التعليق على كتاب الوصية الكبرى 13

الدرس في التعليق على كتاب الوصية الكبرى 13، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

النهي عن اتخاذ القبور مساجد والتحذير من الغلو في الصالحين

يحرم اتخاذ القبور مساجد والصلاة عندها أو البناء عليها لكونه من سنن اليهود والنصارى ومقدمة للشرك. كما يحذر من الغلو في الصالحين بتعظيم قبورهم، مؤكداً أن الصلاة على النبي صلى الله عليه وسلم تبلغه أينما كان المصلي.

تحريم الصلاة عند القبور واتخاذها مساجد وأحكامها التفصيلية

يبيّن المقطع تحريم الصلاة في القبور وعندها واتخاذها مساجد مستدلاً بالقرآن والسنة وأقوال الأئمة، مع استثناء صلاة الجنازة على من لم يُصلَّ عليه. ويؤكد أن المسجد المبني على قبر لا تصح الصلاة فيه إلا بإخراج القبر ودفنه مع المسلمين.

حكم الصلاة في المساجد المبنية على القبور وبدع الزيارات الموسمية

تحرم الصلاة في المساجد التي تحتوي على قبور باتفاق الأئمة الأربعة، ويعتبر بناؤها ذريعة للشرك ومحاكاة لليهود والنصارى. وتبيّن السنة الصحيحة لزيارة القبور بأنها السلام والدعاء، محذراً من الزيارات الموسمية والقرابين والأذكار الجماعية المحدثة.

انجرار البدع الصغرى إلى الشرك الأكبر بدعاء الأولياء

يوضح المقطع كيف تجر البدع الصغيرة العوام إلى الشرك الأكبر بدعاء الأولياء وطلب البركة منهم مستغلين الكلام المعسول. ويسأل المتحدث الله الفقه في الدين والبصيرة بحال هؤلاء المدعين والمخدوعين.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم الحمد لله، والصلاة والسلام على رسول الله، وعلى آله وصحبه ومن والاه. أما بعد: قال شيخ الإسلام رحمه الله تعالى في الوصية الكبرى: «ولهذا اتفق العلماء على أنه ليس لأحد أن يحلف بمخلوق كالكعبة ونحوها، ونهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم عن السجود له، وقال: "لو كنت آمرًا أحدًا أن يسجد لأحد لأمرت المرأة أن تسجد لزوجها". وقال لمعاذ بن جبل - وتقدم النص في قيس بن سعد -: "أرأيت لو مررت بقبري أكنت ساجدًا لي؟" قال: لا. قال: "فلا تسجد لي"». ونهى النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم - وتقدم أن هذه الفقرة غير صحيحة، ضعفها الألباني، ضعيفة ب داود - ونهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، وقال في مرض موته: «لعن الله اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، يحذر ما صنعوا، حذروا ما صنعوا. قالت عائشة: «ولولا ذلك لأبرز قبره، ولكن كره أن يتخذ مسجدًا». أيضًا من باب الغلو في الصالحين، الغلو في الصالحين حتى تجعل على قبورهم المساجد إذا ماتوا، وهذا سبب لعبادتهم من دون الله عز وجل، فنهى النبي عليه الصلاة والسلام عن ذلك ولعن فاعل ذلك؛ لأنه من سنن اليهود والنصارى. فاتخاذ القبور مساجد محرم. وقد ذكر الإمام البخاري رحمه الله تعالى في صحيحه في كتاب الجنائز عدة أحاديث للنهي عن الصلاة عند القبور. قال رحمه الله تعالى في صحيحه: «باب كراهية الصلاة في المقابر»، ثم استدل بحديث ابن عمر. «باب كراهية الصلاة في المقابر، حديث ابن