التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 5

الدرس في التعليق على شرح القواعد الأربع للشيخ العصيمي 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

القاعدة الثانية وطلب القربة والشفاعة من غير الله

يتناول هذا الفصل القاعدة الثانية التي تنص على أن المشركين كانوا يتوجهون إلى غير الله لطلب القربة والشفاعة، ويشرح أن الشفاعة نوعان: منفية ومثبتة. يبين أن طلب الشفاعة من غير الله هو الشفاعة المنفية.

تفصيل الشفاعة والولاية في الإسلام

هذا الفصل يفصل في معنى الولاية والشفاعة في الإسلام، حيث يوضح أن كلا منهما نوعان: منفية ومثبتة، مشيرا إلى الآيات القرآنية التي تدعم هذه المفاهيم. يبين أن الشفاعة المثبتة تكون بإذن الله ورضاه.

شرط صحة الشفاعة وطلبها من الله

يشرح هذا الفصل شرط صحة الشفاعة، حيث يبين أن الشفاعة المقبولة هي التي تطلب من الله وتكون بإذنه ورضاه، وأن الشفاعة المرفوضة هي التي تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله.

تخفيف رواية الكتاب وتوضيح منهج الشارح

يشير هذا الفصل إلى رواية الكتاب الأول بالتخفيف كما ذكر الشارح، ويبين منهج الشارح في التعامل مع الرواية.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على سيد المرسلين نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال رحمه الله: القاعدة الثانية أنهم يقولون: ما دعوناهم وتوجهنا إليهم إلا لطلب القربة والشفاعة. فدليل القربة قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى إن الله يحكم بينهم فيما هم فيه يختلفون إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾. ودليل الشفاعة قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. والشفاعة شفاعتان: شفاعة منفية، وشفاعة مثبتة. فالشفاعة المنفية ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله. والدليل قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم من قبل أن يأتي يوم لا بيع فيه ولا خلة ولا شفاعة والكافرون هم الظالمون﴾. والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، والشافع مكرم بالشفاعة، والمشفوع له من رضي الله قوله وعمله بعد الإذن، كما قال تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾. قال الشارح -وفقه الله-: مقصود هذه القاعدة بيان أن الحامل للمشركين على دعوة غير الله والتوجه إليه شيئا واحدا من أمرين: أحدهما طلب القربة، والدليل قوله تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. فذكر الله عز وجل الحامل على المشركين لعبادتهم غير الله جل وعلا، وأنه طلب القرب: ﴿ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفى﴾. والآخر طلب الشفاعة، والدليل قوله تعالى: ﴿ويعبدون من دون الله ما لا يضرهم ولا ينفعهم ويقولون هؤلاء شفعاؤنا عند الله﴾. فلم يكن المشركون يعتقدون أن معبوداتهم تدبر الأمر وتستقل بما شاءت، ولكنهم كانوا يتوجهون إليها لتحصيل هذين الأمرين المذكورين. والفرق بين طلبهم القربة وطلبهم الشفاعة أنهم يبتغون بالقربة إحراز الرفعة والكمالات، ويبتغون بالشفاعة دفع النقائص والمعايب. فيريدون بالقربة إحراز الرفعة والكمالات، أي إنالتهم المنازل العالية والمنازل الرفيعة، وبالشفاعة دفع النقائص إن كان عندهم معاصي وذنوب وعيوب، فيغفر لهم من جهة الشفاعة أن يشفع لهم. قالوا: قد أبطل الله ما ابتغوه من القربة والشفاعة. فأما طلبهم القربة