الدرس في كتاب الصلاة 8، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
صلاة الاستسقاء سنة عند جفاف الأرض وتؤدى كصلاة العيد، ولها ثلاثة أنواع: الصلاة، والدعاء في خطبة الجمعة، والدعاء في غير الجمعة. تؤدى في المصلى بركعتين.
تؤدى صلاة الاستسقاء ركعتين كصلاة العيد، يليها خطبة واحدة يكثر فيها الإمام من الاستغفار والدعاء. يصليها المسلمون متخشعين متذللين.
يشرح المقطع ترتيب الصلاة والخطبة وآراء العلماء، ويبين جواز تكرار الصلاة إذا لم ينزل المطر مستدلاً بالأحاديث والآراء الفقهية. كما يبرز أهمية اختيار الإمام للأشخاص الصالحين للصلاة.
الحمد لله رب العالمين، الصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال العلامة السعدي رحمه الله في كتابه «منهج السالكين» في ذكره لصلاة التطوع: «قال: صلاة الاستسقاء». قاله: صلاة الاستسقاء سنة إذا اضطر الناس لفقد الماء، وتفعل كصلاة العيد في الصحراء، ويخرج إليها متخشعا متذللا متضرعا، فيصلي ركعتين، ثم يخطب خطبة واحدة، ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة. وينبغي قبل الخروج إليها فعل الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة، كالاستغفار والتوبة والخروج من المظالم والإحسان إلى الخلق، وغيرها من الأسباب التي جعلها الله جالبة للرحمة دافعة للنقمة. ذكر رحمه الله هنا صلاة الاستسقاء، والاستسقاء هو طلب السقي، فالألف والسين والتاء تدل على الطلب غالبا، كالاستسقاء طلب السقي، والاستسعاء طلب السعي، والاستشفاء طلب الشفاء. هذا في الغالب، لأنه قد يأتي وليد على الطلب، مثل الاستحاضة، الاستحاضة: طلب الحيض، هذا مما يستثنى، لكن في الغالب تستعمل الألف والسين والتاء للدلالة على الطلب. فصلاة الاستسقاء يقول: سنة إذا طلب الناس لفقد الماء، يعني حكمها أنها مستحبة، هذا قول عامة أهل العلم أن صلاة الاستسقاء مستحبة لفعل النبي صلى الله عليه وسلم، وقد فعلها الأنبياء من قبل، كما قال الله عز وجل عن موسى عليه السلام: ﴿وَإِذِ اسْتَسْقَى مُوسَى لِقَوْمِهِ فَقُلْنَا اضْرِبْ بِعَصَاكَ الْحَجَرَ﴾. وتستحب عند فقد الماء إذا جفت الأرض وقلت الأمطار وجفت الآبار وجفت الأودية واحتاج الناس إلى الماء، فيستحب لهم أن يستسقوا أن يصلوا صلاة الاستسقاء. وأما إذا كان الماء موجودا والمطر غزيرا فهنا لا تصل صلاة الاستسقاء؛ لأنه لا حاجة ولا داعي لها. وصلاة الاستسقاء سيأتي معنا ذكر صفتها، وهي إحدى أنواع الاستسقاء، الاستسقاء على ثلاثة أنواع. النوع الأول هو أن يصلي الإمام بالناس صلاة الاستسقاء بتوعدهم للخروج إلى المصلى في يوم معلوم، فيخطبهم خطبة ويصلي بهم ركعتين. والنوع الثاني من الاستسقاء وهو بعد الصلاة، أي في الجمعة، وهو الدعاء في يوم الجمعة في الخطبة أو في أثناء الخطبة أن يدعو الله عز وجل ويستسقي الله سبحانه وتعالى بنزول المطر، كما فعل النبي عليه الصلاة والسلام، كما في الصحيحين من حديث أنس: لما دخل عليه رجل أعرابي وقال: يا رسول الله، انقطعت السبل وهلكت المواشي، فادع الله أن يغيثنا، فاستسقى النبي عليه الصلاة والسلام، فرفع يديه وقال: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا»، فنزل المطر. هذه كيفية أيضا، وصفات الاستسقاء: الدعاء على المنبر يوم الجمعة. الصفة الثالثة: أن يدعو الله سبحانه وتعالى في غير الجمعة، أن يدعو الله عز وجل في غير الجمعة، سواء بعد صلاة أو في أي وقت من الأوقات، يدعو ويؤمن الناس لحديث عمير مولى آل اللحم قال: «أن رأيت النبي صلى الله عليه وسلم رافعا يديه يستسقي»، رواه أبو داود والنسائي، وهو صحيح. إذن، هذه ثلاث صفات أو كيفيات للاستسقاء: الصفة الأولى أن يصلي بالناس صلاة الاستسقاء، الصفة الثانية أن يدعو الله عز وجل يستسقي في خطبة الجمعة وهو على المنبر، الصفة الثالثة أن يدعو الله سبحانه وتعالى في غير الجمعة، مثلا بعد صلاة العصر أو بعد صلاة الظهر أو بعد صلاة الفجر، أي وقت من الأوقات، بعد أي صلاة من الصلوات أو في غير أوقات الصلوات، يدعو الله سبحانه وتعالى ويؤمن الناس على دعائه. وأكملها هو صلاة الاستسقاء. تشرع صلاة الاستسقاء إذا فقد الماء، فإذا أراد الناس أن يستسقوا فنزل المطر، هل يستسقوا؟ الجواب: لا، إذا كان المطر غزيرا يحصل به المقصود من إحياء الأرض وإنبات الزرع ونحو ذلك، فلا حاجة حينئذ للاستسقاء. وأما إن كان المطر خفيفا، مطرا خفيفا لا يحصل به المطلوب، فحينئذ لا بأس أن يصلوا صلاة الاستسقاء. وهل يشترط في صلاة الاستسقاء الإمام؟ الصحيح أنه لا يشترط، إذا اتفق الناس أهل القرية على أن يخرجوا في اليوم المعلوم ويصلوا صلاة الاستسقاء ولو من غير إذن الإمام، فلا حرج عليهم في ذلك. وقد يتأكد إذا أمر الإمام بذلك، أحيانا ربما مولي الأمر يدعو الناس أن يصلوا صلاة الاستسقاء إذا عم بلد الجفاف وقلة الماء والمطر، أمر الناس بالخروج لصلاة الاستسقاء، هنا يتأكد الخروج لصلاة الاستسقاء. قال: «وتفعل كصلاة العيد في الصحراء»، يعني تصلى صلاة الاستسقاء في المصلى كما تصلى صلاة العيد، لفعل النبي عليه الصلاة والسلام، كان يخرج إلى المصلى. وجاء أيضا في السنة من حديث أبي هريرة أو من حديث عائشة رضي الله عنهما نحوه. قال: «ويخرج إليها متخشعا متذللا متضرعا»، أي يخرج الإمام وهكذا بقية المؤمنين المصلين يكون على هذا الوصف، يخرجون متخشعين متذللين متضرعين، مظهرين للافتقار إلى الله سبحانه وتعالى والحاجة إليه سبحانه وتعالى، وهذا أدعى لاستجابة الله عز وجل لهم لدعائهم وقضاء حاجتهم، فلا يخرج متزين متجمل كما يخرج لصلاة العيد؛ لأن المقام هنا مقام افتقار وتضرع وتذلل. قال: «فيصلي ركعتين ثم يخطب خطبة واحدة»، يصلي ركعتين، أي أن صلاة الاستسقاء هي ركعتان، كصلاة العيد، عبارة عن ركعتين. وجاء في حديث عبد الله بن الزيد أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب الناس واستقبل القبلة يدعو، ثم حول رداءه، ثم صلى بهم ركعتين جهر فيهما بالقراءة. وجاء في حديث عائشة في السنن نحوه. فتكون صلاة الاستسقاء عبارة عن ركعتين، ويجهر فيها بالقراءة لحديث عبد الله بن الزيد قال: «جهر فيهما بالقراءة». وهل يكبر في صلاة الاستسقاء كالعيد؟ لأنه جاء في حديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى الاستسقاء كصلاة العيد، بعض العلماء قال: هذا يعني يشمل الوقت والصفة، الوقت أي وقت صلاة العيد عند ارتفاع الشمس، وكذلك الصفة بأن يكبر في الأولى سبعا وفي الثانية خمسا كصلاة العيد. لكن حديث ابن عباس هذا فيه ضعف، والصحيح أنه لا يكبر لعدم ثبوت ذلك. قال: «ثم يخطب خطبة واحدة»، يعني بعد الصلاة يخطب خطبة واحدة، وهذا هو الصحيح أن الخطبة في صلاة الاستسقاء خطبة واحدة، وذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم صلى ثم خطب، لم يكن خطب خطبتين، لو كان خطب خطبتين لقالوا ذلك، لذكر ذلك الصحابة كما ذكروا في خطبة الجمعة لما كانت الجمعة خطبتان ذكروا ذلك. قال: «ويكثر فيها الاستغفار وقراءة الآيات التي فيها الأمر به، ويلح في الدعاء ولا يستبطئ الإجابة»، يعني تكون الخطبة متضمنة للاستغفار، أمر الناس بكثرة الاستغفار وذكر الآيات المتضمنة لذلك، مثل قوله: «استغفروا ربكم إنه كان غفارا»، ومثل قوله: «يا أيها الذين آمنوا توبوا إلى الله توبة نصوحا»، وهكذا قوله: «استغفروا ربكم ثم توبوا إليه يرسل السماء عليكم مدرارا»، إلى آخر الآية. قال: «ويلح في الدعاء»، يلح في الدعاء يعني يدعو الله عز وجل دعاء الموقن بالإجابة، ويكرر الدعاء: «اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أغثنا، اللهم أسقنا، اللهم أسقنا»، ونحو ذلك من الأدعية التي يدعو الله عز وجل بها عند