الدرس في كتاب الصلاة 9، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
أوقات النهي عن الصلاة هي خمسة وتخص النوافل المطلقة. يجوز أداء النوافل المقيدة التي لها سبب في هذه الأوقات.
صلاة الجماعة فرض عين على الرجال البالغين العاقلين. النساء لا يجب عليهن صلاة الجماعة ولكن يجوز لهن الصلاة في المسجد بشروط.
النبي صلى الله عليه وسلم كان يواظب على صلاة الجماعة حتى في السفر. اختلف العلماء في وجوب صلاة الجماعة على المسافر واستدلوا بآيات وأحاديث.
يُشرع للعمال في المؤسسات الحكومية أداء صلاة الجماعة في أماكن عملهم إذا كان المسجد بعيدا. يجب أداء الصلاة في المسجد إذا كان قريبا.
الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال علام السعيد رحمه الله في كتابه "منعج السالكين": قال أوقات النهي، قالوا: أوقات النهي عن النوافل المطلقة من الفجر إلى أن ترتفع الشمس قيد رمح، قالوا: من صلاة العصر إلى الغروب، ومن قيام الشمس بكبد السماء إلى أن تزول. ذكر رحمه الله هنا أوقات النهي، فهناك أوقات نهى الشرع عن الصلاة فيها، وهي خمسة أوقات: أولها بعد صلاة الفجر، وثانيها عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وثالثها عند زوال الشمس أو عند زوالها حتى تزول، ورابعها بعد صلاة العصر، وخامسها عند غروب الشمس حتى تغيب. هذه خمسة أوقات نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، كما جاء بحديث عقبة بن عامر: «ثلاث أوقات نهانا رسول الله صلى الله عليه وسلم أن نصلي فيهن، وأن نقبر فيهن موتانا»، قال: «عند طلوع الشمس حتى ترتفع، وعند زوال الشمس، وحين تضيف الشمس للغروب حتى تغرب». وجاء ذكر الوقتين الآخرين في حديث أبي سعيد الخدري في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «لا صلاة بعد الصبح حتى تطلع الشمس، ولا صلاة بعد العصر حتى تغيب الشمس». وقد يختصر في ذكر الأوقات، أوقات النهي، فتجعل ثلاث أوقات على جهة الإجمال، فيقال: النهي عن الصلاة بعد الفجر حتى تطلع الشمس، وبعد العصر حتى تغيب الشمس، وعند زوال الشمس. فهذه الخمسة الأوقات نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة فيها، والمراد بهذا النهي النهي عن صلاة النافلة المطلقة. قال هنا: "وأوقات النهي عن النوافل المطلقة"، إذا النوافل تنقسم إلى قسمين: نوافل مطلقة، ونوافل مقيدة. النوافل المطلقة هي التي ليس لها سبب، ليس لها سبب من الأسباب. كشخص يقول: أريد أن أتقرب إلى الله جل وعلا بركعات بعد صلاة الفجر، هل هذه ركعات لها سبب؟ الجواب: لا، نقول: هذه لا يجوز، لا يجوز أن تتقرب إلى الله بركعات في هذا الوقت، تصلي نافلة مطلقة، أو يفعل ذلك بعد العصر، أو عند طلوع الشمس، أو عند زوالها، أو عند غروبها. وأما النوافل المقيدة، فالصحيح أنه يجوز، النوافل التي لها سبب يجوز فعلها في أوقات النهي، مثل تحية المسجد، لو دخل الإنسان المسجد وقت النهي بعد صلاة الفجر أو بعد العصر، هل له أن يصلي تحية المسجد؟ أو نقول: هذا الوقت وقت النهي، فلا تصلي تحية المسجد؟ نقول: صلي، لأن تحية المسجد صلاة لها سبب. والنبي صلى الله عليه وسلم يقول: «إذا دخل أحدكم المسجد فلا يجلس حتى يصلي ركعتين». ويدل على ذلك على مشروعية صلاة النافلة لها سبب في أوقات النهي، إقرار النبي صلى الله عليه وسلم للرجل الذي رآه النبي صلى الله عليه وسلم يصلي راتبة الفجر القبلية بعد الفجر، كما في السنن، فقال له النبي صلى الله عليه وسلم: «أصليت الفجر أربعا؟» قال: يا رسول الله، إني لم أكن صليت ركعتي الفجر، فأقره النبي عليه الصلاة والسلام، وما أنكر عليه. هذا يدل أنه يجوز أن تصلى النافلة المقيدة في وقت النهي. كذلك أيضا أجاز الشرع أن يصلي الإنسان الصلاة الفائتة بنوم أو نسيان، أو كذلك الصلاة المعادة لفقد شرط، في وقت النهي. بحيث روى أبو هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «من نام عن صلاة أو نسيء إليها، فذكر الحديث». لو أن إنسان نسي صلاة الظهر، وما ذكره في وقت العصر، هل يصلي الظهر أو ما يصلي؟ يصلي، مع أن الوقت وقت نهي، لكن هذه الصلاة لها سبب، وهو النسيان. نعم، فيصليها ولو في وقت النهي، أو نام عن الصلاة، نام عن صلاة الظهر، وما استيقظ إلا في وقت العصر، نقول: تقوم وتصلي الظهر في وقت العصر، لأن هذا عذر. كذلك أيضا لو أن إنسان أعاد الحاضرة، صلى الظهر، ثم ذكر أنه صلى وهو على جنابة، فإنه سيغتسل وسيعيد. مثلا نقول: صلى العصر، ثم تذكر أنه كان على جنابة، وجب عليه أن يغتسل وأن يعيد صلاة العصر، سيصليها في وقت النهي، لأن الوقت بعد العصر وقت نهي، ومع ذلك سيصلي هذه الصلاة المعادة في وقت النهي. كذلك صلاة الجنازة، لو جئ بجنازة في العصر بعد صلاة العصر، هذا وقت نهي، لكن صلاة الجنازة لها سبب، فيجوز فعلها في وقت النهي. كذلك صلاة الاستخارة، على الصحيح، لا بأس أن تفعل في وقت النهي، لأنها صلاة لها سبب. نعم، أيضا مما يدل على الجواز حديث أبي هريرة، حين قال: قال نبي الله صلى الله عليه وسلم لبلال: «أخبرني بأرجى عمل عملته في الإسلام، فلقد سمعت دف نعليك بين يدي في الجنة»، فقال: يا رسول الله، أرجى عمل عملته في الإسلام، أني ما توضأت في أي ساعة من ليل أو نهار، إلا صليت بذلك الوضوء ما كتب لي. معنى هذا أنه في أي وقت، حتى في وقت نهي، كان يصلي ركعتي الوضوء في سائر الأوقات، وقره النبي عليه الصلاة والسلام على ذلك. هذا يدل على جواز الصلاة المقيدة في وقت النهي. كذلك أيضا صلاة الكسوف، يعني لو كسفت الشمس في العصر، فنصلي صلاة الكسوف، مع أنه وقت نهي، لكن هذه صلاة لها سبب. والنبي صلى الله عليه وسلم قال: «فإذا رأيتم ذلك فصلوا». نعم، أمرنا أن نصلي إذا رأينا الكسوف، ولو كان في وقت نهي. نعم، هذه كلها الأدلة تدل على أنه يجوز الصلاة النافلة المقيدة في أوقات النهي. طيب، ما هي الحكمة من النهي عن الصلاة في هذه الأوقات؟ بالنسبة لطلوع الشمس وغروبها وزوالها، جاء التعليل من حديث النبي عليه الصلاة والسلام، في حديث عمرو بن عبسة في مسلم، قال النبي صلى الله عليه وسلم لما علمه الصلاة: «صلي الصبح، فإذا صليت فأقصر عن الصلاة حتى تطلع الشمس، فإنها حين تطلع تطلع بين قرني شيطان، وحينئذ يسجد لها الكفار». وقال مثل ذلك عند غروبها، فتكون العلة والحكمة من النهي عن الصلاة في هذين الوقتين، عند طلوع الشمس وعند غروبها، هو عدم التشبه بالكفار، فإنهم يسجدون للشمس في هذا الوقت، فلا يصلي المسلم في مثل هذا الوقت، فيكون مشابها للكفار. وأما عند الزوال، فقد قال النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عمرو بن عبسة: «ثم اقصر عن الصلاة، قال: فإذا طلعت الشمس فصلي حتى تزول الشمس، فأقصر عن الصلاة، فإن حينئذ تسجر جهنم»، يعني تتوقد نارا، فنهى النبي صلى الله عليه وسلم عن الصلاة في هذا الوقت. وأما بعد الفجر وبعد العصر، قال أهل العلم: الحكمة في ذلك هو سد الذريعة، الاستمرار في الصلاة حتى يأتي وقت النهي، عند طلوعها أو غروبها، أو ما زال في صلاة، فسد لهذا الذريعة، لهذا الباب، نهي عن الصلاة بعد الصبح وبعد العصر. طيب، ومتى تزول وقت الكراهة بالنسبة لطلوع الشمس أو بعد الفجر حتى ترتفع الشمس؟ إذا ارتفعت الشمس قيد رمح، كما جاء في حديث عمرو بن عبسة: قيد رمح، إذا ارتفعت قيد رمح، زالت الكراهة، وجاز للإنسان أن يصلي في هذا الوقت. والمراد بالرمح، قال العلماء: هو الرمح الهذيلي، الرمح الهذيلي، وهو ستة أذرع، يعني بذراع اليد. وطول الرمح بالعادة أنه ثلاثة أمتار، طول الرمح بالعادة أنه ثلاثة أمتار، يعني ارتفعت الشمس قيد رمح، يعني ما يعادل ثلاثة أمتار، فلا بأس حينئذ أن يصلي، ويكون قد زال وقت الكراهة. وأما عند الغروب، فحتى تغرب، ويدخل وقت المغرب، ويدخل وقت المغرب، تزول الكراهة. وبالنسبة للزوال، يعني يمتنع من الصلاة قبل زوال الشمس بنحو عشر دقائق، فلا يصلي في هذا الوقت حتى تزول الشمس، ويدخل وقت الظهر. نعم، طيب، هل هناك وقت آخر لنهي؟ الجواب: نعم، روى أبو هريرة في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «إذا أقيمت الصلاة فلا صلاة إلا المكتوبة». إذا أقيمت صلاة الفريضة، فهذا الوقت ليس وقت تنفل، الواجب أن يدخل المصلي إلى صلاة الفريضة، ويصليها. نعم، كذلك أيضا في أثناء الخطبة يوم الجمعة، الأصل أن الإنسان يستمع للخطيب، إلا إذا لم يصلي تحية المسجد، فلا بأس أن يصليها، ثم يجلس، لا يقوم يصلي يتنفل، ليس هذا الوقت وقت تنفل، وقت استماع للخطبة، إلا تحية المسجد. لما دخل الرجل والنبي صلى الله عليه وسلم يخطب، فجلس، قال: «يا فلان، صليت ركعتين؟» قال: لا، قال: «قم فصلي ركعتين». يدل أن غير ركعتين، غير تحية المسجد، ما تصلى في أثناء الخطبة. التنفل بالصلاة قبل مجيء الإمام هذا مستحب، أن الإنسان يصلي ما شاء، كما جاء في الحديث: «ثم يذهب إلى المسجد، فلا يفرق بينهما، ثم يصلي ما كتب له، فإذا جاء الخطيب استمع وأنصت». الحديث له أن يصلي يوم الجمعة ما شاء من النوافل، حتى يبدأ الخطيب بالخطبة، فيستمع ويتوقف من الصلاة. وهنا أيضا تأتي مسألة، وهو هل يوم الجمعة يستثنى فيه النهي عن الصلاة وقت الزوال؟ جاء في بعض الروايات أحاديث النهي عن الصلاة وقت الزوال باستثناء الجمعة، إلا يوم الجمعة، لكن الحديث ضعيف الذي فيه هذا الاستثناء، ليس لا يصح. لكن يدل على الجواز أنه يجوز المسلم أن يصلي، ولو في وقت الزوال. ما جاء فيه الأحاديث الأخرى التي فيها استحباب أن يصلي المصلي ما شاء من النوافل حتى يأتي الخطيب والإمام، فيمتنع من الصلاة. والإمام في الغالب أنه يأتي مع وقت الزوال، وقت الظهر. ومعنى هذا أن النساء سيستمرن في الصلاة إلى أن يأتي وقت الزوال، وهو ما زال في الصلاة. وهذا يدل على أن هذا الاستثناء الوارد، وإن كان ضعيفا سندا، لكن معناه صحيح، يدل عليه بقية الأحاديث الأخرى التي فيها الحث على الكثار من النوافل يوم الجمعة. وبعض العلم حمل هذا على أن الخطيب يخطب قبل الزوال، على أن الجمعة تكون قبل الزوال. وبعضهم وجه بجوابه، قال: هذا عام، وجاء ما يخصصه، هذا عام، وجاء ما يخصصه، يعني النهي عن الصلاة وقت الزوال، هذا عام، أما يوم الجمعة، فهذا مما جاء فيه التخصيص الذي يدل على الجواز. وهذا أقرب، يعني نقول: الأصل أنه ما يجوز التنفل وقت الزوال، إلا يوم الجمعة. فهذه الأحاديث تدل على أنه يجوز للإنسان أن يصلي، ولو في وقت الزوال، حتى يأتي الإمام، فإذا جاء الإمام، هنا يتوقف عن الصلاة. طيب، قال رحمه الله: باب صلاة الجماعة والإمامة، قال: وهي فرض عين للصلوات الخمس على الرجال، حضرا وسفرا، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا يأم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»، متفق عليه. وأقلها إمام ومأموم، وكل ما كان أكثر فهو أحب إلى الله. وقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة الجماعة أفضل من صلاة الفذ بسبع وعشرين درجة»، متفق عليه. وقال: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة»، رواه أهل السنن. وعن أبي هريرة مرفوعا: «إنما جعل الإمام ليؤتم به، فإذا كبر فكبروا، وإذا ركع فاركعوا، ولا تركعوا حتى يركع، وإذا قال: سمع الله لمن حمده، فقولوا: اللهم ربنا ولك الحمد، وإذا سجد فاسجدوا، ولا تسجدوا حتى يسجد، وإذا صلى قاعدا فصلوا قعودا أجمعون»، رواه أبو داود، أصله في الصحيحين. إلى آخر ما ذكره رحمه الله في هذا الباب. هذا الباب في صلاة الجماعة والإمامة، وصلاة الجماعة هي من شعائر الإسلام العظيمة الظاهرة، التي إذا امتنع قوم عن إقامتها وفعلها، فإنهم يقاتلون على ذلك. وصلاة الجماعة على الصيغة أنها فرض عين، قال: وهي فرض عين، وهذا والصحيح، بعض العلم يقول: فرض