الدرس في الفروق والتقاسيم البديعة النافعة 19، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يتناول الفصل الفروق بين سترة المصلي وسترة المتخلي وسترة الجوار، مشيرًا إلى شروط كل نوع منها. يُبين أن كل نوع من السترة له أحكامه الخاصة.
يشرح الفصل الفروق بين الخارج من بدن الإنسان وأحكام إزالة الشعر، حيث يقسم الشعر إلى ثلاثة أقسام. يُوضح الأحكام المتعلقة بكل قسم من هذه الأقسام.
يتناول الفصل أحكام الطهارة والوضوء والتيمم، مشيرًا إلى حكم حلق شعر الرأس ومس المرأة. يُوضح أن التيمم لا يشرع لرفع النجاسات بل لرفع الأحداث.
يُنهي الفصل بالتأكيد على الصلاة على النبي محمد وآله وصحبه، معبرًا عن التسليم لأمر الله تعالى. يُظهر جانبًا من الأدب الإسلامي في التعبير عن الاحترام للنبي.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشهر الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "القواعد والأصول الجامعة والفروق والتقاسيم البديعة النافعة" في ذكره للفروق: قال: ومن الفروق الصحيحة أنه إذا صلى الرجل في ثوب حرير أو ذهب أو فضة، عالما ذاكرا، لم تصح صلاته، ومن صلى وعليه عمامة حرير ونحوها، صحت صلاته مع تحريم الاستعمال. هذا التفريق بين من صلى بثوب حرير، كان يلبس قميصا من حرير أو إزارا من حرير مما يستر عورة المصلي، أو كذلك لبس ذهبا أو فضة، وهو عالم بحرمة ذلك ذاكرا لذلك، لم تصح صلاته، ومن صلى عليه عمامة حرير ونحوها، صحت صلاته. لماذا؟ لأن العمامة ليست تستر شيئا يتعلق بستر عورة المصلي، وإنما شيء خارج عما يتعلق بشروط الصلاة، وستر العورة شرط من شروط الصلاة. وهذا التفريق الذي ذكره رحمه الله هو مذهب الحنابلة رحمهم الله، والصحيح أن من صلى في ثوب حرير، ولو كان قميصا أو إزارا، أن صلاته صحيحة مع الإثم. أن صلاته صحيحة مع الإثم، فكونه يلبس ثوب حرير من غير ضرورة، وهو آثم، لأن الحرير محرم على ذكور هذه الأمة. وأما كون صلاته صحيحة، لأن هذا النهي لا يعود إلى ذات العبادة أو شرطها. نعم، ستر العورة شرط على قول جمهور أهل العلم، لكنه قد سترها، وإن سترها بشيء محرم، فهو آثم على ذلك، لكن الشرط قد تحقق، وهو كونه مستور العورة، فتكون صلاته صحيحة مع إثم لبسه للحرير، ويكون هذا التفريق الذي ذكره رحمه الله فيه نظر، والله أعلم. قال: أم الفروق بين سترة المصلي وسترة المتخلي وسترة الجوار. أن سترة المصلي يكفي فيها ولو عصا أو يخط خطا بين يديه. أم سترة المتخلي، فلابد أن تستر أسافله أو أسافل عورته الفاحشة. وأما سترة الجوار، فلابد أن تمنع المشارفة بين الجيران. سترة المصلي يقول: أن سترة المصلي يكفي فيها ولو عصا أو أن يخط خطا بين يديه. أما العصا، فنعم، هي تكفي إذا كانت نحو مؤخرة الرحل، وهي ثلاثة ذراع أو شبرا على الأقل، لحديث عائشة أن النبي صلى الله عليه وسلم سئل عن سترة المصلي، فقال: "مثل مؤخرة الرحل". وأما حديث: "أو يخط خطا"، هذا الحديث ضعيف لا يصح، وقد حكم عليه العلماء بالاضطراب. فيكون سترة المصلي قدر ثلاثة ذراع، ولو كان الشيء حائلا كعصا ونحو ذلك أو السهم. وأما سترة المتخلي الذي يريد أن يقضي حاجته، فلابد أن تستر أسافل عورته، بحيث أنه لا يرى شيء من عورته عند قضاءه للحاجة. ومعنى هذا أنها تكون عريضة ومرتفعة قدر ما يستر أسافل عورته. وأما