الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 16، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يناقش المقطع أقسام اللقطة الثلاثة ويشرح حكم كل قسم. يستند الشرح إلى أحاديث نبوية وأقوال العلماء.
يتناول المقطع الفروق بين الحضانة والولاية والوكالة، ويشرح أحكام كل منها. يبين الشروط المطلوبة في كل حالة.
يتناول المقطع الفروق بين العقود الباطلة والفاسدة في أبواب الفقه المختلفة. يشرح كيفية التعامل مع الوقف ونفقته.
المقطع يتناول مسائل النكاح المختلف فيها مثل النكاح بدون ولي. يبين أهمية وجود حاكم لفسخ هذا النكاح لرفع الخلاف.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "قواعد الأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة" في ذكر "الفروق": قال: من الفروق الصحيحة أن اللقطة ثلاثة أقسام. قال: قسم لا يجوز التقاطه مطلقًا، كالذي يمتنع من صغار السبع، كالإبل ونحوها، وقسم يجوز التقاطه ويملك بلا تعريف، وهو ما لا تتبعه همة أوساط الناس، والقسم الثالث بقية الأموال، فيجب على ملتقطه أن يعرفه حولًا كاملًا، فإذا لم يعرف، دخل في ملكه. والأصل في هذا حديث زيد بن خالد في الصحيحين؛ لما سئل النبي صلى الله عليه وسلم عن اللقطة، فقال النبي عليه الصلاة والسلام لما سئل عن لقطة المال: «اعرف عفاصها وكاءها، وعرفها سنة، فإن لم يعرفها ويميت صاحبها، فاستنفقها، فإن جاء يومًا من الدهر، فأدها إليه». ثم سئل عن لقطة الغنم، فقال: «خذها؛ فإنما هي لك أو لأخيك أو للذئب». وسئل عن لقطة الإبل، قال: «ما لك ولها؟ مع حذاؤها وصيقاؤها، ترد الماء وتأكل الشجر، حتى يجدها ربها». نعم، فهذه فروق الثلاثة مذكورة في الحديث. فالقسم الأول الذي لا يجوز التقاطه مطلقًا: ما يمتنع من صغار السباع، كالإبل والبقر التي تحمي نفسها، فهذا لا تلتقط؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «ما لك ولها؟» يعني أنها تحمي نفسها حتى يجدها صاحبها ومالكها، فلا يلتقطها الإنسان إذا وجد ناقة أو بعيرًا، فهذا لا يأخذه ولا يلتقطه. وأما إذا كان يعني لا يمتنع عن صغار السباع، كالغنم، ولد الناقة الصغير، نعم، وهكذا أيضًا ولد البقر الصغير، فهذا يجوز أن يأخذه؛ كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «هو لك أو لأخيك أو للذئب»؛ لما سئل عن لقطة الشاة؛ لأنه ما تحمي نفسها من صغار السباع، فيجوز التقاطها، ثم بعد ذلك هو مخير بين بيعها والاحتفاظ بثمنها، أو الانتفاع بها، فإذا جاء صاحبه يومًا من الأيام، رده إليه، أو بذبحها وضمان القيمة، نعم، أو يبيعها ويضمن قيمتها. والقسم الثاني مما يجوز التقاطه ويملك بلا تعريف: الأشياء التي ليس لها قيمة، ولا تتبعها همة أوساط الناس. قيل: أوساط الناس؛ لأن بعض الناس قد يتبع هذا الشيء الضائع، وإن كان شيئًا يسيرًا قليلًا من المال، لكن العبرة بما عليه عامة الناس أو أوساط الناس؛ يعني كالقليل من المال، مثلًا، هذا في الغالب أن من ضاع عليه، ما يتبعه ولا يبحث عنه، مثل مئة ريال يمنية، سقطت عليه المئة، قد ما يرجع يبحث عنها ويتعب نفسه في البحث عنها، فمثل هذا إذا وجدها الإنسان، له أن يأخذها ويمتلكها من غير تعريف، ويدل عليه حديث أنس أو غيره في قصة أخذ النبي صلى الله عليه وسلم من تمر