الدرس في التعليق على نظم الورقات 40، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد
يناقش النسخ في القرآن والسنة، ويشرح أقسام النسخ مثل نسخ الرسم دون الحكم أو العكس، ويقدم أمثلة على ذلك. يبين الفوائد من نسخ اللفظ مع بقاء الحكم أو العكس.
يشرح نسخ الأحكام في القرآن والسنة، ويقدم أمثلة على الآيات التي نُسخت أحكامها ولكن بقي لفظها، مثل آية المصابرة وآية تحريم الزواج على النبي. يبين الفوائد من بقاء لفظ الآيات المنسوخة.
يتحدث عن النسخ في الشريعة الإسلامية، ويشرح أهمية التدرج في تطبيق الأحكام لتقبلها النفس البشرية، ويضرب أمثلة على ذلك مثل تحريم الخمر والصيام.
يتم التأكيد على ما تم شرحه سابقا مع الإشارة إلى التعامل مع المعلومات المذكورة لاحقا، والدعاء بالتوفيق من الله تعالى.
بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه ومن والاه. أما بعد، قال المؤلف رحمه الله تعالى، وهو الناظم في باب النسخ: «قال النسخ نقل أو إزالة، أو هذا خُدِنا فين وقفنا رفعا على وجه أتى، لولاه لكان ذاك ثابتا كما هو، وجاز نسخ الرسم». قال رحمه الله: «وجاز نسخ لا خُدِنا هذا إذا تراجع عنه في الزمان، ومن بعده من الخطاب الثاني خُدِنا هذا عن اشتراط أن يكون الثاني متأخرا، هذا ما قد أخذنا». قال ثم قال الناظم رحمه الله: «وجاز نسخ الرسم دون الحكم، كذاك نسخ الحكم دون الرسم، ونسخ كل منهما إلى بدل ودونه، وذاك تخفيف حصل، وجاز أيضا كون ذلك البدل أخف أو أشد مما قد بطل». فهذا مسألة من الذي ينسخ ومن الذي لا ينسخ، فذكر أن النسخ ينقسم إلى ثلاث أقسام من حيث الناسخ والمنسوخ. فالأول قال: «وجاز نسخ الرسم دون الحكم»، أي يجوز نسخ الرسم دون الحكم، والمراد بالرسم هنا اللفظ، أي يجوز أن ينسخ اللفظ ويبقى الحكم، لفظ الآية أو لفظ الحديث ينسخ، لكن الحكم يكون باقيا. وهذا في آيات كثيرة، ومن أشهرها آية الرجم، آية الرجم نسخ لفظها. وقد قال عمر رضي الله عنه: «قد قرأها رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، وقد قرأناها، وقد رجم رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ورجمنا بعده». فاللفظ نسخ، وأما ما جاء في بعض الروايات: «أن الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، فهذا اللفظ جاء في رواية سفيان بن عينة عن الزهري، لكن بعض العلماء ينكر هذا اللفظ، وممن أنكره أيضا بعضهم من ناحية الإسناد، لأن أكثر أصحاب سفيان لا يأتون بهذا. وجاء بعض الروايات عن سفيان بهذه الآية، لكن لفظ الآية «الشيخ والشيخة إذا زنيا فارجموهما البتة»، الله أعلم. المهم أنه سواء كان هذا اللفظ أو غيره، فاللفظ نسخ، لكن بقي الحكم. كذلك آية كانت موجودة في سورة الأحزاب، وهي موجودة في مصحف أبي، لكنها نسخت نسخ لفظها، وبقي حكمها. كذلك آية الرضاع، قالت عائشة رضي الله عنها كما في صحيح مسلم: «كان فيما أنزل على النبي عليه الصلاة والسلام عشر رضاعات يحرم، ثم نسخنا إلى خمس، ومات رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم، ولازلنا مما يقرأ القرآن عنها». كأن آية أنزلها الله عز وجل أولا عشرا، ثم خففها إلى خمس، فمات النبي عليه الصلاة والسلام وهي تقرأ من القرآن، أي بعضهم. تريد عائشة رضي الله عنها أن بعض الصحابة ما كان يدري أنها قد نسخ لفظها، قد نسخ لفظها، لكن بقي الحكم. لهذا جمهور العلماء يقولون: إن الرضاع لابد أن يكون خمس رضاعات، فإذا تحققت خمس رضاعات، فهذا يؤثر في التحريم. وأما دون العشر فلا تؤثر، أو دون الخمس فلا تؤثر. ومعنى لو قيل مثلا: ما الفائدة من نسخ اللفظ وإبقاء الحكم؟ قد يكون الفائدة كما ذكر الشيخ بيان امتثال هذا الأمر أمر الله، وتنفيذها لحكمه، وبيان فضيلتها وميزتها على من سبق من الأمم. لأن اليهود مثلا أنكروا الرجم مع أنه ثابت في التوراة، أنكروه وهو ثابت عندهم، أن موجود في التوراة. وهذه الأمة نسخ لفظ الآية، وبقي الحكم عندهم مجمع عليه عند الصحابة وعند غيرهم. فاليهود أنكروا الرجم، لهذا لما زنيا يهودي ويهودية، قال له النبي صلى الله عليه وسلم: «ما عندكم في التوراة؟» قالوا: التحميم. وقال عبد الله بن سلام: «بل عندهم الرجم». فأتوا بالتوراة، فتلوها إن كنتم صادقين. فجاء عبد الله بن قارض وكان مدرس التوراة لليهود، فجاء النبي صلى الله عليه وسلم عنده. فقال: «اقرأ التوراة». فقرأ التوراة، فلما جاءت الآية وضع يده إصبعه على الآية. فقال عبد الله بن سلام: «دعه يؤخر إصبعه». فأخر إصبعه، فإذا هي آية الرجم، آية الرجم في التوراة، لكنهم لم يعملوا بها. معنى أنهم غيروا الحكم، فلما اكتشف أمره، قال عبد الله بن قارض: «إنما كان قد كثر الزنا في أشراف الناس، لما كثر الزنا في أشرافهم اجتمع العلماء أو أحبار يهود على أن يغير الحكم». معنى إذا كان هذا الحكم رجم، سيكون سيفنى كبارهم وأشرافهم. فلما كان هذا الزنا في أشرافهم غيروا الحكم، وجعلوه التحميم، على أنه يسمونه بشيء ويدورون به في الأسواق. فامتثال من فوائد هذا إظهار فضل هذه الأمة، وأنها تعمل بما أمرت، ولو لم يكن مكتوبا عندهم. قال: «فمن تطوع خيرا فهو خير له، وأن تصوم خير لكم». هذه الآية قال سعيد بن أقوى عن ابن عمر أنها نسخت، أنها نسخ حكمها. لكن ابن عباس يقول: إن النسخ هنا معنى، قال: هي منسوخة في الشيخ الكبير، وهذا على سبيل التخصيص، معنى أنها خاصة في الشيخ الكبير والشيخ الكبيرة. وقد يراد أيضا من كلام سعيد بن أقوى عن ابن عمر النسخ هذا التخصيص، كما قلنا أن في كلام الصحابة إطلاق النسخ، ويراد به التخصيص. فهذه الآية معنى فيها كان من أراد أن يتطوع ويتصدق بدل الصيام له ذلك، ومن أراد أن يصوم فله ذلك، يعني بالتخير. وأن تصوم خير لك، لكن نزلت بعد ذلك قول الله عز وجل: «فمن شهد منكم الشهر فليصمه». هذه الآية نسخت ما كانت قبلها من التخير. فهذا فالآية معنى بقت، بقي اللفظ، لكن الحكم ذهب، معنى نسخ الحكم. وبقي اللفظ أيضا آية المصابرة «إن يكن منكم مئة صابرة يغلب مئتين، وإن يكن منكم ألف يغلب ألفا من الذين كفروا». ثم قال في الآية الأخرى: «قال الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا». أي كان في الآية الأولى جعل الواحد بعشرة، جعل الواحد من هذه الأمة بعشرة من الكفار، لكن رأى الضعف فخفف الله عز وجل، فجعل الواحد باثنين. فقال: «الآن خفف الله عنكم، وعلم أن فيكم ضعفا، فإيكم منكم مئة صابرة يغلب مئتين، وإيكم منكم ألف يغلب ألفين بإذن الله». فجعل الواحد باثنين. وما فائدة هذا الحكم؟ هذا الحكم فائدته في العدد، إذا كان العدد ضعف عدد الكفار، يعني عدد الكفار ضعف عدد المسلمين، فهنا لا زال الواجب قتالهم. لكن إذا كانوا أضعاف مثلا أهل الإسلام مثلا ألف، وأولئك عشرة آلاف مثل ما يحصل لما غزوا الروم في الشام، وكذا وحروب أيضا الفرس، فتجد أن أهل الإسلام عشرة آلاف، وأولئك يتعدون المئة ألف، يعني قد يكون الواحد بعشرين منهم. فهنا في هذه الحالة لا يجب على المسلمين أن يقاتلوا، هذا قول جمهور العلماء، بل بعضهم ذكروا إجماعا، لأن الآية تفيد هذا. لكن هنا بقي الاستحباب، بقي الاستحباب لهم ذلك، لهم أن يقاتلوا إن أرادوا أن يقاتلوا، لكن ليس عليهم واجب، لأنهم أقل عددا، ممكن أنهم ينسحبوا. لهذا خالد بن الوليد لما سحب الجيش في مؤتة لم يكن ملام، وأن النبي صلى الله عليه وسلم أثنى عليهم، بل قال: «إنه فأخذ الراية سيف من سيوف الله». فدل على أن الفعل الذي فعله ليس ذنبا. لماذا؟ لأن العدد قليل، وجيش الكفار كثير، فانسحب بطريقة تكتيكية، كما انسحب بالجيش حتى جعل الكفار يظنون أنه يريد أن إمداد جاء إليهم، لأنه أرعبهم، وغير خطة الجيش، فجعلهم كأنهم إمداد، فلما خرج ظنوا أنه يريد أن يصدهم إلى مصيدة، فلهذا لم يتبعوا، وخرج بالجيش وسلم. فهذا اعتبر نصر لأنه خرج من هذا العدد الكبير. ومن نظر في سيرة الصحابة في قتالهم للروم والفرس، يجد أن الأعداد كبيرة جدا، كانوا يقاتلونهم، وعدد المسلمين قليل، لكن ينصرهم الله. وكم من فئة قليلة غلبت فئة كثيرة بإذن الله، والله مع الصابرين. فهذا موجود، لكن ليس بواجب إذا كان العدد كثير، عدد الكفار كثير ومضاعف، لا يجب على المسلمين أن يقاتلوا. هذه آية المصابرة، وآيات كثيرة أيضا نسخت، وبقي لفظها. وأما الحكم فقد نسخ، مثل قول الله عز وجل: «لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن إلا ما ملكته يمينك». هذه الآية نسختها قول الله عز وجل: «إن أحللنا لك أزواجك التي آتيت أجورهن، وما ملكت يمينك مما أفاء الله عليك، وبنات عمك، وبنات عماتك، وبنات خالاتك...». هذه الآية أجاز الله عز وجل للنبي عليه الصلاة والسلام أن يتزوج حتى آخر الآية، قال: «ومرأة مؤمنة إن وهبت نفسها للنبي، إن أراد النبي أن يستنكحها خالصة لك من دون المؤمنين». فدل على أن الله عز وجل أولا حرم عليه أن يتزوج الله، أنا جعل له هذا الكفاية «لا يحل لك النساء من بعد، ولا أن تبدل بهن من أزواج ولو أعجبك حسنهن». ثم مع أن هذه الآية مؤخرة على الآية التي نسختها، لكن في الرسم فقط، أما في الحكم فهذه الآية نزلت بعد تلك الآية. لكن في القرآن تجد أن هذه الآية مقدمة، الناسخة مقدمة والمنسوخة متأخرة، وهذا لا يضر، لأن ترتيب القرآن رتبه النبي عليه الصلاة والسلام، ليس بحسب النزول. وآيات كثيرة تجد فيها أن الرسم موجود، أي اللفظ، وأما الحكم فقد نسخ. والفائدة من ذلك بقاء لفظه، يقول الشيخ هنا: زيادة الأجر بالتلاوة، لأنه لو نسخ لفظه لم يحصل لنا أجر. والثاني: تذكير العباد بنعمة الله علينا، فيذكر العباد بهذه النعمة. والثالث: نسخهما معا، يعني التلاوة والحكم. قال المؤلف: «وجاز أيضا كون ذلك البدل أخف أو أشد مما قد بطل، ونسخ كل منهما إلى بدل ودونه، وذاك تخفيف حصل». معنى الآن أيضا هناك تقسيم آخر من جهة أخرى، وهو أنه يقسم هذا النسخ إلى بدل وإلى غير بدل، معنى ينسخ إلى بدل، مثل قول الله عز وجل: «ما ننسخ من آية أو نأتيها أو ننسها نأتي بخير منها أو مثلها». فهذا نسخ إلى بدل. وهناك نسخ إلى غير بدل. وهذا إما إلى بدل فهذا أكثر النسخ، أكثر النسخ في القرآن والسنة إلى بدل. لكن إما إلى غير بدل فهو أيضا موجود. ومثل له بنسخ وجوب