سترة الجوار، فلابد أن تمنع المشارفة بين الجيران، بحيث لا يرى بعضهم بعضا. لا يرى بعضهم بعضا، ولهذا ينبغي لمن يبني بيتا أن يرفع نوافذ البيت قدر قامة الرجل، بحيث أنه لا يرى من داخل البيت، والأعلى ينبغي أن يمنع الكشف على من هو أسفل منه. لهذا قال: "وهي على الأعلى من الجارين". فالجار الأعلى ينبغي أن يستر نافذته نحو ذلك، بحيث لا يتكشف على جاره. فإن استويا، يعني كانا في مستوى واحد، وبينهما اشتراك، فيشتركان في بناء ما يحصل به التستر، كجدار مثلا بينهما، فيشتركان في بنائه وفي إقامته. قالوا: من الفروق بين الخارج من بدن الإنسان، أن البولة والغائط لا يعفى عن يسيره، وأن الدم والقيح والصديد يعفى عن يسيره، وبقية الخارج من البدن طاهر، والله أعلم. البول والغائط لا يعفى عن يسيره، لأنه نجس، فلابد من إزالة ما يعلق بالإنسان أو في ثوبه من البول والغائط، إلا إذا كان الإنسان عنده سلس، مبتلى بسلس البول، يعني أن البول ينزل منه لا ينقطع، هذا معذور، فلا يعفى عن شيء من يسيره. وأما الدم والقيح والصديد، فيعفى عن يسيره، هذا على القول بنجاسة الدم والقيح والصديد، وهو قول جمهور أهل العلم. على هذا القول، فيعفى عن يسيره، يعني ما يصيب البدن أو الثوب قليلا من الدم أو القيح أو الصديد، الوسخ الذي يخرج من الجروح، فهذا يعفى عن يسيره، وأما الكثير، فلابد من إزالته. وأما القول الراجح، أن الدم والقيح والصديد طاهر، وليس بنجس، حينئذ لا أثر لكثيره، ولا يضر كثيره ولا قليله. قالوا: بقية الخارج من البدن طاهر، كالمخاط والبزاق والعرق، ونحو ذلك مما لا دليل على نجاسته. ويلحق بالبول والغائط المذي والودي، لأنهما أيضا نجسان. قالوا: من الفروق الصحيح أن شعور بدن الإنسان ثلاثة أقسام: قسم تحرم إزالته، وهو شعر اللحية، وحلق المرأة رأسها بلا عذر. وقسم تشرع إزالته، وهو شعر الشارب والإبط والعانة. وقسم يباح، وهو باقي الشعور. قسم تحرم إزالته، وهو شعر اللحية، لا يجوز إزالته، نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن حلقها، أمر بإعفائها، قال: "أعفوا اللحى، وفروا اللحى، وأرخوا اللحى". فلا يجوز قص شعر اللحية. وكذلك أيضا حلق المرأة رأسها، جاء في بعض الأحاديث عن علي رضي الله عنه وغيره، أن النبي صلى الله عليه وسلم نهى أن تحلق المرأة رأسها. ولأن المرأة مأمورة بالتزين للرجل، ومن زينتها جمال شعرها وبقاؤه، فإذا حلقته رأسها، لا يجوز إلا لعذر، كانت مريضة في رأسها شيء من الجروح، وكذا تحتاج إلى أن يزال الشعر حتى تعالج، فلا بأس، والضرورات تبيح المحظورات. وكذلك قصها لشعر رأسها على جهة فيها تشبه بالكفار أو تشبه بالرجال، فهذا أيضا لا يجوز. قال: وقسم تشرع إزالته، وهو شعر الشارب والإبط والعانة. هذه الشعور أمر الشارع بإزالتها. شعر الشارب، يعني يقص ويحلق، ولا يجز جزا كاملا، فهذا كما قال إمام مالك: يعتبر مثله. وإنما يخفف بحلقه وقصه، قول النبي صلى الله عليه وسلم: "حفوا الشوارب، وقصوا الشوارب، وأعفوا اللحى". وكذلك شعر الإبط، السنة فيه النتف، فإن لم يتمكن من ذلك، فاستعمل شيئا من المواد التي تزيل بها الشعور، كالحلاوة ونحوها. فإن لم يتيسر، فلا بأس أن يحلق شعر الإبط. قال: والعانة كذلك، العانة والسنة فيها الحلق، ثبت في الصحيحين: "خمس من الفطرة"، وذكر النبي