الصدقة لما وجدها، فقال: «لولا أني أخشى أن تكون من الصدقة لأكلتها». وهكذا أيضًا الرجل إذا وجد تمرة، فأخذها، فقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن لم تأتها لأتتك». فهذا الشيء اليسير إذا وجده الإنسان، له أن يأخذه؛ يأخذه تمرة، عود، يعني قليل من المال مما لا تتبعه همة أوسط الناس، فإنه يمتلكه من غير تعريف. والقسم الثالث: بقية الأموال؛ الأموال الثمينة؛ ذهب، نقود طيبة، غيرها من أشياء التي لها قيمة، فهذه إذا أخذها الإنسان، فعليه أن يعرفها سنة، يعرفها سنة، ويحفظ صفاتها، يعرفها في يعني أول الأيام يوميًا في الموضع الذي تضيع فيه، في مجامع الناس، كعند الجامع، يعني خارج الجامع إذا خرج الناس من الجمعة، ونحو ذلك، ثم في الأسبوع الثاني، يعني ثلاثة أيام في الأسبوع، وهكذا، ثم الشهر الذي بعده، يعرفها مرة أو مرتين في كل شهر، حتى تمضي السنة، فإذا لم يعرف صاحبها، تملكها واستعملها، وإذا جاء يومًا من الأيام، فهو يضمن له هذه اللقطة. وهذا غير لغة الحرم؛ أما لغة الحرم، لا تملك؛ لغة الحرم إذا أخذها، فإنه لا بد أن يعرفها حتى يجد صاحبها، ولا يملكها ولو بعد سنين، ولو بعد سنين. نعم، هذا نص كلامه. قال: في لغة الحرم، ولا تحل لقطتها إلا لمنشد، يعني معرف، يستمر في تعريفها، بخلاف غير الحرم، فتملك بعد سنة. قال: "أما الفروق": أن الطفلة والطفل قبل التمييز عند أمه، وبعد التمييز يخير الغلام بين أبيه وأمه، والجارية تكون عند أبيها، وبعد البلوغ يستقل الغلام، وتبقى الأنثى عند أبيها حتى يستلمها زوجها. وكل هذا إذا كان المقدم أهلًا للحضانة، ويصون الطفل ويحفظه. يقول: الطفل والطفلة قبل التمييز عند أمه؛ يعني الأم أولى بحضانة الطفل قبل سن التمييز، سواء كان ذكرًا أو أنثى؛ لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «أنت أحق به ما لم تنكحي»، أي ما لم تتزوجي، هذا عند المشاحة والمنازعة، فالأم أولى بحضانة الطفل. قال: وبعد التمييز يخير الغلام بين أبيه وأمه؛ إذا بلغ سن التمييز، أو الغالب سن السابعة، يخير الغلام؛ يعني الولد الصبي، يقال له: هل تريد مع أمك أو مع أبيك؟ فيكون عند من اختاره؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم فعل ذلك، خير غلامًا بعد أن صار مميزًا. قال: والجارية تكون عند أبيها؛ يعني الأنثى تكون عند أبيها؛ لأن أباها أحفظ لها وأصون لرعايتها، وهذا مذهب الحنابلة، وذهب جماعة من أهل العلم، الشيخ الإسلام رحمه الله، حتى المصنف في بعض كتبه، ذهب إلى أنها تكون عند أمها؛ لأن الأم أحفظ لها وأصون لها، بخلاف الأب قد يكون منشغلًا بعمله، وكذا، لكن تبقى عند الأم ترعاها وتحفظها. قال: وبعد البلوغ يستقل الغلام؛ يعني إذا شاء عند أبيه وعند أمه، وتبقى الأنثى عند أبيها حتى يستلمها زوجها؛ يعني ولو بعد البلوغ، تبقى الأنثى عند أبيها؛ لأنها إذا بلغت أصبحت مهيأة للزواج، والذي يزوجها أبوها، فتكون عنده حتى يزوجها للزوج الكفء. قال: وكل هذا إذا كان المقدم أهلًا للحضانة؛ يعني سواء كان من جهة الأم أو جهة الأب، إذا كان كل منهما أهلًا للحضانة، وهلية الحضانة بأن يكون يعني رفيقًا، عدلًا، ليس بفاسق ولا كافر، وكذلك ألا يكون عليها ضرر، ألا يكون عليها ضرر في البقاء عند أمها أو أبيها، كأن