عمر: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: "اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم، ولا تتخذوها قبورًا"». انظر إلى فقه الإمام البخاري رحمه الله كيف استنبط من هذا الحديث النهي عن الصلاة بين المقابر وفي المقابر. قال الحافظ: استنبط من قوله في الحديث: «لا تتخذوها قبورًا»، بيوتكم لا تتخذوها قبورًا، أي: لا تجعلوها مثل القبور لا يُصلَّى فيها. صلوا في بيوتكم ولا تشبهوها بماذا؟ بالقبور. فإن القبور لا يُصلَّى فيها، ولا يُصلَّى عندها، سدًا لذريعة الشرك. قال: إن القبور - يقول الحافظ - إن القبور ليست بمحل للعبادة، فتكون الصلاة فيها مكروهة، تكون الصلاة فيها مكروهة، ومعنى الكراهة هنا كراهة التحريم، كراهة التحريم. ثم قال: «وقد نقل ابن المنذر عن أكثر أهل العلم أنهم استدلوا بهذا الحديث على أن المقبرة ليست بموضع للصلاة». استدلوا بحديث من؟ حديث ابن عمر: «صلوا في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا، اجعلوا من صلاتكم في بيوتكم ولا تتخذوها قبورًا، احذروا من أن تشبهوها بالقبور؛ لأن المقابر لا يُصلَّى فيها، فأنتم صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها مثل ماذا؟ مثل المقابر». هذا نقل ابن المنذر رحمه الله تعالى عن أكثر أهل العلم أن المقبرة ليست بموضع للصلاة. وكذا قال البغوي في شرح السنة، والخطابي. فهذه مسألة دقيقة، مسألة مهمة. الآن كم مساجد بُنيت على القبور؟ وكذلك الأضرحة والقباب، كل هذا من التشبه باليهود والنصارى؛ لأنهم كانوا إذا مات فيهم الرجل الصالح بنوا على قبره مسجدًا. قال عليه الصلاة والسلام: «أولئك شرار الخلق عند الله». وفي الصحيح أنه قال عليه الصلاة والسلام قبل أن يموت بخمس: «إن من كان قبلكم كانوا يتخذون القبور مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك». وقال صلى الله عليه وسلم: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، اشتد غضب الله على قوم اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد». أما الحديث الأول فرواه الإمام مسلم، حديث جندب، قبل أن يموت بخمس، خمس ليالٍ، صلى الله عليه وسلم وهو يحذر من عبادة القبور ومن بناء المساجد على القبور: «ألا فلا تتخذ القبور مساجد». ويشمل الصلاة فيها، يعني قوله عليه الصلاة والسلام: «ألا فلا تتخذ القبور مساجد» يشمل أيضًا البناء عليها، يشمل البناء والصلاة إليها، أي استقبالها أو الصلاة عندها، فهذا كله محرم، يدخل في هذا الحديث. يشمل ثلاث أشياء: فلا تتخذ القبور مساجد، لا تصل إليها، تجعل القبور أمامك قبلة تستقبلها، أو تصلي عندها وتعظمه رجاء الثواب والبركة في ذلك المكان، أو كذلك تبني عليه المسجد فيعظم ويعبد من دون الله عز وجل. وأما الحديث الثاني: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد»، فيه نهي من النبي صلى الله عليه وسلم أن يتخذ قبره وثنًا من الأوثان يعبد من دون الله. قال: «اشتد غضب الله». هذه الرواية عند مالك في الموطأ، عند مالك في الموطأ، وهنا ذكر المعلق أنه من حديث أبي هريرة، وصحيح أنه من حديث أبي