علامات قبول الأعمال

المحاضرة بعنوان علامات قبول الأعمال، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر عصر يوم السبت 26 رمضان 1442هـ الموافق 8 مايو 2021م ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة

أهمية قبول الأعمال وأسبابها

يبرز المقطع حرص الأنبياء والصالحين على دعاء الله بقبول أعمالهم، مؤكداً أن القبول نعمة كبرى والرد مصيبة عظيمة. ويبين أن الإخلاص لله وحده هو السبب الرئيس لقبول الأعمال كما دل عليه القرآن والسنة.

شروط قبول العمل: الإخلاص والمتابعة

يشترط لقبول الأعمال شرطان أساسيان هما الإخلاص لله والمتابعة للنبي صلى الله عليه وسلم، فالأعمال المبتدعة أو غير المخلصة مردودة على صاحبها. وتتمثل علامة القبول في عدم العودة إلى الذنب والاستمرار في فعل الخيرات.

علامات القبول وآداب الاعتكاف

يسرد المتحدث علامات قبول الطاعة كنشاط القلب للطاعة، واستمرار الاستقامة بعد رمضان، وانشراح الصدر للذكر، ومحبة الصالحين. وينبه المعتكفين إلى منع دخول الأطفال وإزعاجهم حفاظاً على الخشوع والعبادة في المعتكف.