يكون إذا كان مثلًا عليها ضرر في البقاء عند أبيها، وزوجته الأخرى تؤذيها مثلًا، فلا يجز هنا أن تبقى عنده، بل تكون الأم أولى وأحق، فإن لم يكن شيء من ذلك من الضرر، فتبقى عند أبيها. والعبرة في باب الحضانة هو بمن يكون أحفظ للولد وأرعى له، سواء كان الأب أو الأم، فإن كانت الحضانة يعني أولى لغيرهما، يكون هذا الولد حضانته مثلًا عند أبيه، عند جده أو جدته، أو خاله أو خالته، أو نحو ذلك من الأقارب، يكون بقاؤه عنده أسلم له وأصلح له، فلا بأس أن يبقى عند غير الأبوين، أن يبقى عند غير الأبوين؛ فالمعتبر في باب الحضانة لمن يقوم بحفظ الطفل وصيانته ورعايته. قالوا: من الفروق الصحيحة أن الوكيل لا يشترط أن يكون عدلًا، والولي لليتيم ونحوه لا بد أن يكون عدلًا؛ لأنه ولاية، والوكالة نيابة. وفرق آخر: الوكيل لا يأكل إلا بإذن موكله، وولي اليتيم إن كان غنيًا فليستعفف، وإن كان فقيرًا أكل بالمعروف، وناظر الوقف يأكل ما شرط له، فإن لم يشرط له أكل بالمعروف. يقول: من الفروق الصحيحة أن الوكيل لا يشترط أن يكون عدلًا، بخلاف ولي اليتيم؛ فإنه يشترط أن يكون عدلًا؛ وذلك أن الوكالة هي عبارة عن عقود عرفية، وأما الولاية فهي عقود شرعية، فلهذا اشترط فيها العدالة، وأما الوكالة فهي نيابة؛ يعني الوكيل يكون نائبًا عن الموكل في التصرف، وأما الولاية فهي يعني قيام هذا الولي على هذا اليتيم برعايته وحفظ ماله، فاشترط في ذلك العدالة؛ لا بد أن يكون عدلًا؛ يعني مسلمًا سالمًا من الفسق ونحو ذلك مما يخدش في العدالة. قال: وفرق آخر: الوكيل لا يأكل إلا بإذن موكله؛ يعني لا يجوز للوكيل أن يتصرف في شيء من مال الموكل إلا بإذن من الموكل، بخلاف الولي اليتيم؛ فإن ولي اليتيم الذي يقوم على مال اليتيم برعايته وحفظه، له أن يأخذ من مال اليتيم إن كان فقيرًا؛ إن كان فقيرًا فيأكل بالمعروف، وأما إن كان غنيًا فيستعفف؛ كما قال الله عز وجل: ﴿وَمَن كَانَ غَنِيًّا فَلْيَسْتَعْفِفْ وَمَن كَانَ فَقِيرًا فَلْيَأْكُلْ بِالْمَعْرُوفِ﴾؛ يعني من يقوم بهذا المال برعايته بمثل هذا الأمر، كم يأخذ مقابل ذلك؟ يأخذ مثل الناس، هذا هو الأكل بالمعروف. وهكذا ناظر الوقف يأكل ما شرط له؛ إن كان شرط له شيء، يقول لك: كذا وكذا في الشهر مثلًا، أو في اليوم، فيأخذه، وإذا لم يشرط له شيء، أكل بالمعروف؛ يعني إذا قام على هذا الوقف، فمثله كم يأخذ في الشهر مثلًا؟ قالوا: عشرة آلاف، فيأخذ في الشهر عشرة آلاف على قيامه على هذا الوقف، ونحو ذلك. قالوا: من الفروق الصحيحة: إذا كان الوقف حيوانًا، وجبت نفقته على كل حال؛ إذا كان الوقف حيوانًا، فالحيوان يجب أن ينفق عليه حتى لا يموت ولا يهلك، فمن أوقفه، وجب عليه أن ينفق عليه؛ أوقف إنسان خيلًا، وقف هذا الخيل يحتاج إلى أكل، فلا بد أن ينفق عليه، نعم، وإذا لم ينفق عليه، فإنه لا بأس أن يؤجر مثلًا هذا الخيل، وهذه الأجرة ينفق عليها على هذا الخيل، نعم، أو يباع بعضه وينفق على البعض الآخر؛ لو أنفق أوقف مثلًا عشرة خيول، وتركت بلا نفقة، أو أغنام مثلًا لينتفع برضاعها، وما أنفق عليها، فحينئذٍ يضطر إلى بيع بعضها للإنفاق على الأخرى، وهكذا ما كان بمعنى ذلك، ما كان بمعنى ذلك؛ كسيارة مثلًا أوقفها صاحبها، والسيارة تحتاج إلى شيء من المال لتصليحها، ويعني