التعليق على نظم الورقات 39

الدرس في التعليق على نظم الورقات 39، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مفهوم النسخ في اللغة والاصطلاح

النسخ في اللغة يعني النقل أو الإزالة، وفي الاصطلاح يعني رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم بخطاب لاحق. هناك فرق بين النسخ عند السلف والمتأخرين في التطبيق.

تفاصيل النسخ في علم أصول الفقه

النسخ هو رفع حكم شرعي ثابت بخطاب سابق بخطاب لاحق، ويختلف عن التخصيص الذي يبقي على الحكم مع تقييده. النسخ يزيل الحكم الأول بالكلية.

حكم النسخ في الشريعة الإسلامية

النسخ في الشريعة يعني إلغاء حكم شرعي سابق بحكم لاحق، وهو جائز عقلًا وواقع شرعًا. أهل السنة أجمعوا على جوازه بينما أنكره المعتزلة والفلاسفة.

المحاور القادمة في النسخ وأحكامه

سيتم مناقشة النسخ وما يرتبط به من أحكام، بما في ذلك ما ينسخ وما لا ينسخ، والحكم في ذلك. هذا يشير إلى استكمال الموضوع وتفاصيله.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. والحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وآله وصحبه، ومن والاه. ما بعد، قال الناظم رحمه الله: باب النسخ. النسخ: نقل أو إزالة، كما حكوه عن أهل اللسان فيهما. وحده: رفع الخطاب وحده، رفع الخطاب الأحق، وحده: رفع الخطاب اللاحق ثبوت حكم بالخطاب السابقي رفع، على وجه أتى، لو لاه لكان ذاك ثابتا كما هو. إذا تراخى عنه في الزمان ما بعده من الخطاب الثاني. فباب النسخ هذا الباب باب مهم في أصول الفقه، بل لا بد للفقيه أن يعرف هذا الباب، بل اشترط الكثير من أهل هذا العلم أن يعلم المفتي أكثر هذا الباب، إن لم يكن كله، خاصة في الآيات المنسوخة. ويعرف أيضا النسخ، وإن كان النسخ عند المتأخرين بخلاف النسخ عند المتقدمين. فتجد أن السلف يطلقون النسخ، ويريدون به مطلق البيان، أو البيان المطلق. لهذا يدخلون فيه التخصيص العام، فأحيانا يقولون: نسختها آية كذا، ليس المراد بالنسخ عند المتأخرين رفع الحكم، وإنما تخصيص. مثل قول ابن عباس، مثلا، في حديث: «إنما الماء من الماء»، قال: منسوخ في الاحتلال، منسوخ معناه مخصص. فاشتهر في كلام الصحابة إطلاق النسخ، ويريدون به التخصيص، فدل على أن النسخ عند السلف كان عاما، وليس المراد أن الخلف كانوا يقولون أن العلماء المتأخرين كانوا يتعمدون المخالفة، لا، وإنما هذا اصطلاح اصطلحوا عليه، حتى تثبت الأحكام وتتسهل، فاصطلحوا أن هذا هو النسخ، وهو رفع الحكم بجملته، كما سيأتي إن شاء الله. وهذا التنبيه إنما هو لأن لا يكون مثلا أحد يقرأ كلاما، مثلا من كلام السلف، فيقول: نسختها آية كذا، فيظن أن النسخ هنا مثل النسخ الذي عند المتأخرين. فكما قلنا أنهم يطلقون النسخ، ويريدون به أحيانا الخصوص أو التخصيص. والنسخ هذا يكون في الكتاب، ويكون أيضا في السنة، ويكون في القول، ويكون في الفعل. فهنا قال المؤلف، أو الناظم: النسخ نقل أو إزالة، كما حكوه عن أهل اللسان فيهما، معنى أن النسخ يأتي بمعنيين في اللغة: نقل وإزالة. نقل وإزالة، وليس المراد هنا للتخير، معنى قوله هنا: النسخ نقل أو إزالة، ليس للتخير، وإنما أنها في اللغة تعرف