كتاب الطهارة 11

الدرس في كتاب الطهارة 11، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

شروط وأحكام المسح على الخفين والجبيرة

يشرح هذا الفصل شروط المسح على الخفين والجبيرة، حيث يشترط لبس الخفين على طهارة مائية، وأن يكون المسح في الحدث الأصغر، كما يتطرق إلى حكم نزع الخفين وانتقاض الطهارة، وحكم المسح على الجبيرة في الحدث الأكبر والأصغر.

حكم المسح على الجبيرة والخفين وضوابطه

يناقش هذا الفصل حكم المسح على الجبيرة والخفين في الوضوء، ويشير إلى ضعف الأحاديث المتعلقة بالمسح على الجبيرة، ويبين آراء العلماء في جواز المسح على الجبيرة قياسا على الخفين، ويوضح الأصل في التعامل مع العضو المصاب.

نواقض الوضوء وتفاصيلها

يتناول هذا الفصل نواقض الوضوء وهي الخارج من السبيلين، وزوال العقل، وأكل لحم الجزور، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج، وتغسيل الميت، والردة، ويتطرق إلى تفاصيل كل ناقض منها.

تفاصيل نواقض الوضوء وضوابطها

يستكمل هذا الفصل الحديث عن نواقض الوضوء، حيث يبين أن خروج الدم ليس ناقضًا للوضوء، وأن القيء لا ينقض الوضوء بالضرورة، ويوضح أن زوال العقل ناقض للوضوء، والنوم المستغرق ناقض بينما النوم الخفيف ليس كذلك.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله والحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. وخذنا في الدرس الماضي أول فصل في المسح على الخفين والجبيرة، وعلمنا أن الخفين كل ما لبس على القدمين فوق الكعبين من جلد ونحوه، ويقوم مقام ذلك الجوارب والشربات من صوف وقطن ونحوهما، وكذا اللفائف التي تلف على الأقدام فوق الكعبين، فإن كذلك يمسح عليها؛ لأمر النبي عليه الصلاة والسلام بالمسح على العصائب والتساخين في حديث ثوبان في السنن، قال: «فإن كان عليه خفان ونحوهما مسح عليهما إن شاء يوما وليلة للمقيم وثلاثة أيام بليالهن للمسافر». نعم، علمنا أن المسح على الخفين له شروط لا بد من توفرها حتى يصح المسح عليها، من ذلك التوقيت الذي حدده الشرع أن تمسح في الوقت المحدد للمسح عليها شرعا، وهو يوم وليلة للمقيم وثلاثة أيام بليالهن للمسافر، كما جاء في حديث علي رضي الله عنه في الصحيح، وهو حديث صفوان بن عسال وحديث أبي بكرة، وهما في السنن. نعم، وعلمنا أن مدة المسح تبدأ من أول مسح على الخفين، فإذا جاء الوقت الذي مسح فيه من اليوم الثاني ينتهي مدة المسح. مسح الساعة الرابعة عصرا، فيمسح اليوم الثاني إلى الساعة الرابعة، قبل انتهاء الساعة الرابعة، هل له أن يمسح مثلا الساعة الثالثة والنصف أو الساعة الرابعة إلا ربع؟ هل له أن يمسح؟ الجواب نعم، لم ينته مدة المسح بعد، أربع إلا خمس له أن يمسح، نعم؛ لأن المدة لم تنته بعد، لكن الساعة الرابعة خلاص لا يمسح، انتهت مدة المسح. وهكذا بالنسبة للمسافر ثلاثة أيام بلياليهن، هنا إذا مسحه مقيم ثم سافر، يمسح مسح مسافر، وإذا مسحه مسافر ثم أقام، مسافر ثم أقام، يكمل مدة مسح مقيم، قال: «بشرط أن يلبسهما على طهارة». طبعا هناك من يقول بأن المسح ليس له مدة، لك أن تمسح ما شئت، ثلاثة، خمسة أيام، ويستدل بحديث فيه إطلاق المسح من غير توقيت، وهو حديث