ما تحتاج إليه، ولم يتبرع بذلك المؤوقف، فهنا يجوز أن تؤجر، وهذه الأجرة ينفق عليها على هذه السيارة في إصلاحها، ونحو ذلك مما تحتاج إليه. قال: إما من الجهة المعينة له؛ يعني الجهة الموقوف عليها؛ يعني هو الذي يقوم بالنفقة على هذا الحيوان. قال: أو في أجرته وكسبه؛ كأن يؤجر هذا الحيوان، أو كذلك ما يكتسب منه كاللبن؛ كاللبن يباع لبنه مثلًا، وينفق عليه منه. قال: وإلا بيع منه وأنفق على الباقي؛ كما ذكرنا إذا كان هذا الحيوان كثير، يباع البعض وينفق بالثمن على البقية. قال: وإن كان عقارًا، وجبت نفقته؛ تعميره على حسب البطون على الصحيح؛ كعمارة مثلًا وقف، وهذه العمارة تحتاج إلى تصليح، طيب، هذه العمارة وقفت على بطون؛ يعني أفخاذ أو أجزاء من القبيلة، فكل على حسب نصيبه من الوقف؛ مثلًا هذه العمارة وقفت على ثلاثة بطون، وكل بطن عليها ثلث في تعمير هذه العمارة، ولو وقفت مثلًا على بطنين، لكن بطن من القبيلة أعطي لها ثلث، والبطن الآخر أعطي لها ثلثين من الوقف، فصاحب الثلث عليه ثلث قيمة التعمير، وصاحب الثلثين عليه ثلثي قيمة التعمير، وهكذا. قالوا: من الفروق بين العقود الباطلة والفاسدة في باب النكاح: أن الباطل ما كان متفقًا على بطلانه، والفاسد ما فيه خلاف. وفي باب الحج: الحج الباطل يبطل بالكلية، والحج الفاسد بالوطء يلزمه المضي فيه ويقضيه. وأما بقية الأبواب: فالباطل والفاسد واحد. وكذلك فرقوا بين الفسخ المتفق عليها؛ فلا تحتاج إلى حاكم، وبين المختلف فيه؛ فلابد من حاكم يحكم بفسخه؛ لأن حكمه يرفع الخلاف. نعم، هذا من الفروق أيضًا في العقود الباطل والفاسدة؛ في باب النكاح: الباطل ما كان متفقًا على بطلانه؛ كنكاح المرأة المعتدة، أو نكاح الرجل أخته أو عمته، هذا متفق على بطلانه، يسمى باطلًا، والفاسد ما فيه خلاف؛ كنكاح المرأة بلا ولي، هذا فيه خلاف، فيسمى فاسدًا، ففرقوا بهذا التفريق. ثم في باب الحج: أن الباطل وفي باب الحج: الحج الباطل يبطل بالكلية؛ مثل الردة إذا ارتد المسلم وهو في الحج، بطل حجه بالكلية، والفاسد بالوطء يلزمه المضي فيه ويقضيه؛ إذا يعني وطئ وهو محرم في الحج، إذا كان قبل التحلل الأول، فسد الحج، ولزمه المضي فيه حتى يكمله، ويجب عليه بدنة، ويقضيه من العام الآخر. وأما بقية الأبواب: فالباطل والفاسد واحد؛ يعني لا فرق، وهذا قول جمهور أهل العلم: أنه لا فرق بين الباطل والفاسد، وأنهما بمعنى واحد، إلا في هذين الأمرين فرقوا بين الباطل والفاسد في الحج، وفي النكاح. وأيضًا فرقوا بين الباطل والفاسد في باب الفسخ؛ قال: فرقوا بين الفسخ المتفق عليها؛ فلا تحتاج إلى حاكم؛ فلا تحتاج إلى حاكم؛ لأنه لا خلاف في فسخ هذا العقد؛ في فسخ هذا العقد؛ وليس هناك من يقول بصحته؛ كنكاح مثلًا من أراد أن ينكح عمته أو خالته، هذا باطل، فسخ النكاح هذا واجب، لا خلاف في ذلك، ما يحتاج إلى حاكم. وبين المختلف فيه؛ كمن نكح امرأة أو تزوج امرأة بلا ولي، هذا فيه خلاف، فيحتاج فسخ هذا النكاح إلى حاكم؛ حتى يرفع الخلاف، وما يأتي من يقول: أن هذا النكاح صحيح. قالوا: بين المختلف فيه؛ فلابد من حاكم يحكم بفسخها؛ لأن حكمه يرفع الخلاف. نعم، طيب، نقف هنا إلى هنا. وصلى الله عليه وسلم على نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.