الاستسقاء. قال: «ولا يستبطئ الإجابة»، يعني يدعو دعاء الموقن بالإجابة، فيكثر من الدعاء ويلح ولا يستبطئ الإجابة. ثم إذا فرغ من الدعاء حول رداءه كما فعل النبي صلى الله عليه وسلم في حديث عبد الله بن الزيد في الصحيحين قال: «خطب الناس ثم استقبل القبلة يدعو وحول رداءه»، حول الرداء يعني جعل اليمين على اليسار واليسار على اليمين، تفاؤلا بتقلب الحال. قال: «وينبغي قبل الخروج إليها فعل الأسباب التي تدفع الشر وتنزل الرحمة كالاستغفار»، يعني قبل الخروج يتهيأون لصلاة الاستسقاء بالاستغفار، استغفروا الله جل وعلا مما عندهم من ذنوب وخطايا وسيئات ومعاص قد تكون مانعة من نزول المطر. قال: «والتوبة والخروج من المظالم والإحسان إلى الخلق»، قال: «وغيرها من الأسباب التي جعلها الله جالبة للرحمة دافعة للنقمة». نعم، هنا في قول المؤلف: «فيصلي ركعتين ثم يخطب خطبة واحدة»، أي أنه يبدأ بالصلاة قبل الخطبة، هذا القول الذي ذكره المؤلف هو قول جمهور أهل العلم. صلاة الاستسقاء يبدأ الإمام بالصلاة ثم يخطب الناس، وسنده بالروايات التي وردت في بعض الأحاديث كحديث أبي هريرة وحديث ابن عباس أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ فيها بالصلاة قبل الخطبة، وهذه الأحاديث فيها ضعف. لكن صح في حديث عبد الله بن الزيد عند الإمام أحمد في مسنده أن النبي صلى الله عليه وسلم بدأ بالصلاة قبل الخطبة، أنه صلى ثم خطب. لكن الروايات في الصحيحين أن النبي صلى الله عليه وسلم خطب ثم صلى، ولا شك أن ما في الصحيحين أصح، فيكون هذا أصح ما ثبت عن النبي صلى الله عليه وسلم هو أن تكون الخطبة قبل الصلاة، يخطب ثم يصلي. وبعض العلماء يذهب إلى التخيير، إن شاء خطب قبل الصلاة وإن شاء خطب بعد الصلاة، على اختلاف الروايات الواردة. فهل تكرر صلاة الاستسقاء؟ مثلا استسقوا في هذا اليوم ما نزل المطر، هل يستسقون في اليوم الثاني؟ الجواب: نعم، لا بأس بتكرار صلاة الاستسقاء إذا لم يحصل المقصود في المرة الأولى، صلوا مرة ثانية، فإن لم ينزل المطر صلوا مرة ثالثة، وهذا قول أحمد ومالك والشافعي؛ لأن المقصود من صلاة الاستسقاء هو نزول المطر والغيث. وأما من قال من أهل العلم بأنها لا تكرر صلاة الاستسقاء؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم لم يكررها، فالجواب أن النبي صلى الله عليه وسلم استسقى ونزل المطر، حصل المقصود، أما إذا لم يحصل المقصود فلا بأس بتكرارها. هل تخرج الحيوانات. هل تخرج الحيوانات والبهائم عند صلاة الاستسقاء؟ في بعض البلاد ربما يخرجون معهم الأغنام، يتضرعون إلى الله سبحانه وتعالى بها، بذبحها وإراقة دمائها ونحو ذلك. بعض العلماء أصدر الله بمشروعية ذلك؛ بما ورد في الحديث أن سليمان عليه السلام يثبت في السنن: أن سليمان خرج يستسقي فرأى نملة رافعة قوائمها إلى السماء تقول: «اللهم إنا لا غنى لنا من بركتك»، فوسقنا تدعو الله عز وجل بالاستسقاء، فقال لسليمان: «ارجعوا فقد سقيتم بدعوة غيركم»، «فقد سقيتم بدعوة غيركم». لكن الحديث ضعيف. كذلك أيضا يستحب أن يختار لصلاة الاستسقاء والدعاء من يرى فيه الخير والصلاح؛ لأن ذلك أدعى إلى إجابة الله لدعائه، ولهذا كان النبي صلى الله عليه وسلم يتوسلون إلى الله عز وجل بدعاء النبي عليه الصلاة والسلام، فلما مات النبي صلى الله عليه وسلم استسقوا بالعباس كما صح أن عمر رضي الله عنه أنه قال: «اللهم إنا كنا نستشفع بنبيك فإنا نستشفع بعم نبيك العباس»، فقال العباس: «قم فادع الله»، فقام فاستسقى، فدعا الله عز وجل وسقوا. كذلك أيضا في زمن معاوية رضي الله عنه لما أراد أن يستسقي قال: «أين يزيد بن الأسود الجرشي؟» قال: «تعال فادع الله»، فدعا وسقي، فنزل المطر. فيختار لصلاة الاستسقاء والدعاء من يرى فيه الخير والصلاح والاستقامة. صلى الله عليه وسلم، نبينا محمد، وآله وصحبه أجمعين.