صلى الله عليه وسلم حلق العانة ونتف الإبط. قال: وقسم يباح، وهو باقي الشعور، كشعر اليدين والقدمين، وشعر الصدر، هذه الشعور مسكوت عنها. على أن بعض العلماء يرى فيها التفصيل. كذلك شعر الرأس، هذا التفصيل هو أنه إذا كان حلقها لأجل عذر، كأن يكون عنده مرض، أو كذلك ليس في حلقها ضرر، هناك حاجة، فلا بأس. وأما إن كان في إزالتها ضرر، أو فيه تشبه بالنساء، كمن يحلق لحيته ويحلق شاربه، فمثل هذا لا يجوز. قالوا: من الفروق بين مس المرأة بشهوة، فلا يضر ذلك. والصحيح أن مس المرأة لا ينتقض به الوضوء، سواء كان بشهوة أو بغير شهوة، هذا هو الصحيح، إلا إذا خرج شيء بسبب لمسه للمرأة، فهنا ينتقض وضوءه. أما إن لم يخرج شيء، فهو باق على وضوئه، ولا دليل على نقض الوضوء بمس المرأة بشهوة. وحدث عن النبي صلى الله عليه وسلم أنه كان يقبل بعض النساء، ثم يخرج إلى الصلاة ولا يتوضأ. قالوا: من الفروق بين الخارج من الذكر، فمنه نجس لا يعفى عن يسيره، وهو البول، لا يعفى عن يسيره، كما قلنا، إلا للضرورة، لمن كان عنده سلس، فهذا معذور. قالوا: منه طاهر، وهو المني، لأن المني أصل خلقة الإنسان وخلقة الأنبياء، ولا يمكن أن تكون أصل خلقتهم نجسة. ولأن النبي صلى الله عليه وسلم كان إذا أصاب المني ثوبه، فكانت عائشة رضي الله عنها تدلكه دلكا، ثم يخرج ويصلي في هذا الثوب. ولو كان نجسا، لأمر بغسله، بخلاف البول، فإنه كان يأمر بغسله. قال: ومنه نجس ينقض الوضوء، ويوجب غسله، وهو المذي. المذي نجس، وينتقض به الوضوء إذا خرج من الإنسان، وهو يخرج عند التفكر في معاشرة النساء أو عند المداعبة. ويجب غسله أو نضحه، والصحيح أنه ينضح. غسل الذكر يجب، والأنثيين على الرواية الواردة في الحديث. وبالنسبة للثوب، فإنه ينضح، يعني يرش عليه بالماء، ولا يجب غسله. قالوا: من الفروق أن نجاسة البدن يتيمم لها عند الأصحاب، يعني الحنابلة، ونجاسة الثوب والبقعة لا يتيمم عنها. وسوى شيخ الإسلام بين الأمرين بعدم وجوب التيمم للجميع، وإنما يتيمم للأحداث فقط. يقول: من الفروق أن نجاسة البدن يتيمم لها عند الأصحاب. نجاسة البدن، إنسان في بدنه نجاسة، وما عنده ماء، قالوا: لا بأس أن يتيمم لأجل هذه النجاسة. وأما نجاسة الثوب والبقعة، لا يتيمم عنها. يعني فرقوا بين نجاسة البدن وبين نجاسة الثوب والبقعة. إذا كان في ثوب نجاسة، وما عنده ماء يغسله، وما عنده ثوب آخر، يصلي في هذا الثوب، قالوا: يتيمم عن النجاسة في الثوب ويصلي. أو البقعة فيها نجاسة، كذلك يتيمم عن النجاسة في هذه البقعة. أما أقصد قالوا: لا يتيمم بالنسبة للثوب والبقعة، لا يتيمم، وإنما يتيمم عن النجاسة إذا كانت في البدن فقط. وشيخ الإسلام رحمه الله يقول: لا فرق بين الجميع، فلا يتيمم لهذه الأشياء كلها، لا للبدن، ولا للنجاسة في الثوب أو البقعة. وإنما يتيمم للأحداث، إذا كان في حدث أكبر كالجنابة، أو حدث أصغر كإتيانه لناقض من نواقض الوضوء. لأن التيمم شرع لأجل رفع الأحداث، لا لرفع النجاسات. وهذا القول هو الصحيح، أن التيمم لا يشرع لرفع النجاسات، وإنما يشرع لرفع الأحداث، كأن يكون عنده حدث أكبر كالجنابة، أو أتى ناقضا من نواقض الوضوء، حدث أصغر، فإنه يرتفع بالتيمم. هذا القول والراجح. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين. الله تعالى أعلم.