الدرس في شرح عقيدة السلف للإمام الصابوني 44، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
ذكر الإمام ابن تيمية دور الخلفاء الراشدين في نصرة الدين وذكر جهودهم في قتال المرتدين والفتوحات الإسلامية. قام هؤلاء الخلفاء بدور كبير في استقرار الإسلام بعد وفاة النبي عليه الصلاة والسلام.
يُظهر المقطع قوة الإسلام وانتشاره في مختلف أنحاء العالم منذ عهد النبي صلى الله عليه وسلم وصحابته. يُبيّن أيضًا كيف أن الشيطان يئس من عبادة الناس للوثنيات بعد انتشار الإسلام.
يتناول المقطع تفسير الآيات القرآنية التي تتحدث عن الصحابة وفضلهم، ويشرح الأحاديث النبوية التي تبين أهمية محبتهم وفضلهم. يُؤكد على وجوب حبهم وحرمة سبهم.
يتم ختام الحديث بالإشارة إلى الاكتفاء بما تمت مناقشته، مع التأكيد على أن العلم الكامل عند الله تعالى. يُنهي المقطع بالتأكيد على أهمية ما سبق مناقشته.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين والصلاة والسلام على رسول الله وآله وصحبه ومن والاه، وبعد. قال الإمام ابن تيمية رحمه الله: وكان هؤلاء الأربعة الخلفاء الراشدين الذين نصر الله بهم الدين وكبّ الإلحاد وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوى بمكانهم الإسلام. هؤلاء الأربعة الخلفاء: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي. تقدم أن النبي عليه الصلاة والسلام ذكر أنها خلافتهم خلافة راشدة، الخلافة الراشدة بعد ثلاثين سنة، كما في حديث سفينة مولى رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم. وهم هؤلاء الأربعة: أبو بكر وعمر وعثمان وعلي، فهؤلاء الخلافة الراشدة. وبعدهم كان ملكًا عضوضًا. إن أول ملوك الإسلام هو معاوية رضي الله عنه، وسماه النبي عليه الصلاة والسلام ملكًا؛ لأنه كان في ذريته، أو جعل الخلافة بعده في ولده، وإن كان في بداية الأمر ما كان يريد هذا، ثم بدا له أن يجعل ابنه، فسماه النبي عليه الصلاة والسلام ملكًا. لكنه ملكًا كان معاوية رضي الله عنه ملكًا عادلًا، وأيضًا صحابيًا جليلًا رضي الله عنه. بخلافة هؤلاء الأربعة قال: نصر الله بهم الدين؛ لأن هناك من ارتد عن دين الله جل وعلا بعد موت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، فقيض الله عز وجل لهم الصديق رضي الله عنه، فقاتلهم حتى رجعوا، ورجع الناس بعد ذلك. والنكتة في ذلك أن الناس لما مات النبي عليه الصلاة والسلام ارتاب بعضهم، وظنوا أن الإسلام قد انتهى أو أنه ضعف. فلما رأوا شكيمة الصحابة وقوتهم علموا أن الإسلام باقٍ ببقاء هؤلاء الخلفاء بعد رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وخاصة لما سير أبو بكر رضي الله عنه جيش أسامة، سيره إلى الروم والناس يرتدون من حوله. فلما رأوا هذا الجيش ذاهبًا إلى الروم عرفوا أن قوة الإسلام لا زالت بمكانتها، فرجع كثير من الناس. ومنهم من رجع بقوة، بالقوة وبالمحاربة وبالسيف؛ لأنهم دعاهم أبو بكر رضي الله عنه، لكنهم لم ينقادوا. ومنهم من ادعى النبوة، كما فعل مسيلمة بن حنيفة، وكذلك أيضًا أصحاب طليحة الأسدي والأسود العنسي وغيرهم ممن تنبأ بعد النبي عليه الصلاة والسلام أو في وقته. قال: الذين نصر الله بهم الدين وكبّ الإلحاد وقهر وقسر بمكانهم الملحدين، وقوّى بمكانهم الإسلام. وأيضًا كانت الفتوحات الكثيرة في عهد الخلفاء رضي الله عنهم، وقوة الإسلام. فليست هناك قوة كقوة الإسلام. مات رسول الله صلى الله عليه وسلم وقد دانت له الجزيرة كلها، ومات علي رضي الله عنه وقد دانت العرب كلهم جميعًا: الشام والعراق واليمن وغيرها من بلاد الإسلام. ثم جاءت بعد ذلك في عهد الأمويين الفتوحات الكثيرة في بلاد الكفر، الذين أسلموا بعد ذلك في المغرب وفي الغرب وفي الشرق، ففتحت الفتوحات بعد ذلك وزادت رقعة الإسلام. كما أخبر النبي عليه الصلاة والسلام ﴿إن الله زوى لي الأرض فرأيت مشارقها ومغاربها وإن ملك أمتي سيبلغ ما زوي لي منها﴾. قال رحمه الله: ونور بضيائهم ونورهم وبهائهم