الدرس في كتاب الجهاد 11، ألقاها
الهدنة تكون ملزمة للطرفين إذا كانت مؤقتة، وتنتقض إذا نقض أحد الطرفين الشروط المتفق عليها. يجوز قتال الطرف الآخر بعد نقض العهد.
يتناول المقطع أحكام عقد الهدنة وأنواعه، مؤقتاً ومطلقاً، وشرط إعلام الطرف الآخر بنقض العهد، كما يشرح الحالات الثلاث للعقد المؤقت.
الجزية تؤخذ من أهل الكتاب والمجوس إذلالاً لهم، وهناك خلاف حول ما إذا كانت تؤخذ من جميع الكفار أم لا، واستدل الفقهاء بآيات القرآن وأحاديث النبي.
اختلف الفقهاء في معاملة المشركين في الجزية، واستدلوا بأحاديث نبوية مختلفة، حيث استدل البعض بحديث يأمر بتسوية سنة أهل الكتاب معهم.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله حمداً كثيراً مباركاً فيه، كما يحب ربنا ويرضى، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. ثم أما بعد، ما زلنا في الباب الثالث من أبواب كتاب الجهاد، وهي الهدنة والذمة والأمان. وكذلك ما زلنا في المسألة الأولى منه، المسألة الأولى: تعريفها، أي الهدنة. لغة: السكون، وشرعاً: عقد الإمام أو نائبه لأهل الحرب على ترك القتال مدة معلومة، بقدر الحاجة وإن طالت، وتسمى مهادنة وموادعة ومعاهدة. مشروعيتها ودليل ذلك: يجوز لإمام المسلمين عقد الهدنة مع الكفار على ترك القتال مدة معلومة، بقدر الحاجة، إذا كان في عقدها مصلحة للمسلمين، كضعفهم أو عدم استعدادهم أو غير ذلك من مصالح، كطمع في إسلام الكفار ونحوه، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ جَنَحُوا لِلسَّلْمِ فَاجْنَحْ لَهَا﴾. وقد عقد النبي صلى الله عليه وسلم الهدنة مع الكفار في صلح الحديبية عشر سنين، وصالح اليهود في المدينة. وتقدم معنا أن الصحيح من قول أهل العلم أن عقد الهدنة منه ما هو لازم، ومنه ما هو جائز، وأن الهدنة كذلك تجوز أن تكون مؤقتة. وإذا كانت مؤقتة، فإنها تكون ملزمة لكلا الطرفين، إلا أن يحدث ما ينقضها. ومنها ما هو مطلق، ويكون العقد فيه جائزاً. الثالث: لزوم الهدنة، قالوا: تكون الهدنة التي عقدها الإمام أو نائبه لازمة على ما تقدم، لا يجوز نقضها ولا إبطالها، ما استقام لنا ولم يخونوا، ولم نخش منهم خيانة، لقوله تعالى: ﴿فَمَا اسْتَقَمْتُمْ لَهُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، وقوله تعالى: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾. وكما تقدم وذكرناه أن القول الراجح أن المراد من ذلك ما كان فيه العقد مؤقتاً. وأما إذا لم يكن العقد مؤقتاً، بل كان مطلقاً، فإنها تكون هدنة جائزة بين الطرفين، لكن لا يخون أحد الطرفين الآخر، بل لا بد إن أراد الفسخ أن يشعر الطرف الآخر بأن الهدنة والعهد الذي بينهم قد انتقض وذهب. قالوا: فإن نقض العهد بقتال أو مظاهرة عدوا، فإن نقض العهد بقتال أو مظاهرة عدونا علينا، أو قتل مسلم، أو أخذ مال، انتقض العهد الذي بيننا وبينهم، وجاز قتالهم، لقوله تعالى: ﴿وَإِنْ نَكَثُوا أَيْمَانَهُمْ مِنْ بَعْدِ عَهْدِهِمْ وَطَعَنُوا فِي دِينِكُمْ فَقَاتِلُوا أَئِمَّةَ الْكُفْرِ إِنَّهُمْ لَا أَيْمَانَ لَهُمْ لَعَلَّهُمْ يَنْتَهُونَ﴾. الحاصل أن الواجب في عقد الهدنة إذا كان مؤقتاً: الواجب في أن يكون ماذا؟ أن يكون ملزماً لكل الطرفين، ما استقاموا لنا، لأن الله جل وعلا يقول: ﴿فَمَا اسْتَقَمُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾. وأما إذا حصل منهم نقض بأي نوع من أنواع نقض، أي حصل منهم نقض للشروط التي وضعت من كلا الطرفين، وتم الاتفاق عليها من كلا الطرفين، فإن حصل نقض لتلك الشروط أو لبعضها، فإنه ينتقض العهد. وإذا انتقض العهد، يجوز لإحدى الطائفتين أن تقاتل الأخرى، ولو من غير علمها. يدل على هذا أولاً: قول الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَقَمُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، مفهوم الآية أنهم إذا لم يستقيموا لنا، فإنه لا يجب علينا أن نستقيم لهم. ثانياً: أن النبي صلى الله عليه وسلم لما صالح مشركي قريش في الحديبية، ونقضت قريش العهد بمظاهرتها بعض المشركين ممن هو من حلفائهم على بعض من كان حليفاً للنبي صلى الله عليه وسلم، نقض العهد. فلما نقضوا العهد، ما شعروا إلا والنبي صلى الله عليه وسلم على حدود مكة. بل إن النبي صلى الله عليه وسلم دعا ربه جل وعلا أن يخفي عليهم مسيره إليهم. وهذا يدل على أن العهد ينتقض إذا نقضه أحد الطرفين، وإذا انتقض، فإنه لا يلزم على الآخر أن يخبر الآخر بأنه قد انتقض. وإننا سنقاتلكم كما سمعتم وذكر في ذلك، كما سمعتم النبي صلى الله عليه وسلم غزا مشركي مكة، وعمى عليهم، وما شعروا به إلا وهو على ماذا؟ على أبواب مكة، مع أنه كان بينهم قبل ذلك ماذا؟ بينهم هدنة، ولكنهم نقضوها. قالوا: وإن خيف منهم نقض العهد بأمارة تدل على ذلك، جاز أن ننبذ إليهم عهدهم، ولا يلزم البقاء على عهدهم. قال تعالى: ﴿وَإِمَّا تَخَافَنَّ مِنْ قَوْمٍ خِيَانَةً فَانْبِذْ إِلَيْهِمْ عَلَى سَوَاءٍ﴾، أي أعلمهم بنقض عهدهم، حتى تكون أنت وهم سواء في العلم. ولا يجوز قتالهم قبل إعلامهم بنقض العهد. إذن، خلاصة القول في عقد الهدنة أن يقال: أولاً: أن عقد الهدنة على قسمين: مؤقت ومطلق. والمطلق: عقد جائز، أي متى بدا لأحد الطرفين أن يفك ذلك العقد، يشعر الغير بفك ذلك العقد وفسخ ذلك العقد، ويكون كل واحد منهما على تهيؤ للقتال. القسم الثاني من أنواع عقد الهدنة: العقد المؤقت، العقد المؤقت ملزم لكل الطرفين بالتزامه، وله ثلاثة أحوال. له ثلاثة أحوال، أي العقد المؤقت له ثلاثة أحوال. أصل أنه ماذا؟ واجب، ملزم لكل الطرفين بامتثاله. وله ثلاثة أحوال: الحال الأولى: أنهم متى استقاموا لنا، فإنه يجب علينا أن نستقيم لهم، وأن نوفي بالعهد، ولا يحصل منا خيانة، ولا ننبذ لهم عهدهم، لماذا؟ لأنهم عقد ملزم إلى وقت ماذا؟ معلوم. فلا نناجزهم قبل انتهاء وانقضاء المدة. مثلا تعاهدنا معهم على عشر سنين، هذه العشر السنين ما داموا على أحسن حال معنا، ما حصل منهم شيء، ما حصل منهم خيانة، الأصل أنه يجب علينا أن نبقى معهم على ذلك العهد، لقول الله جل وعلا: ﴿فَمَا اسْتَقَمُوا لَكُمْ فَاسْتَقِيمُوا لَهُمْ﴾، والأمر للوجوب. والله جل وعلا يقول: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَوْفُوا بِالْعُقُودِ﴾، وهذه من العقود. الحالة الثانية: أن يحصل منهم نقض للعهد، مثلا بيننا وبينهم شروط، فينقض ذلك أو ترك الشروط أو بعضها، مثلا يقتلوا مسلماً، يقتلوا مثلا مسلماً يكونون بذلك ماذا؟ نقضوا العهد، أو يمالئوا على المسلمين غيرهم، أو ما شابه ذلك من الشروط المتفق عليها. إذا حصل منهم ذلك، فالعهد ينتقض بذلك الفعل منهم، ولا يحتاجون في هذه الحالة إلى إشعار. الحالة الثالثة: أن يكون بيننا وبينهم عهد، لكن يشعر منهم خيانة، كأن يعبئوا الجيوش على حدود أهل الإسلام، وعلى ثغور أهل الإسلام، وما شابه ذلك، تشعر أنهم يتهيأون لأمر، يشعر المسلمون أنهم يتهيأون لماذا؟ لأمر لخيانة لغدر. ففي مثل هذه الحالة ينبذ إليهم عهدهم، يقال لهم: لا عهد بيننا وبينكم، انفسخ العهد بيننا وبينكم. وفي هذه الحالة لأهل الإسلام أن يغزوهم متى رأوا المصلحة في ذلك. فهذه الأحوال هي خلاصة ما يقال في عقد الهدنة. المسألة الثانية: عقد الذمة ودفع الجزية. قلنا: المصالحات أو العقود بين أهل الإسلام وبين الكفار على ثلاثة أقسام، كما ذكرها الفقهاء رحمهم الله تعالى، ودلت عليها النصوص الشرعية. الأول: كما مر معنا عقد الهدنة. الثاني: عقد الذمة. الثالث: عقد الأمان. مر معنا عقد الهدنة، ونحن الآن في عقد الذمة. قالوا: تعريف الذمة لغة: العهد، وهو الأمان والضمان، هذا في اللغة. قالوا: عقد الذمة شرعاً: هو إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بدل الجزية، والتزام أحكام الملة التي حكمت بها الشريعة الإسلامية عليهم. طيب، قوله: «عقد الذمة شرعاً: هو إقرار بعض الكفار على كفرهم». إقرار أي: أن هذا العقد لا يلزم الكفار بأن يدخلوا في دين الله جل وعلا، أي بمجرد ذلك العقد، بل يبقى أولئك الذين حصل بينهم وبين أهل الإسلام هذا العقد على دينهم، يبقون على دينهم، لكن بماذا؟ كما سيأتي معنا بشروط. فهو إقرار بعض الكفار على كفرهم، بشرط بدل الجزية. ومعنى الجزية: الجزية هي الخراج المضروب على رؤوس الكفار، إذلالاً وصغاراً لهم، لقوله تعالى: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، فيعطوا الخراج عن رقابهم. وهنا مسألة يذكرها الفقهاء رحمهم الله، وهي: هل أخذ الجزية منهم وضعت لأجل أنها عاصمة لدمائهم؟ واضح، جماعة: هل أخذ الجزية لأجل عصمة دمائهم؟ أم أن عقد الجزية أخذت منهم إذلالاً وإصغاراً لهم؟ واضح المسألة يا أخوة. تعالى الآن: عقد الجزية لماذا شرع الله جل وعلا لنأخذ الجزية من أهل كفر؟ هل لأجل أن نحافظ على دمائهم؟ فلنقاتلهم؟ أم أن الله جل وعلا فرض هذا الأمر لأمر آخر، وهو إظهار عزة الإسلام، وذلة الكفر وأهله؟ الجواب في قول الله جل وعلا: ﴿حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، وهم صاغرون، وهم حالية، وهم مبتدأ، وصاغرون خبرها، وهي جملة حالية، أي حال كونهم صاغرون. ومنه نعلم أن العلة في ذلك إظهار الصغار والذل لكل من خالف دين الإسلام، لكل من خالف دين الإسلام. وهذا أو هذه المسألة، وهذه الحكمة، وهذه العلة إذا علمناها وظهرت لنا، فرع عنها مسائل. فرع عنها مسائل من أشهر هذه المسائل: هل الجزية تضرب على أهل الكتاب فقط، والمجوس كذلك؟ أم أنها تتعدى إلى غيرهم الكفار؟ واضح هذه المسألة، جماعة: هل الجزية مضروبة فقط على أهل الكتاب، وكذلك المجوس؟ أم أنها تتعدى إلى غيرهم من الكفار؟ ظاهر قول الله جل وعلا: ﴿قَاتِلُوا الَّذِينَ لَا يُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَلَا بِالْيَوْمِ الْآخِرِ وَلَا يُحَرِّمُونَ مَا حَرَّمَ اللَّهُ وَرَسُولُهُ وَلَا يَدِينُونَ دِينَ الْحَقِّ مِنْ الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ حَتَّى يُعْطُوا الْجِزْيَةَ عَنْ يَدٍ وَهُمْ صَاغِرُونَ﴾، ظاهرها أن الجزية تأخذ عن أهل الكتاب. لأن الله جل وعلا في الآيات الأخرى أخبر بأن نقاتل ماذا؟ المشركين. ﴿وَقَاتِلُوا الْمُشْرِكِينَ كَافَّةً كَمَا يُقَاتِلُونَكُمْ كَافَّةً﴾، أمر الله جل وعلا بقتال المشركين، بخلاف أهل الكتاب، الله جل وعلا أمر بقتال حتى إيش؟ حتى يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. من استدل من الأئمة والفقهاء رحمهم الله تعالى على أن الجزية إنما تأخذ عن أهل الكتاب، ويلحق بهم المجوس، لقول النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الرحمن بن عوف: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، فألحق المجوس بأهل الكتاب بهذا النص. هذا قول لأهل العلم. والقول الآخر لأهل العلم: أنه يدخل فيهم جميع الكفار، يدخل فيهم جميع الكفار. واستدل هؤلاء بما جاء في صحيح مسلم من حديث بريدة رضي الله عنه وأرضاه، في الحديث الطويل في وصية النبي صلى الله عليه وسلم للأمراء إذا غزوا، وفيه أن النبي صلى الله عليه وسلم كان يقول لهم: يعني قال: «كان النبي صلى الله عليه وسلم إذا أرسل الأمراء للغزو، قال: إذا لقيت عدوك من المشركين، فادعوهم إلى ثلاث خصال». وذكر من هذه الخصال: أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون. ووضح هذا جماعة: إذا لقيت عدوك من المشركين، قال: فادعوهم إلى ثلاث خصال، الخصال الأولى: إلى الإسلام، الثانية: أن يعطوا الجزية عن يد وهم صاغرون، فإن أبوا فالقتال. هذه الخصال الثلاث استدل بهذا الحديث جماعة من العلماء إلى أن الحكم عام، يدخل فيهم كل مشرك. قالوا: فالآية لا تنافي الحديث، وإنما الآية دلت على بعض أصناف، بعض الأصناف الذين خصوا بهذا الحكم، والحديث دل على ماذا؟ على تعميم الحكم فيهم وفي غيرهم. واستدل على ذلك أيضاً بأن النبي صلى الله عليه وسلم قال في المجوس: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب». والمجوس هل هم من أهل الكتاب؟ الجواب: لا، واضح جماعة: لا، وإنما هم إيش؟ من عبدة النيران، هم من عبدة النيران. إذن المجوس إيش؟ من قسم المشركين، أو من قسم الكتاب؟ من قسم المشركين. ومع هذا قال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «سنوا بهم سنة أهل الكتاب»، فاستدل بهذا الحديث أيضاً الطرف الآخر على أن المشركين يعاملون في الجزية معاملة أهل الكتاب. سبحانك اللهم وبحمدك، لا إله إلا أنت، أستغفرك وأتوب إليك.