالحجة واللسان، ظاهرون، وفي بعض الأزمان يظهرون أيضا بالسيف والسنان. فمن عرف التوحيد وكان عاميا يغلب ألفا من علماء هؤلاء المشركين. ومما جرى في مثل هذا، من باب ضرب المثل، ما حدثني به بعض من أثق به: أن عاميا حضر مجلسا جاء فيه بعض دعاة الشرك والقبورية، فلما جلسوا استفتح هذا القبوري وقال: «أعتقد في أصحاب القبور، وفي أصحاب القبور أنهم ينفعونك ويضرونك بإذن الله سبحانه وتعالى، فالذي يملك النفع والضر هو الله تعالى، وإنما هؤلاء أسباب جعلهم الله لنفع العباد»، أو كما قال. سيبنى هذه الشبهة: «يا إخوة، طيب، عندكم الجواب؟ عندك يا أخي؟ عد، رحمة الله». قال: «أعتقد أنه سبب، أعتقد أن هذا القبر، وأن صاحب القبر عبارة عن سبب». طيب، الله سبحانه، نحن نريد جوابا واحدا يقطعه، وما عاد يتكلم كلمة، خلاص ننتهي من المجلس. طبعا كان في المجلس عامي من الموحدين، أجابه بجواب، فكان حاله كما قال الله سبحانه: ﴿فَبُهِتَ الَّذِي كَفَرَ﴾ [البقرة: 258]، ما استطاع أن يتكلم بكلمة واحدة، وانقطع تماما، كلمة واحدة، «طه، بس». طيب، «إنهم يعبدون من دون الله»، يعني أنتم تحومون حول الحمى، لكن عندها فلا عندها فضل، يعني أن الاعتقاد ما يكون إلا بالله سبحانه. كلام طيب، جزاكم الله خير. لا تنسى، يدخل في جدل معه، ويقول لك: «يا أخي، وهذا عمر قد كان يدعوهم، لا يسمعوا دعاءكم». طيب، هذا إذن، كلام طيب، جزاكم الله. هذه أجوبة ما هي بخطأ، أجوبة صحيحة، لكن هذا العامي قال له من باب الإلزام: «إذن اعتقد في الصنم أنه ينفعك ويضرك بإذن الله سبحانه وتعالى، وما هو إلا سبب، والذي يملك النفع والضر هو الله سبحانه وتعالى وحده لا شريك له، وإنما هذا سبب». فبهت، وما استطاع أن ينبس ببنت شفة كما يقال. لو تأملنا هذه الحجة ودرسناها، لرأينا أنها من أقوى الحجج، وأنها تجري على أقوى طرق المناظرة عند العلماء. فالقبوري لا يعرف من الشرك إلا عبادة الأصنام، فلو تأتي تبين له مهما شئت من البيان لا يفهمك، لأنه في ذهنه أن الشرك عبارة عن عبادة الأصنام فقط. فوفق الله سبحانه هذا الموحد الذي هو من العوام، قال مبينا له: «ما الفرق بين قولك هذا، وبين ما كان يعمله المشركون الأوائل؟ فإنهم لم يجعلوا الأصنام إلا أسبابا إلى الله سبحانه وتعالى، هم أسباب إلى الله سبحانه وتعالى، وهم يعترفون أن الذي يملك الضر والنفع والإعطاء والمنع هو الله سبحانه وتعالى». فعرف حينئذ حقيقة شرك هؤلاء المشركين، وكان بين مضيقين: إما أن يقول: «هناك فرق»، ويطالب بهذا الفرق، ولم يستطع أن يأتي به، فإن هؤلاء لم يعبدوا مجرد حجارة وألواح، إنما عبدوا معناها وهو أشخاص وصور ونحو ذلك، لا يستطيع أن يفرق. وإما أن يقول: «نعم، يجوز ذلك»، فيكون قد جوز عبادة الأصنام، وهذا هو الشرك عنده، فيكون اعترف حينئذ أن ما يفعلونه هو الشرك الأكبر. هكذا وفق الله