شرح عقيدة الإمام الشافعي 6

الدرس في شرح عقيدة الإمام الشافعي 6، ألقاها الشيخ أبو همام عبد الله باسعد

مقدمة في مراتب القدر

يبدأ الحديث عن مراتب القدر الأربع الضرورية لفهم هذا الباب، وهي العلم والكتابة والخلق والمشيئة. يُشرح كل مرتبة منها باستفاضة بالأدلة الشرعية.

الإرادة الشرعية والكونية وتطبيقاتها

يتم توضيح مفهومي الإرادة الشرعية والكونية، حيث تعني الأولى المحبة والرضا بينما تعني الثانية المشيئة والقضاء. يُبيّن الفرق بينهما من خلال أمثلة على الإيمان والكفر.

أفعال العباد في ضوء مشيئة الله

يُناقش رأي الإمام الشافعي في أفعال العباد، حيث يؤكد أن العباد فاعلون حقيقيون لكن أفعالهم تحت مشيئة الله. يُشير إلى استمرار النقاش حول الإيمان في اليوم التالي.

التفريغ النصي الكامل

بسم الله الرحمن الرحيم. الحمد لله رب العالمين، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد، فأخذنا بالأمس قول الإمام الشافعي في القدر، وأن قوله يوافق قول أهل السنة، وأنه يثبت للعبد مشيئة، لكنها تابعة لمشيئة الله: ﴿ما تشاءون إلا أن يشاء الله رب العالمين﴾. وقلنا إن مسألة القدر فيها ثلاث مسائل، إذا فهمت، فهم باب القدر. أولًا: أن القدر على مراتب أربع. القدر على مراتب أربع. المرتبة الأولى هي العلم، أي أن الله عز وجل له العلم، يعلم كل شيء، جل وعلا يعلم ما يكون وما كان وما سيكون، فهو له علم أزلي سبحانه وتعالى، يعلم الأمور، ثم بعد ذلك يقدرها بحسب علمه جل وعلا، معناه على ما علمها سبحانه وتعالى. فهذه المرتبة الأولى، مرتبة العلم، التي أنكرها غلاة القدرية. والمرتبة الثانية، مرتبة الكتابة. وهذه المرتبة أي أن الله عز وجل كتب مقادير الخلق، أي كل ما يحصل في هذا الكون فهو مكتوب. وما أصاب من مصيبة إلا بإذن الله: ﴿في كتاب من قبل أن نبرأها﴾. وقال الله عز وجل: ﴿وكل شيء في كتاب مبين﴾. وقال: ﴿ما فرطنا في الكتاب من شيء﴾. وقال الله عز وجل: ﴿قل كل من عند ربي في كتاب لا يضل ربي ولا ينسى﴾. وجاء في صحيح مسلم من حديث عبد الله بن عمر أن النبي عليه الصلاة والسلام قال: «إن الله قدر مقادير الخلائق». وجاء في رواية: «كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة، وكان عرشه على الماء». كتب مقادير الخلائق قبل أن يخلق السماوات والأرض بخمسين ألف سنة. فهذا يدل على أن المقادير التي تقدر في هذا الكون إنما قد كتبت، وقد فرغ منها. لهذا قيل للنبي عليه الصلاة والسلام -كما في الصحيحين- هل هذا الأمر مفروغ منه، أو أنه أمر مستأنف؟ فقال: «بل مفروغ منه، أنا قد فرغ منه، كل شيء مكتوب». فقالوا: «ففيما العمل يا رسول الله؟» قال عليه الصلاة والسلام: «أعملوا، فكل ميسر لما خلق له». فكل ميسر لما خلق له، أي لما كتب له الله عز وجل، على ما علمه الله عز وجل منه. سبحانه وتعالى يعلم ما العباد فاعلون، فلهذا قدر لهم ما علمه منهم. والمرتبة الثالثة فهي مرتبة الخلق. مرتبة الخلق، أي أن الله عز وجل خلق كل شيء، ومن ذلك أعمال بني آدم من الخير والشر. من أعمال بني آدم من خير وشر. وقد جاء في الحديث أو قول الله عز وجل أيضًا: ﴿وكل شيء خلقناه بقدر﴾. كل شيء خلقناه بقدر. وقال النبي عليه الصلاة والسلام -أو قال الله عز وجل-: «والله خلقكم وما تعملون». وجاء في الحديث، حديث جبريل، أن النبي صلى الله عليه وسلم قال لما سأله جبريل عن الإيمان، قال: «أن تؤمن بالله وملائكته وكتبه ورسله وبالقدر خيره وشره». فهو من الله سبحانه وتعالى، خيره وشره من الله سبحانه وتعالى. فالله عز وجل خلق الخير وخلق الشر، فكله من خلق الله. كل الأعمال العباد من خلق الله عز وجل. والمرتبة الرابعة المشيئة. المرتبة الرابعة المشيئة، مشيئة الله عز وجل. وهذه