باتخاذهم الأولياء، فأبطله الله بنفي وجودهم، كما قال تعالى: ﴿والذين اتخذوا من دونه أولياء ما نعبدهم إلا ليقربونا إلى الله زلفا﴾، وهي الآية التي ذكرها المصنف، ثم قال في آخرها: ﴿إن الله لا يهدي من هو كاذب كفار﴾. فنسبهم إلى الكذب في دعواهم أن لله أولياء، وذلك يتضمن نفي وجود ولي لله من هذه المعبودات، وهو المصرح به في قوله: ﴿ولم يكن له ولي من الذل﴾. والولي المنفي عن الله هو الذي كان يعتقده المشركون أن لله معينا يتصرف معه فيما ينفعه. وهذا المقصد الذي يقصده المشركون في كل زمان، حتى في هذه الأزمنة، من اتخاذ الأولياء، يقول لك: هذا ولي من أولياء الله، يعني ينفع إذا تقربت إليه ودعوته ورجوته إلى آخر ذلك. فهذا هو عين ما فعله المشركون السابقون من عبادتهم غير الله جل وعلا لقصد طلب القرب. قال: فولي الله له معنيان: أحدهما الولي الناصر، وهو المنفي عنه، والآخر الولي المنصور، وهو المثبت له. الولي الناصر وهو المنفع، يعني الولاية المنفية. ولم يكن له ولي من الذل، يعني ولي يناصر الله ويعامل الله جل وعلا معاملة الناصر. فالله عز وجل ليس له نصير ولا معين ولا ظهير من خلقه ومن عباده، لكمال غناه سبحانه وتعالى. والآخر الولي المنصور، أي الذي ينصره الله ويؤيده، فهذا هو المثبت: ﴿إن الله ولي الذين آمنوا﴾، ﴿الله ولي الذين آمنوا يخرجهم من الظلمات إلى النور﴾، ﴿والله ولي المتقين﴾، يعني ينصرهم ويؤيدهم، هذه ولاية مثبتة. قالوا: أما الشفاعة التي يرجونها من آلهتهم، فأبطلها الله بأربعة مسالك. أولها: نفي وقوع الشفاعة من آلهتهم، قال الله تعالى: ﴿ويوم تقوم الساعة يبلس المجرمون ولم يكن لهم من شركائهم شفعاء﴾. وثانيها: نفي ملك آلهتهم الشفاعة، وتحقيق أنها لله وحده، كما قال الله: ﴿أم اتخذوا من دون الله شفعاء قل أولو كانوا لا يملكون شيئا ولا يعقلون قل لله الشفاعة جميعا﴾. فالذي يملك الشفاعة هو الله جل وعلا وحده. وثالثها: امتناع شفاعة الشفعاء إلا من بعد إذن الله ورضاه، كما قال الله تعالى: ﴿ولا تنفع الشفاعة عنده إلا لمن أذن له﴾، وقال: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾. فلا يشفع أحد عند الله جل وعلا إلا بعد إذن الله عز وجل ورضاه جل وعلا عن الشافع وعن المشفوع له. ورابعها: إبطال انتفاع الكافرين بشفاعة الشافعين، كما قال الله عز وجل: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. والشفاعة التي يذكرها المتكلمون في أبواب الاعتقاد يريدون بها الشفاعة عند الله. وتعريفها شرعا: هي سؤال الشافع الله حصول نفع للمشفوع له. والنفع يتضمن جلب خير له أو دفع ضر عنه. سؤال الشافع الله حصول نفع للمشفوع له، والنفع إما حصول خير وإما دفع ضر. وهي نوعان: الأول شفاعة منفية، وهي التي نفاها الله عز وجل، كما مر في الآيات السابقة: ﴿فما تنفعهم شفاعة الشافعين﴾. فما لهم من شافعين. هذه الشفاعة المنفية. قال: وحقيقتها شرعا الشفاعة الخالية من إذن الله ورضاه. الشفاعة الخالية من إذن الله ورضاه هذه الشفاعة المنفية. ومنها شفاعة المشركين. قال: وهي أيضا نوعان: أحدهما المنفية عن الشافع، ومنها المنفية عن آلهة المشركين التي يعتقد المشركون أنها تشفع لهم. فالله عز وجل نفى أن تكون هذه الآلهة تملك شفاعة. والآخر المنفية عن المشفوع له، ومنها الشفاعة للكافر، لأن الله عز وجل لا يرضى الكفر ولا يرضى لعباده الكفر، إنما يرضى الإيمان والتوحيد، ولا يستحق الشفاعة إلا أهل التوحيد، ولا يشفعون إلا لمن