الصدقة بين يدي من يريد أن يناجي الرسول صلى الله عليه وسلم «يا أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقات». فإذ لم تفعلوا وتاب الله عليكم، فأقيموا الصلاة وآتوا الزكاة وأطيعوا الله ورسوله. هنا لم يذكر بدلا من الصدقة، هذه لم يذكر بدلا من الصدقة. صدقة المناجاة، أي كان الصحابة رضي الله عنهم، أمر إذا أراد أحد أن يناجي رسول الله صلى الله ورسوله يقدم بين يدي صدقة، يعطي صدقة إما يعطيها لفقير أو يعطيها للنبي صلى الله عليه وسلم حتى يضعها في بيت المال أو يقسمها النبي صلى الله عليه وسلم بمعرفته. فقال الله عز وجل: «أيها الذين آمنوا إذا ناجيتم الرسول فقدموا بين يدي نجواكم صدقات». لكن هذا الحكم نسخ، نسخ إلى غير بدل، نسخ إلى غير بدل. وأيضا ذكر مثال ثاني هنا وجوب اللزوم للصائم إذا نام، هذا كان موجودا في بداية الأمر، كان الرجل إذا نام قبل أن يتسحر فيبقى معنى فيلزمه الصيام، ولا يأكل. لكن نسخ هذا، فنصخ بقول الله عز وجل: «وحل لكم ليلة الصيام الرفث إلى نسائكم». وقول الله عز وجل: «كلوا واشربوا حتى يتبين لكم الخيط الأبيض من الخيط الأسود من الفجر». لكن هنا هل نسخ إلى شيء؟ الظاهر أنه نسخ، لأن التخفيف هنا يعتبر بدل، فنسخ هذا الحكم، وجاء حكم أنه ولو نام في الليل، متى ما قام قبل طلوع الفجر يأكل، ولو كان نام. لكن كان قبل الحكم أنه إذا نام قبل أن يأكل فإنه لا يأكل أبدا حتى اليوم الثاني. لكن نسخ هذا، وحل الله عز وجل أكل وإتيان النساء في الليل قبل أن يطلع الفجر. فلهذا قد يكون هذا المثال الثاني فيه كلام. ثم ذكر مسألة أخرى، وهو: «وجاز أيضا كون ذلك البدل أخف وأشد مما قد بطل». هذا إلى بدل قد يكون أخف، وقد يكون أثقل، وقد يكون مساويا. هذا إلى خف، ما في إشكال. وهذا أكثر الآيات، ومنها «فإن يكن منكم مئة صابرة يغلب مئتين» آية المصابرة، هذا فيها إلى التخفيف. أيضا قول الله عز وجل: «قل إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوه يحاسبكم به الله فيغفر لمن يشاء ويعذب من يشاء». هذه الآية لما نزلت، قال الصحابة: «كلفنا ما نطيق». قال النبي صلى الله عليه وسلم: «تريدون أن تقولوا كما قالت اليهود سمعنا وعصينا، قولوا سمعنا واطعنا غفرانك ربنا وإليك المصير». فقال الصحابة رضي الله عنهم، فأنزل الله عز وجل: «آمن الرسول بما أنزل إليه من ربه والمؤمنون كل آمن بالله وملائكته وكتبه ورسله...». فهذا أيضا نسخ إلى أخف، لأن الله عز وجل في الآية الأولى بين أنه كل شيء يؤاخذ به الإنسان، سواء كان تحدث به أو في نفسه. «قولوا إن تبدوا ما في أنفسكم أو تخفوا يحاسبكم به الله». أي حتى ما في النفس. ثم نسخ هذا، هذه لا يكلف الله نفسا إلا وسعها. وقال النبي صلى الله عليه وسلم: «إن الله تجاوز عن أمتي ما حدثت بها أنفسها ما لم تعمل أو تتكلم». فحينئذ إذا كان هذا إذا كان إلى بدل، فغالب أن يكون إلى أخف. لكن أحيانا يكون إلى أثقل، مثل آية الصيام التي ذكرناها أولا، كان التخير وهو أخف، ثم ألزم الله عز وجل بالصيام لما شهد الشهر «ومن شهد منكم الشهر فليصمه». فدل على هنا من الأخف إلى الأثقل، من الأخف إلى الأثقل، ألزم صوم الشهر كله. وأما ما يكون مساويا مثاله استقبال القبلة، كانت القبلة إلى الشام، ثم حولت إلى الكعبة، هذا شيء مساوي له، لا أخف ولا أثقل. أن الأمر هو أن الإنسان يتوجه، كان المأمور به