الدرس في كتاب الطهارة 16، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يتناول المبحث آراء الفقهاء الثلاثة أبي حنيفة والشافعي وأحمد بن حنبل في العفو عن النجاسات، حيث تختلف آراؤهم حول تقدير ما يعفى عنه من النجاسات الخفيفة والمغلظة. يُظهر الاختلاف في المذاهب الفقهية حول هذه المسألة.
اختلف الفقهاء في العفو عن النجاسات، حيث يرى البعض العفو عن رشاش البول والغائط بينما يعتبر آخرون كل ما يخرج من الإنسان نجسًا. يُبرز المبحث أن الأصل هو إزالة النجاسة إلا في حالة المشقة.
يتناول المبحث حكم الدم في الصلاة حيث اختلف العلماء بين القول بطهارته أو نجاسته مع العفو عن يسيره عند المشقة. يُظهر المبحث تطبيقات قاعدة العفو في النجاسات وتفاوت آراء العلماء حولها.
يُبيّن المبحث أن العفو في النجاسات هو اجتهاد من العلماء وليس له دليل ثابت، وأن الأصل هو إزالة النجاسات إلا عند المشقة. يُبرز أن المشقة تجلب التيسير وفقًا لقاعدة فقهية معتبرة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على رسول الله. قال المؤلف رحمه الله تعالى: قالوا يعفى عن ربع الثوب والبدن في النجاسة الخفيفة عند أبي حنيفة، ويعفى عن قدر الدرهم من المغلظة عنده، ويعفى عن نجاسة لا يدركها الطرف عند الشافعيين. قال أبي حنيفة: يعفى عن الرشاش بول كرؤوس العبر. طيب الآن مسألة العفو في النجاسة، معنى ما هو الذي يعفى منه في النجاسة؟ هناك بعض الأشياء قال أهل العلم أنها لا يعفى منها شيء من النجاسات، منها الغائط والبول عند أحمد، فإنه قال لا يعفى منه شيء ولو شيئا يسيرا، لا يكون نجسا ولا بد أن يزيله بغسله. وعند الشافعي كذلك الغائط، وكذلك أيضا الكلب والخنزير والنجاسة المغلظة. الشافعي رحمه الله رأى أن ما يدرك معنى الذي يعفى عنه الذي لا يدركه الطرف، على الشيء الذي إذا رؤي بالنظر لا يدرك إلا إذا تفحص، فهنا قال الإمام الشافعي رحمه الله يعفى عنه. وأما ما يراه الإنسان فإنه لا يعفى عنه. وأما أحمد فيرى أنه لا يعفى عن شيء من النجاسات، خاصة في البول والغائط. أما الدم فرأى أنه يعفى عنه ما لم يفحش. والمؤلف هنا لم يذكر مذهب أحمد في مسألة العفو، فيعفى في مذهب أحمد في الدم قال: ما لم يفحش. كذلك هو مذهبه أيضا في المذي وغيره من النجاسات المخففة، فإنه يرى العفو فيها ما لم تفحش. وما هو ضابط الفحش أيضا حتى عند شافعي؟ عند شافعي أيضا في الدم أنه ما لم يفحش. وما هو ضابط هذا الفحش؟ قال النووي رحمه الله: يدخل في عرف الناس ما كان كثيرا في عرف الناس، فهو يدخل في ذلك الفحش، وما كان قليلا فهو لا يدخل. كأنه أرجع المسألة إلى العرف. وأما أبو حنيفة فجعل ربع الثوب، وهو أيضا قول مالك في الثوب في الدم، أنه إذا كان ربع الثوب فيعفى عنه، وما كان أكثر لا يعفى عنه. هذا في النجاسة الخفيفة كالدم. وأما النجاسة المغلظة مثلا كالبول، يرى أبو حنيفة أنه يعفى عن قدر الدرهم. وأيضا يعفى عن رؤوس مثلا في البول كرؤوس العبر، يعفى عن رشاش بول كرؤوس العبر. وأما الشافعي وأحمد وكذلك مالك يقولون: ولو شيئا يسيرا خرج من ذكر الإنسان من البول أو غائط من دبر، فإنه يعتبر نجس ولو شيئا يسيرا. ولهذا اختلف في مسألة الدود الذي يخرج من الإنسان، وأيضا الحصاة مثلا تخرج مع البول أو كذا، هل هي نجسة بخروجها إذا خرجت نفسها؟ فالصحيح وهو القول في مذهب الشافعي: أن إذا خرجت رطبة فهي نجسة؛ لأنها يخرج معها غالبا شيء، وإذا خرجت يابسة فليست بنجسة. وهكذا الدود وغيره. فخلاصة هذه المسألة الآن، مسألة العفو تجد أنه اختلاف فيها بين أهل المذاهب، والأصل عدم العفو. إذا ثبتت النجاسة، فالأصل عدم العفو إلا للمشقة. إذا كانت هناك مشقة في تطهير الثوب من هذه الأشياء، مثل الدم، الدم أحيانا ينتشر في الثوب، وغالبا لا يخرج إلا بالغسل، فهنا ممكن أن يعفى عن بعض اللون. كما ذكرنا بالأمس يعفى عن بعض اللون، لكن يخرج لابد أن يخرجه ويزيله عن ثوبه. لهذا النبي صلى الله عليه وسلم قال في حديث أسماء في الصحيحين: «في دم الحيض تحثه ثم تقرصه ثم تغسله»، تحثه أولا تحكه بأصبعها، ثم تأتي بشيء عود أو كذا وتقرصه، ثم بعد ذلك تنضحه. وجاء في رواية: تغسله. وإذا مثلا كان هناك شيء مما يزيل هذا الدم من صابون مثلا أو مادة تزيله، فلا بأس أن تفعل. فالأصل هو إزالته، لكن مع المشقة يعفى عنه. وأيضا حتى في هذه النجاسات التي ذكر بعض الفقهاء أنها يعفى عنها، إنما لأجل المشقة. لكن إذا لم تكن هناك مشقة، فالواجب هو إزالة النجاسة. فكذلك مثلا عند أحمد في المذي، عنده كما ذكرنا قبل أنه لا يغسل، وإنما يرش به الماء كما جاء في حديث سهل بن حنيف عند أحمد وأبي داود والترمذي. فلهذا فهناك نجاسات تخفف فيها الطهارة، ونجاسات لابد أن تزال هذه النجاسة. فما كان من شيء فيه مشقة غالبا يخفف، وإلا الأصل أن النجاسة تزال. هذا هو الحكم، لكن التخفيف يأتي عند المشقة. ولهذا لم يتفق أهل المذاهب على شيء معين أنه يعفى عنه، أي قدر معين يعفى عنه من شيء من النجاسات. لكن هناك نجاسات اتفقت أهل المذاهب أنه يعفى عن شيء منها، مثل الدم. كما قلنا الدم على أنه نجس عند عامة الفقهاء، وخالف بعض العلماء المتأخرين خاصة كالشوكاني، وكذلك الشيخ الألباني رحمه الله عليه، وكذلك أيضا الشيخ محمد بن عبد الوهاب رحمهم الله، خالفوا في هذه المسألة وقالوا أن الدم طاهر غير دم الحيض، وقالوا أنه لا دليل على نجاسته. لكن أكثر العلماء، حتى أن الإمام أحمد يقول: أنه لا اختلاف في نجاسته، معنى لا خلاف بين السلف في نجاسة الدم، لكن يعفى عن يسيره، وما كانت فيه مشقة. مثل ما قال الحسن: كان المسلمون يصلون في جراحاتهم، كان المسلمون يصلون في جراحاتهم، يعني إذا كانت هناك حرب مثلا، أو مثلا أو ما يشبه ذلك، في مثلا كثير ناس ينزف عندهم الدم، وحضرت الصلاة، وما يستطيع أن يوقف هذا الدم بشيء، فله أن يصلي. مثل ما صلى عمر وجرحه ينزف، لما طعنه ذلك الخبيث أبو لؤلؤة طعنه قبل الصلاة، حتى قال بعض عمر بن ميمون: سمعت عمر يقول أكلني أو قتلني العجل، ثم أنه صلى بهم الصلاة الركعة الأولى وجرحه ينزف، فلما لم يستطع أن يصلي خرج من الصلاة وقدم عبد الرحمن بن عوف. فعمر هنا صلى وجرحه يفغر وينزف، فلهذا استدل شيخ الألباني ومن استدل بهذا على أنه على أن الدم طاهر. لكن العلماء الآخرون يقولون أن هذه الحالة مثل هذه الحالة يعتبر من باب المشقة، فيصلي إذا كان يشق عليه أنه يسد هذا الدم الكثير ويمنعه من الخروج، فمثل هذا يعتبر مشقة، فيصلي وهو عليه. ولهذا جاءت كما قلنا جاءت أقوال العلم فيها التساهل في الدم، وخاصة ما لامس الثوب. لكن كما قلنا الأصل أن النجاسات لا يعفى عن شيء منها إلا ما كان فيه مشقة فيعفى عنه، أو يعفى عن بعض أوصافه كما تقدم بالأمس. فهذا الذي ذكره هنا في مسألة العفو في النجاسات، وإلا كما قلنا لم يثبت شيء في العفو في النجاسات، وإنما اجتهاد من العلماء، والأصل عدم العفو، والأصل هو إزالة النجاسات إلا إذا وجدت المشقة، فالمشقة تجلب التيسير كما هي القاعدة عند العلماء. فهذا خلاصة هذه المسألة، والله تعالى أعلم.