خاتمة الدرس ونسبة الترجمة

يختتم المقطع بالبسملة والحمد لله رب العالمين، مع ذكر اسم المترجمة نانسي قنقر نسبةً للترجمة. وتأتي هذه الخاتمة لتوقيع الدرس وتوثيق جهد الترجمة.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله. أما بعد: فقد كان الأنبياء والمرسلون وعباد الله الصالحون يدعون الله سبحانه وتعالى أن يتقبل منهم الأعمال الصالحة. فقد قال ربنا سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾. يقول أبو الدرداء رضي الله تعالى عنه: «لأن أستيقن أن الله سبحانه وتعالى تقبل مني ركعة واحدة أحب إلي من الدنيا وما فيها؛ لأن الله عز وجل يقول في كتابه الكريم: ﴿ إِنَّمَا يَتَقَبَّلُ اللَّهُ مِنَ الْمُتَّقِينَ ﴾». ومع ما عليه الأنبياء والمرسلون من المنزلة العلية ومن الرسالة والنبوة، إلا أنهم كانوا يدعون الله أن يتقبل منهم أعمالهم. فهذا نبي الله إبراهيم وكذلك إسماعيل، لما أمرهم الله عز وجل أن يبنيا بيته الحرام، فامتثلا لأمر الله، وهما يبنيان هذا البيت كان من دعائهما: ﴿ رَبَّنَا تَقَبَّلْ مِنَّا إِنَّكَ أَنْتَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ ﴾، وهما رسولان من رسل الله عز وجل، ومع هذا دعيا بهذا الدعاء؛ ليدل على أهمية الحرص على قبول الأعمال، ومن ذلك التضرع إلى الله والدعاء بأن يقبل الله عز وجل أعمالنا. وهذا نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم كان في كل يوم يدعو ربه أن يتقبل أعماله. فعند ابن ماجه من حديث أم سلمة رضي الله تعالى عنها أنها قالت: «كان النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إذا أصبح يقول: اللهم إني أسألك علماً نافعاً، ورزقاً طيباً، وعملاً متقبلاً، عملاً متقبلاً في كل صباح». ولذلك ذكر العلماء أن هذا الدعاء من أدعية وأذكار الصباح، فهذا يدلنا يا عباد الله على أهمية التضرع إلى الله بهذا الدعاء، ألا وهو قبول الأعمال. وهكذا كان السلف الصالح رحمهم الله يحثون الخلق على أن يعتنوا بقبول العمل. فهذا علي بن أبي طالب رضي الله تعالى عنه كان يقول: «ليت شعري من المقبول فينا فنهنيه، ومن المحروم فينا فنعزيه». وهكذا عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه، وثر عنه أنه قال: «يا أيها المقبول هنيئاً لك، ويا أيها المردود جبر الله مصيبتك». فعدم قبول العمل مصيبة عظيمة، أن ينصب المسلم وأن يعمل ثم يرد عليه عمله، والعياذ بالله. ولقبول الأعمال أسباب وعلامات، فمن أسباب قبول الأعمال الإخلاص لله عز وجل، أن تخلص في عملك لله سبحانه وتعالى وحده. قال الله عز وجل: ﴿ فَمَنْ كَانَ يَرْجُو لِقَاءَ رَبِّهِ فَلْيَعْمَلْ عَمَلًا صَالِحًا وَلَا يُشْرِكْ بِعِبَادَةِ رَبِّهِ أَحَدًا ﴾. أن يكون العمل لله وحدا، ما فيه رياء ولا سمعة، ما تعمل العمل لأغراض دنيوية من مدح أو ثناء أو لعاعة من لعاعات هذه الدنيا، وإنما تعمل العمل ابتغاء مرضاة الله، احتساباً للأجر من الله. ولذلك جاء في حديث أبي هريرة في الصحيح قال عليه الصلاة والسلام: «من صام رمضان إيماناً واحتساباً غفر له ما تقدم من ذنبه». واحتساباً: أن يحتسب الأجر من الله، لا يصوم عادة، أو يصوم خوفاً من مذمة الناس وحياء من أبيه أو أمه أو إخوانه، وإنما يصوم ابتغاء الأجر من الله. فمن عمل الأعمال لغير الله لم تقبل منه هذه الأعمال، بل ترد عليه. جاء في مسلم من حديث أبي هريرة في الحديث القدسي: «من عمل عملاً أشرك فيه معي غيري تركته وشركه، تركته وشركه». فهذا يدعونا جميعاً إلى أن نخلص الأعمال لله سبحانه وتعالى. وهكذا من أسباب قبول الأعمال وعدم ردها: المتابع للنبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، وأن ينصب الإنسان وأن يجتهد الإنسان في سنة لا في بدعة. فإذا اجتهد في بدعة ردت عليه هذه الأعمال. فيتحر المسلم في عباداته اتباع السنة، وأن يتعبد لله عز وجل بما تعبد به نبينا محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم. جاء أثر عن عمر بن الخطاب رضي الله تعالى عنه وأرضاه أنه مر على عابد من عباد بني إسرائيل، وهذا طبعاً بعد الإسلام، فرأى عليه من العبادة والخشوع والنصب فبكى عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. فقيل له: ما يبكيك؟ قال: تذكرت قول الله عز وجل: ﴿ وُجُوهٌ يَوْمَئِذٍ خَاشِعَةٌ * عَامِلَةٌ نَاصِبَةٌ * تَصْلَى نَارًا حَامِيَةً ﴾. خاشعة وعاملة وناصبة، ومع ذلك تصل ناراً حامية. لماذا؟ لأنها نصبت وتعبت في غير سنة. فبعد مبعث النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم لا يقبل من يهودي ولا نصراني وهو لا يزال على ديانة غير ديانة الإسلام، لا تقبل منه عبادة، لأن هذا الإسلام الذي جاء به النبي عليه الصلاة والسلام ناسخ لجميع الأديان. فتعجب ممن هو مصر على أن يخالف السنة ويجتهد في البدعة، فلربما طيلة الليل وفي هذه الأيام الفاضلة وهو في البدع من أذكار مبتدعة، ومن تخصيص عبادات في مساجد معينة في ليالي معينة بما يسمى بالختاميات ونحو ذلك. هذه الأعمال مردودة على أصحابها لأنها خلاف السنة، وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم كما في حديث عائشة: «من عمل عملاً ليس عليه أمرنا فهو رد مردود». فاقتصاد في سنة خير من اجتهاد في بدعة. فاحذروا يا عباد الله من العبادات المبتدعة، ومن كذلك الأعمال المخالفة لهدي النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وهكذا يا عباد الله، لقبول الأعمال علامات ذكرها العلماء يستدل بها بإذن الله على قبول عمل العامل. فمن هذه العلامات: أنه لا يرجع إلى الذنب بعد الطاعة. إذا أطاع الله واستمر على هذه الطاعة ولم يرجع إلى الذنب، فهذه بشارة خير وعلامة على قبول العمل. جاء عن يحيى بن معاذ رحمه الله أنه قال: «من استغفر بلسانه وقلبه على المعصية معقود، وعزمه لن يرجع بعد الشهر ويعود، فصومه عليه مردود، وباب القبول في وجهه مسدود». الذي يستغفر بلسانه لكن قلبه على المعصية معقود، عازم على الرجوع إلى هذه المعصية وهو يستغفر منها، فلن ينفعه هذا الاستغفار؛ لأن من شروط التوبة الصادقة النصوح العزم على عدم الرجوع إليها بعد الإقلاع منها. فلا يكفي الإقلاع فحسب، بل كذلك العزم على عدم الرجوع إليها. فإذا وفقك الله لترك ذنب وعمل طاعة ثم تركت هذا الذنب ولم تعد إليه، فهذه بشارة خير وعلامة بإذن الله على قبول طاعتك. وهكذا من علامات قبول الأعمال: أن يتبع الطاعة بالطاعة، فإن الحسنة تجر أختها. إذا عملت الطاعة فإن النفس تنشط وتنشرح لفعل طاعة أخرى، فإن كنت كذلك فهذه بشارة خير وعلامة قبول بإذن الله سبحانه وتعالى. فلا ترجع إلى الخلف، وإنما كن مقدماً إلى الخير والطاعات والأعمال الصالحات. فمثلا تجد بعض المسلمين يكون على خير في هذا الشهر من ترك للذنوب والمعاصي، ومن إقبال على المساجد والمحافظة على الصلوات في جماعة وقراءة القرآن وتزكية النفس، فبمجرد أن يخرج رمضان يرجع إلى سابق عهده الذي كان قبل رمضان، فيرجع إلى التهاون في الصلوات وهجر القرآن والرجوع إلى المعاصي والآثام التي كان يرتادها ويعتادها. فإذا كان كذلك فهذه علامة على عدم قبول أعماله. فقبول الأعمال إنما يكون بصلاح هذا المسلم، وبي كذلك تحسن حاله وارتقاء أخلاقه ونحو ذلك. وأيضاً من علامات قبول الأعمال: انشراح الصدر للطاعة. فإن الله يحب الإيمان إلى قلوب عباده المؤمنين، وحبب إليكم الإيمان وزينه في قلوبكم، وكره إليكم الكفر والفسوق والعصيان. فإذا رأيت من قلبك انشراحاً للطاعات واطمئناناً لذكر الله، فهذه بشارة خير. قال الله عز وجل: ﴿ الَّذِينَ آمَنُوا وَتَطْمَئِنُّ قُلُوبُهُمْ بِذِكْرِ اللَّهِ أَلَا بِذِكْرِ اللَّهِ تَطْمَئِنُّ الْقُلُوبُ ﴾. وقال الله عز وجل: ﴿ وَالَّذِينَ اهْتَدَوْا زَادَهُمْ هُدًى وَآتَاهُمْ تَقْوَاهُمْ ﴾. إذا هداك الله إلى العبادة والطاعة يزيدك هدى، يزيدك هدى وأعمالاً وانشراحاً ورغبة في الخير. فمن شعر من نفسه ذلك فهذا بإذن الله علامة خير وبشارة خير. وأيضاً من علامات قبول العمل: محبة الصالحين ومحبة الجلوس معهم ورفقتهم. فإن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم يقول: «إن من أوثق عرى الإيمان الحب في الله والبغض في الله». وقال الله عز وجل في كتابه الكريم: ﴿ وَاصْبِرْ نَفْسَكَ مَعَ الَّذِينَ يَدْعُونَ رَبَّهُمْ بِالْغَدَاةِ وَالْعَشِيِّ يُرِيدُونَ وَجْهَهُ وَلَا تَعْدُ عَيْنَاكَ عَنْهُمْ تُرِيدُ زِينَةَ الْحَيَاةِ الدُّنْيَا ﴾. فإن وجدت من نفسك محبة لأهل الخير والصلاح وقرباً منهم، ومحبة لمجالسهم، فهذه علامة قبول بإذن الله؛ لأن مجالسة الصالحين تعينك على الاستمرار في الطاعة وعلى الثبات على الدين وعلى الأعمال الصالحة. فالزم الأخيار من الصالحين، سواء كان برفقتهم أو الجلوس معهم في مجالسهم أو في دروسهم أو في محاضراتهم أو نحو ذلك، فستجد الخير العظيم، وستجد التذكير والتنبيه، وهكذا النصح والإرشاد لك والانتفاع بالخير. فالزم صحبة الصالحين. فهذه بعض الكلمات والتوجيهات التي تتعلق بهذا الباب، باب الحرص على قبول الأعمال. قد يقول قائل: قبول الأعمال أمر غيبي. نقول: نعم، أمر غيبي لا يعلمه إلا الله، ولكن الله جعل لنا أسباباً وعلامات نستدل بها على قبول العمل من عدمه، ولا نجزم لأحد بقبول عمله، ولكن نرجو للمحسن ونخاف على المسيء. وهنا تنبيه يتعلق بأمر المعتكفين: وهو أن بعض المعتكفين يأتي أولاده الصغار ويدخلون المعتكف، ويصورون ويرفعون أصواتهم ويزعجون ونحو ذلك. فانتبهوا أيها المعتكفين لأبنائكم، ويا حبذا لو يمنع غير المعتكفين من الدخول إلى المعتكف، هذا أفضل؛ حتى لا يفتح هذا الباب، باب دخول المعتكف لكل من هب ودب. فأيها المعتكف، أنت جئت من أجل أن تصلح نفسك وتصلح حالك، فاحذر من أن تشوش على غيرك وأن تضر بغيرك. فنسأل الله أن يوفقنا وإياكم جميعاً لما يحب ويرضى. وإلى هنا والحمد لله رب العالمين. ترجمة نانسي قنقر