الدرس في كتاب الطهارة 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش نواقض الوضوء مثل خروج شيء من السبيلين والنوم وزوال العقل ولمس المرأة الأجنبية ومس الفرج، وموجبات الغسل مثل التقاء الختانين وإنزال المني والموت. يُوضح آراء مختلفة حول هذه النواقض والموجبات مستنداً إلى أدلة من القرآن والسنة النبوية.
يتناول فرائض الغسل التي تشمل النية وإزالة النجاسة وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة، وسنن الغسل مثل التسمية والوضوء قبله، وأحكام الغسل في مختلف الأحوال مثل غسل الجمعة والعيدين والاستسقاء.
يشرح شروط وأحكام المسح على الخفين والتيمم، بما في ذلك شروط جواز التيمم وفرائضه ونواقضه، وكيفية حساب مدة المسح على الخفين وما يبطل المسح.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد يعني القبول والدبر وما خرج منهما فهو ناقض للوضوء، فيشمل ذلك المعتاد لما يخرج من الإنسان كالبول والغائط والمني والودي وغير المعتاد كالدود والحصاة والدم. ودليل النقض بالخروج من تقرر السبيلين قول الله عز وجل: ﴿أَوْ إِحْدَىٰهُمَا الصَّلَاتَيْنِ﴾، وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «لا يصلين أحدكم حتى يتورأ»، والنوم على غير هيئة متمكن. وزوال العقل بسكر أو مرض. قوله: «والنوم على غير هيئة المتمكن»، هذا مذهب الشافعية أنهم لا يرون النوم ناقضًا إلا إذا نام على هيئة غير هيئة المتمكن من الأرض. قالوا: إذا جلسوا متمكنين كهذه الهيئة -هيئة التربع مثلًا أو ما كان مثلها- إذا جلسوا على هذه الهيئة أو بالدرجة له مثلًا، يقوم بمثل هذه الحالة ما ينتقض وضوءه؛ لأنه يشعر بما يخرج منه. أما إذا نام على غير هذه الهيئة، أي كان ينام متجافًا على جنبه أو على بطنه أو راكعًا أو ساجدًا، هنا ينتقض وضوءه. والصحيح أن النوم مظنة الحدث، وأنه إذا نام نومًا مستغرقًا فإنه ينتقض وضوءه على أي هيئة نام. ويدل على ذلك حديث صفوان بن عسال في قوله: «أمرنا النبي عليه الصلاة والسلام ألا ننزع خفافنا ثلاثة أيام بلياليهن إلا من جنابة، لكن من غائط وبول ونوم»، يعني أننا نُمسح على الخفاف من الغائط والبول والنوم، فقَرَن النوم مع البول والغائط، وهما ناقضان للوضوء بالإجماع. وأما كونه لا ينقض النوم من الوضوء إلا إذا كان مستغرقًا، يعني نومًا ثقيلًا بحيث أنساه، ففي الصحيح: أن الصحابة رضي الله عنهم كانوا ينتظرون النبي صلى الله عليه وسلم في الصلاة، فيُصابون بالنعاس، ثم يقومون فيصلون ولا يتغوطون. فهذا يحمل على النوم الخفيف والنعاس وبدايات النوم، فهذا لا ينتقض به الوضوء. وأما كونه ينام متمكنًا من الأرض نومًا ثقيلًا، فهذا ينتقض به الوضوء. وقد وجد أن بعض الشافعية لما كان بهذا القول، كان مرة في يوم جمعة يخطب الجمعة، وكان بجانبه رجل قد نام وهو متمكن من الأرض، فأحدث ولم يشعر بنفسه. لما أقيمت الصلاة، أراد أن يصلي فأخبره الذي بجانبه أنه قد أحدث، فلما علم بذلك، لم يأخذ بكلامه عن وضوء الشافعية وما ينتقض، فتراجع عن هذا القول مع أنه شافعي، ترك هذا القول وقال بالنقض مطلقًا. قال: «وزوال العقل بسكر أو مرض»، هذا قياس على النوم؛ لأن العلة في النوم هي زوال العقل، والإنسان لا يشعر بنفسه، فكذلك إذا زال