ضعيف لا يصح. حديث لا يصح، ولا حيث الصحيحة تدل على توقيت مدة المسح. قال: «بشرط أن يلبسهما على طهارة»، يشترط في المسح على الخفين أن تلبس على طهارة، حديث المغيرة في الصحيحين، لما كان مع النبي صلى الله عليه وسلم، فتوضأ النبي صلى الله عليه وسلم وهو لابس الخفين، قال: «فأهويت لأنزع خفيه، قال: دعهما؛ فإني أدخلتهما طاهرتين، فمسح عليهما». فدل هذا على أنه يشترط في المسح على الخفين أن تلبس على طهارة، فإذا لبسها على غير طهارة، لبس الخفين، قال: سألبس الخفين ثم أتوضأ، هل يمسح؟ الجواب لا، ما يمسح الخفين. لكن أولا يتوضأ ثم يمسح. طيب إذا توضأ فغسل رجله اليمنى فلبس الخف، ثم غسل اليسرى فلبس الخف، هل له أن يمسح؟ ها، هذه فيها خلاف، والأظهر أنه لا يمسح؛ لماذا؟ لأنه لا يصح في حقه أنه لبسهم على طهارة كاملة، لبس الخف الأول قبل أن يغسل القدم اليسرى، الطهارة ما زالت ناقصة، ما زالت ناقصة. الذي ينبغي أن يكمل الطهارة كاملة، بعد أن يغسل القدم اليسرى ثم يلبس الخفين. قال: «بشرط أن يلبسهما على طهارة»، المراد بالطهارة طهارة الماء، طهارة الماء. إذا تيمم وأراد أن يلبس الخفين، هل له ذلك؟ ها، تيمم وأراد أن يلبس الخفين، هل له ذلك؟ ها، له نعم، مجرد اللبس له أن يلبس، لكن المسح ما يمسح، فرق بين اللبس وبين المسح، مجرد اللبس أن يلبس الخفين يصلي فيهما، ما في شيء. لكن كونه يمسح عليهما بطهارة التيمم لا، المسح على الخفين يكون بطهارة الماء، يكون بطهارة الماء. قال: «ولا يمسحهما إلا في الحدث الأصغر»، هذا أيضا من شروط المسح على الخفين، أن يكون المسح عليهما في الحدث الأصغر، أي الذي يوجب الوضوء، الذي يوجب الوضوء، كالغائط والبول وغيرها من نواقض الوضوء، سيأتي ذكرها في الباب الذي بعد هذا الباب. نعم، أما الحدث الأكبر كالجنابة، يجب غسل القدمين؛ لحديث صفوان بن عسال أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أمرنا ألا نزع خفافنا ثلاثة أيام بليالهن إلا من جنابة». لكن من غائط وبول ونوم، يعني نمسح الخفين من غائط وبول ونوم، أما الجنابة فلا بد من نزع الخفين وغسل القدمين. إذا المسح على الخفين يكون في الحدث الأصغر فقط، أما الحدث الأكبر لا بد من نزع خفين وغسل القدمين. نعم، ثم ذكر حديث أنس: «إذا توضأ أحدكم ولبس خفيه فليمسح عليهما وليصلي فيهما، ولا يخلعهما إن شاء إلا من جنابة». نعم، رواه الحاكم وصححه. ولحديثكم أقولنا متواترة عن النبي صلى الله عليه وسلم في مشروعية المسح على الخفين. طيب إذا نزع الخفين، هل تنتقض الطهارة؟ ها، الجواب لا، ما تنتقض؛ بالنسبة للطهارة ما تنتقض، هو ما نزع على الطهارة. طيب إذا انتهت المدة، هل تنتقض الطهارة؟ مسح من الساعة الخامسة مثلا إلى الساعة الخامسة اليوم الثاني، جاءت الساعة الخامسة اليوم الثاني وهو على طهارة، هل تنتقض طهارته؟ الجواب لا، لكن لا يجوز له المسح على الخفين حتى يغسل قدميه. قال: «فإن كان على عضو وضوءه جبيرة على كسر أو دواء على جرح، ويضره الغسل، مسحه بالماء في الحدث الأكبر والأصغر حتى يبرأ». نعم، هنا ذكر ما يتعلق بالجبيرة. والجبيرة كما قلنا هو عبارة عن وضع خشبتين إحداهما في الأعلى والأخرى في الأسفل، وتربط برباط في موضع الكسر، كانوا يجبرون يعني الكسر بهذا وضع الخشبتين وربطهما. والآن في هذه العصور تجبر الكسور بالجبس المعروف. يقول: «فإن كان على عضو وضوءه جبيرة على كسر أو دواء على جرح، قد يكون عنده جرح في يده، في قدمه»، نعم، «في وجهه». قال: «ويضره الغسل»، هذا قيد لا بد منه، أنه يضره غسل، أما إذا كان ما يضره الغسل، فيغسله، ما في شيء عنده جرح في يده، لكن ما يضره الغسل، يغسله. أما إذا كان يضره الغسل، يعني الطبيب يقول: ممنوع أن تمسه الماء، انتبه لهذا الجرح أن يمسه الماء، الماء يضره. نعم، فهنا قال: «مسحه بالماء في الحدث الأكبر والأصغر حتى يبرأ»، يعني مسح موضع الجبيرة أو موضع الجرح الذي فيه الدواء. قال: «مسحه بالماء في الحدث الأكبر والأصغر»، المسألة الجبيرة، قال بها جمهور أهل العلم، واستدلوا بحديث جابر رضي الله عنه في السنن، في قصة الرجل الذي أصابته شجة في رأسه، يعني شرخ رأسه، فعصبه ثم أصابته جنابة، فسألوه عليه -يعني رخصة- قالوا: لا، اغتسل، فمات. فخبر النبي صلى الله عليه وسلم فقال: «قتلوا، قتلهم الله، لقد سألوا إذ لم يعلموا، إن شفاء العي السؤال، إنما كان يكفيه أن يعصب على رأسه خرقة، ثم يمسح عليها، ويغسل ما بقي من جسدي». الحديث قالوا: هذا يدل على مشروعية المسح على الجبيرة، لكن الحديث أصله صحيح، وذكر قوله: «في قوله: ويمسح على رأسه، إنما يكفيه أن يعصب على رأسه خرقة ويمسح عليها»، هذا لم يصح، هذه اللفظة لم تصح في الحديث، فهي ضعيفة. وأيضا حديث علي في السنن حين قال: «إن كسرت إحدى زندي، فسألت النبي صلى الله عليه وسلم، فأمرني أن أمسح عليهما». والحديث ضعيف، شديد الضعف، ولم يثبت في حديث صحيح المسح على الجبيرة. والذي اختلف أهل العلم في المسح على الجبائر، وجمهور أهل العلم كما قلنا على المسح بالجبيرة، استدلالا بهذه الأحاديث لجابر. وعلمنا أنها ضعيفة، وكذلك أيضا قاسوا المسح على الجبيرة بالمسح على الخفين، قالوا: المسح على الخفين يعني رخصة، أجازة الشرع للإنسان أن يمسح عليهما، ما عدا موجود ضرورة للمسح عليها، فالمسح على الجبيرة من باب أولى؛ لأنها تغطي الجرح أو تغطي الكسر، فيحتاج الإنسان إلى فعلها، فالمسح عليها أولى من المسح على الخفين. لكن هذا القياس يعني فيه نظر؛ لماذا؟ للفرق بين المسح على الخفين والمسح على الجبيرة. ومن هذه الفروق أن المسح على الخفين يشترط لبسه على طهارة، بخلاف المسح على الجبيرة. وإن كان يشترطوا ذلك الذين يقولون بالمسح على الجبيرة، كثير منهم يقولون: لا بد أن تلبس على طهارة، وهذا شيء صعب، شيء صعب؛ لماذا؟ الإنسان هو ما يحصل له حادث وتنكسر يده مباشرة يذهب به للطبيب ويجبر يده، ما يقول: يتوضأ، يذهب يتوضأ أولا ثم يذهب يجبرها، هذا الشرط صعب تحصيله. نعم، وكذلك أيضا أن المسح على الخفين يمسح على المدة المحددة شرعا، يمسح على المدة المحددة شرعا، يوم وليل للمقيم، ثلاثة أيام للمسافر، بخلاف الجبيرة، هو سيمسح عليها حتى ينزعها، ربما شهر أو أكثر. كذلك المسح على الخفين يكون في أعلى الخف، والمسح على الجبيرة يكون في سائر الجبيرة، يعني هناك فروق. كذلك أيضا أن المسح على الخفين يمسح في الحدث الأصغر دون