الدرس في كتاب الطهارة 27، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف العلماء في حكم تخليل اللحية الكثة في الوضوء بين الاستحباب والكراهة، واستندوا إلى أحاديث ضعيفة وأقوال الصحابة والتابعين. إذا كانت اللحية كثيفة، يكفي غسل الوجه وتخليلها مستحب عند بعض العلماء.
اختلف العلماء في مسألة مسح الرأس في الوضوء بين جواز مسح بعضه ووجوب مسح كله، واستدلوا بآيات القرآن وأحاديث النبي وتفسير الباء في قوله تعالى ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. يُبين المقطع كيفية مسح الرأس في الوضوء.
الأقرب هو مسح جميع الرأس بيد مبللة كما قال أحمد ومالك، ويفرق بين المسح والغسل. يُناقش المقطع قول أبي حنيفة ويُشكك في تفصيله لعدم وجود دليل من القرآن أو السنة أو أقوال الصحابة.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، صلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. قالوا: تخليل اللحية الكثة سنة عند الثلاثة، وقال مالك: بالكراهة. مسألة تخليل اللحية، والمراد بها إدخال الماء إلى باطن اللحية، وهذه المسألة فيها تفصيل. أولًا، إن كانت اللحية يرى منها البشرة، أو اللحية صغيرة ترى منها البشرة، فهذا عند كافة العلماء أنها تغسل مع الوجه، تغسل مع الوجه، وأيضًا يحاول أن يغسل البشرة التي تحت الشعر، فلو دلكها شيئًا يسيرًا حتى يدخل الماء، إذا كانت ترى البشرة، فيكتفى بها في الغسل، في غسل الوجه مع غسل الوجه. وإن كانت كثيفة، فيغسل عند أكثر أهل العلم الوجه فقط، وإن غسل المسترسل فلا بأس، المسترسل من اللحية ظاهرها، فلا بأس. واستدل العلماء بما جاء في حديث ابن عباس في صحيح البخاري أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم توضأ فغسل وجهه مرة، وغسل يديه مرة، فمعنى توضأ وضوءًا خفيفًا، ولا شك أن إذا كانت اللحية تحتاج إلى أكثر من هذا، لكن النبي صلى الله عليه وسلم غسلها غسل وجهه مرة واحدة، فدل على أنه إن كانت لحية كثيفة فيكتفي بغسل الوجه، وما استرسل منها من باب الاستحباب لا من باب الوجوب. وما استرسل من اللحية معناه ظاهر اللحية، من باب الاستحباب. وبعضهم يقول: إنه لا يغسل ما استرسل، بل يغسل مكان الوجه فقط. وأما تخليلها، فقال أحمد: هو الشافعي، وهو مذهب أبي حنيفة أيضًا، أنه يستحب تخليل اللحية، والمراد بالتخليل كما قلنا: إدخال الماء داخلها، تخليل الشعر. وجاءت أحاديث لذلك من أحاديث عثمان: أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يخلي لحيته، وحديث أنس: أخذ النبي صلى الله عليه وسلم كفًا من ماء فأدخله في لحيته، وقال: هكذا أمرني ربي. وهذه الأحاديث أكثرها لا يصح منها شيء، بل جزم الإمام أحمد أنه لا يصح في اللحية أو في تخليل اللحية شيء، وكذلك جزم أبو حاتم وغيره. فلهذا حصل الخلاف بين أهل العلم، ومن صحح شيئًا من هذه الأحاديث جعله مستحبًا به سنة. والإمام أحمد الظاهر أخذ بالحديث الضعيف كما كان يأخذ بالحديث الضعيف، أو أنه أخذه لأنه جاء عن بعض الصحابة، فلهذا فمن خلل لحيته الكبيرة فهو أولى. وإلا، فعن مالك جاءت ثلاث روايات في مذهب مالك، ثلاث روايات عن مالك نفسه: الكراهة، وجاء أيضًا عن أصحابه قولان: القول بالوجوب، والقول بالاستحباب مثل قول الجمهور، لكن المذهب مشهور عندهم أنه يكره؛ لأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم شيء في ذلك، كان كأنه يعدها بدعة، من الالتزام بغسل أو بتخليل اللحية. خلاصة الأمر أن يقال: إنه لم يصح شيء في هذا الباب. ومن رأى أن هناك حديثًا يرتقي بعضها بعضًا كما قال بعض الأئمة كالحافظ ابن حجر وابن الصلاح وغيرهم، الحافظ ابن حجر في الدراية ذكر ستة عشر أو خمسة عشر حديثًا، ذكر في نصب الراية الذي هو أصل الدراية أربعة عشر حديثًا، وزاد الحافظ حديثًا معناه حديثًا كمل به خمسة عشر، لكن كما قلنا: أكثرها لا يصح، بل كلها. لكن بعضهم يرى أنه يشد بعضها بعضًا، يشد بعضها بعضًا، الضعف الذي فيها ليس ضعفًا شديدًا. فمن رأى أنها يشد بعضها بعضًا، فقال بالاستحباب، فهو قول الجمهور. قالوا: يجزئ في مسح الرأس ما ينطق عليه اسم المسح، أو ما يطلق عليه اسم المسح، ولو شعرة في حد الرأس، عند إمامنا الشافعي. وقال مالك، والإمام أحمد: يجب مسح جميع الرأس. قالوا: قال أبو حنيفة: يجب مسح ربع الرأس بثلاثة أصابع، فلو مسح بأصبعين، ولو كل الرأس لم يجزئ. وهذه مسألة مسح الرأس كما تعلمون جاء في القرآن: ﴿وَامْسَحُوا بِرُءُوسِكُمْ﴾. واختلف العلماء في الباء: هل هي للالتصاق أم أنها باء جزئية؟ فالذي قال: إنها تدل على البعض، عن باء بعضية أو جزئية، فقال: يجوز ولو ببعض، ليمسح بعض الشعر، كما هو قول الإمام الشافعي رحمه الله، أنه يرى أنه ولو مسح شعرة أو شعرتين أو شعرة يجزئ ذلك، لكنها تكون في حد الرأس، ما تكون من الشعر المسترسل، ما تكون من الشعر المسترسل. أن المسترسل يكون الذي يخرج هنا أو يخرج أمامًا، مثلًا لو كان شعره يخرج إلى جبهته، لا يقول هكذا يمسح الشعر الذي في الجبهة، أو يمسح الشعر الذي في ظهره، مثل امرأة مثلًا، ما يجوز لها مثلًا تمسح شعر الذي في الظهر، لكن لابد أن يمسح الشعر الذي في الرأس، ولو شعرة واحدة، أنا ولو شيء بسيط؛ لأنه استدل بالباء على أنها تبعيضية، على أنها تبعيضية، فامسحوا برؤوسكم أي ببعض رؤوسكم. وقال كثير من أهل اللغة والعلم: إن الباء للإلصاق وليست تبعيضية، فامسحوا برؤوسكم أي بالرأس كل، يمسحوا الرأس كل. واستدلوا على ذلك بحديث عبد الله بن زيد، استدل الإمام أحمد بحديث عبد الله بن زيد الذي في الصحيحين، عبد الله بن زيد بن عاصم، وليس عبد الله بن زيد بن عبد ربه صاحب الذان، فجاء في الحديث أنه يمسح رأسه كله، جميع الرأس، يقبل بيديه ويدبر بهما، يقبل بيديه في مقدمة الرأس، ثم يدبر بهما، أي يستقبل بهما، بعد ذلك، أي يدبر بهما، استقبل، وإلا فالأصل أن هذا استقبال، لكن سمي إدبارًا لأنه ضد ما استقبل، فاستقبل من الأمام للخلف، فصار الاستدبار من الخلف إلى الأمام. فلهذا في حديث عبد الله بن زيد فيه أنه مسح جميع الرأس، فاستدل الإمام أحمد بأن هذا تفسير للآية، أن هذا الحديث يفسر الآية؛ لأن الآية اختلفوا فيها: هل الباء للتبعيض أم للالتصاق؟ فجاء هذا الحديث قاطعًا للنزاع، جاء هذا حديث قاطعًا للنزاع. فلهذا الأحوط والأقرب هو قول أحمد ومالك: بأنه يمسح جميع الرأس، يمسح جميع الرأس. والمسح عندما يقال: مسح، هو إمرار اليد المبللة بالماء، أصابت ما أصابت وأخطأت ما أخطأت، أنا ليس أن المراد لما نقول: مسح جميع الرأس، أي لابد أن يمسح كل شعره في الرأس، لا، ذات الغسل، أما المسح فهو أن يمرر اليد المبللة في شعره كله، أصابت ما أصابت وأخطأت ما أخطأت، فهذا هو الفرق بين المسح والغسل، أن الغسل لابد أن يشمل جميع أجزاء المقصود، وأما المسح فهو لا يشترط ذلك فيه، لا يشترط ذلك. لهذا فرق العلماء بين المسح والغسل. قد ذكر بعض الحنابلة مسألة: إذا غسل رأسه ولم يمسح، هل يجزئه؟ على إنسان توضأ فجاء بغرفة ماء ووضعها على رأسه، هل يجزئ هذا المسح؟ فذكر الحافظ ابن رجب في فتح الباري عن بعض الحنابلة أنهم قالوا: لا يجزئه هذا، لا يجزئه؛ لأن الفرض هو المسح وليس الغسل، وهذا الذي يأتي بماء ويضعه على رأسه هذا يسمى غسل وليس مسح، والفرض هو المسح، فقالوا: هذا أبدل محل الفرض، أنا لم يأت بما فرضه الله عز وجل عليه، فلهذا ينتبه الإنسان. لكن بعض العلماء سهل في ذلك؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لما اغتسل لم يمسح رأسه، على ما جاء في صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عائشة، فلم يثبت أنه مسح رأسه في الغسل، وإنما الذي ثبت أنه أخذ كفًا من ماء وأدخله في رأسه، هذا غسل، فهذا استدل به بعض العلماء أنه يخفف من الحكم، معنى أنه لا شك أنه خطأ، لكنه يجزئ، لكنه يجزئ، لكن الأفضل للنسان أن يتجنب مثل هذه الأفعال، إذا أراد أن يمسح رأسه، رأسه مسحه، لا يغسله، لا يأخذ ماء ويضعه في رأسه، فهذا يسمى غسل وليس مسحًا. فخلاص المسألة أن الصحيح هو قول أحمد ومالك: أنه يمسح جميع الرأس، يمسح جميع الرأس بيد مبللة، ولو معناه ما تبقى من غسل اليدين، ولو ما تبقى من غسل اليدين، فتكون اليدين مبللة. وأما قول أبي حنيفة فهو تفصيل لا دليل عليه، تفصيل لا دليل عليه، لا من كتاب الله، ولا من سنة رسول الله صلى الله عليه وسلم، ولا من قول صحابي، فلهذا فالقول الصحيح هو ما ذكرنا، والله تعالى أعلم.