سبحانه ذلك الموحد في ذلك المجلس، وربما كان ذلك الموحد لا يكتب ولا يقرأ، وأعطاه تلك الكلمة وذلك الجواب. فمن استطاع أن يتكلم -كما حدثني من حضر- بكلمة بعد ذلك الكلام أبدا، وانقطع، وكان الظهور لهذا العامي الذي ربما لا يحسن القراءة ولا الكتابة. وصدق ربنا سبحانه وتعالى: ﴿وَلَقَدْ سَبَقَتْ كَلِمَتُنَا لِعِبَادِنَا الْمُرْسَلِينَ * إِنَّهُمْ لَهُمُ الْمَنْصُورُونَ * وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 171-173]، ﴿إِنَّا لَنَنْصُرُ رُسُلَنَا وَالَّذِينَ آَمَنُوا فِي الْحَيَاةِ الدُّنْيَا﴾ [غافر: 51]. هذا من عاجل النصر. ما تجد موحدا يغلب أبدا إذا فهم التوحيد وطلبه، ما يغلب أبدا، لأنه موكل عن الله سبحانه، والله لا يخذل هذا الصنف أبدا إذا طلب العلم، وكان ممن يعبد الله سبحانه، فإنه لا يغلب. قال رحمه الله: «فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان». فهم إذا جئت لهم من ناحية الحجة، أظهر الناس حجة وأقواهم مقالة، وإذا جئتهم من ناحية الجهاد في سبيل الله، رأيتهم أنضى الناس سيوفا وأحدهم أسنة على أهل الكفر. وليس ببعيد ما حصل لدعوة الشيخ محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى ورضي عنه، من الظهور ما لم يكن لغيره في زمنه. بدأ في قرية، وناصره فيها أول الأمر بالعيينة الشيخ عثمان بن معمر رحمه الله تعالى، ثم خاف على نفسه من دولة الخالد بالأحساء، وقال: «الأولى أمنعنا ما يأتيك من نخل الأحساء الذي لكم، ولأرسلن لكم جندا يفعلون بكم كذا وكذا». فخاف الشيخ عثمان بن معمر، وقال للشيخ محمد بن عبد الوهاب: «لو سافرت عن بلدي». فخرج الشيخ محمد رحمه الله، ويذكر الله ويسبحه سبحانه وتعالى، حتى دخلت درعية عند آل سعود، عند الأمير محمد بن سعود رحمه الله تعالى وغفر له. واقتنعت أول الأمر زوجة الشيخ محمد بن سعود رحمه الله بدعوة التوحيد، وقالت: «هذا رجل صالح، فلا ترده». فتعاهد مع الشيخ على الدم بالدم والهدم بالهدم، يعني المصير واحد والموت واحد. فقال له الشيخ: «أبشر بنصر الله، وأبشر بظهور هذا الدين، وأنه سيبلغ ملككم كذا وكذا». فأظهر الله سبحانه وتعالى هذه الدعوة، وسيطروا على الحجاز ونجد وتهامة وكثير من البلدان، حتى قال الإمام الشوكاني رحمه الله في ترجمة الشريف غالب: «ولقد ارتجت أقطار الدنيا لهذه الدعوة التي هي دعوة النجديين، الدنيا كلها ترتج». قال: «في الشام ومصر ودول الفرنج والروم، كلهم يرتعبون من إيش؟ من دعوة التوحيد». هكذا قال. قال: «فإنه لا يقب في وجهه أحد إلا هزموه، كائنا من كان». سبحان الله، هكذا ذكر رحمه الله. وكان شيخنا الشيخ مقبل رحمه الله يذكر لنا، قال: «كان أهل العراق يرتعبون من أهل نجد، ولا يظنونهم بشرا، يقولون: هؤلاء بشر لكن فيهم قرون، ما هم مثلنا، ما نستطيع لهم». هذا من شدة الخوف، الرعب الذي ابتلاهم الله سبحانه وتعالى به. فلما حصل الخلاف بين الأمير تركي وفيصل، أبناء أبناء أبناء الشيخ محمد، ضعفت الدعوة، وهكذا: ﴿وَلَا تَنَازَعُوا فَتَفْشَلُوا وَتَذْهَبَ رِيحُكُمْ﴾ [الأنفال: 46]، في أخبار معلومة. ثم عادت الدعوة من جديد على يد الأمير تركي بن فيصل رحمه الله، وعادت الدعوة من جديد، وإلى اليوم الدعوة ظاهرة، وإلى الله الحمد، وتلك البلاد تنشر التوحيد، نصرهم الله سبحانه بالتوحيد، وأظهر أمرهم. ولولا قدر الله سبحانه وما قدره لهم، لابتلعوا دول العرب كاملة، من أقصى بلاد الترك إلى أقصى حدود اليمن، إلى الصين، إلى ما حولها، إلى المغرب، يفتحونها بلدا بلدا، كما حصل للنبي صلى الله عليه وسلم وللصحابة رضوان الله عليهم. ولهذا جاء في كتاب دائرة المعارف البريطانية ما معناه: «أن الدعوة الوهابية هي دعوة الدين الإسلامي الصحيح الذي كان عليه عمر بن الخطاب رضي الله عنه»، يفهمون ويعرفون من أين يؤتون. قال رحمه الله: «فجند الله تعالى هم الغالبون بالحجة واللسان، كما هم الغالبون بالسيف والسنان». وهذا لا يكون إلا بتحقيق توحيد الإلهية، وبتحقيق توحيد المتابعة لرسول الله صلى الله عليه وسلم. فكلما كان الناس لذلك أعمل وأعلم، كان الظهور لهم أعظم وأكثر. فإذا تمسكنا بتوحيد الله، وأفردناه بالإلهية، وأخلصنا لربنا سبحانه في توحيده، واتبعنا رسوله حق الاتباع، كان الظهور لنا ولدعوتنا إلى يوم الدين. ﴿وَإِنَّ جُنْدَنَا لَهُمُ الْغَالِبُونَ﴾ [الصافات: 173]. ومن أصدق من الله قيل؟ ﴿وَلَيَنْصُرَنَّ اللَّهُ مَنْ يَنْصُرُهُ﴾ [الحج: 40]، ﴿إِنْ تَنْصُرُوا اللَّهَ يَنْصُرْكُمْ وَيُثَبِّتْ أَقْدَامَكُمْ﴾ [محمد: 7]. قال رحمه الله تعالى: «وإنما الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق، وليس معه سلاح». هذا الخوف عليه وعلى دعوته. الموحد الذي يتسنم كاهلة الدعوة إلى الله وإلى توحيده، ويتصدى لنفع الناس، وليس معه سلاح. إيش هذا السلاح؟ من أي أنواع الأسلحة؟ هذا الحديثة أو القديمة؟ سلاح العلم، يعني التوحيد والعلم به. وليس معه سلاح، هذا الذي يؤتى. وأعرف من الناس من كان يدعو إلى التوحيد، لكن ما كان عنده علم، واليوم صار من أئمة القبوريين المشركين الكافرين. نسأل الله السلامة والعافية. صار من أهل السحر والشعوذة، ومن عباد القبور، بل من الدعاة إلى القبورية. نسأل الله السلامة. وكان من الموحدين. سبحان الله، انظر كيف نزل من أعلى الليين الأسفر سافرين. نسأل الله السلامة والعافية. وهكذا الخوف على الموحد الذي يسلك الطريق وليس معه سلاح. ما الذي منعه من حمل السلاح، والطريق غير مأمون، والقطاع كثير؟ ما الذي منعه من حمل السلاح؟ هذا ما منعه إلا أمران: الكبر والعجب. نسأل الله السلامة والعافية. هذا الذي منع هذا من أن يحمل السلاح، فيدعو إلى الله سبحانه وتعالى، منعه الكبر والعجب. كم من الناس من يصده هذا عن العلم، كما قال مجاهد وغيره من السلف: «لا ينال العلم مستحي ولا مستكبر». أخوان، لا مستكبر، ما ينال العلم أبدا. تجده يستكبر، ويقول: «أنا جئت مع فلان، فكيف أدرس؟ ما يصير، ما أرجع، أو أنا أرجع وأدرس الثلاثة الأصول أو القواعد الأربع أو كشف الشبهات أو كتاب التوحيد، وأنا أعمل الخطب الرنانة أو المحاضرات، ما أستطيع». فيصده الكبر عن أن يطلب العلم الذي هو بحاجة إليه حاجة ماسة. وللأسف ربما يتصدر للدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، فهذا عليه الخوف عظيم، هذا الخوف عليه عظيم. يحتاج أن يطلب العلم، وأن يتتلمذ، وأن يدرس صغار العلم قبل كباره. قال سبحانه وتعالى: ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾ [الأعراف: 146]. ثبت أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من تواضع لله رفعه الله». الذي يسلك هذا الطريق -طريق التوحيد، طريق الدعوة- يحتاج أن يتواضع، يحتاج أن يتواضع. إن مما يعجب له أنك تجد أهل الزراعة والفلاحة في هذه البلاد وغيرها، إذا أرادوا أن ينشئوا زراعة ما، قمحا أو شعيرا أو نحو ذلك، أول ما يبدأ يحرر الأرض تحريرا من كل الشوائب، ويبدأ أيضا ربما جعل الأرض جدباء، بدون ما فترة طويلة، حتى تيبس وتصح الأرض. لماذا؟ تسأله، سيقول: «حتى تطلع الزراعة قوية، وحتى يكون الثمر مثمرا، وحتى يكون نافعا، وحتى نحرر من الأرض كذا وكذا كيس من القمح». يبدأ يحرر الأرض حراسة، ويبعد عنها سائر الشوائب. وهكذا الذي يطلب العلم، يحتاج أن يحرر قلبه من كل الشوائب، من الكبر والعجب والغرور ونحوها من هذه الآفات، حتى يكون العلم يأتي إلى أرض طيبة، فينبت نبتا مثمرا نافعا. وإلا إذا لم يحرر قلبه، لا ينتفع بالعلم أبدا. كم من إنسان يطلب العلم سنين عددا، ولا ينتفع بالعلم؟ لماذا لا ينتفع بالعلم؟ لأنه ما حرث قلبه. ولله در كلمة قالها الزرنوجي في تعليم المتعلم -طريق التعلم- قال: «وقال بعض العلماء، أو قال: قال النبي صلى الله عليه وسلم: "لا تدخل الملائكة بيتا فيه كلب ولا صورة"، قال: "ولا يدخل العلم قلبا فيه الكلاب المعنوية، وهي الكبر والحسد والعجب والغرور ونحو ذلك من تلك الكلاب المعنوية، ما يدخل العلم ذلك القلب أبدا"». ﴿سَأَصْرِفُ عَنْ آَيَاتِيَ الَّذِينَ يَتَكَبَّرُونَ فِي الْأَرْضِ بِغَيْرِ الْحَقِّ﴾. فالإنسان يحتاج أن يحرث قلبه من هذه الدقائم، وأن يزكي نفسه قبل أن يطلب العلم. طهر قلبك وزكيه قبل أن تطلب العلم النافع. تجرد عن تلك الأخلاق، وانسلخ منها كما تنسلخ من الثوب الذي عليك، وارمها بعيدا، وتجرد حتى يدخل العلم قلبك فيقر وينبت، ويصدر نباتا حسنا. ما لم، فإنما أنت تتعب الحواس، وكما قيل: «فقل عنك الكتابة، لست منها، ولو سويت وجهك بالمداد». كما يقال، فيحتاج