مسائل في الصيام 2

الدرس في مسائل في الصيام 2، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

أحكام الصيام للمريض وكبير السن

يشرح هذا الفصل أحكام الصيام للمريض وكبير السن، حيث يُبيّن أن المريض يمكنه الفطر إذا كان الصيام يشق عليه مشقة شديدة، بينما يُشجع على الصيام إذا كانت المشقة خفيفة. أما المريض بمرض مستمر أو مزمن وكبير السن الذي لا يستطيع الصيام، فيفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا.

أحكام خاصة للمريض والمسافر والحامل والمرضع

يفصل هذا الفصل الأحكام الخاصة للمريض والمسافر والحامل والمرضع، حيث يُبيّن أن للحامل والمرضع أن تفطرا إذا خافتا على أنفسهما أو أولادهما وعليهما القضاء فقط، وللمسافر أن يفطر ولو كان سفره مريحًا مع جواز قصر الصلاة.

شروط وجوب الصيام والحالات الاستثنائية

يتناول هذا الفصل شروط وجوب الصيام والحالات الاستثنائية، حيث يشير إلى أن السفر يعتبر عذرًا للفطر، ويعتمد تحديد السفر على العرف، كما يبين أن الحيض والنفاس يمنعان المرأة من الصيام ويجب عليها قضاء الصوم بعد انتهاء الدورة أو النفاس.

