الدرس في كتاب الطهارة 12، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش نواقض الوضوء كما ذكرها العلامة السعدي وأدلتها الشرعية من القرآن والسنة. يشمل ذلك أكل لحم الإبل ومس المرأة والردة.
يشرح موجبات الغسل مثل الجنابة وخروج دم الحيض والنفاس وموت غير الشهيد. كما يوضح صفة الغسل الواجب التي تشمل غسل جميع البدن.
يتناول أسباب وجوب الغسل مثل رؤية الماء بعد النوم والاحتلام والتقاء الختانين. يُشرح كل سبب مع الأدلة الشرعية من القرآن والسنة.
يتناول أحكام الاغتسال في الإسلام، بما في ذلك الأغسال الواجبة والمستحبة مثل غسل الجمعة وغسل العيدين ودخول مكة.
بسم الله الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، أما بعد. قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في باب نواقض الوضوء، بعد أن ذكر نواقض الوضوء الخارج من السبيلين مطلقا، والدم الكثير ونحوه، وزوال العقل بنوم أو غيره، ثم قال: وأكل لحم الجزور. أكل لحم الجزور -يعني الإبل- فأكل لحم الجزور ناقض من نواقض الوضوء، وهو الصحيح لحديث جابر بن سمرة رضي الله عنه في مسلم، وحديث البراء في السنن. حديث جابر بن سمرة أن رجلا سأل النبي عليه الصلاة والسلام: «أنا توضأ من لحوم الغنم؟ قال: إن شئت فتوضأ، وإن شئت فلا تتوضأ. قال: أنا توضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم توضأ من لحوم الإبل». وحديث البراء أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «توضأوا من لحوم الإبل». فهذان الحديثة يدلان على نقض الوضوء بأكل لحم الإبل. وهل هذا الحكم يشمل جميع أجزاء الإبل -يعني اللحم والكرش والأمعاء والكبد-؟ الصحيح أنه يشملها، سواء أكل اللحم من الإبل أو أكل الكبد أو الكرش أو نحوها من بقية الأجزاء. وذلك أن الله عز وجل لما ذكر تحريم لحم الخنزير، قال: «لحم خنزير فإنه رجز». وبالإجماع أن جميع أجزاء الخنزير محرمة -لحم الخنزير وكبده وكرشه وأمعاءه- فإنه يشملها الحكم، مع أن الله ما ذكر إلا اللحم. فهذا يدل على أن ذكر اللحم في هذا الحديث لا يدل على أن غير اللحم من بقية الأجزاء أنه لا يشملها الحكم، بل يشمل الجميع، وذكر اللحم من باب التغليب. على هذا، فإذا أكله -يعني لحم الجزور- أو أكل من كبدها أو كرشها أو ذلك من أجزائها، فإنه يحصل به النقض. طيب، إذا شرب من مرقها -شرب مرق لحم الإبل- هل ينتقض به الوضوء؟ فيقال: إن كان في هذا المرق قطع من اللحم، فينتقض به الوضوء. ومن كان صافيا ليس فيه شيء من أجزاء اللحم، فلا ينتقض؛ لأن المرق ليس بلحم. طيب، لبن الإبل إذا شرب لبن الإبل، هل ينتقض به الوضوء؟ الجواب: لا؛ لأن اللبن ليس بلحم، اللبن ليس بلحم. قال: وأمس المرأة بشهوة، ومس الفرج. مس المرأة بشهوة -سواء كانت المرأة أجنبية أو كانت محرما- ما هو الدليل على ذلك؟ بقول الله عز وجل: «أو لامستم النساء». قال: المرأة باللمس -لمس البشرة للبشرة- وقالوا: بشهوة؛ لأن حصول اللمس بالشهوة مظنة لخروج شيء ينتقض به الوضوء. وأما إن كان بغير شهوة، فلا ينتقض به الوضوء، هذا قول. وقول آخر: أن مطلق اللمس ينتقض به الوضوء -أن مطلق اللمس ينتقض به الوضوء- لعموم الآية: «أو لامستم النساء». قالوا: سواء كان بشهوة أو غير شهوة. والقول الثالث: أن لمس المرأة لا ينتقض به الوضوء -سواء كان بشهوة أو بغير شهوة- وهذا هو الراجح، أن مس المرأة لا ينتقض به الوضوء مطلقا، إلا إذا خرج شيء. إذا كان حصل المس بشهوة وخرج شيء -كمذي مثلا- وانتقض الوضوء بخروج المذي. ما هو الدليل؟ الدليل أن النبي عليه الصلاة والسلام صح عنه أنه مس عائشة في الصلاة، أنه مسها وهو في الصلاة، في حديث عائشة: «أنه كان يصلي معترضة أمامه، فكان إذا سجد غمزها -يعني لمسها بيده- في قدمها في وضع بدنها حتى ترفع قدميها». قالت: «والبيوت يومئذ ليست فيها مصابيح». قالت: «فإذا غمزني قبضت رجلي، وإذا قام بسطتهما وأصلينا». ومع ذلك ما خرج من الصلاة. أما الآية: «أو لامستم النساء»، فالمراد بالمس هنا الجماع، ليس مجرد اللمس، المراد به الجماع كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. وإطلاق لفظ المسيس في القرآن كثير، ويراد به الجماع، يراد به الجماع، كما في قول الله عز وجل: «أيها الذين آمنوا إذا نكحتم المؤمنات ثم طلقتموهن من قبل أن تمسوهن». أي: من قبل الجماع. إذا المراد بالآية هو الجماع، وليس مجرد اللمس. إذا مس المرأة لا ينتقض به الوضوء. قال: ومس الفرج. المراد بالفرج: القبل والدبر، القبل والدبر. والمراد كذلك بنقض الوضوء بمس الفرج: فرج الآدمي. أما غير الآدمي، فلا ينتقض به الوضوء باتفاق. مس فرج غير الآدمي لا ينتقض به الوضوء باتفاق. ما هو الدليل على أن مس الفرج ينتقض به الوضوء؟ أحاديث وردت في هذا الباب، منها حديث بسرة بن صفوان رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس فرجه فليتوضأ». نعم، جاء بهذا اللفظ عند الإمام النسائي. واللفظ المشهور: «من مس ذكره فليتوضأ». وهكذا يرويه عمر بن شعيب عن أبيه عن جده أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «أيما رجل مس فرجه فليتوضأ، وأيما امرأة مست فرجها فلتتوضأ». نعم، الحديث رواه الإمام الترمذي وأبو داود وغيرهما، هو حديث صحيح. وكذا يرويه ثمامة بن حبيب رضي الله تعالى عنه أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من مس فرجه فليتوضأ». رواه الإمام البيهقي. فهذه الأحاديث تدل على نقض الوضوء بمس الفرج. والمراد بمس الفرج: يعني مسه باليد، مسه باليد. وسواء كان بباطن الكف أو بظاهر الكف على الصحيح؛ لأن اليد إذا أطلق يراد بها الباطن والظاهر، يراد بها الباطن والظاهر. فعلى هذا يحصل النقض سواء كان بباطن الكف أو بظاهر الكف. وبعضهم يقول: أن النقض إنما يكون بباطن الكف فقط. واستدلوا بحديث أبي هريرة: «إذا أفضى أحدكم بيده إلى فرجه فليتوضأ». قالوا: والإفضاء لا يكون إلا بباطن الكف. لكن الصحيح: أنه على الاختلاف في صحة هذا الحديث -منهم من يضعفه، ومنهم من يصححه- لكن على صحة الحديث، فالمراد بالإفضاء هو وصول اليد إلى الفرج -سواء كان ذلك بباطن الكف أو كان بظاهر الكف-. نعم، إذا مس الفرج ينتقض به الوضوء. إذا توضأ الإنسان ثم مس فرجه. والمراد بمس الفرج: بغير حائل، بغير حائل؛ أنه لا يكون -يعني المس- واقعا إلا إذا كان بغير حائل، تمس البشرة