هريرة، وإنما حديث أبي هريرة جاء بلفظ: «اللهم لا تجعل قبري وثنًا يعبد، لعن الله اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، وقد بيّن ذلك العلامة الألباني رحمه الله تعالى. ثم قال: «وقال عليه الصلاة والسلام: لا تتخذوا بيتي عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا، وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». وهذا حديث أبي هريرة رضي الله عنه. أما قوله: «لا تتخذوا بيتي» فصوابه: «لا تتخذوا قبري»، لأن الرواية التي وردت هي بلفظ «قبري»، ولعل شيخ الإسلام ينقل من ذاكرته ومن حفظه: «لا تتخذوا قبري عيدًا، ولا بيوتكم قبورًا». ثم قال: «وصلوا علي حيث كنتم، فإن صلاتكم تبلغني». في أي مكان كنت تصلي على رسول الله عليه الصلاة والسلام، فهناك ملائكة تبلغه عليه الصلاة والسلام عن أمته السلام. حتى قال الحسن بن الحسن بن علي بن أبي طالب: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء»، لما نهى ذلك الرجل الذي رآه يأتي إلى فرجة عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام، يتحرى ذلك ويدخل رأسه من أجل أن يسلم ويصلي على النبي عليه الصلاة والسلام، فقال له: «ألا أحدثك بحديث حدثنيه أبي عن جدي»، ثم ذكر هذا الحديث بنحو حديث أبي هريرة: «لا تتخذوا قبري عيدًا، وصلوا عليه، فإن صلاتكم تبلغني حيث ما كنتم». ثم قال له: «ما أنتم ومن بالأندلس إلا سواء»، يعني: سواء كنت في المشرق أو في المغرب أو في الشمال أو في الجنوب، أنت والذي في المدينة سواء في صلاتك على النبي صلى الله عليه وسلم، فلا حاجة لكثرة الترداد على ذلك القبر. فإذا كان النبي عليه الصلاة والسلام نهى الأمة عن أن تعظم قبره ويجعل وثنًا يعبد من دون الله، فقبر غيره من باب أولى. من يبلغ مرتبة النبي عليه الصلاة والسلام؟ لا أحد. فإذا كان كذلك، قبور غيره ينبغي أن لا تعظم كما تفعل الصوفية، حيث تعظم القبور وتجعل لها الزيارات السنوية، وربما بعضهم يذهب أسبوعيًا كما حاصل في تريم، حيث يذهبون كل جمعة، كل جمعة يذهبون إلى قبور ساداتهم وأوليائهم، ومنها قبر المحضار الذي قد سمعتم ماذا مكتوب على الحصاة وتلك الشاهدة التي هي على قبره، أنه من الأقطاب، وأنه من السادات، وأنه كذا، وأنه كذا، ويتصرف في الكون، والله المستعان. هكذا حتى يقول قائلهم: «يا شجاع الدين غارة، اكشفوا عنا الضرر، فلكم جاه عظيم عند تصريف القدر». هذا يدعو من يدعو، عمر المحضار، شجاع الدين هو عمر المحضار: «يا شجاع الدين غارة، اكشفوا عنا الضرر». ما يقول: «يا الله اكشف عنا البلوى». «أمن يجيب المضطر إذا دعاه ويكشف السوء ويجعلكم خلفاء الأرض، إله مع الله، قليلاً ما تذكرون». فهؤلاء عظموا هذه القبور. فالنبي عليه الصلاة والسلام نهى، وكذلك الصحابة رضوان الله تعالى عليهم نهوا عن ذلك، حتى أن ابن عمر رضي الله تعالى عنه ما كان يفعل ذلك إلا إذا قدم من سفر، جاء يسلم على النبي صلى الله عليه وسلم. والإمام مالك كذلك، إمام دار الهجرة رحمه الله، نهى أن يؤتى إلى قبر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم إلا لمن كان مسافرًا، جاء