عقله بسكر أو مرض فإنه ينتقض به. قال: «ولمس الرجل المرأة الأجنبية من غير حائل»، يعني من غير ساتر. فعنده -أي عند الشافعية- أن لمس الرجل للمرأة الأجنبية ينقض الوضوء. واستدلوا بالآية بقول الله جل وعلا: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ»، قالوا: «الملامسة» هنا الجماع. والقول الثاني: أنه لا ينتقض به الوضوء إلا إذا كان بشهوة. إذا كان اللمس بشهوة، هنا قول ثالث: أن اللمس لا ينتقض به الوضوء مطلقًا. والقول الراجح: أن لمس المرأة لا ينتقض به الوضوء مطلقًا، إلا إذا يعني خرج منه شيء، يعني إذا لمس بشهوة وخرج منه شيء، ينتقض بسبب خروج هذا الشيء. أما مجرد اللمس فلا ينتقض به الوضوء. وأما الآية: «أَوْ لامَسْتُمُ النِّسَاءَ»، فالمراد بالملامسة هنا الجماع كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما وغيره. قال: «ومس فرج الآدمي بباطن الكف». مس فرج الآدمي يخرج به وضوءه. مس فرج غير الآدمي كالحيوان فهذا لا ينتقض به الوضوء. وقول: «بباطن الكف»، خرج ما إذا كان المس بالذراع أو بظاهر الكف؛ فإنه لا ينقض الوضوء. بدليل نقض الوضوء بنفس القَرَن حديث مسيرة بن صفوان بالسنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس ذكره فليتوضأ»، وأما تخصيص النقض بالكف، فبما جاء بالسنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من أفضى بيده إلى ذكره فعليه الوضوء»، أو كما قال عليه الصلاة والسلام. وظاهر هذا الحديث: «من أفضى بيده» يشمل الباطن والظاهر، يعني يشمل باطن الكف وظاهر الكف. قال: «ومس حلقة دبره على الجديد»، يعني من مذهب الإمام الشافعي، ومذهبه الجديد هو مختاره بعد استقراره في مصر. ومذهبه القديم ما قاله قبل ذلك. فمذهبه الجديد: أن مس حلقة الدبر ينتقض به الوضوء. وهذا هو الراجح؛ لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «من مس فرجه فليتوضأ». جاء لفظ «فرج» عند مسلم بحديث أم حبيبة وأبي أيوب: «من مس فرجه»، وهذا اللفظ يشمل الكبير والصغير والذكر والفرج. قال: «فصل: والذي يجب الغسل ستة أشياء: ثلاثة تشترك فيها الرجال والنساء، وهي: التقاء الختانين، وإنزال المني، والموت». التقاء الختانين: الختان أي الموضع الذي يختن من الرجل أو المرأة. وختان الرجل هو اللحمة التي تأتي زائدة في رأس الذكر، وختان المرأة هو قص شيء من اللحمة تكون في أعلى فرجها. والمقصود بتقائه الختانين: أي حصول الإيلاج، تغيير حشفة الذكر -أي رأس الذكر- في فرج المرأة. إذا حصل ذلك، وجب الغسل. ودليل ذلك: قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». والحديث صحيح. قال: «وإنزال المني»، هذا أيضًا مما يوجب الغسل. نزول المني: الأمر الأول: الجماع، سواء أنزل أو لم يُنزل. الأمر الثاني: إنزال المني، إذا نزل المني وكان نزوله على جهة اللذة -على جهة اللذة- للتدفق على الصحيح، إنه يوجب الغسل. أما أولًا: دليل أنه يوجب الغسل من نزول المني، قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الماء من الماء»، حيث رواه مسلم: «إنما الماء من الماء»، يعني ماء الغسل من ماء المني. وكذلك أيضًا حديث مسلم في الصحيحين: قالت: «يا رسول الله، إن الله لا يستحيي من الحق، هل على المرأة غسل إذا احتلمت؟ قال: نعم، إذا رأت الماء». جعل وجود الغسل برؤية الماء. وفي حديث عائشة عند أبي داود: سُئل النبي عليه الصلاة والسلام عن الرجل يجد البلل ولا يذكر احتلامًا، فقال: «يغتسل». وسئل عن الرجل يذكر احتلامًا ولا يرى بللًا، فقال: «لا غسل عليه». فجعل مدار الغسل على وجود المني. وأما تفصيل ذلك: لابد أن يكون بلدًا وشهوة، كما ذكرنا لحديث علي بالسنن: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا فضحت الماء فاغتسل». و«فضحت الماء» يعني خرج بتدفق وبقوة ودفعة، هذا لا يحصل إلا ببلد وشهوة. إذا خرج المني على غير هذا الوصف -من غير لذة ولا شهوة- فإنه لا يجب الغسل؛ إنه يجب للهبوط كخروج من الإنسان لمرض أو شدة برودة أو لهوٍ، فحينئذ لا يجب عليه الغسل على الصحيح. قال: «والموت»، يعني إذا مات الإنسان فإنه يجب غسله؛ لحديث أم عطية في البخاري ومسلم: أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «يُغسلنها ثلاثًا أو خمسًا». والصحيح: أنه يُغسل الميت. وحديث العباس: أنه صلى الله عليه وسلم قال: «اغسلوه بماء وسدر، وكفنوه، وكفنوه، وكفنوه في ثوبين، ولا تخمصوه، ولا تخمروا رأسه». فدل هذا على وجوب غسل الميت. قال: «وثلاثة تختص بها النساء، وهي: الحيض والنفاس والولادة». المرأة إذا حاضت فقطع حيضها، وجب عليها الغسل؛ كما قال جل وعلا: ﴿وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّىٰ يَطْهُرْنَ﴾، يعني يقطعن الدم. فإذا تطهرن -يعني اغتسلن- قال: «والنفاس كذلك». المرأة إذا قطع دم النفاس، وجب عليها الغسل؛ لأن حكم النفاس حكم الحيض. والولادة: المرأة إذا ولدت، فإنه يوجب الغسل؛ لأن الغالب أنه يخرج معه دم، فتغسل بعد ذلك. قال: «فصل: وفرائض الغسل ثلاثة أشياء: النية، وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه، وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة». النية: لعموم قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الأعمال بالنيات». فلابد أن ينوي رفع الحدث. كان الغسل واجبًا للجنابة ونحوها. قال: «وإزالة النجاسة إن كانت على بدنه»، يعني كان في بدنه نجاسة فيزيلها. ومن ذلك مثلًا: إن كان الغسل بعد مجيء الغائط أو البول، فيستنجي من هذا الغائط أو البول، ثم بعد ذلك يغتسل. قال: «وإيصال الماء إلى جميع الشعر والبشرة». فإن تساقط فإنه يعمل وضوءه بالماء، سواء كان الشعر خفيفًا أو كثيرًا، فيوصل الماء إلى جميع شعره وبشرته؛ لحديث عائشة رضي الله عنها قريبًا عنها ميمونة في الصحيحين: في بلوغ النبي صلى الله عليه وسلم من جنابة، أنه عليه الصلاة والسلام غسل فرجه ثم غسل يديه، ثم توضأ وضوء الصلاة، ثم حفن على رأسه ثلاث حفنات، ثم خلل بيديه بأصابعه رأس شعره حتى يظن أنه أروى بشرته، ثم أفاض الماء على شقه ثلاث مرات. هل يجب على المرأة أن تنقض شعر رأسها؟ الجواب: إذا كان الماء يصل إلى أصول الشعر، لا يجب ذلك. تحكي أم سلمة: إني امرأة شديدة شعر رأسي، فأنقضه من جنابة؟ قال: «لا، إنما يكفي أن تحفي على رأسك ثلاث حفنات». وإن كان لا يصل إلا بالنقض، يجب أن تنقض؛ من باب ما يتم الواجب إلا به فهو واجب. قال: «وسننه خمسة أشياء: التسمية، والوضوء قبله، وإمرار اليد على الجسد، والموالاة، وتقديم اليمنى على اليسرى». التسمية: يعني في أول الغسل؛ لعموم حديث: «كل أمر ذي بال لا يبدأ فيه بسم الله فهو أقطع». والحديث ضعيف، لكن أدلة الغسل على الوضوء. قال: «والوضوء قبله»، يعني الوضوء قبل الغسل؛ كما في حديث عائشة المذكور سابقًا: أن النبي صلى الله عليه وسلم توضأ وضوء الصلاة، ثم ثم غسل فرجه. قال: «وإمرار اليد على الجسد»، وهو من شمل بالدليل. الدليل كالأعضاء في الغسل مستحب؛ لأنه أبلغ في تنظيف الجسد. رسل: واجبًا، وهذا وجبه المالكية. قال: «والموالاة»، يعني غسل الأعضاء بعضها متوالٍ وبعضها متصل. والصحيح أن الموالاة واجبة، إلا إذا لعذر، فحينئذ يصبر هذا الواجب. انتظر الماء مثلًا: عليك فذهب يأتي الماء وأكمل غسله، فغسله صحيح. قال: «وتقديم اليمنى على اليسرى»، يعني في الغسل يبدأ بالشق الأيمن ثم بالشق الأيسر، هذا مستحب؛ لعموم حديث عائشة رضي الله عنها بالصحيحين: «كان يتمضمض وينتحول ويستنثر، والتيمن في تنحوله وترجله وطهوره»، وفي شأنه كله. وطهوره يدخل فيه الوضوء والغسل. قال: «غسل الجمعة: الشافعي يرون غسل الجمعة مستحبًا، ووجلوا استحبابه». قالوا: أن نص على استحباب غسل الجمعة قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من توضأ يوم الجمعة فبها ونعمت، ومن اغتسل فالغسل أفضل». والحديث ضعيف. وتأولوا حديث: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، قالوا: هذا الحديث صار للأمر من الوجوب إلى الاستحباب. وقال جماعة من أهل العلم: بل غسل الجمعة واجب؛ لحديث: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». هذا الحديث من عمر، حيث رواه البخاري ومسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». وأما حديث سمرة: فضعيف لا يصح. فيقول: غسل الجمعة واجب، وهو معلق بالجمعة، يعني غسل يوم الجمعة معلق بصلاة الجمعة. من ذهب إلى الجمعة، وجب عليه أن يغتسل. ومن لم يذهب -يعني ليس عليه صلاة الجمعة- فلا يجب عليه الغسل؛ بقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل»، يقول: إن من لم يأتِ الجمعة ليس عليه غسل؛ كالمريض والمسافر والمرأة. قال: «والعيدين»، أن يستحب الغسل بالعيدين. غدا: الكتب عيد الأضحى. صحر بن عمر رضي الله تعالى عنهما: أنه كان يقص اليوم القطر قبل أن يغدو إلى المصلى؛ كما في مرآة الإمام المالك. ومثله كذلك عيد الأضحى. فيأخذ لقصة، وإن كان لم يخبر شيء عنه صلى الله عليه وسلم من قوله أو فعله عليه الصلاة والسلام في الغسل العيدين، لكن آثار عن الصحابة وعند تابعين. قال: «والاستسقاء والكسوف والخسوف»، يعني يستحب الغسل لها. هذا لا دليل عليه؛ ليس هناك دليل على استحباب الغسل للاستسقاء أو الكسوف أو الخسوف. قال: «والغسل من غسل الميت»، يعني إذا غسل الإنسان ميتًا فيستحب له أن يغتسل؛ هذا هو الصحيح؛ لحديث: «من غسل ميتًا فليغتسل». هذا أمر، وصارف له قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ميتكم يموتوا ظاهرًا، فحسبكم أن تغسلوا أبدانكم». وكذا قول الصحابي: «كنا نغسل الميت، فمنا من يغسل، ومنا من لا يغسل». قال: «والكافر إذا أسلم»، يعني يستحب له أن يغتسل؛ لحديث قيس المعاصر عند أبي داود والترمذي: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما أسلم