بشرة اليد بشرة الفرج. أما إذا كان من وراء حائل -يعني من فوق الثوب مثلا- فهذا لا ينتقض به الوضوء، لا ينتقض به الوضوء. وإنما ينتقض إذا كان من غير حائل. قال: وتغسيل الميت. قال: وتغسيل الميت -أي من نواقض الوضوء- تغسيل الميت إذا غسل الإنسان ميتا فإنه ينتقض وضوءه. استدل بحديث: «من غسل ميتا فليغتسل، ومن حمله فليتوضأ». وهذا الحديث فيه -يعني اختلاف صحته- وعلى فرض صحته، فقد جاء ما ينقل هذا الأمر من الوجوب إلى الاستحباب، وهو قول النبي عليه الصلاة والسلام: «إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم». وكذلك أثر عمر: «كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل». فدل هذا على عدم وجوب الغسل من غسل الميت، وأن غسل الميت لا ينتقض به الوضوء. هذا والصحيح أن غسل الميت لا ينتقض به الوضوء. قال: والردة. والردة -ويتحبط الأعمال كلها- يعني من وقع الوضوء: وقوع الإنسان في الردة -أي الرجوع عن دين الإسلام- فإذا حصل ذلك حبطت أعماله كلها، ومنها الوضوء؛ الوضوء عمل من الأعمال، وطاعة من الطاعات. والأظهر هو عدم انتقاض الوضوء بالردة؛ لأن الله عز وجل يقول: «ومن يرتدد منكم عن دينه فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم في الدنيا والآخرة». والله عز وجل رتب هنا حبوط الأعمال بالردة بالموت عليها، إذا مات على الردة. نعم: «فيمت وهو كافر فأولئك حبطت أعمالهم» إذا مات على هذا الحال. وعلى هذا فلا يعني ينتقض الوضوء بالوقوع في الردة لعدم الدليل على ذلك. قال رحمه الله: لقوله تعالى: «أو جاء أحد منكم من الغائط أو لامستم النساء». هذه الآية فيها دليل على نقض الوضوء بخروج الغائط، وألحق به كل ما كان في معناه أو في حكمه مما يخرج من الإنسان من قبله أو دبره، فإنه ينتقض به الوضوء. أو قوله: «أو لامستم النساء» استدل بها على نقض الوضوء من لمس النساء، وعلمنا أنه المراد باللمس: الجماع. قال: وسئل النبي صلى الله عليه وسلم: «أنا أتوضأ من لحوم الإبل؟ قال: نعم». رواه مسلم، حديث جابر بن سمرة. طيب، لماذا أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالوضوء من لحم الإبل ولم يأمر بالوضوء من لحم الغنم؟ الصحيح أن هذا الأمر تعبدي، أن هذا الأمر تعبدي لا تعلم حكمته. ولهذا لا يلحق غير الإبل -يعني من الحيوانات- بنقض الوضوء من أكل لحمها. بعضهم ألحق النعامة، قال: النعامة إذا أكلت فينتقض بها الوضوء؛ لأن -يعني- الصحابة قضوا بأن في قتل النعامة في حال الإحرام أن ما يماثلها من الطيور هي الإبل، إذن تأخذ حكمها تأخذ حكمها في أكل لحمها، فينتقض بها الوضوء. والصحيح أنه ليس كذلك؛ لأن نقض الوضوء من أكل لحم الإبل هذا الأمر تعبدي. ومنهم من قال: لأنها -يعني الإبل- فيها الشيطنة كما جاء في حديث: «رغوة خرقة من الشياطين»، فتكون فيها حرارة بإحتاج إلى أن يتوضأ حتى يطفئ هذه الحرارة، إلى آخر ذلك. هذه كلها -يعني- استنباطات ليس عليها دليل. فالشرع فرق بين لحم الإبل وبين لحم الغنم، أمرنا أن نتوضأ من لحم الإبل، ولم يأمرنا بالوضوء من لحم الغنم، فنحن متعبدون بهذا الأمر. قال: وقال في الخفين: «ولكن من غائط وبول ونوم». رواه