يتوجه إلى بيت المقدس، ثم أمر أن يتوجه إلى الكعبة، وكل ذلك جائز عند أهل السنة. وهذا الباب باب النسخ إلى خف وأثقل وغيره، كل هذا من باب حكمة الله عز وجل التي اقتضت ذلك، والتخفيف على العباد، أو إلزامهم بحكم أوفق لهم، أو أن الله عز وجل يهيئ الأمر حتى يأتي بما هو أراده سبحانه وتعالى. مثلا تجد أنه في تحريم الخمر مثلا تدرج هكذا في الحكم من الأخف إلى الأثقل، تجد فيه تدرج. فأولا لم يفرض عليهم الصيام، لكن فرض عليهم التخير، إن أراد أن يصوم صام، وإن أراد أن يتطوع ويتصدق تصدق. ثم أمروا بعد ذلك بالصيام. وهكذا في الخمر، فإنه أولا قال: «يسألونك عن الخمر قل فيهما إثم كبير ومنافع للناس، وإثمهما أكبر من نفعهما». ثم نهى عن قرب الصلاة لمن شرب خمرا، فقال الله عز وجل: «يا أيها الذين آمنوا لا تقربوا الصلاة وأنتم سكارة حتى تعلموا ما تقولون». ثم نزلت آية النهي العام والتحريم: «يا أيها الذين آمنوا إنما الخمر والميسر والأنصاب والأزلام رجس من عمل الشيطان فاجتنبوه لعلكم تفلحون». فهذا فيه تدرج، لكن هل هذا نسخ؟ لا، ليس نسخ، الحكم باقي، الحكم باقي، أنه في الخمر نفع وفيهما إثم. وكذلك الحكم بعدم قرب الصلاة أيضا باقي، وهو داخل في نفس الحكم، لكن زاد حكما آخر، وهو أنه لا يجوز أن يشربها سواء كان يريد أن يصلي أو لا يريد أن يصلي، لا يجوز أن يشربها بتاتا. فهذا حكم عام، لكن من ناحية التدريج في حكم الله عز وجل، وهذا من باب الرفق بالناس والنفس، وطبيعة النفس إذا تدرجت على الشيء الذي قد يدخل عليها، فإنها تستسهل بعد ذلك. ولهذا لم يلزم الله عز وجل بالصيام في أول وهلة، وإنما أولا خيره، ثم بعد ذلك ألزمه. وهكذا النفس تجد مثلا الإنسان لما يريد أن يصوم التطوع، لو جاء مثلا وقال: «أنا سأصوم». لم يصم قبل، قال: «وجد مثلا في الأحاديث أن صيام يوم بعد يوم هذا أفضل الصيام». قال: «أنا سأصوم أفضل الصيام يوم صوم يوم». فهذا النفس قد لا تتحمل، ولهذا بعضهم يفعل هذا، سرعان ما يترك، عجز حتى يوم في الشهر ما يصوم، بسبب أنه حمل نفسه ما لا تطيق، فترك ما عجز. فلهذا لا بد أن يتدرج في مثل هذه الأمور، سواء كان في قيام الليل، قيام الليل أيضا لا يحتاج إلى تدرج، لو أن إنسان مثلا أول ما تاب مثلا إلى الله ورجع، قال: «أنا سأقوم نصف الليل، وسأصلي إحدى عشرة ركعة». فهذا ما يستطيعه في بداية الأمور، وإن استطاع سيكون أيام فقط، ثم يمل. لكن إذا تدرج ستكون بعد ذلك نفسه سهلا، يلين الله عز وجل له العبادة، كما قال ثابت البناني: «ريضت نفسي على قيام الليل عشرون سنة». حتى راض نفسه، عشرون سنة هو يريض نفسه، ساعة يقوم كذا، ساعة يقوم كذا، يخفف عليها حتى اعتادت على شيء. وسبحان الله تجد الإنسان إذا اعتاد على شيء، خلاص اعتادت نفسه عليه، ما عاد يحتاج إلى منبه، ولا عاد يحتاج إلى أحد يقيمه، خلاص إذا جاء الوقت قام، كأنه له منبه داخلي، إذا جاء وقته. قد يتأخر مثلا خمس دقائق، يتقدم هذا الشيء سهل. لكن نفس الوقت، بل بعض الناس إذا اعتاد، تجده في نفس الوقت يقوم، في نفس الوقت، يعني مثلا ساعة سادسة مثلا يقوم، الساعة الثالثة قرابة يقوم الساعة الثالثة، لأنه عود نفسه على هذا. فلهذا مثل هذا، فالله عز وجل يريد أن يعود الأنفس على ما يشق عليها، ما يأتي به بسرعة، يتدرج في إتيانه. ثم بعض ذلك يأتي به. طيب، إن شاء الله نكتب بهذا، والله تعالى أعلم.