الدرس في كتاب الطهارة 29، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
اختلف الفقهاء في حكم الترتيب في الوضوء بين الوجوب والاستحباب، واستدلوا بالآيات القرآنية والأحاديث النبوية. الشافعي وأحمد يرون وجوب الترتيب بينما أبو حنيفة ومالك يرون أنه غير واجب.
تناول المقطع حكم المغالاة في الوضوء واختلاف العلماء حولها، كما استدل على وجوب الموالاة في الوضوء بحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم لرجل كان في قدمه لمعة.
هناك اختلاف في تعريف الواجب والركن في الوضوء بين الفقهاء، حيث يرى البعض أن الواجبة تعني الركن بينما لا يفرق أبو حنيفة بينهما. كما اختلفوا في ركنية بعض الأفعال مثل المضمضة والاستنشاق.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه. قال المؤلف رحمه الله تعالى: والترتيب غير واجب عند أبي حنيفة ومالك، وقال الشافعي وأحمد بوجوبه. الترتيب ترتيب الوضوء: غسل الوجه، ثم اليدين، ثم مسح الرأس، ثم الرجلين على ما جاء في الآية. فهذا الترتيب ليس بواجب عند أبي حنيفة ومالك، وعند الشافعي وأحمد أنه واجب، أنه يعتبر من الأركان من أركان الوضوء، أنه يتوضأ مرتبا. وأما أبو حنيفة فيقول: يجوز أن ينكس، يجوز أن ينكس الوضوء، معناه: مثلا يغسل رجليه ثم يديه ثم رأسه، أن يمسح رأسه. واستدل العلماء بالآية الذين قالوا بالوجوب -الشافعي وأحمد- استدلوا بالآية. وذكر الإمام الشافعي أمرا معناه: لأجل أن ينبه أن الآية جاءت للوجوب، لأن مجرد الذكر لا يدل على الترتيب. لكن قال الإمام الشافعي رحمه الله: أن البلاغة في الكلام أنه يذكر المغسولات ثم يذكر الممسوحات، يذكر المغسولات ثم يذكر الممسوحات. لكن معناه: إذا لم يكن الله عز وجل أراد الترتيب لذكر المغسولات أولا ثم ذكر الممسوح. لكن الله عز وجل ذكر أولا الوجه واليدين، ثم ذكر مسح الرأس، ثم أخر غسل الرجلين بعد مسح الرأس. وهذا قال يدل في اللغة على إرادة الترتيب، إرادة الترتيب. واستدل أحمد رحمه الله بوضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، وأنه لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه خالف في وضوئه الترتيب. لم يأت عن النبي صلى الله عليه وسلم وقد جاءت أحاديث كثيرة، من حديث عثمان وعلي، وكذلك عبد الله بن زيد المازني وغيره من الصحابة، جاءوا بوصف وضوء النبي صلى الله عليه وآله وسلم، ولم يذكر عن أحد أنه خالف في الترتيب. إلا ما جاء في حديث أم معوض، ففيه أنها قدمت غسل اليدين على المضمضة والاستنشاق، لكن لم تقدم الغسل اليدين على الوجه. معناها نقلت عن النبي صلى الله عليه وسلم، لكن الحديث لا يصح لأنه من طريق ابن عقيد، وقد تفرد بهذا الحديث، وابن عقيد مختلف فيه. ولكن تفرده هذا الذي يدل على أنه لم يتابعه أحد في مسألة تقديم اليدين على المضمضة والاستنشاق، فدل على أن حديثه منكر. وما ذكر ذلك أحمد وغيره، فلهذا فلا يصح عن النبي صلى الله عليه وسلم حديث في عدم الترتيب، وإنما جاءت الأحاديث في الترتيب، جاءت الأحاديث كلها في الترتيب. وهذا استدل به أحمد على وجوبه، لأنه تفسير للآية، لأنه تفسير للآية. فمن خالف الآية فقد خالف ما جاء عن الله عز وجل في الوجوب. وهذه قاعدة عند أحمد: أنه إذا جاء اللفظ مجملا، فجاء تفسيره في القرآن أو في السنة، فيعتبر على ذلك التفسير. على الآن الوضوء جاء في القرآن والسنة، الوضوء ثم جاء تفسيره في القرآن، جاء تفسيره في القرآن والسنة عن كيف يتوضأ الإنسان. فالوضوء الواجب هو هذا الذي جاء في الكتاب والسنة، الوضوء الواجب وكيفيته هو ما جاء في الكتاب والسنة. فلهذا وهذا كله يدل على أن الترتيب واجب وركن من أركان الوضوء، على أن يرتب الوضوء: يغسل وجهه، ثم يديه إلى المرفقين، ثم بعد ذلك يمسح رأسه، ثم يغسل