النسخ، يعرف أحيانا يكون معنى النقل، وأحيانا يكون معنى الإزالة، فيراد به النقل، ويراد به أيضا الإزالة. مثلا يقال: نسخت الكتاب، أي نقلته إلى هذا المكان، كما قال الله عز وجل: ﴿إِنَّا كُنَّا نَسْتَنْسِخُ مَا كُنْتُمْ تَعْمَلُونَ﴾، نستنسخ أي ننقل هذا العمل الذي كنتم تعملونه، ونكتبه. والنقل في اللغة هو إيجاد معنى، إيجاد شيء مثل ما كان في الأصل في مكان آخر، عن النقل ينقله من مكان إلى مكان، عن النقل. مثل نقل الكتاب. والمعنى الثاني: إزالة، يقال مثلا: نسخت الشمس الظل، بمعنى أزالته ورفعته بانبساط ضوء الشمس، يزال الظل. فهذا معناه في اللغة يطلق النسخ، ويراد به النقل، ويراد به كذلك الإزالة. وبعضهم أيضا يذكر معنى ثالثا وهو التغيير، ومنها مثلا: نسخت الريح آثار البلاد، نسخت الريح آثار البلاد، معنى غيرت آثار البلاد، لكن ممكن أن يقال أيضا أزالتها، أزالتها بالتغيير. قال رحمه الله: وحده رفع الخطاب اللاحق ثبوت حكم بالخطاب السابقي. الآن يقول: تعريف النسخ عند العلماء، تعريف النسخ عند العلماء، أنه رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه، هكذا يعرفه كثير من أهل هذا العلم. رفع الحكم الثابت بخطاب متقدم، بخطاب متراخ عنه. وحده رفع الخطاب اللاحق، ثبوت حكم بالخطاب السابقي. خطاب متراخ، وخطاب سابق، وهذا الحكم الثابت يرفع بخطاب، هذا الحكم الثابت كان بخطاب متقدم أو سابق، يرفع بخطاب متراخ عنه، أو لاحق عنه، فهذا هو النسخ. يأتي خطاب وينسخ ذلك الحكم، فالخطاب الأول أثبت حكما، وجاء الخطاب المتراخ عنه فأزال ذلك الحكم ونقله إلى حكم آخر. وكما ذكرنا قبل مثل القول عز وجل: ﴿اقْتُلُوا الْمُشْرِكِينَ حَيْثُ وَجَدْتُمُوهُمْ﴾، أو جاء مثلا حكم: لا تقتلوا المشركين، مثلا قول النبي صلى الله عليه وسلم: «اقتلوا الكلاب»، ثم جاء في حديث عبدالله المغفل، قال: «لولا أن الكلاب أمة من الأمم لأمرت بقتلها»، فتبين أن هذا الحكم في قتل الكلاب نسخ. ثم قال: «خصّص»، فقال: «فاقتلوا منها الأسود البهيم»، فاقتلوا منها الأسود البهيم، فالحكم بقتل الكلاب نسخ، والعمر بقتلها، ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن قتلها إلا الأسود البهيم. لكن إذا كان كما قال العلماء: إذا كان فيها ضرب وعذاب ما في شيء، فلهذا فالحكم الذي كان بخطاب ثابت رفع أيضا بخطاب جاء متراخ عنه، لا بد أن يكون متراخيا عنه، يعرف ذلك بالتاريخ. أحيانا يكون في نفس النص، كما في هذا الحديث الآن، معنى جاء في أيضا حديث في الأواني، يكون في نفس النص، مثل حديث بريدة في الأواني: «كنت نهيتكم أن تشربوا في بعض الآنية، فاشربوا في كل إناء، فإنه إنما هو إنا لا يحل حراما ولا يحرم حلالا، لكن لا تشربوا فيه مسكرا»، فتبين من هذا أن هنا الحديث في النص نفسه النسخ، النسخ في النص نفسه. وهذا يدل على أن النسخ يكون في النص، ويكون أحيانا في غير النص، كما جاء في التخصيص، التخصيص متصل، وهناك تخصيص منفصل، كما تقدم أن بيناه. فلهذا لا بد أن يعرف أن الخطاب الآخر متراخ عنه، وإلا الدعاء النسخ لا يكون إلا بذلك. فإذا لم يعلم أيهما أقدم فلا يكون نسخا أيضا. مثلا أحيانا يكون أيضا في نفس