الأكبر، وأما المسح على الجبيرة في الحدث الأكبر والأصغر، إذن لا يستوي هنا الأصل والفرع حتى يصح القياس؛ لأن القياس صحيح لا بد فيه من تساوي الفرع مع الأصل في العلة حتى يشمله حكم الأصل. وعلى هذا، هذا جماع من أهل العلم إلى أنه لا يمسح على الجبيرة، لا يمسح على الجبيرة. ومن أصابه كسر في يده أو في أي موضع من مواضع الوضوء أو جرح، ولا يمكنه غسله بالماء، فإنه يسقط غسله، ويغسل ما استطاع من بقية أعضاء الوضوء، يغسل ما استطاع من بقية أعضاء الوضوء. وينظر في هذا إلى الأكثر والأغلب، يعني إنسان حصل له حادث، طيب ينظر: هل غالب أعضاء الوضوء سليمة أو مصابة؟ إن كانت أغلب أعضاء الوضوء مصابة، فيها جروح وكسور نحو ذلك، حينئذ ينتقل إلى التيمم، ينتقل إلى التيمم. وإن كانت أغلب أعضاء الوضوء سليمة، لم يصاب إلا في يده مثلا أو في قدمه أو في قدميه فقط دون بقية الأعضاء، فيغسل الأعضاء السليمة ويترك الأعضاء المجروحة. ما الدليل؟ قول الله عز وجل: ﴿فَاتَّقُوا اللَّهَ مَا اسْتَطَعْتُمْ﴾، ﴿لا يُكَلِّفُ اللَّهُ نَفْسًا إِلا وُسْعَهَا﴾، وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا أمرتكم بأمر فأتوا منه ما استطعتم». وهو الآن قد عجز عن غسل هذا العضو بسبب وجود هذا الجرح أو الكسر، فيسقط غسله. نعم، قال: «مسحه بالماء في الحدث الأكبر والأصغر»، هذا على القول بالمسح على الجبيرة، فإنه يمسح هذه الجبيرة في الحدث الأكبر والأصغر، إذا كانت عليه جنابة، فإنه يمسح على الجبيرة، وهكذا إذا كانت عليه حدث أصغر، فإنه يمسح كذلك عليها. قال: «حتى يبرأ»، يعني هذا الجرح حتى يبرأ هذا الجرح، فحينئذ ينزع الجبيرة ويغسل موضع الوضوء. وينبغي لمن يعني أصابه جرح واضطر إلى وضع جبيرة أو جبس أو نحو ذلك، ألا يتجاوز يعني موضع الجرح والكسر إلا بما يحتاج له في وضع هذا الجبس، يعني مثلا البعض قد يتساهل، يكون الكسر مثلا موضع يسير، مثلا كسر في وسط الذراع أو في هذا الموضع، فيجبر اليد كلها من أولها إلى آخرها، لا، ما يحتاج هذا، لا، بس يضع الجبس شيء زائد عن موضعه، مثلا من الأمام ومن الخلف حتى يحصل جبر للعظم، ولا يكون فيه مبالغة بوضعه في غير موضع يحتاج له. نعم؛ لأن هذا سيضر بطهارته. نعم، فيكون وضع الجبيرة على الموضع الذي يحتاج له، وإن زاد على موضع الجرح والكسر، لا بد أنه سيأخذ زيادة حتى يحصل يعني ربط الجبيرة ووضع الجبس، لكن من غير مبالغة، حيث أنه يوضع في موضع لا يحتاج له في ربط الجبيرة وشد هذا الكسر. قال: «وصفة مسح الخفين أن يمسح أكثر ظاهرهما». نعم، المسح على الخفين أن يمسح أكثر ظاهرهما، هل المسح صفة معينة؟ الجواب لا، قال النبي صلى الله عليه وسلم للمغيرة: «فمسح عليهما»، ما ذكر كيفية معينة. فلو مسح اليمنى بيده اليمنى على قدمه اليمنى، ثم مسح اليسرى بقدمه اليمنى، يصح أنه مسح عليهما. وإن مسح اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، كذلك، أو العكس: مسح اليسرى على اليمنى، ثم اليسرى على اليسرى، كذلك. لكن ظاهر الحديث: «فمسح عليهما»، أنه في وقت واحد، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى، اليمنى على اليمنى واليسرى على اليسرى. ولا يشترط في مسح