الدرس في كتاب الجهاد 10، ألقاها
يُعرَّف عقد الهدنة مع الكفار على أنه اتفاق بين المسلمين وأهل الحرب لوقف القتال لفترة محددة. يُناقش المقطع طبيعة هذا العقد وهل هو لازم أم جائز.
هناك خلاف بين العلماء حول ما إذا كان عقد الهدنة لازمًا أم لا، وكذلك حول تحديد مدته. الجمهور يرى أنه لازم ومؤقت، بينما يرى آخرون أنه ليس بلازم وقد يكون مطلقًا.
الفقهاء اختلفوا في جواز عقد الهدنة مع الكفار، حيث يرى الجمهور جوازه مؤقتًا، بينما يرى البعض جوازه مطلقًا إذا كان غير ملزم. وقد رجح شيخ الإسلام ابن تيمية هذا القول الأخير.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمدًا كثيرًا مباركًا فيه ما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. ثم أما بعد، الباب الثالث من كتاب الجهاد من كتاب الفقه الميسر في ضوء الكتاب والسنة في الهدنة والذمة والأمان، وفيه مسائل. مر معنا في الدرس الماضي شيء من الكلام على مسألة عقد الهدنة مع الكفار، والعلماء رحمهم الله تعالى يذكرون في كتاب الجهاد أصناف العقود والمعاملات مع الكفار التي فيها معنى أو شيء من المصالحة، ومنها الذمة؛ لذا بعضهم يبَوّب بابًا في الهدنة، وبعضهم باب في أحكام الهدنة، وباب في أحكام الذمة، وباب في أحكام الأمان. والباب الأول شرعنا فيه، ولا بأس أن يقرأ مرة أخرى من أجل أن نربط الدرس بالدرس. المسألة الأولى: عقد الهدنة مع الكفار، تعريفها: أي تعريف الهدنة. لغة: السكون. وشرعًا: عقد الإمام أو نائبه لأهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة بقدر الحاجة وإن طالت، وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة. عقد الإمام أو نائبه، قولهم: "عقد" يعلم منه أن مسألة المهادنة بين أهل الإسلام وبين الكفار هو من جملة العقود التي تعقد بين طرفين. وهذا العقد، أي عقد الهدنة، هل هو من العقود اللازمة أو من العقود الجائزة؟ ذكر من ذكر من العلماء أن في المسألة قولين؛ فجماهير العلماء رحمهم الله تعالى يذهبون إلى أن عقد الهدنة من العقود اللازمة. وذهب بعض أهل العلم، وحكي هذا القول عن أبي حنيفة، أنه ذهب إلى أن هذا العقد من العقود الجائزة. والفرق بين العقد اللازم والعقد الجائز لا بأس أن نذكر شيئًا، وسيأتي معنا بإذن الله جل وعلا مزيد في الكتب الآتية في كتاب البيوع والأنكحة وما شابه ذلك كلام على هذه المسألة بكثرة بإذن الله جل وعلا. وهي أن العقود على قسمين: عقود لازمة، وعقود جائزة. العقود اللازمة: بمعنى أنه لا فكاك لأحد الطرفين عن التراجع فيها، ملزمة لكلا الطرفين. وعقود جائزة: بمعنى أنها ليست بمرزمة لكلا الطرفين. فمثلًا البيوع من العقود اللازمة؛ بمعنى أن المتبايعين إذا تبايعا على شيء فيثبت ويلزم كل واحد منهما أن يتملك العوض، أي عوض الآخر، لعموم قول النبي صلى الله عليه وسلم: «البيعان بالخيار ما لم يتفرقا»، مفهومه أنهما إذا تفرقا فلا خيار؛ بمعنى أن كل واحد يصير مالكًا لما ابتاعه للآخر. وهناك عقود جائزة، ومعنى العقود الجائزة: هي التي لا تكون ملزمة من كلا الطرفين، ومنها الشركات؛ فالأصل في عقود الشركات أنها من العقود الجائزة؛ بمعنى أنه يصح أن يرجع أحد الشريكين على صاحبه في هذه الصفقة ونحوها، أي فيما تعاملا واشتركا فيه. وسيأتي بإذن الله جل وعلا الكلام على هذا في بابه، لكن شاهدنا من هذا أن من العقود ما هي عقود لازمة لكل الطرفين، ومن العقود ما لا تكون لازمة بل تكون جائزة. وعقد الهدنة من العقود التي وقع فيها الخلاف، وبسبب هذا الخلاف ترتبت عليه مسائل. فكما سمعتم أن من أهل العلم من قال بأنه عقد لازم، وهم جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ومن أهل العلم قال بأنه من عقود الجائزة. ومن أهل العلم فصل، ففرق بين العقد إذا كان لمدة معينة بأنه يكون لازما ومرزما بكلا الطرفين، والعقد إذا لم يكن مؤقتًا قالوا: فإنه لا يكون لازما ولا ملزما لأحد الطرفين. وهذا القول هو اختيار شيخ الإسلام رحمه الله وتلميذه ابن القيم رحمه الله، والشيخ العثيمين رحمه الله تعالى في الشرح الممتع ذكر القول، وظاهر كلامه أنه يميل إليه. وعلى هذا نفهم من هذه المسألة كما سمعنا إذا وصلنا إلى هذا الحال أن العلماء رحمهم الله تعالى منهم ومنهم، يظهر لنا الخلاف في المسائل التي تندرج تحت هذا الأصل أو تحت هذه المسألة؛ يعني إذا قلنا بأن عقد الهدنة من العقود اللازمة تترتب عليه مسائل. من هذه المسائل أن الهدنة إذا كانت بين المسلمين والكفار فإنها تكون واجبة، لا يجوز نقضها من الطرفين. وهؤلاء كما سمعتم جماهير العلماء رحمهم الله تعالى، ويستدلون على ذلك بأدلة كثيرة سيأتي شيء منها في الكتاب؛ لأنهم يسيرون على مذهب الجمهور في هذه المسألة، فمنها قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، ومنها قول الله جل وعلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وما شابه ذلك من الأدلة الدالة على هذا المعنى. والآخرون الذين يقولون بأنها ليست بلازمة كذلك يستدلون بأدلة؛ يستدلون بأدلة منها قول الله جل وعلا: ﴿بَرَاءَةٌ مِنَ اللَّهِ وَرَسُولِهِ إِلَى الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ مِنَ الْمُشْرِكِينَ فَسِيحُوا فِي الْأَرْضِ أَرْبَعَةَ أَشْهُرٍ وَاعْلَمُوا أَنَّكُمْ غَيْرُ مُعْجِزِي اللَّهِ وَأَنَّ اللَّهَ مُخْزِي الْكَافِرِينَ إِلَّا الَّذِينَ عَاهَدْتُمْ عِنْدَ الْمَسْجِدِ الْحَرَامِ فَمَا اسْتَقَامُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ إِنَّ اللَّهَ يُحِبُّ الْمُتَّقِينَ﴾ إلى آخر الآيات التي ذكرها الله جل وعلا في أوائل سورة براءة. الحاصل من هذا: استدلوا بهذه الآية، وكذلك بما جاء في أصح شيء من حديث أبي هريرة في بعثة النبي صلى الله عليه وسلم أو بإرسال النبي صلى الله عليه وسلم علي بن أبي طالب مردفًا له إلى أبي بكر بهذه الآيات، وأنه ماذا يلقي؟ ماذا يلقي المواثيق والعهود التي بينه وبين المشركين؟ قالوا: ففي هذا دلالة على أن تلك العقود لم تكن ملزمة، سواء كانت مؤقتة أو لم تكن مؤقتة. وبعض أهل العلم ذهب إلى القول الوسط، فهو الذي سمعتم أنه اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونصره نصرا مؤزرا العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه أحكام أهل الذمة؛ إمام القيم رحمه الله تعالى في كتابه أحكام أهل الذمة له مبحث نفيس في هذه المسألة ذكر فيها أقوال العلماء وأدلة المختلفين في المسألة، ويرجع ما رجحه شيخه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى: أن العقود منها ما يكون ملزما وهو المؤقت، ومنها ما يكون ليس بملزم وهو المطلق. ومن هذا نعلم ونتفرع إلى المسألة الأخرى، وهي: هل يجب أن تكون العقود في مدة معينة أم أنه يجوز أن يكون عقد الهدنة مطلقًا؟ هل يجب أن تكون عقود الهدنة مؤقتة أم أنه يجوز أن تكون عقود الهدنة مطلقة؟ هذه المسألة متفرعة عن المسألة الأولى. فالعلماء رحمهم الله تعالى في العقد، يعني في قولهم: "عقد الإمام أو نائبه"، هل العقد هذا عقد ملزم أو قول واجب أم أنه من عقود الجائزة؟ قلنا بأنها مسألة مختلف فيها بين العلماء، والذي رجحه شيخ الإسلام رحمه الله تعالى ونصره تلميذه ابن القيم رحمه الله تعالى، وكما سمعتم مال إليه من المعاصرين العلامة العثيمين رحم الله الجميع، إلى أنه فيه تفصيل؛ إلى أن فيه تفصيلا، فالعقود، عقد الهدنة المؤقتة هذه من العقود الملزمة، وعقد الهدنة المطلق هذه من العقود الجائزة. فهل يجوز أن نهادن أو أن نعقد هدنة أو مصالحة مع الكفار على زمن مطلق ليس بمقيد أم أنه لا بد أن يكون مقيدًا في فترة معينة؟ هذه المسألة كذلك فيها خلاف بين العلماء؛ فمن أهل العلم من قال بأنه يجب أن تكون عقود الهدنة مؤقتة، ولا يجوز أن تكون مطلقة. ثم إن هؤلاء الذين قالوا يجب أن تكون مؤقتة اختلفوا في التوقيت؛ فمنهم من قال بأنها تكون في سنتين، بعضهم زاد إلى ست، وبعضهم قال عشر سنين، وبعضهم زاد على ذلك إلى عشرية سنة، وبعضهم زاد على ذلك، لكن قال: ترجع إلى ما تقتضيه المصلحة؛ يعني لا بد أن يكون هناك عرض، يعني عشرين، خمسة وعشرين، ثلاثين سنة، ويرجع في ذلك إلى المصلحة، لكن لا بد أن يكون مقيدًا بماذا؟ بزمن. قالوا: لأننا لو أطلقناها ولم نقيدها بزمن هذا ينافي وجوب الجهاد؛ لأن الله جل وعلا أوجب علينا الجهاد، وكوننا نعقد هدنة مطلقة معناها أننا ننفي وننهي أمر الجهاد مطلقًا، قالوا: هذا لا يجوز. والأدلة على ذلك ما ذكره الله جل وعلا في آيات كتابه كثيرة، كما قال الله جل وعلا: ﴿كُتِبَ عَلَيْكُمُ الْقِتَالُ وَهُوَ كُرْهٌ لَكُمْ﴾ إلى آخر الآيات في ذلك. فالجهاد كما مر معنا أنها فرض كفاية، فقال هؤلاء الفقهاء وهم جمهور الفقهاء يقولون: لو قلنا بأن الهدنة مطلقة لناقضت ماذا؟ وجوب الجهاد؛ فدل على أن الهدنة المطلقة لا تجوز؛ لماذا؟ لمنافاتها وجوب الجهاد؛ إذن لا بد أن تكون ماذا؟ مؤقتة. ثم كما سمعتم اختلف في التوقيت؛ هل هو في عشر سنين، عشرين سنة، خمسة وعشرين، ثلاثين سنة؟ والذي رجحه المحققون من القائلين بهذا القول بأنه تكون مؤقتة، لكن ترجع إلى ماذا؟ إلى المصلحة التي يراها الإمام. هذا هو القول الأول. أما القول الثاني: أنه يجوز أن يعقد الإمام مع المشركين هدنة مطلقة؛ يجوز أن يعقد الإمام مع الكفار هدنة مطلقة. ما معنى هدنة مطلقة؟ أي غير مقيدة بزمن، لا يقيدها بعشر سنين، بسنة، بسنتين، بعشرين، بخمسة وعشرين، مطلقة، لكن بقيد ما هو هذا القيد؟ أنه يخبرهم أن هذا العقد جائز ليس بواجب، وأنه متى بدى لنا أو بدى لكم وأنه متى بدى لنا، أي لأهل الإسلام، أو بدى لكم يا أهل الكفر أن تنقضوا هذا العهد فلكم ذلك، لكن بشرط أن تنبذوا إلينا عهدنا أو ننبذ إليكم عهدكم. فالقائلون بهذا القول يقولون: في هذا العقد الجائز لنا أن نستخدم هذا الأمر؛ بمعنى مثلًا أهل الإسلام في ضعف يعقدون مع الكفار عقدًا جائزا من كلا الطرفين، لكن متى تقوى أهل الإسلام واستطاعوا على الجهاد، أمير المؤمنين الإمام أو من فوضه الإمام ينبذ له أن ينبذ إليهم على سواء، حتى ولو كانوا ماذا؟ حتى ولو استقاموا إلينا؛ ينبذ إليهم على سواء؛ يعني يرد عليهم عهدهم، انتهى العهد الذي بيننا وبينكم، وانتقض العهد الذي بيننا وبينكم. وإذا انتقض العهد وانتهى العهد الآن لأهل الإسلام أن يقاتلوا، واضح هذا. عملًا وترفع شعيرة الجهاد، ويحصل ماذا؟ الجهاد الشرعي بضوابطه وشروطه. وهذا القول كما سمعتم هو الذي اختاره ورجحه شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى، ونصره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه أحكام أهل الذمة. والناظر في البحث الذي ذكره الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى لا يكاد يتخالجه شك في رجحان هذا القول؛ في رجحان هذا القول. والله تعالى أعلى وأعلم. ولكن يعني ينبغي لنا أن نعلم ماذا؟ المسألة؛ يعني نعلم في المسألة أنها من المسائل الاجتهادية؛ باعتبار العقد هل هو ملزم أو غير ملزم؟ مسألة اجتهادية، وما تفرع عن هذه المسألة وهي هل يجوز عقد الهدنة مطلقًا أو مقيدًا؟ أيضا مسألة اجتهادية. وإذا علمنا وتوصلنا إلى هذا الأمر فلنعلم أنه من قال بقول الجمهور فله ذلك، ولا إنكار عليه، ولا يجوز لأحد أن ينكر عليه. ومن قال بالقول الآخر الذي اختاره ورجحه الشيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله تعالى فله ذلك، ولا يجوز أيضا للآخر أن ينكر عليه؛ إنكار المسائل التي هي من خلاف التنازع، لماذا؟ لأن هذه مسألة من مسائل الاجتهاد الذي يسوغ فيها الاجتهاد. وإذا علم هذا نعلم بأنه بعض القوم ممن ربما كفروا حكام المسلمين بسبب أنهم عقدوا بعض العقود أو عقدوا مع الكافرين عقودًا مطلقة؛ لماذا؟ قال: لأن هذا يناقض شعيرة الجهاد وينافيها، واستحلال ذلك كفر، واضح. هؤلاء يدل على قلة علمهم، وكذلك رقة دينهم؛ وإلا هذه المسألة كغيرها من المسائل العلمية الاجتهادية؛ الذي من عمل فيها بأحد القولين بعد تحري واجتهاد فهو بين الأجر والأجرين؛ فهو بين الأجر والأجرين. قال رحمه الله تعالى: "عقد الإمام أو نائبه لأهل الحرب"، فعلم أن العقد هاهنا مع من؟ مع الكفار الحربيين. قال: "على ترك القتال مدة معلومة"، هذا على أحد الأقوال "بقدر الحاجة وإن طالت وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة". نكتفي بهذا القدر لانتهاء الوقت. إلى هنا سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.