التفريغ النصي الكامل

صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين نبينا محمد على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، فهذا مجلسنا الثاني من مجالس مسائل في الصيام، ووقفنا في المجلس الأول في ذكر شروط وجوب الصيام، وعلمنا أن الصوم لا يجب إلا على من كان مسلمًا بالغًا عاقلًا، فالكافر لا يجب عليه الصيام ولا يقبل منه، وهكذا الصبي لا يجب عليه الصيام حتى يبلغ، والمجنون والمعتوه والمخرف، هؤلاء ليس عليهم صيام لعدم وجود العقل. كذلك أيضًا ذكرنا من شروط وجوب الصيام القدرة، أن يكون قادرًا على الصيام، فمن كان عاجزًا عن الصيام فإنه لا يجب عليه الصيام، لقول الله جل وعلا: ﴿لا يكلف الله نفسًا إلا وسعها﴾، وقوله سبحانه: ﴿فاتقوا الله ما استطعتم﴾. ويخرج بقولنا قادر على الصيام من كان عاجزًا، وهذا العجز ينقسم إلى قسمين: عجز طارء، وعجز مستمر. فممن يكون عاجزًا المريض، من كان مريضًا، وهذا المرض مرض طارء، المرض ينقسم إلى قسمين: مرض طارء على الإنسان ويرجى زواله، وأن يشفى من هذا المرض، وقد يكون المرض مرضًا مزمنًا مستمرًا. فالمرض الطارء ينقسم إلى ثلاثة أقسام، أو ثلاثة أحوال: الحالة الأولى أن يكون المرض مرضًا شديدًا لا يستطيع معه الصيام، فهذا يجب عليه أن يفطر، ولا يجوز له أن يصوم، لقول الله جل وعلا: ﴿ولا تلقوا بأيديكم إلى التهلكة﴾، وقوله سبحانه: ﴿ولا تقتلوا أنفسكم إن الله كان بكم رحيمًا﴾. فإذا كان سيصوم وهذا الصوم يشق عليه مشقة عظيمة حتى ربما يهلك، فإنه لا يجوز له في مثل هذه الحال أن يصوم، بل يجب عليه أن يفطر. الحالة الثانية أن المرض يشق عليه لكن مشقة خفيفة، ويستطيع أن يصوم، فهذا عليه أن يصوم ولا يفطر، إذا كان المرض مرضًا يسيرًا ومرضًا خفيفًا كالصداع اليسير وألم الأصبع وحمى خفيفة ونحو ذلك من الأمراض الخفيفة، فهذا عليه أن يصوم ولا يفطر. الحالة الثالثة أن يصاب بمرض، وهذا المرض مرض شديد، لكن يستطيع معه الصيام، فهذا يستحب له الفطر إذا ما الذي يترخص بالفطر بالمرض؟ نقول: من كان مرضه مرضًا إن صام زاد المرض أو تأخر الشفاء، فهذا له أن يفطر، إذا كان المرض إذا صام يزيد هذا المرض أو يتأخر الشفاء، فهذا له أن يفطر، ثم يقضي ما أفطر من أيام، لقول الله جل وعلا: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. طيب هذا المرض الطارء، فإن كان المرض مرضًا مستمرًا ومرضًا مزمنًا، يقول الأطباء: إن هذا المرض ليس له شفاء فيما نعلم، وفيما هو في استطاعتنا وقدرتنا لا نجد له شفاء، كمرض السرطان أو مرض الفشل الكلوي أو نحو ذلك من مثل هذه الأمراض المستعصية، ولا يمكن أن يصوم هذا المريض مع وجود هذا المرض، فحينئذ يفطر، وهل عليه قضاء؟ الجواب: لا، وإنما عليه الإطعام، يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، لأن مرضه مرضًا مستمرًا، فيكون حكمه كحكم كبير السن الذي لا يستطيع الصيام. وهو النوع الثاني ممن يخرج بقولنا قادرًا على الصيام، فخرج بذلك المريض، وكذلك أيضًا يخرج كبير السن، الرجل إذا كبر في السن، وهكذا المرأة إذا صارت عجوزًا فشق عليهما الصيام، يشق عليهما أن يصوم، فهذان لا يجب عليهما الصيام، الرجل الكبير في السن والمرأة العجوز لا يجب عليهما الصيام، وما الواجب عليهما؟ الواجب عليهما الإطعام، يفطران ويطعمان عن كل يوم مسكينًا. فالله عز وجل يقول: ﴿وعلى الذين يطيقونه فدية طعام مسكين﴾، كان الصيام في أول الأمر، أول ما فرض كان على جهة التخيير، من شاء صام ومن شاء أفطر وأطعم بدل الصيام، ثم جاء الأمر بالإلزام أنه لابد من الصيام، وليس هناك تخيير، نسخ التخيير بقول الله جل وعلا: ﴿فمن شهد منكم الشهر فليصومه﴾، أمر الله عز وجل من شهد الشهر أن يصوم، ولا يخير، فنسخ التخيير في حق من كان قادرًا على الصيام، لابد أن يصوم. لكن من كان عاجزًا، كالكبير في السن والمريض مرضًا مزمنًا ومستمرًا، هؤلاء ما يستطيع الصيام، هل نقول: ليس عليكم شيء، أنتم غير قادرين على الصيام فلا يجب عليكم الصيام والحمد لله؟ أو نقول: عليكم بدل الصيام، وهو الإطعام، نقول: عليكم بدل الصيام وهو الإطعام الذي كان في أول الأمر قبل الأمر بالإلزام بالصيام؟ الجواب: الثاني، نقول: عليكم الإطعام بدل الصيام، فيكون نسخ التخيير بين الصيام وبين الفطر والإطعام هذا في حق من كان قادرًا على الصيام. وأما من كان عاجزًا فيبقى في حقه الإطعام بدل الصيام، وهذا قول جمهور أهل العلم، قول جمهور أهل العلم أن الكبير في السن الذي لا يستطيع الصيام يفطر ويطعم عن كل يوم مسكينًا، وجبة يطعمهم وجبة عشاء أو نحو ذلك، سواء كان ذلك في أول رمضان أو في آخر رمضان، لكن بعد دخول رمضان. وقد صح عن أنس بن مالك رضي الله عنه لما كبر وأفطر، صنع جفنة من ثريد الخبز مع اللحم أو المرق، ثم أطعم ثلاثين مسكينًا، كما عند الإمام الدارقطني رحمه الله. فهكذا من كان عاجزًا عن الصيام في أول رمضان، إن أحب جمع ثلاثين مسكينًا وأطعمهم، أو أطعم عن كل يوم مسكينًا. كذلك أيضًا يخرج بقولنا قادر على الصيام الحامل والمرضع، المرأة الحامل إذا خافت على نفسها إن صامت أن تتضرر، أو خافت على جنينها أن يتضرر بالصيام لأنه يحتاج إلى غذاء، وهكذا المرضع، المرأة المرضع إذا خافت على نفسها أو خافت على جنينها أو على رضيعها إن صامت أن يقل اللبن أو نحو ذلك فيتضرر بسبب صيامها، فلها أن تفطر. فالحامل والمرضع لا يجب عليهما الصيام، ما هو الدليل؟ حديث أنس بن مالك الكعبي رضي الله عنه في السنن، قال عليه الصلاة والسلام: «إن الله وضع عن المسافر شطر الصلاة - يعني نصفها - وعن الحامل والمرضع الصوم»، فدل الحديث أن الحامل والمرضع لا يجب عليهما الصيام. طيب ما الذي عليهما؟ بعض أهل العلم يفصل: إن كان الخوف خوف الحامل على جنينها والمرضع على رضيعها، فعليها القضاء والإطعام، وإن كان الخوف على نفسهما فعليهما القضاء فقط. والأصح والله أعلم أن عليهما القضاء فقط، سواء خافتا على نفسيهما أو خافتا على ولدهما، والدليل قول الله عز وجل: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، لم يأمر ربنا جل وعلا ممن أفطر لعذر إلا بالقضاء فقط، لم يأمر إلا بالقضاء فقط، فنقول: إن أفطرتا فعليهما القضاء. طيب ثم ذكرنا أيضًا من وجوب مشروط وجوب الصيام أن يكون مقيمًا، الإقامة، فالمسافر لا يجب عليه الصيام، لقول الله جل وعلا: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، يعني إذا أفطر كما يقول جمهور أهل العلم في التقدير في الآية: فمن كان منكم مريضا أو على سفر فأفطر فعدة من أيام أخر، فالمسافر لا يجب عليه الصيام، بل له رخصة في الفطر وترك الصيام. تأتي مسألة وهي: هل يشترط في السفر أن يكون سفرًا فيه مشقة أو له أن يفطر ولو كان السفر سفرًا مريحًا؟ إنسان سافر في الطائرة من بلد إلى بلد أخرى، يعني مضى ساعة أو ساعة ونصف أو ساعتين، وهو في غاية من الراحة، ما في أي تعب، أو سافر بمركب في غاية من الراحة، المكيف شغال، ما يشعر بشيء من التعب، هل له أن يفطر أم لا؟ الجواب: له أن يفطر ما دام أنه مسافر، فله أن يفطر. لأن الله عز وجل يقول: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾، فالعلة في الترخص برخص السفر بالفطر وقصر الصلاة هو السفر نفسه، السفر نفسه هو العلة، وأما المشقة فهي مظنة مظنة السفر، يعني يغلب على الظن أن يكون في السفر مشقة، لكن ليس المشقة هي العلة في الترخص، بل له أن يترخص وإن لم يجد مشقة في سفره، له أن يفطر، وكذلك أيضًا له أن يقصر الصلاة. بل شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله يقول: من قال إن المسافر إن المسافر ليس له أن يترخص بالفطر إلا إذا كان في سفره مشقة، قال: يستتاب فإن تاب وإلا قتل، لماذا؟ لأن الله عز وجل أطلق في الآية، أطلق في الآية ولم يقيد ذلك بالمشقة، فإننا نطلق ما أطلقه الله جل وعلا. طيب مسألة تتعلق بالسفر، وهو ما حد السفر الذي يترخص فيه المسافر بالفطر؟ الجواب في قول جماعة من المحققين من أهل العلم أنه مرجع في ذلك إلى العرف، ما عد في العرف أنه سفر فهو سفر يترخص فيه برخص السفر، من قصر الصلاة والفطر في رمضان، سواء كانت مسافة هذا السفر عرفًا ثمانين كيلو أو أقل أو أكثر. لأن الشرع علق الأحكام بالسفر ولم يحد للسفر حدًا معينًا، لم يحد للسفر حدًا معينًا، فإننا نرجع حينئذ إلى العرف، نرجع إلى العرف، والعرف معمول به إذا ورد حكم من الشرع الشريف لم يحدد. تأتي مسألة: متى يفطر المسافر؟ متى يفطر المسافر؟ إنسان أراد أن يسافر، عزم على السفر، متى يفطر؟ هل يفطر هو في بيته قبل أن يسافر أو يفطر بعد أن يسافر؟ الجواب: أنه يفطر بعد السفر، بعد أن يسافر، أي يبدأ في السفر، إذا خرج من بيته ومشى في مركبه وغادر بلدته ومنطقته فله أن يفطر. لأن الله عز وجل يقول: ﴿وإذا ضربتم في الأرض فليس عليكم جناح أن تقصروا من الصلاة﴾، إذا ضربتم، علق الله عز وجل حكم الترخص بالسفر بالضرب في الأرض، يعني في المشي والسير، فإذا سافر وخرج من بلده فله أن يترخص بالفطر. طيب مسألة: إذا كان الإنسان عمله دائمًا في سفر، عمله دائمًا في سفر، إنسان دائمًا يذهب من الشحر مثلًا إلى المهرة ويرجع من المهرة إلى الشحر، هكذا عمله دائمًا في رمضان، هل له أن يفطر؟ الجواب: نعم له أن يفطر، ما دام أنه مسافر فله أن يفطر، الله عز وجل يقول: ﴿فمن كان منكم مريضا أو على سفر فعدة من أيام أخر﴾. أيهما أفضل؟ مسألة: أيهما أفضل المسافر الفطر أو الصيام؟ بالنسبة لمشروعية الفطر، فهذا باتفاق أن المسافر له أن يفطر، لكن الكلام هنا على الأفضلية، ما هو الأفضل في حقه؟ هل يصوم أو الأفضل أن يفطر؟ فالجواب: وإن كان المسألة فيها خلاف بين أهل العلم أنه ينظر في حاله، إن كان يشق عليه الصيام في السفر في نهار رمضان، فالأفضل أن يفطر ويترخص برخص السفر. وقد أفطر النبي عليه الصلاة والسلام في بعض أسفاره في رمضان، وإن كان لا يشق عليه الصيام في نهار رمضان، فالأفضل أن يصوم، لماذا؟ أولًا لإدراك فضيلة الصيام في رمضان، فالصيام في رمضان ليس كالصيام في غيره، فكونه لا يشق عليه الصيام، فالأفضل أن يصوم يدرك فضيلة الصيام في هذا الشهر. والأمر الثاني أن صيامه مع الناس أسهل عليه أن يصوم وحده، أسهل عليه أن يصوم وحده، والأمر الثالث أنه بذلك يتعجل في إبراء ذمته من هذا الواجب وهو صيام رمضان، مع عدم المشقة عليه في الصيام أو كذلك أيضًا عدم المشقة في أدائه في نهار رمضان، فبهذه الحالة الأفضل أن يصوم مع جواز الفطر في حقه. طيب ثم ذكرنا كذلك من شروط وجوب الصيام الخلو من المانع، والمراد بذلك خلو المرأة من الحيض والنفاس، خلو المرأة من الحيض والنفاس، فالحيض والنفاس مانعان يمنعان من الصيام، قال النبي عليه الصلاة والسلام في حديث بسعيد في الصحيح: «أليس إذا حاضت لم تصلي ولم تصم؟»، وفي حديث عائشة بالصحيحين لما سئلت: ما بال الحائض تقضي الصوم ولا تقضي الصلاة؟ قالت: «كان يصيبنا ذلك في عهد رسول الله صلى الله عليه وسلم فنؤمر بقضاء الصوم ولا نؤمر بقضاء الصلاة». إذن الحائض إذا جاءها الحيض فإنها لا تصلي ولا تصوم، وفي حكمها النفساء، إذا ولدت المرأة وخرج منها دم النفاس الذي هو دم الولادة، فإنها تمتنع من الصلاة والصيام، تمتنع من الصلاة والصيام، حتى لو خرج دم الحيض قبل غروب الشمس بدقائق، امرأة صائمة وقبل أن تغرب الشمس بخمس دقائق خرج منها دم الحيض، ثم غربت الشمس، ما حكم صيامها؟ الجواب: أن صومها فاسد، فسد صومها بخروج دم الحيض. لكن لو لم يخرج إلا بعد غروب الشمس، لو لم يخرج إلا بعد غروب الشمس، حست المرأة بتحرك دم الحيض، لكن لم يخرج شيء بعد، قبل غروب الشمس لم تر شيئًا، وبعد أن غربت الشمس وأفطرت رأت الدم، فهنا صومها صحيح، لأن خروج الدم هنا كان بعد غروب الشمس، وكذا في حكمها كذلك النفساء إذا خرج منها دم الولادة فسد صومها. وكذلك أيضًا لا يجوز للحائض أو النفساء أن تصوم، لا يجوز للحائض أن تصوم، وإن صامت وهي حائض فصومها باطل، وهي آثمة على ذلك. هذا ما يتعلق بشروط وجوب الصيام، ونذكر إن شاء الله في المجلس القادم بما يجب صيام رمضان. إلى هنا صلى الله وسلم عن نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.