الخفين الاستيعاب، يعني استيعاب جميع الخف، لا، يمسح الأكثر، أكثر الخفين؛ لأن هذا هو ظاهر المسح. قال: «أن يمسح أكثر ظاهرهما»، يعني أعلى الخف، ما يمسح الباطن، ما يمسح الباطن، يمسح أعلى الخف، هذا الذي صح عن النبي عليه الصلاة والسلام أنه كان يمسح على أعلى الخفين. وصح عن علي رضي الله عنه أنه قال: «كنت أرى أن مسح باطن الخف أولى من أعلى»، حتى رأى النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفيه. «أو أعلى خفيه»، هذا اللفظ هو الثابت عن علي رضي الله عنه، رواه الإمام الدارقطني رحمه الله، وهو من رواية وكيع، وهو أصح الروايات في ذكر أثر علي. المشهور: «لو كان الدين بالرأي، لكان مسح باطن الخف أولى من أعلى»، ولكن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر خفي». نعم، ها، الرواية الصحيحة عنه: «كنت أرى أن مسح أسفل الخف وباطن الخف أولى من أعلى»، حتى رأيت النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على أعلى خفيه. نعم، هذه الرواية هي الأصح من الأولى. فعلي رضي الله عنه يبين أنه كان الأمر بالعقل لكان المسح باطن الخف أولى؛ لماذا؟ لأن الذي يباشر الأرض، الذي يباشر الأرض هو باطن الخف، هو ليس يتسخ، فاحتاج إلى تنظيف. لكن الدين ليس بالعقل ولا بالرأي، وإنما بالاتباع؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم يمسح على ظاهر الخفين، ولم يمسح باطن الخفين، إذن الدين بالدليل والاتباع لا بالآراء، إذن يمسح أعلى الخفين. قال: «وأما الجبيرة فيمسح على جميعها». نعم، القول بالمسح على الجبيرة، يمسح على جميع الجبيرة، من أعلى ومن أسفل، نعم، وعلى جوانبها. طيب هل عندنا شيء يتعلق بهذا من فعل أطباء جراحية؟ نعم، إذا كان ما يستطيع الوضوء، يأتي الأمر أمام. نعم، «فاتقوا الله ما استطعتم». طيب الخفين من أصابع أصابع اليدين في أصابع القدمين، ويمسح الأعلى إلى غاية اليمنى أو اليسرى على اليسرى، مرة واحدة. نعم، ما يتكرر المسح على الخفين، المسح مرة واحدة، هذا قوي، جمهور أهل العلم، مرة واحدة. يمسح على كل الجبيرة في موضع الموجود فيه، كل الجبيرة تمسح، موضع الوضوء. نعم، الموضع الذي فيه الوضوء، أما ما زاد، ما يدخل في الوضوء، الذي يغطي موضع الوضوء، أكثر الظاهر، أكثر الظاهر، يعني لا يستوعب، ليس الشرط يستوعب كل الظاهر، كل الظاهر، الأكثر، يعني بعض المواضع ما يصل لها شيء من المسح، ما عليه شيء. أنا لم أمسح الآن كذا؛ لأن هذا الموضع ما أصابه شيء. هذه المواضع أيضا الجوارب ما يصيبها شيء، لكن تمسح الأعلى أو الأكثر، الأكثر يمسح، والباقي ما يجب مسحه. بخلاف من قال: يجب مسح كل الظاهر، ستمسح هكذا وهكذا حتى تمسح الظاهر كله، لا؛ لأنه قال: «مسح عليهما»، ظهر المسح أنه هكذا، يعني يكون المسح الأكثر، فالباقي ما يضر عدم وصول المسح إليه؛ لأنه هو يعني المسح على الخفين من باب الرخصة والتيسير والتخفيف، فيسر في مسحه أيضا، لم يؤمر بالاستيعاب. طيب قال رحمه الله: «باب نواقض الوضوء، وهي الخارج من السبيلين مطلقا، والدم الكثير ونحوه، وزوال العقل بنوم أو غيره، وأكل لحم الجزور، ومس المرأة بشهوة، ومس الفرج، وتغسيل الميت، والردة». ويتحبط الأعمال كلها بقول تعالى: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ أَوْ لَامَسْتُمْ النِّسَاءَ﴾. وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أن توضع من لحوم الإبل؟ فقال: نعم». رواه مسلم. فقال في الخفين: «ولكن من غائط وبول ونوم». رواه النسائي والترمذي وصححه. بعد أن ذكر رحمه الله الوضوء وصفته، والمسح على الخفين والجبيرة، ذكر هنا باب نواقض الوضوء، يبين رحمه الله أن الوضوء إذا حصل وتم، فهناك يعني نواقض إذا وقعت من الإنسان انتقض هذا الوضوء وبطل هذا الوضوء. هو النواقض، جمع ناقض، والنقض: حل المبرم، يعني فك الشيء المربوط، يقال: نقض الحبل إذا فكه وحله. ونواقض الوضوء، أي مبطلات الوضوء، الوضوء فالإنسان إذا أحدث انتقض وضوءه، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لا يقبل الله صلاة أحدكم إذا أحدث حتى يتوضأ». وقال: «لا يقبل الله صلاة بغير طهور». فالوضوء له نواقض إذا وجدت بطل الوضوء، ووجب عودته. ما قال: «وهي الخارج من السبيلين مطلقا». الخارج من السبيلين، المراد بالسبيلين: القبل والدبر، القبل والدبر. وقوله: «مطلقاً»، يعني سواء كان الخارج مما يعتاد خروجه أو مما لا يعتاد خروجه. أما المعتاد خروجه، كالبول والغائط والمذي والودي والمني. نعم، البول والغائط معروف، والله عز وجل يقول: ﴿أَوْ جَاءَ أَحَدٌ مِنْكُمْ مِنْ الْغَائِطِ﴾ في الأمر بالوضوء، وكذلك أيضا انتقاض يعني الوضوء بالبول، كذلك من باب أولى؛ فالغالب أن الإنسان إذا تغوط فإنه يخرج منه البول. نعم، ولحديث كثير واردة في ذلك، بل أجمع أهل العلم على نقض الوضوء بخروج البول والغائط. وهكذا أيضا المذي؛ لأنه أمر الإنسان بالغسل منه في حديث علي رضي الله عنه في الصحيحين: «كنت رجلا مذاء، فاستحييت أن أسأل رسول الله، فأمرت المقداد بن الأسود أن يسأله، فسأله، فقال: يغسل ذكره ويتوضأ». والمذي يعني ماء رقيق، ماء رقيق يخرج عند التفكر في الجماع أو عند حصول مقدمات الجماع. وهكذا الودي، وهو ماء غليظ أبيض يخرج بعد البول، ماء غليظ أبيض يخرج بعد البول. والمني، وهو ما يجب الغسل، سيأتي في مبطلات الغسل. وإذا خرج انتقض الطهارة. طيب هذا الآن أشياء يعتاد خروجها، أشياء يعتاد خروجها: البول، الغائط، المذي، الودي. طيب الريح، الضراط، نعم، هذه أشياء يعتاد خروجها. سئل أبو هريرة رضي الله عنه: ما الحدث؟ لما ذكر الحديث: «إذا احدث حتى يتوضأ»، فقال: فساء أو ضراط، هذا من باب التمثيل، من باب التمثيل، إلا يعني كل ما ينتقض به الوضوء فهو حدث، لكن ذكر له الفساء والضراط. طيب الخارج من السبيلين أيضا الريح، الريح والضراط، إذا خرج الريح من القبل، الغالب أن الريح يخرج من الدبر، إذا خرج من القبل، وهذا يحصل كثير للنساء، يحصل كثير للنساء، حينما يخرج منها ريح من قبلها، وخاصة عند الحمل، فاختلف أهل العلم يعني في خروج الريح من القبل. والراجح أنه لا ينتقض به الوضوء، لا ينتقض به الوضوء؛ لأن هذا الخارج ليس هو الريح الذي ينتقض به الوضوء، وإنه عبارة عن إفرازات واضطرابات تحصل للمرأة بسبب السوائل، فهو عبارة عن يعني فرقعات تخرج، فلا ينتقض بها الوضوء. نعم، بخلاف لو خرج من الدبر، فهذا