قيس المعاصر، أمره النبي صلى الله عليه وسلم أن يغتسل بماء وسدر. وهذا الأمر محمول على الاستحباب. والصارف له هو: أنه أسلم كثير في زمن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم يأمرهم بغسل. ولو كان الغسل واجبًا لأمر به النبي عليه الصلاة والسلام، ونجعله من أوائل الواجبات عند الإسلام بعد الشهادتين، ولم يأمر بذلك عليه الصلاة والسلام. فدل هذا على أن الغسل بعد الإسلام مستحب، إلا إذا كان هذا الكافر على جنابة مثلًا، لكن إذا وجب عليه أن يغتسل؛ من باب وجوب غسل الجنابة. قال: «والمجنون والمغمى عليه إذا أفاقا»، أن يستحب لهما الغسل إذا أفاق المغمى عليه أو المجنون من جنونه، يستحب له الغسل. وبذلك جاء في الصحيحين عن عائشة رضي الله عنها: في حجة النبي عليه الصلاة والسلام: لما مرض مرض موته، قال: «أصلى الناس؟» قالوا: «لا يا رسول الله، هم ينتظرونك». قال: «ضعوا لي ماء في المخضب». قال: «فصببنا له ماء فاغتسل، ثم ذهب ليقوم، فأغمي عليه». فأفاق، قال: «أصلى الناس؟» قالوا: «لا يا رسول الله، هم ينتظرونك». قال: «ضعوا لي ماء في المخضب». فاغتسل. الحديث الشاهد: أن المسلم كلما أفاق من غيبوبته، أمر بالغسل؛ لأن هذا استحباب الغسل بعد الإغماء. قال: «والغسل عند الإحرام أيضًا»، المحرم المستحب الغسل عند الإحرام. ورد المسلم أن يحرم بعمرة الحج، ويستحب له أن يغتسل قبل الإحرام؛ بحديث زيد بن ثابت رضي الله عنه: أنه رأى النبي صلى الله عليه وسلم تجرد لإحرامه واغتسل. قال: «ولدخول مكة»، يعني يستحب الاغتسال عند دخول مكة. وتبدأ بالصحيحين عن ابن عمر رضي الله عنه: أنه كان يقضي مكة حتى يبيت بذي طوى، ويصبح ويغتسل ويدخل مكة نهارًا. ويذكر أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يفعل ذلك. قال: «وللوقوف بعرفة»، يعني يستحب الغسل لإحرام بعرفة. ورأى في ذلك أثر عن ابن عمر عند الإمام مالك في الموطأ: أنه كان يغتسل لإحرامه قبل أن يحرم، وبدخول مكة، وللوقوف عشية عرفة. قال: «وللمبيت بمزدلفة»، يعني يستحب الغسل للمبيت بمزدلفة. وهذا لا دليل عليه. قال: «ولرمي الجمار الثلاث»، يعني يستحب أن يغتسل لرمي الجمار. وهذا أيضًا ليس عليه دليل. قال: «وللطواف»، يعني يستحب أن يغتسل للطواف. وهذا أيضًا ليس عليه دليل. قال: «وللسعي ولدخول مدينة رسول الله صلى الله عليه وسلم». وهذا ليس عليه دليل. قال: «فصل: ومسح الخفين جائز». الخفان: ما يلبس على القدمين فوق الكعبين من جلد ونحوه. ويأخذ حكم الخفين الجوارب والشربات ونحوه. مسحه جائز، يعني مشروع. عليه أدلة كثيرة، بل أحاديث فيه متواترة. أبرزها حديث المغيرة بن شعبة: أنه قال: «كنت مع النبي صلى الله عليه وسلم في سفر، فأتيته بوضوء، فغسل يديه، ثم أراد أن يغسل وجهه، فانحدرت إزاري، فقال: دع، فلم أجد إلا الخفين، فقال: امسح عليهما». وحديث جرير الصحيح، وحديث عمرو بن أمية، وحديث علي بن أبي طالب، وحديث أبي بكرة: الكثيرة، بل تواترت عن النبي صلى الله عليه وسلم. قال: «إمام الحسن البصري رحمه الله: فيه سمعتُ حديثًا نعم، فيه سمعتُ حديثًا عن النبي صلى الله عليه وسلم، ولم ينكر المسح على الخفين إلى الروافض». عندما مسح على الخفين بدعم. قال: «بثلاثة شروط: أن يبتدئ لبسهما بعد تمامه