النسائي والترمذي وصححه. أراد الاستدلال بهذا الحديث على نقض الوضوء من النوم؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم قرن النوم هنا بذكر الغائط والبول، والغائط والبول ناقضان للوضوء باتفاق، فدل هذا على أن النوم كذلك ينتقض به الوضوء. لكن علمنا أن النوم الذي ينتقض به الوضوء هو النوم المستغرق -النوم المستغرق- الذي لا يشعر الإنسان بنفسه وما يدور حوله. أما النعاس أو النوم القليل، فهذا لا ينتقض به الوضوء. طيب، عنده شيء يتعلق بهذا الباب: شيء ذكر في حديث: «ما ينتقض به الحيض من علي». «إنما هو بضعة منك». حديث مختلف في صحته، كثير من الحفاظ على تضعيفه على تضعيف الحديث. وعلى القول بصحته، فحديث بسرة مقدم عليه؛ لأن حديث بسرة ناقل عن الأصل، وحديث طلق موقع على الأصل. الأصل أن الإنسان إذا مس أي موضع من بدنه لا ينتقض به الوضوء، هذا الأصل. لو مس الإنسان رأسه، مس وجهه، مس يده، مس قدمه، لا ينتقض به الوضوء. كذلك إذا مس فرجه، الأصل أنه لا ينتقض به الوضوء -يعني- فقوله: «إنه بضعة منك» هذا على الأصل. لكن لما جاء حديث بسرة: «أن مس الفرج حكمه يختلف عن بقية أعضاء الجسد»، هذا الحكم نقل هذا الأصل عن أصله، وأنه إذا مس فرجه انتقض به الوضوء، ليس كأي موضع من بدنه. وحينئذ قال أهل العلم: بأن الناقل على الأصل مقدم على المبقي على الأصل؛ لأن الناقل على الأصل معه زيادة علم، فيكون قوله مقدم. فيكون حديث بسرة وما كان مثله هو الأرجح والمقدم على حديث طلق بن علي. طيب، رحمه الله. باب ما يوجب الغسل وصفته. قالوا: يجب الغسل من الجنابة، وهي إنزال المني بوطء أو غيره، أو بالتقاء الختانين، وخرود دم الحيض والنفاس، وموت غير الشهيد، وإسلام الكافر. قال تعالى: «وإن كنتم جنبا فاتطهروا». وقال تعالى: «ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله». أي: إذا اغتسلن. وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل من تغسيل الميت، وأمر من أسلم أن يغتسل. قالوا: أما صفة غسل النبي صلى الله عليه وسلم من الجنابة، فكان يغسل فرجه أولا، ثم يتوضأ وضوءا كاملا، ثم يحثي الماء على رأسه ثلاثا يرويه بذلك، ثم يفيض الماء على سائر جسده، ثم يغسل رجليه من محل آخر. والفرض من هذا: غسل جميع البدن، وما تحت الشعور القليلة والكثيفة. والله أعلم. هذا باب: باب ما يوجب الغسل وصفته -أي صفة الغسل الواجب-. قول: ما يوجب الغسل: هناك أشياء إذا فعلها الإنسان أو وقعت منه، وجب عليه أن يغتسل. قال: ويجب الغسل من الجنابة. إذا كان جنبا، كيف أو متى يصير الإنسان جنبا؟ قال: وهي إنزال المني بوطء أو غيره، أو بالتقاء الختانين. إنزال المني بوطء -يعني بجماع- يجامع الرجل أهله، أو إذا حصل منه الجماع على جهة صفة محرمة -كالزنا أو اللواط- وإن كان محرما، لكنه يعتبر جنبا إذا خرج منه المني. المني: ما أبيض غليظ يخرج من الرجل بتدفق ولذة وشهوة، ويعقبه فتور، ويعقبه فتور. ويخرج من المرأة كذلك على صفة -يعني ماء رقيق أصفر- وأيضا يعقبه فتور، ويخرج بتدفق ولذة. ورائحة المني إذا كان رطبا كطلع النخل، رائحته إذا كان رطبا كطلع النخل. وهكذا أيضا رائحة مني المرأة. هذا