الذي يحصل به النقض، هذا الذي يحصل به النقض. والإمام الحازمي رحمه الله يقول: يعني إن الفساء والضراط لا يسمى خسة وضراط إلا إذا خرج من الدبر، إلا إذا خرج من الدبر. لكن إذا خرج على هيئة خروجه من الدبر، يعني مثل ما يخرج من الدبر في الصوت، في الرائحة أو كذا، فحينئذ تتوضأ. أما كان مجرد صوت، يعني أو إفرازات تخرج، ليس لها يعني رائحة، فهنا لا يكون يعني ناقضا للوضوء. طيب هذه الأشياء المعتادة، غير المعتاد، كالدود والحصاة إذا خرج من الإنسان، هل ينتقض وضوءه؟ في هذا خلاف من أهل العلم، منهم من قال: ينتقض، ومنهم من قال: لا ينتقض. والراجح أنه ينتقض، ينتقض به الوضوء؛ لأن الغالب أن هذه أشياء تخرج وهي مبللة، تخرج مبللة، فيها أثر يعني للنجاسة. وعلى هذا فينتقض بها الوضوء. ولهذا قال رحمه الله: «الخارج من السبيلين مطلقا»، يعني سواء كان مما يعتاد خروجه أو مما لا يعتاد خروجه، فيحصل به النقض. هكذا الدم إذا خرج من السبيلين، كذلك ينتقض به الوضوء، كدم الحيض والنفاس. قال رحمه الله: «والدم الكثير ونحوه». الدم الكثير يقول: الدم الكثير إذا خرج يعني من غير السبيلين، أما من السبيلين فهو ناقض، إذا خرج من غير السبيلين، كالرعاف، خروج الدم من الأنف، أو جرح جرح الإنسان في موضع من جسده فخرج الدم، دم كثير. يقول: ينقض الوضوء، ما هو الدليل على النقض؟ ليس هناك دليل يعني صحيح يدل على أن الوضوء ينتقض بخروج الدم من غير السبيلين. بل هناك ما يدل على عدم النقض، من قصة الأنصاري الذي كان في غزوة ذات الرقاع يحرس، وأصيب بأسهم وهو يصلي، ويخرج منه الدم وهو مستمر في صلاته، مستمر في صلاته، ولم ينكر عليه النبي عليه الصلاة والسلام. وهكذا الحسن البصري رحمه الله يقول: «ما زال المسلمون يصلون بدمائهم». ذكر هذا الأثر في صحيح معلقا. نعم، فلا دليل على نقض الوضوء بخروج الدم، ولو كان كثيرا. وهكذا عمر رضي الله عنه لما طعن، جعله يصلي، وجرحه يعني ينزف دما. قال: «والدم الكثير ونحوه»، ما هو نحو الدم؟ كالقيح أو الصديد أو القي. نعم، يقول: إن هذه الأشياء كذلك يحصل بها النقض، نقض الوضوء. إنسان قاء قبل القي، النسبة للصديد والقيح، لا دليل على نقض الوضوء بخروجه. إنسان عنده حبة أو جرح ف ضغط عليها فخرج شيء من الوسخ، وسخ من القيء، وكذا، هل ينتقض وضوءه؟ الجواب لا، لا ينتقض. نعم، وهكذا أيضا بالنسبة للقيء، لأنه ينقض الوضوء، واستدل بحديث ثوبان أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ، أنه قاء فتوضأ، والحديث صحيح، وفي السنن. لكن لا دليل فيه على نقض الوضوء بالقيء، يعني كون النبي صلى الله عليه وسلم قاء فتوضأ، هل يدل على أن القيء ينقض الوضوء؟ الجواب لا؛ لماذا؟ الاحتمال أن النبي صلى الله عليه وسلم قاء، وكان في تلك الحالة غير طهارة، فتوضأ بعده، أو يعني شعر بشيء من الضعف، أراد أن يتقوى فتوضأ. نعم، فلا يدل يعني الحديث على أن القيء ناقض للوضوء، لا يدل على أنه ناقض للوضوء، وهو مجرد فعل، مجرد فعل. وفعل النبي عليه الصلاة والسلام لا يدل على الوجوب، وإنما يدل على الاستحباب، ممكن نقول هنا: يستحب لمن قاء أن يتوضأ، هذا أقل ما يدل عليه الحديث؛ لأنه مجرد فعل. لو أن