من سفر يريد أن يصلي في المسجد ثم يسلم ويمشي. أما ما يفعل عند قبر النبي عليه الصلاة والسلام من الجالسين الحاضرين في تلك البلاد، يعني يكثرون ويترددون على قبر النبي عليه الصلاة والسلام، فهذا مما كرهه السلف ونهى عنه السلف رضوان الله تعالى عليهم، سدًا للذريعة؛ لأن القلوب ضعيفة، فربما استحوذ عليها الشيطان ولبّس وسوّل لهم أن يدعو رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم من دون الله عز وجل. ولهذا كانت الأحاديث متكاثرة في النهي عن الصلاة عند القبور وفي القبور، واتخاذها مساجد، وتعظيمها، ورفعها فوق الحاجة، والبناء عليها، كل هذا جاء النهي عنه. وأما ما يفعل من أولئك الذين يدعون أنهم على السنة، يدعون أنهم على السنة وأنهم على الدين الصحيح، هذا باطل، ما يفعله أولئك باطل، بل يشجعون تلك الزيارات البدعية الشركية التي تقام سنويًا، سواء كانت زيارة ما يسمى بقبر هود في ذلك الشحر، يسمى قبر هود في ذلك الشحر، ماذا يفعل عنده؟ يفعل عنده زيارة مضاهية لحج بيت الله الحرام، وجعلوا لها تلك المناسك، ثم طوروها شيئًا فشيئًا، وجعلوا لها تلك الدفاتر وتلك الكتب، وكم وكم يشجعون لها قبل حينها، وقبل موعدها بشهر، وهم يهوّدون التهويدة في مساجد الصوفية في تريم، ثم يقال: هؤلاء على دين صحيح! أي دين هذا؟ هذا دين الرسول صلى الله عليه وسلم الذي كان ينهى عليه الصلاة والسلام حتى قبل موته عن هذا الفعل الشنيع، وذكر أنه من أفعال اليهود والنصارى، ثم بعد ذلك يقولون: نحن على ملة محمد عليه الصلاة والسلام. أين ملة محمد صلى الله عليه وعلى آله وسلم وهو عليه الصلاة والسلام يلعن فاعل ذلك، ويقول أنه من فعل اليهود والنصارى، وأن الله عز وجل يشتد غضبه على من يفعل ذلك؟ قال شيخ الإسلام: «ولهذا اتفق أئمة الإسلام أنه لا يشرع بناء المساجد على القبور، ولا تشرع الصلاة عند القبور، بل كثير من العلماء يقولون: الصلاة عندها باطلة». إذن الصلاة عند القبور باطلة، وهذا هو الصحيح؛ لأن الأحاديث جاءت بالنهي، مثل هذا الحديث العظيم: «صلوا في بيوتكم ولا تجعلوها قبورًا»، وحديث أبي مرثد الغنوي في صحيح الإمام مسلم: أن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم قال: «لا تصلوا إلى القبور، ولا تجلسوا عليها». لا تصلوا إلى القبور، لا تستقبلوها. وانظر ما يفعل في أماكن التي هي قصبة لتلك التقوصات الدينية عند الصوفية، حيث يجعل في ذلك المكان قبر، ثم بعد ذلك يأتون بالحضرة ويصلون، حتى أنهم كانوا يصلون في ماذا؟ في تلك القبور والقباب، مثل قبة أبي بكر بن سالم الذي مغبور بعينات، يدخلون تلك القبة ويصلون عند تلك القبور، وقد صوروا ذلك صوروا ذلك بأنفسهم، وكانوا يصلون عند تلك ويسجدون عند تلك القبور، والنبي عليه الصلاة والسلام نهى عن ذلك. يقول الفقيه الهيتمي في الزواجر عن اقتراف الكبائر: «الكبيرة الثالثة والتسعون: اتخاذ القبور مساجد من الكبائر». اتخاذ القبور مساجد، وهذه الكبيرة تصل بصاحبها إلى الشرك والعياذ بالله، وهي ماذا؟ أنه إذا صلى عند ذلك القبر تعظيمًا له وخوفًا منه، وأنه يريد النفع أو دفع الضر، فيكون شركًا أكبر مخرجًا من الملة، عياذًا بالله. وأما يصل عند ذلك القبر لله عز وجل لكنه يريد البركة، يريد البركة، أن هذا المكان فيه بركة عظيمة لوجود هؤلاء السادة الأولياء، فهذا يعتبر كبيرة من الكبائر، وصلاته باطلة لا تقبل، لا يقبلها الله عز وجل؛ لأنها في موضع نهى الله عز وجل عنه بقوله عليه الصلاة والسلام: «لا تصلوا إلى القبور ولا تجلسوا عليها». قال الألباني رحمه الله تعالى: «وقد صرح بعض الحنفية وغيرهم بكراهة الصلاة فيها، والمراد بالكراهة هنا عند الحنفية كراهة التحريم». قال: «بل نقل بعض المحققين اتفاق العلماء على ذلك»، تفق العلماء على أن الصلاة عند القبور وفي القبور هذه ماذا؟ أنها محرمة. وهكذا أيضًا قال: «وقد دل الحديث، حديث أبي هريرة وغيره، على كراهة الصلاة في المقبرة، وهي للتحريم لظاهر النهي في بعضها، وذهب بعض العلماء إلى بطلان الصلاة فيها؛ لأن النهي يدل على فساد المنهي عنه، وهو قول ابن حزم، اختاره شيخ الإسلام ابن تيمية والشوكاني في نيل الأوطار». وروي عن الإمام أحمد أنه قال: «من صلى في مقبرة أو إلى قبر أعاد أبدًا»، أعاد، الصلاة باطلة. فالذين يصلون، سواء كانوا فرائض أو يصلون سننًا ورواتب أو يصلون نوافل، صلاتهم كلها باطلة. إذن الصلاة في القبور وعند القبور لا تجوز. لكن يستثنى من ذلك ماذا؟ من يذكر لنا؟ يستثنى من ذلك أمر واحد: صلاة الجنازة. هل صلاة الجنازة تصلى في المقبرة؟ الجواب: لا، إنما تصلى في المصلى أو في المسجد. لكن المراد به الميت الذي دفن ولم يصل عليه، أنا ما صليت على ذلك الميت الذي دفن، فإنه يشرع أن أصلي عليه صلاة جنازة، هذا فقط. لأن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم صلى على المرأة السوداء بعدما دفن، صلى على المرأة السوداء صلاة الجنازة، فكبر عليها أربعًا كما قال جابر رضي الله تعالى عنه، فصلى عليها بعدما دفنت؛ لأنها دفنوها في الليل ولم يصل عليها رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما باقي الصلوات فلا تجوز الصلاة في ماذا؟ في القبور. طيب، المسجد الذي بني على القبر، ما حكمه؟ ما حكم الصلاة فيه؟ على الصحيح من أقوال أهل العلم أن الصلاة فيه لا تصح حتى يخرج ذلك القبر من المسجد ويدفن مع ماذا؟ مع المسلمين، أي مع مقابر المسلمين. فإن الصلاة - انتبه - لا تقول في مقدمته أو في مؤخرته، فإن العلماء لم يفرقوا بين ذلك، سواء كان القبر الذي دفن في المسجد في مقدمة المسجد أو في وسطه أو في مؤخرته، فلا تجوز الصلاة فيه، بل عليك أن تهرب من ذلك المسجد؛ لأن هذا ذريعة، وسد الذرائع في هذا الباب مطلوب، سد الذرائع في هذا الباب مطلوب. قال ابن تيمية رحمه الله في الاختيارات: «ولا تصح الصلاة في المقبرة ولا إليها، والنهي عن ذلك إنما هو سد لذريعة الشرك». وهذا أيضًا القول بالتحريم، قول الإمام النووي، وقول المناوي، قول الإمام النووي شافعي، والشافعي يقول: «وأكره أن يعظم مخلوق حتى يبنى على قبره مسجدًا». فإذن هؤلاء الذين يقولون: نحن شافعية، هل هم صادقون ولا كاذبون؟ ما هو الجواب؟ الجواب أنهم كاذبون، فليس هم بمتبعين للشافعي، وليس هم مع الشافعية. إمامهم الشافعي رحمه الله تعالى، الذين يقولون شافعية - على أننا ما نقر هذه التي تسمى المذهبية - لكن لو سلمنا، قالوا: نحن شافعية، نقول لهم: كذبتم، فإن الإمام الشافعي نهى عن البناء على القبور، وأمر كما أمر النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم، أمر ونهى أن يزاد على القبر إلا مقدار شبر، يعني يطرح فيه التراب الذي قد أخرج منه، هذا الذي قاله الإمام الشافعي، وثابت عنه في الأم، ونهى عن تعظيم القبور حتى تتخذ مساجد وتعظم من دون الله عز وجل. فما لهم لا يرجعون لا إلى رسول الله عليه الصلاة والسلام، ولا إلى الصحابة، ولا إلى أئمة المذاهب الذين هذا كلامهم منقول؟ الأئمة الأربعة اتفقوا على كراهة ذلك وتحريم ذلك، أنه لا يصلى عند القبور، ولا في المقبرة، ولا يرفع القبر زيادة على ما هو حده، ولا كذلك يبنى عليه المسجد ولا القبة. إذن هؤلاء من أي شيء أخذوا هذا؟ من أي دين يستقون؟ الجواب كما قال عليه الصلاة والسلام: «لعنة الله على اليهود والنصارى اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد»، فهذه سنة يهودية، سنة يهودية من أهل الكتاب، من اليهود والنصارى. هذا الذي يفعل الآن من الزيارات ومن تعظيم هذه القبور ورفعها، هذه ليست من دين الإسلام، ليس مما جاء به رسول الله صلى الله عليه وسلم. فلا يكذبون على الناس، ويدعون الصلاة، وهذه أفعالهم. بل ينبغي عليهم أولاً أن يكسروا تلك القباب إن يريدوا أن يقولوا: نحن متبعون لرسول الله عليه الصلاة والسلام، أولاً، ثم بعد ذلك للشافعي، أولاً يكسروا تلك القباب، ما رفع منها، ما رفع من القبور، كسّروها وسووها، كما قال علي لأبي الهياج الأسدي في صحيح مسلم: «ألا أبعثك على ما بعثني عليه رسول الله صلى الله عليه وعليه وسلم؟ قال: أن لا تدع قبرًا مشرفًا إلا سويته، ولا تمثالًا إلا طمسته». قبر مشرف: مرتفع، سويه بالأرض. وهكذا فعل فضالة بن عبيد رضي الله عنه لما غزوا ومات لهم من الصحابة، دفنه وسوى تلك القبور، سووا القبور، فكانوا يسوون ماذا؟ القبور، ولا يبنون عليها لا مساجد ولا قباب ولا مشاهد، ولا يجعلون لهم الزيارات، لا سنوية ولا شهرية ولا حتى في العمر مرة، كما يفعل هؤلاء، والله المستعان. قال: «والسنة بزيارة قبور المسلمين نظير الصلاة عليهم قبل الدفن». قال الله تعالى في كتابه عن المنافقين: ﴿وَلَا تُصَلِّ عَلَىٰ أَحَدٍ مِّنْهُم مَّاتَ أَبَدًا وَلَا تَقُمْ عَلَىٰ قَبْرِهِ﴾ [التوبة: 84]، فكان دليل الخطّاب أن المؤمنين يصلى عليهم ويقام على قبورهم. وكان النبي صلى الله عليه وسلم يعلم أصحابه إذا زاروا القبور أن يقولوا: «السلام عليكم أهل دار قوم مؤمنين، وإنا إن شاء الله بكم لاحقون، يرحم الله المستقدمين منا ومنكم والمستأخرين، أسأل الله لنا ولكم العافية، اللهم لا تحرمنا أجرهم ولا تفتننا بعدهم واغفر لنا ولهم». رواه الإمام مسلم، جاء من حديث بريدة، وجاء من حديث عائشة. هذه السنة، السنة الزيارة المشروعة للقبور، أن من زارهم يسلم عليهم، ويدعو لهم بالرحمة والمغفرة، ويدعو لنفسه. هذا هو السنة. أما أنك تأتي وتذهب، تضع الزيت، أو تضع قصعة عسل، أو السمن، أو تذهب بالكبش، أو نحو ذلك، فهذا كله غير مشروع، بل هذا يعتبر ماذا؟ من الأمور المبتدعة، وربما كانت ماذا؟ من الشركية، إذا اعتقد في صاحب ذلك القبر أنه ينفع ويضر مع الله من دون الله جل وعلا. فانتبه، بارك الله فيك. لا كما يفعله كثير من الناس الآن، الزيارات هذه التي مضت قبل أيام في المحرم، زيارة سالم بن عمر، وزيارة هذا الشيخ فضل، وزيارة غيرها من الزيارات، المحضار، هذه كل الزيارات مبتدعة، وربما صاحبها شيء من هذا، من الشرك، ناهيك عن ما يحصل فيها من الفساد، من الاختلاط بين الرجال والنساء. لا يشك لبيب عاقل أن هذه محدثة في دين الإسلام، لا تجوز المشاركة لهم. فانظر ما يفعله بعض الناس، أنهم يفتحون هذه القباب التي مغبور فيها هذا الميت، هذا الشيخ أو هذا الولي عندهم، مفتوح القبر، وهناك ربما تدخل بعض النساء وتمسح ذلك القبر، جهلا منها، جهلا منها، تريد ماذا؟ تريد البركة، وتريد حصول الخير في البيت، وتريد كذا كذا، ربما بعضها تدعو بالولد، وبعضها تدعو بالسعادة في الدنيا والآخرة، والعفو والعافية، والنجاة من النار ودخول الجنة، وهلما جرى مما يطلب من هذا، من تلك القبور، عندما ماذا؟ عندما تزار. تقام في هذه الزيارات، فكانوا سببًا، هؤلاء الذين يدعون الناس إلى هذه الزيارات، يكونون سببًا في حصول الشر العظيم والفساد الكبير للمجتمع. هم يقولون للناس: أهلا، أبواب جهنم مفتوحة، لكن ما حد يصدق ذلك، وإلا لسان المقال يقول، أو لسان الحال يقول: أبواب جهنم مفتوحة، ادعُ الولي، ادعُ هذا الولي، واطلب حاجتك من ماذا؟ من الولي. وهذا الدعاء شرك، عياذًا بالله. ﴿وَمَنْ أَضَلُّ مِمَّن يَدْعُو مِن دُونِ اللَّهِ مَن لَّا يَسْتَجِيبُ لَهُ إِلَىٰ يَوْمِ الْقِيَامَةِ وَهُمْ عَن دُعَائِهِمْ غَافِلُونَ * وَإِذَا حُشِرَ النَّاسُ كَانُوا لَهُمْ أَعْدَاءً وَكَانُوا بِعِبَادَتِهِمْ كَافِرِينَ﴾ [الأحقاف: 5-6]، والله المستعان. فكما أضلوا المسلمين، وحرموا الناس من ماذا؟ من السنة، حرموا الناس من السنة بالتلبيس على العوام الذين عاشوا فترات طويلة على البدع، وعلى هذه الرواتب، والمقدمات قبل الصلاة وبعد ماذا؟ وقبل الآذان. كم نسمع الآن في الليل في بلدنا هذه، في الليل هذه التي تسمى التراحيم قبل الفجر، من الساعة، وذاك شغل الميكروفون: «لا إله إلا الله وحده لا شريك له» إلى آخره، ويدعو بذلك الدعاء الطويل، «سبحان الله، سبحان الله»، ويسبح ويسبح ويسبح. هذا من أين جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم؟ لا، هذا من ابتدعات أهل التصوف. وهذه البدع التي قد يستسيغها ويستسهلها بعض العوام تجرهم إلى ما هو أكبر منها، أن يدعى هؤلاء الأولياء أو السادة من دون الله عز وجل، ويطلب منهم، وهذا مكان في خير، وهذا مكان في بركة، وحصلت البركة لك ولأولادك ولأسرتك، وأنت إن شاء الله من الفائزين الناجحين، ويتم بمثل هذه الكلمات المعسولات لهؤلاء الشيابة المساكين. فنسأل الله سبحانه وتعالى أن يفقهنا في الدين، وأن يبصرنا جميعًا بحال هؤلاء، أنه ولي ذلك والقادر عليه، والحمد لله رب العالمين. خلاص للمفاة