الطهارة»، يعني يشترط من أراد أن يمسح على الخفين أن يلبسهما على طهارة، بعد أن يكمل الطهارة، ويضع مبوءًا كاملًا، ثم يلبس الخفين. لقول المغيرة: «فإني أدخلتهما طاهرتين». وعلى هذا: فلو غسل اليمنى، ولبس الخف، ثم غسل اليسرى، ولبس الخف الأيسر، وهنا لا يمسح عليهما؛ لأنه لم يكمل الطهارة. قالوا: «أن يكون ساترين لمحل غسل القدمين»، أن يكون الخفان ساترين لمحل غسل القدمين، يعني يكون الخفان ساترين لجميع القدم. والخف ما قلنا: ما يلبس على القدم فوق الكعبين. فإذا كان هذا الخف دون الكعبين، فلا يجوز المسح عليه؛ لأنه لا يسمى خفًا. قالوا: «أن يكون مما يمكن تتابع المشي عليهما»، لأنه لا يسمى خفًا إلا بذلك، يعني يمكن أن يستطيع أن يمشي عليهما في قضاء حوائجه، وفي سفره، وفي حالته. قالوا: «ويمسح المقيم يوم وليلة، والمسافر ثلاثة أيام بلياليهن»، كما ثبت بذلك الأحاديث الكثيرة بتحديد مدة المسح. أي سُلطان معين عند الترمذي، وحديث علي الصحيح، وعند البيهقي في السنن: على أن المسح على الخفين يكون للمقيم يوم وليلة -يعني 24 ساعة- وللمسافر ثلاثة أيام بلياليهن -يعني 72 ساعة-. قالوا: «ارتياد المدة من حين يحدث بعد لبس الخفين». ارتياد المدة: من حين يحدث، يعني من أول حدث بعد لبس الخفين. فلو لبس الخفين مثلًا في الظهر، وأحدث في العصر، ويبتدئ مدة المسح من العصر إلى عصر الغد. هذا عند الشافعية. قول آخر: أن ارتياد مدة المسح من أول مسح على الخفين -من أول مسح على الخفين- هذا هو الأصح؛ لأن المسح على الخفين معلق بالمسح. والأحاديث جاءت كلها بمشروعية المسح. وكذلك أيضًا تحديد مدة المسح إلى القطع معلق بالمسح. فأول مسح على الخفين يبتدئ به مدة المسح. فلو لبس الخف في الظهر، ولم يمسح عليهما إلا في الليل -في العشاء- يبتدئ مدة المسح من العشاء إلى العشاء. هذا هو الأصح. قال: «فإن مسح في الحضر ثم سافر، أو مسح في السفر ثم أقام، أتم مسح مقيم». مسح على خفين مثلًا مسح في الظهر والعصر، وسافر. فإنه يمسح مسح مقيم -يعني يقضي يوم وليلة فقط- في سفره، ثم يجب أن ينزع الخفين ويغسل قدميه. أو مسح في السفر مثلًا: مسافر مسح في سفره، ثم أقام. فإنه يمسح مسح مقيم. والصحيح: أنه إن مسح في الحضر ثم سافر، فإنه يمسح مسح مسافر؛ لأنه بسفره جاز له المسح مسح المسافر -ثلاثة أيام بلياليهن-. وأما إن مسح في السفر ثم أقام، هنا يمسح مسح المقيم؛ كما ذكر؛ لأنه صار بحكم المقيم، فلا يزال يمسح مسح المقيم. قال: «ويبطل المسح بثلاثة أشياء: بخلعهما، وانتقاض المدة، وما يوجب الغسل». إذا خلع الخفين، بطل المسح عليهما. وهل يبطل الوضوء؟ الجواب: لا، الوضوء باقٍ، لكن ليس عليه أن يمسح عليهما حتى يعيد الوضوء. وهكذا انقضاء المدة: إذا انتهت مدة المسح -يوم وليلة- حينئذ ليس له أن يمسح عليهما حتى يجدد الوضوء. وهكذا أيضًا ما يوجب الغسل -كالجنابة- إذا أصابته جنابة، فيجب عليه أن ينزع خفيه، وأن يغسل قدميه؛ لحديث صفوان بن عسال: «لكن من بول وغائط ونوم، إلا من جنابة». «لكن من غائط وبول ونوم» يعني: ما نُمسح الخفين من جنابة، «لكن من غائط وبول ونوم» فنمسح عليهما. فالمسح على الخفين لما يكون في الحدث الأصغر. وأما الحدث الأكبر، فلابد من غسل القدمين. قال: «فصل: وشرائط التيمم