سيدنا قاء فتوضأ، إذا حصل لكم متذاك فتوضأ، أو من قاء فليتوضأ. نعم، قد يقول هنا: يجب، لكن مجرد فعل، هذا لا يدل على الوجوب، أقل ما يدل على الاستحباب، استحباب الوضوء بعد القيء، للوجوب. نعم، قال: «وزوال العقل بنوم أو غيره»، أيضا من نواقض الوضوء، زوال العقل، إذا زال العقل بإغماء أو جنون أو السكر سكرا حتى زال عقله، فهنا ينتقض وضوءه، هذا باتفاق أهل العلم، أن زوال العقل ناقض للوضوء. وقد يستدل بهذا على هذا في حديث النبي صلى الله عليه وسلم في مرض موته، لما كان يغمى عليه، فإذا أفاق قال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، فيتوضأ، ثم يغمى عليه، فإذا أفاق قال: «ضعوا لي ماء في المخضب»، فيتوضأ، الحديث، هذا يدل على أن الإغماء وزوال يعني العقل ناقض للوضوء. واختلف أهل العلم في النوم، اختلف أهل العلم في النوم: هل هو ناقض للوضوء أم لا؟ طبعا فيه أقوال عديدة، وأرجح هذه الأقوال هو التفصيل، وهو إذا كان النوم نوم مستغرق، بحيث أن الإنسان لا يشعر بما يحصل له، ولا يشعر بمن حوله، فهذا ينتقض به الوضوء، هذا ينتقض به الوضوء. وأما إذا كان النوم يعني خفيف، كالنعاس هو بدايات النوم، فهذا لا ينتقض به الوضوء. وبها تجتمع الأدلة. ما الدليل على نقض الوضوء بالنوم؟ أدلة من ناحية: حديث صفوان بن عسال، قال: «ولكن من غائط وبول ونوم»، أي أن نمسح الخفين، والغائط والبول يعني ناقضان للوضوء بالإجماع، وقرن معهما النوم، فيدل على أن النوم ناقض للوضوء. وهكذا أيضا حديث أبي هريرة: «يستيقظ أحدكم من نومه فليجعل في أنفه ماء ثم لينتثر»، في الحديث الآخر: «في الحديث الآخر في ناحية: يغسلها ثلاثا»، يعني أمر المستيقظ من النوم بماذا؟ بالوضوء، أمر بالوضوء، يقوم من النوم يتوضأ، معنى هذا أن النوم ناقض للوضوء. وفي حديث علي، ومعنى حديث معاوية: «وإن كان فيه مضعف العينان وكاء السهل»، فإذا نامت العينان استطلق الوكاء، العينان وكاء السهل، الوكاء: الرباط، الرباط القربة. نعم، إذا نامت العينان استطلق الوكاء، يعني كون الإنسان مستيقظ، هذا استيقاظه وانتباهه كالرباط، كالرباط لمؤخرته، يشعر ويحس بما يخرج منه، فإذا نامت العينان، انفك الرباط، فلا يشعر بشيء. الحديث ضعيف، لكن معناه صحيح. طيب لماذا قلنا: أن النوم مستغرق؟ لأنه صح في حديث أنس في الصحيح: أن الصحابة كانت تخفق رؤوسهم، ثم يصلون ولا يتوضؤون، ثم يصلون ولا يتوضؤون، فهذا يحمل على ماذا؟ على بدايات النوم، كالنعاس، أن يبدأ النوم ينعس، يخفق رأسه، وهكذا، وهو صحيح، يعني يشعر بنفسه، لم يستغرق في النوم بعد، مثل هذا لا يتوضأ به الوضوء؛ لماذا؟ لأن النوم هو في حد ذاته ليس ناقض، وإنما هو مظنة للحدث، النوم مظنة للحدث. ولذلك لم يحصل به النقض يعني مطلقا، وإنما إذا استغرق فأصبح لا يشعر بنفسه، نام نوما عميقا فأصبح لا يشعر بنفسه، هذا ينتقض وضوءه. أما بدايات النوم فهو يشعر بنفسه، لو أحدث أو خرج منه شيء سينتبه، فلهذا إذا كان النوم خفيف لا ينتقض به الوضوء، وإذا كان النوم مستغرق فهذا الذي ينتقض به الوضوء، هذا هو أرجح الأقوال في نقض الوضوء بالنوم. صلى الله عليه وسلم عن أبينا محمد، أهلي وصحبه أجمعين. اشتركوا في القناة.