المني إذا نزل من الإنسان على جهة الوطء، فإنه يصير جنبا لقول النبي عليه الصلاة والسلام: «إنما الماء من الماء». حيث سعيد الخدري رضي الله عنه في صحيح الإمام مسلم: «إنما الماء من الماء». أي: ماء الغسل من ماء المني، ماء الغسل من ماء المني. والله عز وجل يقول: «وإن كنتم جنبا فاتطهروا». «وإن كنتم جنبا فاتطهروا». قال: إنزال المني بوطء أو غيره. غير الوطء -كالاحتلام أو النظر- يعني نظر بشهوة حتى أنزل، صار جنبا، ووجب عليه أن يغتسل. والمحتلم: لحديث أم سلمة: «قالت: يا رسول الله، هل على المرأة من غسل إذا هي احتلمت؟ فقال: نعم، إذا رأت الماء». قال: «نعم، إذا رأت الماء». فعلق النبي صلى الله عليه وسلم حكم الغسل بالاحتلام بخروج الماء، والمراد بالماء: المني. والمحتلم له أحوال: الحالة الأولى: أن يحتلم ويرى بللا -يرى المني- هنا يجب عليه أن يغتسل باتفاق. يذكر احتلاما ويرى بللا، واجب عليه أن يغتسل باتفاق. الحالة الثانية: أن يرى البلل ولا يذكر احتلاما -يقوم من النوم وإذا بالماء في ثوبه- ومؤكد أن هذا مني، واجب عليه أن يغتسل لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إنما الماء من الماء»، ولقوله: «نعم، إذا رأت الماء»، «نعم، إذا رأت الماء». طيب، الحالة الثالثة: إذا احتلم ولم ير ماء -يذكر أنه احتلم في نومه- المراد بالاحتلام: يعني أنه يرى أنه يجامع، أنه يجامع امرأة في حال نومه. والمرأة ترى أن رجل يجامعها. طيب، يذكر احتلام، لكن استيقظ ولم يجد أثرا للماء -ما في مني- الثوب يابس، ما في شيء. هنا لا يجب عليه الغسل، لا يجب عليه الغسل. وهذا أيضا قول عامة العلم؛ لأن الحكم كما قلنا معلق بوجود الماء. نعم، وجاء في حديث في السنن -حديث أنس وغيره- وصحة الشيخ الألباني رحمه الله: أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن الرجل يذكر احتلاما ولا يرى بللا، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «ليس عليه غسل». وسئل عن الرجل يرى بللا ولا يذكر احتلاما، قال: «عليه الغسل». الحالة الرابعة: أنه يرى بللا ولا يذكر احتلام، وشك في هذا البلل: هل هو مني أو ليس بمني؟ شك في هذا البلل: هل هو مني أو ليس بمني؟ الراجح أنه ليس عليه غسل؛ إذا شك في هذا الماء أنه مني أو ليس بمني، فالأصل عدم المني. وهذا قول جمهور أهل العلم، هذا قول جمهور أهل العلم. الأصل أنه ليس بمني، وحينئذ لا يجب عليه الغسل. على أن الجمهور يقولون: الأحرى أنه يغتسل، يقولون: الأحرى أنه يغتسل، لكن ليس بواجب عليه. قال: أو بالتقاء الختانين. التقاء الختانين: يعني ختان الرجل وختان المرأة. ختان الرجل: وهي اللحم التي تكون في الحشفة في رأس الذكر. وختان المرأة: في أعلى فرجها لحمة -كعرف الديك-. والمراد بالتقاء الختانين: أي تغييب حشفة الذكر في فرج المرأة -تغييب حشفة الذكر في فرج المرأة- يعني أن يغيب رأس الذكر كاملا في فرج المرأة، هذا الذي يجب به الغسل. أما لو حصل إيلاج -يعني جزء من رأس الذكر- فهذا لا يجب به الغسل. ما هو الدليل على وجوب الغسل بتلاقي الختانين؟ قال: النبي عليه الصلاة والسلام حيث أبي هريرة في الصحيحين: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل». في رواية لمسلم: «وإن لم ينزل». فإن لم ينزل. فإذا حصل الجماع وحصل الإيلاج، فهنا يجب الغسل وإن لم يحصل إنزال. وجاء في رواية مسلم: «إذا جلس بين شعبها الأربع والتقى الختان بالختان فقد وجب الغسل». نعم، وجاء أيضا بلفظ: «إذا التقى الختانان فقد وجب الغسل». إن قال: أليس النبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إنما الماء من الماء». وهنا كيف يجب الغسل من غير الماء؟ نقول: هذا الحديث لأبي هريرة في وجوب الغسل من مجرد الجماع من غير إنزال الماء هو ناسخ لمفهوم حديث أبي سعيد: «إنما الماء من الماء». يعني منطوقه: وجوب الغسل بنزول المني. مفهومه: إن لم ينزل المني فلا يجب الغسل. نقول: هذا المفهوم نسخ بحديث أبي هريرة، نسخ بحديث أبي هريرة: «إذا جلس بين شعبها الأربع ثم جهدها فقد وجب الغسل». وكان في أول الأمر -في أول الإسلام- مجرد الجماع من غير إنزال لا ينتقض به، لا يجب به الغسل، وإنما يجب به الوضوء فقط. جاء في حديث عثمان، وحديث أبي بن كعب. وساق الإمام مسلم رحمه الله بصحيحه قبل ذكر الحديث الناسخ -كحديث أبي هريرة وغيره-: هذا كان في أول الأمر؛ أنه إذا جامع ولم ينزل ليس عليه غسل، إنما يتوضأ فقط. ثم جاء الأمر بالغسل في الأحاديث الأخرى، فالأمر بالغسل من الجماع من غير إنزال ناسخ للأحاديث عدم وجوب الغسل في أول الأمر. إذن يجب الغسل بكون الإنسان جنبا بنزول المني بوطء أو غيره، أو بالتقاء الختانين -يعني إذا حصل الجماع- فإنه يكون بذلك جنبا، وإن لم يحصل إنزال، وإن لم يحصل إنزال. والمراد بالإيلاج: سواء كان الإيلاج بحائل أو غير حائل، حتى لو كان بحائل فإنه يحصل به وصف الجنابة، ويجب عليه الغسل. لكن إذا كان الإيلاج بغير الذكر -إذا كان الإيلاج بغير الذكر- فلا يجب الغسل، لا يجب الغسل. قال: وخروج دم الحيض والنفاس. كذلك إذا خرج دم الحيض من المرأة، بدأ الدرس. قال: وخروج دم الحيض والنفاس كذلك. خروج دم الحيض يوجب الغسل بقول الله جل وعلا: «ويسألونك عن المحيض قل هو أذى فاعتزلوا النساء في المحيض ولا تقربوهن حتى يطهرن فإذا تطهرن فأتوهن من حيث أمركم الله». فقوله جل وعلا: «حتى يطهرن» يعني ينقطع الدم. فإذا تطهرن -كما قال ابن عباس- إذا اغتسلن فأتوهن من حيث أمركم الله. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول للمستحاضة: «إذا أقبلت الحيضة فدع الصلاة، وإذا أدبرت فاغسل عنك الدم ثم صلي». والحديث في الصحيحين. نعم، وهكذا أيضا كذلك حكم النفاس؛ فحكمه حكم الحيض. والنفاس: أو دم الحيض أولا -يعني دم طبيعة- يخرج من المرأة في أيام معدودة في الغالب، وهو دم أسود له رائحة كريهة، يخرج من قعر الرحم، ولا يتجمد، ولا يتجمد إذا خرج. وسأتي له باب -يعني مستقل- باب الحيض. وهكذا النفاس: وهو الدم الخارج من المرأة بعد الولادة -الدم الخارج من المرأة بعد الولادة- إذا ولدت المرأة ونفست، وجب عليها أن تغتسل عند طهرها وانقطاع دم النفاس. وحكم النفاس في غالب الأحكام كحكم دم الحيض. فإذا ولدت من غير خروج دم، لا يجب عليها الغسل، هذا نادر. وإن كان الفقهاء يذكرون ذلك: لو أن امرأة وضعت