النص، مثل قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ عَلَى النَّاسِ حِجُّ الْبَيْتِ﴾، ثم قال: ﴿مَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، أو: ﴿لِمَنِ اسْتَطَاعَ إِلَيْهِ سَبِيلًا﴾، فأولا أثبت حكم الحج، ثم نسخه على من، على من لم يستطع، هذا تخصيص أو نسخ، لكن عند المتأخرين، عند الأصوليين، يسمى نسخا أو يسمى تخصيصا، ما يسمى نسخا. لكن كما قلنا في عرف المتقدمين يعتبر نسخا أيضا، لكن هنا في عرف الأصوليين ما يعتبر نسخا، لأنه لا بد أن يزيل الحكم الأول، عندهم النسخ يزيل الحكم الأول. فلهذا رفع حكم ثابت بخطاب سابق، بخطاب متراخ عنه، فلهذا يقولون مثل هذا ما يعتبر نسخ، يعتبر تخصيص. والنسخ إنما هو إزالة الحكم. فقوله هنا في التعريف: رفع الخطاب اللاحق، أو قوله في كلام الناظم، فالرفع هنا بمعنى الإزالة، يرفعه أي يزيله من ذلك المكان. فإذا جاء هذا الخطاب اللاحق رفع الخطاب السابق، فلهذا فهذا تعريف الذي. فقوله أيضا: ثبوت حكم، وثبوت عن المراد به أنه يرفع هذا الحكم الثابت، هذا الخطاب اللاحق يرفع يرفع الحكم الثابت، فيرفع الخطاب اللاحق ثبوت حكم بالخطاب السابق، بالخطاب السابق. أنا ثبت بخطاب سابق، والثاني ثبت بخطاب لاحق، هذا لا بد منه حتى يصير النسخ. ثم قال: رفع على وجه أتى، لولاه لكان ذاك ثابتا كما هو، يعني يقول أن الرفع هذا على وجه وعلى حال وعلى وجهة، لولا الخطاب الثاني لكان الحكم الأول ثابتا كما هو ثابت، وكما هو أيضا واضح بالتأكيد. لولا الخطاب الثاني الرافع، لو لم يرد ما سيكون الخطاب الأول باقي، لو لم يرد الخطاب الثاني لكان الخطاب الأول باقيا حكمه. لكن لما ورد هذا الخطاب الثاني نسخ ذلك الخطاب الأول. ومثلا يخرج أيضا من هذا التعريف، أو من كلام المصنف، ما لو كان الخطاب الأول ملغيا، أو له غاية، له غاية وله وقت. فلارتفاع هنا محله بانتهاء غايته، مثلا: ﴿يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا إِذَا نُودِيَ لِلصَّلَاةِ مِنْ يَوْمِ الْجُمُعَةِ فَاسْعَوْا إِلَى ذِكْرِ اللَّهِ وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، فقوله هنا: ﴿وَذَرُوا الْبَيْعَ﴾، متى هذا الحكم؟ عند النداء، عند النداء إذا سمع النداء الثاني من يوم الجمعة، فإنه يحرم عليه البيع والشراء، فذروا البيع. وهناك قد قال الله عز وجل: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، وهنا الحكم هذا الثاني ينسخ، متى ينسخ؟ أحل الله البيع، متى؟ في هذا الوقت، لكن هذا ليس المقصود، ليس هذا المقصود من النسخ، لهذا قال: لو لاه لكان الحكم ثابتا، لكن هنا الحكم ثابت في وقت من الأوقات المعينة، أو له غاية، فيكون تخصيصا، فيكون هنا تخصيصا وليس نسخا. فقول: ﴿وَأَحَلَّ اللَّهُ الْبَيْعَ﴾، هذا يدخل في جواز الحكم بعد انتهاء الصلاة، ﴿فَإِذَا قُضِيَتِ الصَّلَاةُ فَانْتَشِرُوا فِي الْأَرْضِ وَابْتَغُوا مِنْ فَضْلِ اللَّهِ﴾، أيضا كذلك. والصيد في وقت الإحرام، هذا مؤقت بوقت معين، ليس هو نسخا، وإنما حرم في وقت الإحرام، وإلا فالصيد حلال في أي وقت. لكن قال الله عز وجل: ﴿فَإِذَا حَلَلْتُمْ فَاصْطَادُوا﴾، فإذا حللتم