خمسة أشياء: وجود العذر بسفر أو مرض، ودخول وقت الصلاة، وطلب الماء وتعذر استعماله وإعوازه بعد الطلب، والتراب الطاهر له غبار». وجود العذر: بسفر أو مرض. وهذا قد دلت عليه الآية: بقول الله جل وعلا: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. وقيد السفر والمرض: هو مظنة لعدم وجود الماء أو عدم القدرة على استعماله كما سيتم. فإذا كان في السفر ولم يجد الماء، جاز له أن يتيمم كما سيتم. قال: «ودخول وقت الصلاة»، يعني إذا دخل وقت الصلاة، وليس عنده ماء. فالأخ يأمر من يصلي لحديث جابر بالصحيحين: «جعلت تربتها طهورًا». فأي رجل من الأمة أدركته الصلاة فليصل. قال: «وطلب الماء وتعذر استعماله وإعوازه بعد الطلب»، يعني إذا طلب الماء فلم يجده، فالواجب على الإنسان أن يبحث عن الماء، يبحث في رفقته، فيما حوله. وإذا لم يجد، صار عادمًا للماء، فجاز له أن يتيمم. أو كذلك تعذر استعماله لمرض: كل ما هو موجود، لكن يقشى على نفسه من الضرر والهلاك إن استعمل الماء. جاز له حينئذ أن يتيمم. ويدل على ذلك: فعل عمرو بن العاص في قصة حين تيمم من الجنابة، وصلَّى بأصحابه، فلمَّا أخبر النبي صلى الله عليه وسلم بذلك، قال: «صليت بهم وأنت جنب؟» قال: «يا رسول الله، إنا كنا نتعرض غبارًا، ولا نجد ماءً». قال: «صليت بهم وأنت جنب؟» قال: «يا رسول الله، إن الله كان بي رؤوفًا رحيمًا». فتبسم النبي عليه الصلاة والسلام. قال: «والتراب الطاهر له غبار». فإن خالطه جص أو رمل لم يجز. التراب الطاهر له غبار: للشافعية لابد من غبار يعلق باليد عند التيمم بالتراب. واستدلوا بقول الله عز وجل: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾. قالوا: من هنا: تبعيضية، فلابد من أجزاء تعلق باليد. وكذلك استدلوا بقول النبي عليه الصلاة والسلام: «وجعلت تربتها لنا طهورًا». فقال: إذا لابد من التراب يعلق باليد. هنا قول آخر: أنه لا يشترط بذلك. وهنا للمالكية: بل يجوز التيمم بكل ما صعد على وجه الأرض -من تراب أو رمل أو حصى-؛ لعموم قول الله تعالى: ﴿فَتَيَمَّمُوا صَعِيدًا طَيِّبًا﴾. والصعيد: كما ذكر أهل اللغة: كل ما صعد على وجه الأرض. كل ما صعد على وجه الأرض. وهذا أصح: أنه يشترط بكل ما صعد على وجه الأرض. وأما قول الله جل وعلا: ﴿فَامْسَحُوا بِوُجُوهِكُمْ وَأَيْدِيَكُمْ مِنْهُ﴾، فمن هنا للبيان أو التمثيل. وقوله: «فإن خالطه جص أو رمل لم يجز». عند الشافعية: تيمم به، هناك رواية أخرى. قال النووي رحمه الله: أنه لا يمنع هذا من التيمم به. والصحيح: تيمم كراب، إن خالطه رمل أو جص. قال: «فرائضه أربعة أشياء: النية، ومسح الوجه واليدين مع المرفقين، والترتيب». النية: يعني رفع الحدث بالتيمم. عموم حديث: «إنما الأعمال بالنيات». ومسح الوجه واليدين: أما مسح الوجه واليدين، فهل يقول: إلى الكوع؟ فمسح بوجوهكم وأيديكم: من فروع التيمم هي الوجه واليدين. هي الوجه واليدان. فلا يصح التيمم إلا بهما. وما قولهم: «مع المرفقين»، هذا مذهب الشافعية: أن مسح اليد يكون إلى المرفقين. واستدلوا بحديث عمرو بن العاص في السنن: «التيمم ضربتان: ضربة للوجه، وضربة لليدين إلى المرفقين». فالحديث ضعيف. والصحيح: أن اليد تمسح إلى الكوعين فقط. حديث عمرو بن العاص: «إنما يكفيك أن تقول بيديك هكذا». ومسح النبي صلى الله عليه وسلم بيديه الأرض، وضرب يديه إلى الأرض ضربة واحدة، ثم مسح كفيه على وجهه، ووجه يده اليمين على اليسرى، ووجه يده اليسرى على اليمنى. قال: «والترتيب»، يعني الترتيب بين مسح الوجه واليدين. يبدأ بالوجه ثم باليدين. نَصَّ أن الترتيب: يعني هو الأفضل، وليس بواجب. فلو مسح يديه ثم وجهه، فوضوئه صحيح؛ لحديث عمرو بن العاص: أنه بدأ بيديه ثم بوجهه. لكن الأفضل: أن يبدأ بالوجه ثم باليدين؛ للآية، وللرواية الأصح التي في الصحيحين: أنه بدأ بوجهه ثم بيديه. قال: «وسننه ثلاثة أشياء: التسمية، وتقديم اليمنى على اليسرى، والموالاة». التسمية: أي عند التيمم، قياسًا على الوضوء. وكان في التيمم لم يأتِ فيه التسمية -لا في الكتاب ولا في السنة-. وتقديم اليمنى على اليسرى: هذا يستحب لعموم حديث عائشة: «وكان يتمضمض وينتحول ويستنثر، والتيمن في تنحوله وترجله وطهوره». والموالاة: غُضَّ رذل الشافعية: الموالاة واجبة؛ كما في الوضوء والغسل، فكذلك عند التيمم. والصحيح: فما مر معنا: أن الموالاة واجبة. قال: «والذي ينقض التيمم ثلاثة أشياء: ما أبطل الوضوء، ورؤية الماء في غير وقت الصلاة، والردة». يعني كل ما ناقض الوضوء، فهو ناقض للتيمم؛ لأن التيمم بدل عن الوضوء، يأخذ حكمه. قال: «ورؤية الماء في غير وقت الصلاة»، يعني إذا رأى الإنسان الماء قبل أن يصلي بفترة، يجب عليه أن يرجع إلى الماء؛ في قول الله سبحانه وتعالى: ﴿فَلَمْ تَجِدُوا مَاءً فَتَيَمَّمُوا﴾. وهذا واجد الماء. وقول النبي عليه الصلاة والسلام: «الصعيد الطيب وضوء المسلم، وإن لم يجد الماء عشر سنين، إذا وجده فليتق الله وليمسه بشرته». إذا وجده، فيجب عليه استعمال الماء. وظاهر أو معنى كلامه في قوله: «في غير وقت الصلاة»، رؤية الماء في غير وقت الصلاة، تفهم أنه في وقت الصلاة لا يجب عليه، يعني وجد الماء وهو في الصلاة. هذه المسألة خلافية. إذا وجد الماء وهو في أثناء الصلاة، في الشافعية وجماعة من أهلهم من قول الضمور: يرون أنه لا ينتقض، بل يتم صلاته. وقول آخر: أنه يعيد الوضوء والصلاة. والأظهر: في عموم الحديث: «إذا وجد الماء فليتق الله وليمسه بشرته». هذا يعم: إذا كان في الصلاة أو قبل الصلاة. قال: «والردة»، يعني إذا ارتدَّ -عياذًا بالله- عن الإسلام، هنا يبطل تيممه، إن كان متيممًا؛ لأن الردة تنقض جميع الأعمال. قال: «وصاحب الجبائر يمسح عليها ويتيمم ويصلي، ولا إعادة عليه». إن كان وضعها على طهر. الجبيرة: ما يوضع على الكسر. كانوا إذا أصاب الإنسان كسرًا، وضع على الكسر ما يعرف الآن بالجبس، ثم يربط حتى يجبر الكسر. وفي ختامه: الجبس في الوقت الحاضر. فيقول: صاحب الجبائر يمسح عليها. والقول: يمسح على الجبيرة: قول جمهور أهل العلم. أصدر له بحديث علي بالسنن: «قصد حداد جندي، وعلى رأسه جراحة، فقال: أعصب على رأسي فرقة، وأمسح عليها». وحديث رافع، وحديث جابر: بخصوص الرجل الذي شج رأسه، قال: «ليس عليه إلا أن يعصب على رأسه فرقة، ثم يمسح عليها». وهذا الحديث أصله صحيح، بذكر الخصة. لا أكون ذكر المسح عليه لا يصح. فالحديث الوارد في هذا الباب غير صحيح. وهم قالوا بهذه الأحاديث، وقاسوا المسح على الجبيرة بالمسح على الخفين. وهذا القياس أيضًا