ارتضى الله عز وجل. لا يرضى الكفر، إنما يرضى الإيمان والتوحيد. قال: وذكر المصنف رحمه الله قوله تعالى: ﴿يا أيها الذين آمنوا أنفقوا مما رزقناكم﴾ الآية، دليلا على الشفاعة المنفية، للتصريح بنفيها في قوله: ﴿ولا شفاعة﴾. والثاني من نوع الشفاعة: شفاعة مثبتة، وهي التي أثبتها الله عز وجل لمن شاء. وحقيقتها شرعا: الشفاعة المقترنة بإذن الله ورضاه. وهي كذلك نوعان: أحدهما المثبتة للشافع، ومنها شفاعة نبينا صلى الله عليه وسلم، وهي الشفاعة العظمى والمقام المحمود الذي وعده النبي صلى الله عليه وسلم حين يشفع لأهل الموقف. والآخر المثبتة للمشفوع له، ومنها الشفاعة لأهل الكبائر من هذه الأمة، يعني من أصحاب الذنوب والخطايا ممن دخلوا النار، فيشفع لهم لإخراجهم من النار بعد أن يعذبوا فيها. وهذه شفاعة عامة للأنبياء وللصالحين. قال: وذكر المصنف رحمه الله قوله تعالى: ﴿من ذا الذي يشفع عنده إلا بإذنه﴾، دليلا على الشفاعة المثبتة، للتصريح بإثباتها في قوله: ﴿يشفع عنده﴾. فمعنى الآية: لا أحد يشفع عند الله إلا بإذنه. والفرق بين الشفاعة المثبتة والشفاعة المنفية هو المذكور في قول المصنف: ما كانت تطلب من غير الله فيما لا يقدر عليه إلا الله، هذه الشفاعة المنفية التي تطلب من غير الله. يقال للمخلوق: اشفع لي، اشفع لي عند الله، أطلب منك الشفاعة. وهكذا يقول المشرك لآلهته هذه الشفاعة المنفية. قال: وقوله: والشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله. الشفاعة المثبتة هي التي تطلب من الله، تقول: اللهم اجعلني من شفعاء نبيك، هذه شفاعة مثبتة. النبي نعم يشفع، لكن بإذن الله ورضى الله، لكن لا يملك الشفاعة، إنما يملكها الله عز وجل. فأنت تطلب الشفاعة ممن يملكها، وهو الله، فتقول: اللهم اجعلني من شفعاء نبيك. لا تقول: يا رسول الله اشفع لي. ورسول الله صلى الله عليه وسلم قد مات، فهو لا يسمعك ولا يملك لك من الأمر شيئا. إنما تطلب الشفاعة من الله. فمن طلبها من غير الله وقع في الشرك، وكانت شفاعته من الشفاعة المنفية. قالوا: مدار النفي والإثبات في الشفاعة على أمرين: إذن الله ورضاه. فمع النفي يكونان مانعين منها، ومع الإثبات يكونان شرطين لها. يعني الشفاعة المنفية ينتفي فيها إذن الله وينتفي فيها رضاه، والشفاعة المثبتة يتحقق فيها إذن الله ويتحقق فيها كذلك رضى الله. واقتصر المصنف رحمه الله على دليل اشتراط الإذن، لإمكان اندراج الرضا فيه. فإن الله إذا رضي عن المشفوع له أذن للشافع، وإذنه له يكون مع رضاه عنه. وقررنا في قوله تعالى: ﴿وكم من ملك في السماوات لا تغني شفاعتهم شيئا إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾، وحذف متعلق الرضا ليعم فيصير في الشافع والمشفوع له. ووجود الرضا يتبعه وجود الإذن. يعني قوله جل وعلا: ﴿إلا من بعد أن يأذن الله لمن يشاء ويرضى﴾، يرضى عن من لم يذكر متعلق هذا الفعل ليعم الرضا عن الشافع والرضا عن المشفوع له. وإذا ثبت الرضا ثبت الإذن، ثبت الإذن بالشفاعة. قال: والشافع مكرم بالشفاعة، كما قال المصنف. فالله متفضل بها عليه إكراما له. ولهذا لما سئل النبي عليه الصلاة والسلام: من أول الناس بشفاعتك؟ سأل أبو هريرة رضي الله عنه، فقال: «من قال لا إله إلا الله خالصا من قلبه». فأكرم الناس بالشفاعة هم أهل التوحيد. قال: وقوله: مكرم، هو بتخفيف الراء، ويجوز تشديدها، يعني مكرم. والمسموع لي في رواية الكتاب الأول، يعني بالتخفيف. هكذا يقول الشارح حفظه الله.