رجليه أو قدميه. فهذا الوضوء المرتب الذي جاء في الآية. فالترتيب هنا مقصود به الآية، ليس ترتيب السنن، وإنما ترتيب الواجبات، لأنه جاء في الآية مرتبا. فأما السنن كأن الإنسان مثلا يقدم المضمضة مثلا، الاستنشاق على المضمضة أو كذا، فعادي لم يأت فيها شيء نص صريح في الترتيب. قال: والمغالاة في الوضوء سنة عند أبي حنيفة والشافعي، وقال أحمد ومالك واجبة. المغالاة في الوضوء المراد بها: تتابع الوضوء دون أن يقطع. وحدده بعضهم، بعض العلماء من الحنابلة: أنه لا ينتقل للعضو الآخر قبل أن يجف العضو الذي قبله. أو ينتقل للعضو الآخر قبل أن يجف العضو الذي قبله. فهذه المغالاة يوالي بين الوضوء، فإذا جف العضو الذي قبله فهنا يجب عليه أن يعيد الوضوء. واستدلوا بأحاديث على وجوب المغالاة، من هذا الحديث ما جاء في صحيح مسلم عن جابر، عن عمر رضي الله عنه: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا في رجله لمعة، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أحسن وضوءك». لكن اختلف في أنه هل هو موقوف على عمر أم أنه مرفوع إلى النبي صلى الله عليه وآله وسلم. وأيضا ليس فيه دلالة صريحة بإعادة الوضوء، لأنه قال له: «أحسن وضوءك». وجاء عند أحمد وسنن أبي داود، عن خالد المعدان، عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم: أن النبي صلى الله عليه وآله وسلم رأى رجلا في قدمه لمعة قدر الجرب، فقال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «أعد وضوءك». وجاء في رواية لأبي داود: «أعد وضوءك، أعد صلاتك». فهذا الحديث حديث خالد المعدان عن بعض أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم، إسناده صحيح. إلا أن البيهقي يقول: أنه مرسل. وهذا استصلاح عند البيهقي، إذا روى الرجل حديثا عن بعض أصحاب النبي صلى الله عليه وآله وسلم ولم يذكر اسم الصحابي، يجعله مرسلا. لكن خالد المعدان قد سمع من جماعة من الصحابة، وهل سمع من أزواج النبي صلى الله عليه وآله وسلم؟ سمع من حفصة، وسمع كذلك من عائشة. والحديث صحيح كما صححه الإمام أحمد رحمه الله. وهذا من أقوى الدلائل التي استدل بها على هذه المسألة، على أن الموالاة واجبة. لأنه لو كانت الموالاة ليست واجبة، لقال له: «اغسل رجليك». لأن اللمعة في الرجلين، والرجلين آخر ما يغسل، فلو لم يكن الموالاة واجبة لقال له: «اذهب واغسل رجليك». فلما قال له النبي صلى الله عليه وآله وسلم: «اذهب وأعد وضوءك»، دل على أن الموالاة واجبة، على أن الموالاة واجبة في الوضوء. وهذا هو الصحيح. فلهذا لابد أن يوالي الإنسان في وضوئه. لكن إذا كان مثلا الانقطاع الذي ينقطع فيه انقطاعا يسيرا، ما في شيء. مثلا كما ذكر شيخ الإسلام: لو أن إنسانا كان يتوضأ بماء ثم انقطع عليه الماء أو انتهى عليه الماء، فبحث عن ماء قريب، فقال: إن شاء الله يجزئه أن يغسل الباقي. مع أن شيخ الإسلام يقول بوجوب الموالاة، لكن في مثل هذا الحال يقول: أنه من باب الاضطرار. وأيضا ذكر ذلك لقلة وجود الماء مثلا، لقلة وجود الماء عند الناس. فإذا اضطر الإنسان لمثل هذه الحالات فيجوز، وجعلها حالة مستثناة. وإلا فالموالاة واجبة واجبا، يوالي ويتابع في وضوئه. فخلاصة هاتين المسألتين: الترتيب والموالاة هما مما يكون معنى الترتيب واجب وركن، وكذلك الموالاة واجبة وركن. معنى الواجبة هنا أرادوا الركن، لأن عند أحمد والشافعي ومالك في الوضوء كذلك، أبو حنيفة ليس عندهم تفريق بين الواجب والركن في الوضوء، ليس هناك تفريق بين الواجب والركن عندهم في الوضوء. إلا رواية عن أحمد أوجب بعض الأشياء ولم يقل بركنيتها، كالمضمضة والاستنشاق كما ذكر بعض أصحابه، وبعضهم يجعل ذلك ركنا. فهذا خلاصة ما يذكر في مسألة الترتيب والموالاة. فنكتفي بذلك، والله تعالى أعلم.