ولم يخرج منها دم، فليس عليها غسل؛ بعدم وجود العلة الموجبة للغسل، وهو خروج الدم. قال: وموت غير الشهيد. موت غير الشهيد -يعني إذا مات الإنسان المسلم وهو غير شهيد- لم يمت في أرض المعركة، وجب عليه أن يغسل بقول النبي عليه الصلاة والسلام في ابن عباس: قصة الرجل الذي وقصته ناقته فمات، قال: «اغسلوه بماء وسدر وكفنوه في ثوبي الحديث». وهكذا لما ماتت زينب ابنة النبي عليه الصلاة والسلام، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بغسلها: «اغسلنها». قال: «ثلاثا أو خمسا إن رأيتن ذلك بماء وسدر الحديث». نعم، فالمسلم إذا مات وجب أن يغسل. وأما الشهيد: المراد بالشهيد: من يموت في أرض المعركة -من يموت في أرض المعركة- في قتال الكفار، فهذا لا يغسل؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يغسل قتلى أحد، أمر أن يدفنوا بدمائهم وثيابهم. قال الراوي: «فلم يغسلوا ولم يصلوا عليهم». والنبي صلى الله عليه وسلم يقول في الشهيد: «اللون لون الدم والريح ريح المسك». هذا بالنسبة لشهيد المعركة. أما من له حكم الشهادة في الدنيا وفي الآخرة، لكن لم يموت في أرض المعركة، فهذا يعامل معاملة غير الشهيد -كالمبطون والغريق وصاحب الهدم ومن مات دون دمه ومن مات دون ماله ومن مات دون أهله- هؤلاء كلهم شهداء، لهم حكم الشهادة في الآخرة. أما في الدنيا فيعاملون معاملة غيرهم، يغسلون ويكفنون ويصلى عليهم. والذي لا يغسل هو شهيد المعركة -الذي يموت في أرض المعركة- حتى لو قاتل في أرض المعركة ثم جرح وبقي أيام ومات بعد ذلك، فإنه يغسل ويصلى عليه. الذي لا يغسل: من مات في أرض المعركة فقط. وهكذا أيضا من قاتل البغاة مثلا مع ولي الأمر، قاتل البغاة وقتل، فإنه يغسل ويكفن ويصلى عليه. قال: وَمَوْتُ غَيْرِ الشَّهِيدِ. قَالَ: وَإِسْلَامُ الْكَافِرِ. وَإِسْلَامُ الْكَافِرِ: إذا أسلم الكافر وجب عليه أن يغتسل. استدل بعض أهل العلم بحديث الواردة في هذا الباب، حين أمر النبي صلى الله عليه وسلم ثمامة بن أثال أن يغتسل عندما أسلم. وهذه الرواية خارج الصحيح، لكن فيها ضعف. هناك أيضا بعض الآثار الواردة، وقد أعلها بعض الحفاظ. وإنما صح عن ثمامة بن أثال في البخاري: فالصحيح أنه اغتسل من نفسه لما أطلقه النبي صلى الله عليه وسلم في المرة الثالثة، ذهب فاغتسل، ثم جاء ونطق بالشهادتين. فيدل هذا على أن الاغتسال مستحب، أن الاغتسال عند إسلام الكافر مستحب وليس بواجب، هذا هو الأظهر. أن إسلام الكافر ليس بواجب اغتسال الكافر إذا أسلم ليس بواجب، إلا إذا كان عليه قبل الإسلام ما يوجب الغسل -كأن يكون على جنابة- ثم أسلم، ويجب عليه أن يغتسل لرفع الجنابة. أما إذا لم يكن عليه شيء مما يوجب الغسل قبل الإسلام، فيستحب له أن يغتسل، يستحب له أن يغتسل. قال: وإسلام الكافر. قال تعالى: «وإن كنتم جنبا فاتطهروا» -فاتطهروا يعني اغتسلوا-. وقال تعالى: «وَلَا تَقْرَبُوهُنَّ حَتَّى يَطْهُرْنَ» أي: ينقطع الدم. «فَإِذَا تَطَهَّرْنَ» أي: اغتسلن. «فَأْتُوهُنَّ مِنْ حَيْثُ أَمَرَكُمُ اللهُ». أي: إذا اغتسلن -يعني قوله: «فَإِذَا تَطَهَّرْنَ» أي: إذا اغتسلن- كما قال ابن عباس رضي الله