الظلام، ورفع في أيامهم للحق أعلام. وحقق بخلافتهم وعده السابق في قوله تعالى: ﴿وعد الله الذين آمنوا منكم وعملوا الصالحات ليستخلفنهم في الأرض كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا يعبدونني لا يشركون بي شيئًا﴾. هذا الشرط، وهذا الشرط قد وفاه الصحابة رضي الله عنهم. حتى أن النبي عليه الصلاة والسلام في آخر عمره يقول: «إن الشيطان قد أيس أن يعبده المصلون في جزيرة العرب، ولكن بالتحريش». أن الشيطان لما رجع الناس إلى توحيد الله جل وعلا وإلى عبادة الله سبحانه وتعالى، أيس أن يكون هؤلاء يعبدون غير الله؛ لأنهم انصاعوا إلى الله وعرفوا أن التوحيد هو الطريق السليم الذي يجب على كل مرء أن يسلكه، وأن خلافه الخطر وكذلك النار والجحيم بعده. فلهذا أيس الشيطان. والشيطان لا يعلم الغيب، لكن لما رأى هذه الجموع المتوجهة إلى الله عز وجل وإلى عبادته، أصابه اليأس أن يعيد عبادة الأصنام بعد ذلك. لكن فهم كثير من هؤلاء المتصوفة -عباد القبور- أن اليأس هذا من الشيطان يعتبر كأنه علم وكأنه يعلم الغيب. فقالوا: إن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «قد أيس الشيطان أن يعبده المصلون»، فمعنى ذلك -في تفسيرهم- أنه لا شرك في جزيرة العرب. وهذا تفسير بعيد جدًا؛ لأن النبي عليه الصلاة والسلام لم يخبر أنه لا شرك في جزيرة العرب، ولا يكون الشرك، وإنما أخبر بأن يأس الشيطان ويأسه أن يعبده المصلون، لكن الشيطان كما قلنا وكما هو معروف لا يعلم الغيب. فلهذا بعد ذلك حرش على الناس حتى عبدت الأصنام بعد ذلك، وعبد البشر وتنوعت العبادات. قال: ﴿كما استخلف الذين من قبلهم وليمكنن لهم دينهم الذي ارتضى لهم وليبدلنهم من بعد خوفهم أمنًا﴾. وقال في قول الله تعالى: ﴿والذين معه أشداء على الكفار رحماء بينهم﴾ إلى قوله: ﴿كزرع أخرج شطأه فآزره فاستغلظ فاستوى على سوقه يعجب الزراع ليغيظ بهم الكفار﴾. الكفار هم أيضًا الذين يخفون البذرة، سمي كافرًا لأنه يخفي البذرة. وهنا أراد النبي صلى الله عليه وسلم أن يبين فضل هؤلاء الصحابة رضي الله عنهم في قوتهم، وكذلك في مؤازرتهم، وأيضًا في صفوفهم، وأنهم صف واحد ضد الكفار. قال: فمن أحبهم -أي حب الصحابة والخلفاء- وتولاهم ودعا لهم ورعى حقهم وعرف فضلهم، فاز في الفائزين. والنبي عليه الصلاة والسلام قد بيّن هذا كما سيذكر المؤلف. قال: «ومن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله». وهذا الحديث لا يصح، لكن قد صح حديث «لا تسبوا أصحابي» في الصحيحين. والذي نفسي بيده لو أنفق أحدكم مثل أحد ذهبًا ما أدرك مد أحدهم ولا نصيفه. وأما قول: «فمن سبهم فعليه لعنة الله»، فقد جاء في حديث آخر في الصحيحة. أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «من سب أصحابي فعليه لعنة الله والملائكة والناس أجمعين». قال: ومن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم، ومن آذاهم فقد آذاني، ومن سبهم فعليه لعنة الله. وهذا الظاهر أنه أكثر من حديث جمعها المؤلف معًا. فجاءت هذه العبارات في الحديث، من ذلك حديث عمر لما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «عليكم بأصحابي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم». وصحت بعض هذه العبارات عن النبي عليه الصلاة والسلام كما قلنا في حديث عمر. وكذلك جاء في حديث عبد الله بن مغفل: «الله الله في أصحابي، لا تتخذوهم غرضًا بعدي، فمن أحبهم فبحبي أحبهم، ومن أبغضهم فببغضي أبغضهم». لكن فيه بعض الجهالة. لكن يشهد لذلك حديث عمر الذي أخرجه الإمام أحمد، فيه أيضًا الوصية بأصحاب النبي عليه الصلاة والسلام. ولا خلاف بين أهل السنة أن من أحب الصحابة أو حب الصحابة واجب. وقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في الأنصار: «لا يحبهم إلا مؤمن، ولا يبغضهم إلا منافق». وهذا في أيضًا جميع الصحابة، والمهاجرون أولى، وهم أفضل من الأنصار. فهذا في فضل الصحابة رضي الله عنهم. إن شاء الله تعالى نكتفي بهذا والله تعالى أعلم.