الإنسان إلى أن ينتبه إلى هذا المعنى العظيم، وهو قضية تصفية القلوب. هذا موحد يحمل الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، ويدعو إلى التوحيد، والسلاح يتركه، كبرا عن أن يدرس صغار العلم، ويتفهمها، ويتعلمها، ويسأل عنها. «أنا أدرس كتاب كذا وكذا، إيش هذا الكتاب؟» وأحسن من هذا، من الناس من أهل العجب، من يأتي يقول: «أنا أستطيع أن أقرأه قراءة وأفهمه فهما تاما، وأستطيع أن أحسن فهمه بمجرد القراءة». هذا فيه خير، هذا عاد فيه خير، كما يقال. والحقيقة، كما يقال، أن مثل هذا يخاف عليه أيضا، يخاف عليه، يخاف عليه. ولهذا قال أيوب السختياني: «لا يستبين الرجل حتى يأخذ عن فوقه، وعن من دونه، وعن من هو مثله». وقال سفيان بن عيينة رحمه الله: «لا يكون الرجل من أهل الحديث» -انظر إلى كلام السلف- «لا يكون الرجل من أهل الحديث حتى يأخذ عمن فوقه، وعن من دونه، وعن من هو مثله». هذا رجل غابت عنه ذاته، لا ينظر إلى نفسه أبدا، «إيش بيقول الناس، إيش كذا، إيش كذا»، هذا الكلام كله جمعه في كيس ورماه خلف ظهرك. هو يريد العلم لا غير، فأينما وجد العلم ذهب إليه وحصله. قال رحمه الله: «وإنما الخوف على الموحد»، وهذا خوف عظيم. فكم من إنسان، والله، ينكر الدعوة إلى الله سبحانه وتعالى، من الناس من يحاضر، فربما يعترض عليه بعض الناس بأدنى الشبه، يعجز عن جوابها، فيقول الناس: «سبحان الله، ما عندهم علم، سبحان الله، هذا الذي يقولون باطل، انظر كيف لما جاء فلان من سطع يتكلم، فلان، انظر كيف أسكته، انظر كيف فعل به». هكذا يخذل دين الله عند هؤلاء الناس، ودين الله ظاهر، سيظهر لهم الحق اليوم أو غدا وبعد غدا، لكن الخوف على مثل هذا الموحد. هو موحد، لا نكفره، لكنه يتصدى لأمور عظيمة، ويغفل السلاح. والواجب أن يحمل السلاح. انظر إلى قول الله، أقسم الله سبحانه وتعالى: إن الفلاح، سواء كان الفلاح في دنيا أو في آخرة، لا يكون إلا بالزكاة، زكاة القلب. أقسم الله سبعة أقسام متوالية على هذا، وهذا لا نظير له في القرآن أبدا، في قوله سبحانه: ﴿وَالشَّمْسِ وَضُحَاهَا * وَالْقَمَرِ إِذَا تَلَاهَا * وَالنَّهَارِ إِذَا جَلَّاهَا * وَاللَّيْلِ إِذَا يَغْشَاهَا * وَالسَّمَاءِ وَمَا بَنَاهَا * وَالْأَرْضِ وَمَا طَحَاهَا * وَنَفْسٍ وَمَا سَوَّاهَا * فَأَلْهَمَهَا فُجُورَهَا وَتَقْوَاهَا * قَدْ أَفْلَحَ مَنْ زَكَّاهَا * وَقَدْ خَابَ مَنْ دَسَّاهَا﴾ [الشمس: 1-10]. قال رحمه الله: «وقد من الله علينا، قد من تعالى، وقد من الله تعالى علينا بكتابه الذي جعله تبيانا لكل شيء، وهدى ورحمة». هذا من عظيم منة الله عز وجل، أن منّ علينا بهذا القرآن، الذي فيه الجواب عن كل باطل، وفيه بيان كل حق. فمهما بحثت عن حجة، ستجدها في القرآن، مهما بحثت عن دلائل، ستجدها في القرآن، مهما استدل صاحب مبطل لب