تعالى عنهما. قال: وقد أمر النبي صلى الله عليه وسلم بالغسل من تغسيل الميت. نعم، الحديث رواه الإمام أحمد وأبو داود والترمذي، وهو قول النبي صلى الله عليه وسلم: «من غسل ميتا فليغتسل». وكما قلنا: الحديث فيه كلام، وبعض العلم يحسنه. وعلى كل، فهو -يعني- محمول على الاستحباب، محمول على الاستحباب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «إن ميتكم يموت طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم». وأوله: «ليس عليكم غسل من غسل ميتكم؛ فإنما يموتوا طاهرا فحسبكم أن تغسلوا أيديكم». وأثر عمر: «كنا نغسل الميت فمنا من يغتسل ومنا من لا يغتسل». فيدل هذا على أن هذا الأمر للاستحباب وليس للوجوب. قال: وَأَمَرَ مَنْ أَسْلَمَ أَنْ يَغْتَسِلَ. وهذا كما قلنا: الحديث الوارد في الأمر فيها كلام. وأحمل جماعة من أهل العلم على الاستحباب إذا صحت، فهي محمولة على الاستحباب؛ لأن كثيرا ممن أسلموا لم يأمرهم النبي صلى الله عليه وسلم بالاغتسال. ولو كان الغسل واجبا من الواجبات ابتداء -يعني في ابتداء الإسلام- لبينه النبي صلى الله عليه وسلم. وتأخير البيان عن وقت الحاجة لا يجوز. فلهذا: صحيح أنه لا يجب على من أسلم أن يغتسل، ولكن يستحب. طيب، هناك أيضا من الأغسال الواجبة ولم يذكرها المؤلف، ولعله لا يرى الوجوب: غسل الجمعة. غسل الجمعة: على الصحيح أنه واجب؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «غسل يوم الجمعة واجب على كل محتلم». والحديث في الصحيحين. وقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». فغسل الجمعة واجب، لكن هذا الوجوب معلق بالجمعة -يعني يجب على من أتى الجمعة- يجب على من أتى الجمعة أن يغتسل؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «من جاء منكم الجمعة فليغتسل». مفهومه: أن من لم يأت الجمعة ليس عليه غسل. وعلى هذا فالمرأة في بيتها، المريض في بيته، الصبيان ليس عليهم غسل -يعني واجب- لأن الوجوب معلق بالمجيء إلى الجمعة. هذا بالنسبة للوجوب. أما الغسل المستحب، فيستحب الغسل للعيدين، وإن لم يرد في ذلك شيء عن النبي صلى الله عليه وسلم صريحا، لكن استدل أهل العلم بحديث ابن عمر: لما أهدى للنبي صلى الله عليه وسلم جبة، قالت: «تتزين بها للوفود والعيدين». في رواية: «للوفود والجمعة». ومن كمال التزين: الاغتسال قبل لبس الثياب الجديدة والجميلة. وهذا ينقل عن ابن عمر وغيره من الصحابة: أنهم كانوا يغتسلون في أيام العيد. كذلك أيضا يستحب الغسل عند دخول مكة، كما صح عن ابن عمر: أنه كان إذا أراد أن يدخل مكة بات بذي طوى، فإذا أصبح اغتسل ودخل مكة. ويذكر هذا عن النبي صلى الله عليه وسلم، والحديث في صحيح البخاري. إذا يستحب الاغتسال عند دخول مكة. وكذلك أيضا يستحب الاغتسال عقب الجماع إذا جامع الرجل أهله ثم أراد أن يعود، فيستحب له أن يغتسل. وكذلك أيضا عند الإغماء: إذا أغمي على الإنسان ثم أفاق، استحب له أن يغتسل؛ لفعل النبي صلى الله عليه وسلم لما أغمي عليه في مرض موته، كلما أفاق اغتسل عليه الصلاة والسلام. هذه بعض الأغسال المستحبة. طيب، صلى الله وسلم على أبينا محمد، وأهله وصحبه أجمعين.