كفاية، وبعضهم يقول: سنة، والصحيح أنها فرض عين، تجب على كل مسلم عاقل بالغ قادر ذكر، يجب عليه أن يصلي صلاة الجماعة. وسأتي ذكر شيء من الأدلة على ذلك. وهي فرض عين للصلوات الخمس، أي الفرائض، صلاة الفرائض الخمسة: الفجر، والظهر، والعصر، والمغرب، والعشاء. قال: على الرجال، قوله: على الرجال، خرج النساء والصبيان، فالنساء لا يجب عليهن صلاة الجماعة، وصلاتها في بيتها خير لها، كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «وصلاتهن في بيوتهن خير لهن». لكن هل لها أن تصلي في جماعة في المسجد؟ الجواب: نعم، يجوز، يجوز بشرطين: الأول أن يكون لها إذن من وليها، إما إذن عام، وإما إذن خاص، إما إذن عام، يعني يأذن لها، يقول: لك أن تصلي في المسجد متى شئت، وإذن خاص لصلاة معينة. والشرط الثاني أن تخرج وهي تفلة، يعني غير متبرجة، غير متزينة، ولا متعطرة، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «لا تمنع إماء الله مساجد الله، وليخرجن تفلات». أي غير متبرجات، فإذا اختل أحد هذين الشرطين، لم يجز لها أن تصلي في المسجد في جماعة. وإذا صلت في بيتها، هل تصلي جماعة أم تصلي وحدها؟ وردت بعض الآثار عن أمهات المؤمنين أنهن كن يصلين جماعة، وفي بعضها كلام، في بعض هذه الآثار، يعني كلام من حيث الصحة، صحة الآثار. وإذا صحت، دل ذلك على الجواز، أو الاستحباب، على جواز أن يصلين جماعة. فإن صلين جماعة أحيانا، لا بأس، لكن ليست الجماعة في حقها واجبة، الأصل أن تصلي منفردة. وإذا أحببن أن يصلين جماعة في بعض الأحيان، فلا بأس. قال: على الرجال، قلنا: خرج كذلك الصبيان، الصبي كمان لا تجب عليه الصلاة أصلا، كذلك لا تجب عليه صلاة الجماعة. قال: حضرا وسفرا، يعني تجب صلاة الجماعة في الحضر، وهكذا أيضا تجب في السفر. والنبي صلى الله عليه وسلم كان مواظبا على صلاة الجماعة، حضرا وسفرا، كان إذا سافر مع أصحابه، صلى بهم في جماعة. ومن ذلك قصة الصحابة لما ناموا في تلك الغزوة، ولم يستيقظوا إلا بحر الشمس، لم يستيقظوا إلا بحر الشمس، فأمر النبي صلى الله عليه وسلم بلالا أن يؤذن، ثم صلى بهم جماعة، فدل هذا على أن الصلاة صلى جماعة، ولو كان ولو كان الإنسان في سفر. طيب، هذا إذا كانوا جماعة، إذا كان منفردا، إذا كان منفردا، هل يجب عليه أن يصلي في جماعة؟ بعض العلم يقول: لا يجب، لأنه مسافر، والسفر عذر من الأعذار، يعني لا يجب أن يذهب ويصلي في المسجد، مدام أنه مسافر. وبعض العلم يقول: يعني هذا إذا كان نازلا، أم إذا كان ماشيا في السفر، فهذا يكاد يكون باتفاق، لكن إذا كان نازلا، نزل في منطقة، وهو ما زال مسافر، لم ينوي إقامة، هل يجب عليه أن يذهب ويصلي مع جماعة المسلمين في المسجد، أو يصلي في بيته، أو في الفندق الذي نزل فيه؟ بعض العلم يقول: لا، ما يجب عليه، لأنه مسافر، والسفر عذر. ومنهم من يقول: لا يلزم أن يصلي في المسجد، يلزم أن يصلي في المسجد، مدام أنه نازل ويسمع النداء. وبعض العلم توسط، فقال: إن كان يصلي في جماعة من معه من المسافرين، فلا يلزم أن يذهب إلى المسجد. وأما إذا كان ليس هناك معه أحد يصلي معهم جماعة، فإنه يذهب ويصلي في المسجد. والأظهر، والله أعلم، أنهما دائما مسافرا، فله رخصة، فله رخصة في ترك الجماعة، لكن لو كانوا جماعة، وهم في السفر، فيصلون جماعة، فيصلون جماعة. قال: كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «لقد هممت أن آمر بالصلاة فتقام، ثم آمر رجلا يأم الناس، ثم أنطلق برجال معهم حزم من حطب إلى قوم لا يشهدون الصلاة، فأحرق عليهم بيوتهم بالنار»، متفق عليه، أيث بهريرة. هذا فيه دلالة على وجوب صلاة الجماعة، إذ أن النبي صلى الله عليه وسلم هم أن يأمر بالصلاة فتقام، ثم يأمر رجل يصلي بالناس، ثم يذهب إلى من تخلف عن صلاة الجماعة، فيحرق عليهم بيوتهم، لو كانت صلاة الجماعة مستحبة أو فرض كفاية، قد حصل كفاية بمن حضر. كون يسلم، يهم ويعزم على أن يحرق بيوت المتخلفين، هذا يدل على أن صلاة الجماعة فرض عين، أنهم تركوا واجبا عليهم، يجب أن يفعلوه، وأن يقيموه، فهو دليل على وجوب صلاة الجماعة. ومن أدل كذلك قول الله عز وجل: ﴿وَإِذَا كُنتَ فِيهِمْ فَأَقَمْتَ لَهُمُ الصَّلَاةَ فَلْتَقُمْ طَائِفَةٌ مِّنْهُمْ مَّعَكَ﴾ [النساء: 102] الآية. أمر، أمر الله عز وجل نبيه عليه الصلاة والسلام أن يصلي بأصحابه صلاة الخوف في جماعة. ومن في هذا الحال، الخوف من العدو، ولم يأذن لهم أن يصلوا فرادا، فكيف في حال الأمن؟ في حال الأمن وعدم الخوف؟ كذلك أيضا قول الله عز وجل: ﴿وَارْكَعُوا مَعَ الرَّاكِعِينَ﴾ [البقرة: 43]. والراكعون يركعون في بيوت الله. أيضا قول الله عز وجل: ﴿فِي بُيُوتٍ أَذِنَ اللَّهُ أَن تُرْفَعَ وَيُذْكَرَ فِيهَا اسْمُهُ يُسَبَّحُ لَهُ فِيهَا بِالْغُدُوِّ وَالْآصَالِ * رِجَالٌ لَّا تُلْهِيهِمْ تِجَارَةٌ وَلَا بَيْعٌ عَن ذِكْرِ اللَّهِ﴾ [النور: 36-37] إلى آخر الآية. وقال: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] إلى آخر الآية. لو قيل: إن صلاة الجماعة فرض كفاية أو سنة، لتعطلت المساجد التي أذن الله برفعها، وأن يذكر فيها اسمه. كذلك أيضا حث أبو هريرة في قصة الأعمى الذي استأذن النبي صلى الله عليه وسلم أن يصلي في بيته، فأذن له النبي صلى الله عليه وسلم، ثم قال: «تسمع النداء؟» قال: نعم، قال: «فأجب». أمره أن يجيب المنادي، ولا يتخلف. وهكذا أيضا حكم النبي صلى الله عليه وسلم على المتخلف عن صلاة الجماعة، خاصة الفجر والعشاء، بالنفاق. «أثقل صلاة على المنافقين صلاة الفجر والعشاء»، متفق عليه. ولو كان صلاة الجماعة سنة أو فرض كفاية، لما حكم على المتخلف بالنفاق. كيف يحكم عليه بالتخلف بالنفاق، وقد أقيم هذا الفرض، وحصل بمن صلى وحضر الصلاة؟ دل هذا على أن حضورها فرض عين، وأن المتخلف عنها من غير عذر، متهم بالنفاق. وفي حديث مسعود في مسلم، قال: «وقد رأيتنا، وما يتخلف عنها إلا منافق معلوم النفاق»، إلا منافق معلوم النفاق، هكذا يقول مسعود رضي الله عنه. كيف يقال: أنها ليست فرض عين؟ فهذه الأدلة وغيرها كثير، يدلنا على أن صلاة الجماعة فرض عين. قال: وأقلها إمام ومأموم، يعني أقل ما تنعقد به الجماعة إمام ومأموم، مصلي إمام ومصلي معه. لحديث مالك بن الحويرث في الصحيحين، قال النبي صلى الله عليه وسلم: «فإذا حضرت الصلاة، فليؤذن لكما أحدكما، وليأمكما أكبركما». دل هذا على أن الجماعة تنعقد بثنين، بإمام ومأموم. وكلما كان أكثر، هو أحب إلى الله، يعني كلما كثر المصلون في صلاة الجماعة، كلما كان هذا أعظم وأكثر للأجر. ويدل على هذا حديث أبي مسعود الأنصاري في السنن، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال: «صلاة الرجل مع الرجل أزكى من صلاته وحده، وصلاته مع الرجلين أزكى من صلاته مع الرجل، وكلما كان أكثر، فهو أحب إلى الله». كلما كان أكثر، فهو أحب إلى الله. والحديث فيه عبد الله بن نبي بصير، مجهول، إلا أن جماعة من أهل العلم حسنوا هذا الحديث، واحتجوا به. ويدل على معناه حديث الصحيحين، في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «صلاة الرجل في الجماعة تضعف على صلاته في بيته بخمس وعشرين ضعفا»، وفي الرواية الأخرى: «بسبع وعشرين ضعفا». هذا هو أن صلاة الجماعة أكثر أجرا، وأعظم أجرا. وهذا الاختلاف الوارد في هاتين الروايتين: خمس وعشرين ضعفا، وفي الرواية الأخرى: سبع وعشرين ضعفا، قال أهل العلم: الجمع بين الروايتين، أن الرواية الأكثر تندرج تحتها الأقل، يعني خمس وعشرين تندرج تحتها سبع وعشرين، فلا تنافي. هذا قول، والقول الآخر: أن النبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن صلاة الجماعة تضاعف بخمس وعشرين ضعفا، ثم أخبر بعد ذلك أنها تضعف عليها بسبع وعشرين ضعفا، فأخبر بذلك أولا، ثم أخبر بهذا آخرا. ومن أهل العلم من جمع بين الحديثين، قال: أن هذا باختلاف حال المصلي، من حيث الخشوع والتدبر، وحضور القلب. فهذا كان يجد من الأجر خمس وعشرين، وذاك يجد من الأجر سبع وعشرين ضعفا. وعلى كل، فدل الحديث على أن صلاة الرجل في الجماعة تضاعف على صلاته وحده. طيب، هل يحصل على هذا الأجر من صلى في جماعة في غير المسجد؟ من صلى في جماعة في غير المسجد، مع استطاعته أن يصلي في المسجد؟ كجماعة صلوا في البيت، أو في عمارة، أو في دكان، هل يجدون هذا الأجر؟ الجواب: ظاهر الأدلة أن هذا الأجر خاص لمن صلى في جماعة في المسجد، لمن صلى في جماعة في المسجد، كما سمعنا في الآيات: ﴿إِنَّمَا يَعْمُرُ مَسَاجِدَ اللَّهِ مَنْ آمَنَ بِاللَّهِ وَالْيَوْمِ الْآخِرِ﴾ [التوبة: 18] في بيوت أذن الله أن ترفع، ويذكره في اسمه، إلى آخر ذلك من الآيات. فهذا خاص في بيوت الله. طيب، ما حكم صلاة الجماعة في المرافق والمؤسسات الحكومية؟ عمال في مؤسسة، أو في إدارة، يقولون: نحن يعني نفعل مصلى، ونصلي في داخل هذه المؤسسة، حتى لا يعني يضيع العمال، أو يذهبون ويتأخرون، وإلى آخره. هل يجوز أن يصلوا جماعة، ويتركون الصلاة في المسجد؟ بضل علم، قال: لا بأس، لا بأس أن يصلوا في هذا المرفق أو المؤسسة، إذا أقيموا الجماعة، وفعلوا مصلى. وقال آخرون: إذا كان المسجد قريبا، فوجب عليهم أن يصلوا في المسجد. ولفتح هذا الباب، لتعطلت المساجد، لو كان كل أصحاب المؤسسات والمرافق يصلون في مؤسساتهم، إذا من سيصلي في المسجد؟ وأما إذا كان المسجد بعيدا، فلا بأس أن يصلوا في مؤسساتهم. هذا القول هو الأقرب والأصح. إذا كان المسجد قريبا، وهم يسمعون النداء: حي على الصلاة، حي على الفلاح، فوجب عليهم أن يجيبوا، ما لهم من عذر. وأما إذا كان المسجد بعيدا، لا يسمعون النداء، يعني بالصوت الطبيعي، فحين إذا لا بأس أن يصلوا في مرفقهم أو مؤسستهم. قال: وقال صلى الله عليه وسلم: «صلاة جماعة أفضل من صلاة الفذ 27 درجة»، متفق عليه. وقال: «إذا صليتما في رحالكما، ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة»، رواه أهل السنن، حديث يزيد بن الأسود. قال النبي صلى الله عليه وسلم لرجلين لم يصليا مع القوم: «ما شأنكما؟» قال: يا رسول الله، صلينا في رحالنا. فقال: «إذا صليتما في رحالكما»، يعني العذر من الأعذار، كمطر أو نحو ذلك، صلى الإنسان في بيته، ثم جاء إلى المسجد، وجدنا يصلون جماعة، يدخل يصلي معهم. قال: «ثم أتيتما مسجد جماعة، فصليا معهم، فإنها لكم نافلة». يعني تكون لهم هذه الصلاة تطوعا. لماذا؟ لأنهم سيكونوا في محل تهمة، إذا جاء إلى المسجد، ونحن يصلون، وهم لم يصلوا، من رأهم سيقول: هؤلاء ما صلوا، هؤلاء ما صلوا مع الناس، فيتهمون، ويطعن في دينهم. ولذلك يدخلون يصلون مع الناس، وتكون لهم نافلة. وإن كان قد صلوا الفريضة في رحلهم، تكون لهم هذه الصلاة نافلة. نعم، أما إذا مر مرورا تحت المسجد، لم يدخل ليصلي، هذا ما يلزمه أن يقف ويدخل، إلا إذا جاء قاصدا للمسجد. مثلا صلى في رحله، ثم جاء يقول: سأحضر الدرس، جاء والناس يصلون، يدخل يصلي معهم، يدخل يصلي معهم. أو صلى في مسجد آخر، يصلي قبل هذا المسجد، ثم جاء إلى هذا المسجد، فيصلي معهم. طيب، إذا صلى معهم، دخل مثلا مع الإمام في الركعة الثالثة، وهو يصلي صلاة رباعية، هل يلزمه أن يصلي الصلاة كاملة؟ إذا سلم الإمام، يقوم ويأتي بركعتين، أو له أن يسلم مع الإمام؟ بعض العلم يقول: يقوم ويأتي بركعتين، لقول النبي صلى الله عليه وسلم: «فما أدركتم فصلوا، وما فاتكم فأتموا». وبعض العلم قال: لا بأس أن يصلي ركعتين، ويسلم معه، لأنها له نافلة، وأقل النافلة ركعتان. وهذا أظهر، الله أعلم، مدام أنه ليست فريضة عليه، إنما دخل معه نافلة، فيصلي معه الركعتين التي أدرك، وهو ما دخل أصلا. صلى الله عليه وسلم، ونبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.