أي عن الإحرام، فلكم أن تصطادوا في أي وقت. فخلاصة الأمر أن النسخ لا بد أن يكون هذا النسخ، لو لا هذا الحكم، أو لو لا هذا الخطاب، لبقي ذلك الحكم ثابتا، لكن نسخه هذا الخطاب المتراخي. ثم ذكر بعد ذلك ما الذي ينسخ، وما الذي لا ينسخ. ومسألة النسخ هذه قد أجمع أهل السنة على جواز النسخ، وأنه جائز عقلا، وواقع شرعا، بخلاف بعض الفرق الذين أنكروا النسخ، وهو قول أصلا لليهود. الله عز وجل يقول: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. فالمعتزلة والفلاسفة ينكرون النسخ، لكن النسخ ثابت شرعا وعقلا كذلك. الله سيأتي معنا أن هناك حكما للنسخ، النسخ له حكم عظيمة، ومنها التخفيف على العباد، التخفيف على العباد، وكذلك منها اختبار اختبار العباد، مثل ما قال الله عز وجل معنا في قول الله عز وجل: ﴿وَلِلَّهِ مَا فِي السَّمَاوَاتِ وَمَا فِي الْأَرْضِ وَإِنْ تُبْدُوا مَا فِي أَنْفُسِكُمْ أَوْ تُخْفُوهُ يُحَاسِبْكُمْ بِهِ اللَّهُ﴾. فقال بعض الصحابة: قالوا: يا رسول الله، كلفنا الصلاة والصيام، وأما هذه الآية فلا نستطيعها، يعني كيف كل ما نتكلم به في أنفسنا يعلمه الله ويحاسبنا عليه؟ فقال لهم النبي صلى الله عليه وسلم: «قولوا: أتريدون أن تقولوا مثل اليهود: سمعنا وعصينا؟ قولوا: سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير»، فكان الصحابة رضي الله عنهم يكررون هذا: «سمعنا وأطعنا، غفرانك ربنا وإليك المصير». فأنزل الله عز وجل: ﴿آمَنَ الرَّسُولُ بِمَا أُنْزِلَ إِلَيْهِ مِنْ رَبِّهِ وَالْمُؤْمِنُونَ كُلٌّ آمَنَ بِاللَّهِ وَمَلَائِكَتِهِ وَكُتُبِهِ وَرُسُلِهِ لَا نُفَرِّقُ بَيْنَ أَحَدٍ مِنْ رُسُلِهِ﴾، إلى آخر الآيات. فهذه الآية فيها مصرحة عظيمة، ابتلاء ابتلى الله عز وجل عباده، هل يسمعون ويطيعون له أم أنهم لا يسمعون ولا يطيعون؟ وغيرها من الحكم العظيم التي ذكرها العلماء في النسخ. فلهذا فالنسخ له حكم عظيمة، وهذه الحكم تجعله عقلا أنه جائز، ولو لم تكن هذه الحكم فهو مشروع شرعه الله. الله عز وجل قال: ﴿مَا نَنْسَخْ مِنْ آيَةٍ أَوْ نُنْسِهَا نَأْتِ بِخَيْرٍ مِنْهَا أَوْ مِثْلِهَا﴾. فقال بعض الرافضة: هذا يعتبر بداء على الله، أن الله عز وجل يقولون: يبذو له شيء، ثم يبذو له شيء آخر، وهذا كلام باطل. فليس في النسخ بداء أبدا، بل هذا حكم من الله، ولأنهم ينفون الحكمة، فلهذا فهم يأتون مثل هذه الأشياء، هم ينفون الحكمة في أفعال الله عز وجل، فلهذا تجدهم يتحايلون بهذه الأشياء، ويأتون بأشياء ما يريدون يناقض أنفسهم، وهم يتناقضون بسبب مذهبهم هذا. ولهذا يقول شيخ الإسلام: أن مذهب الأشاعرة فيه تناقضات كثيرة، حتى ألف بعض المعاصرين رسالة في تناقضات مذهب الأشاعرة. فلأن تجد تناقضات عظيمة في المذهب، وحيانا بعض أشياء ما يجدون لها تفسير أصلا، فقط يريدون يظنون أنهم سيخالفون أصولهم، فيأتون بأشياء غريبة. مثل مثلا مذهبهم في القدر، معنا القول بالجبر عندهم، أو القول بالكسب، هذا من الخيال الذي لم يعرف حتى أئمتهم. فالمهم أنه سيأتي إن شاء الله تعالى معنا النسخ، أو ما الذي ينسخ، وما الذي لا ينسخ، وسيأتي أيضا ذكر الحكم في هذا إن شاء الله.