المشيئة هي المشيئة النافذة في كل شيء، وهي الإرادة الكونية كما سيأتي معنا. فهذه المشيئة مشيئة نافذة -كما قلنا- في كل شيء، لا يكون شيء إلا بما شاء الله عز وجل. فما شاء الله كان، وما لم يشأ لم يكن، وما يكون إلا ما يشاء، فلا يكون شيء إلا بما شاء الله. إلا أن الله عز وجل جعل للعبد مشيئة، الله سبحانه وتعالى جعل للعبد مشيئة في فعل الفعل، فهو يفعل الفعل حقيقة بمشيئته وباستطاعته التي جعلها الله عز وجل له. لكن هذه المشيئة لا تنفذ إلا بمشيئة الله عز وجل، تكون تابعة لله سبحانه وتعالى. ومعنى ذلك أنه -مثلا- الإنسان إذا كان يريد -مثلا كما قلنا- الذهاب إلى المسجد، عنده استطاعة في الذهاب إلى المسجد، عنده استطاعة أن يذهب إلى المسجد، لكن هل سيتحقق هذا الذهاب إلى المسجد؟ ممكن يتحقق وممكن لا يتحقق. فلهذا فالإنسان عنده مشيئة وعنده استطاعة. وليس للذين يقولون أن العبد مجبور حجة أبدًا، لا حجة شرعية ولا عقلية. بل هذا حجة المشركين الذين قال الله عز وجل ناقلًا عنهم: ﴿قالوا لو شاء الله ما عبدنا من دونه من شيء﴾. فهؤلاء قالوا: «لو شاء الله لما أشركنا، ما كنا من المشركين». معنى: لو شاء الله أن لا نشرك، وهذا كلام باطل أنكره الله عز وجل عليه. فلهذا أيضًا، كذلك من ناحية العقل -مثل ما قال شيخ الإسلام ابن تيمية رحمه الله-: لو قيل لهذا الذي يقول يحتج بالقدر، أنا يقول كل شيء بقدر الله، لو أعطي كفًا -مثلا- الرجل أعطاه كفًا، فقال: «قدر الله عليك أني أضربك»، هل سيقبل هذا الكلام؟ يقول له: «قدر الله عليك أني أضربه»، ما سيقبل مثل هذا الكلام؟ فلهذا فقوله المخالف للعقل أن كل شيء بقدر الله، معنى ذلك أن الإنسان ليس له اختيار، بل الإنسان له مشيئة جعلها الله عز وجل، يفعل الفعل. طيب، هذه المسألة الأولى. المسألة الثانية: المسألة الثانية فعل العبد، ذكرناها. فعل العبد. المسألة الثالثة مسألة الإرادات، هذا يضمن المسألة التي يضل فيها أهل القدر، لأنهم لم يفرقوا بين الإرادات. فالإرادة إرادتان: إرادة شرعية وإرادة كونية. والإرادة الشرعية بمعنى المحبة، كل شيء أحبه الله عز وجل فهو إرادة، كما قال الله عز وجل: ﴿ولا يرضى لعباده الكفر﴾. ﴿إن تشكروا يرضه لكم﴾. أن يرضى الله عز وجل من عباده أن يشكروا. ولهذا أرسل الله عز وجل الرسل، وأنزل الكتب لهداية الناس إلى الخير وإلى دينه الذي اصطفاه الله عز وجل، وأنزله على الناس، سواء كان بالقرآن أو بالسنة. فهذا كله هذا إرادة، معنى يريد الله عز وجل أن الناس يقبلون على الله عليه سبحانه وتعالى، ويقبلون دينه ويدينون الله عز وجل بهذا الدين. هذا إرادة شرعية بمعنى المحبة، قد تقع وقد لا تقع. وهناك إرادة كونية وهي بمعنى المشيئة، فهذه تقع كل شيء ويقع في الكون فهو بإرادة الله عز وجل وبمشيئته. وفرق بين الإرادتين. أما القدرية فاختاروا الإرادة الشرعية، أما القدرية اختاروا الإرادة الشرعية. وأما الأشاعرة والمرجئة أو الجهمية اختاروا الإرادة الكونية. فذلك قالوا: أما معنى الأشاعرة والجهمية قالوا: «ما من شيء إلا بمشيئة الله»، معنى كل شيء في هذا الكون فهو من فعل الله. وعكسهم أولئك القدرية الذين قالوا بالإرادة الشرعية، قالوا: «أنه لا دخل لله عز وجل في فعل العبد». فتناقضوا لأنهم ما جمعوا بين الإرادتين، مثل أهل السنة جمعوا بين الإرادتين: ﴿والله يريد أن يتوب عليكم ويريد الذين يتبعون الشهوات أن تميلوا ميلًا عظيمًا﴾. يريد أن يتوب عليكم، هل تاب الله عز وجل على كل أحد؟ لا، هناك كفار لا يتوب الله عز وجل عليهم، بل ماتوا وهم كفار. فهذا المراد به الإرادة الشرعية. والفرق بين الإرادة الشرعية والإرادة الكونية -كما قلنا- أن الإرادة الشرعية بمعنى المحبة، والإرادة الكونية بمعنى المشيئة. يعني يوضح ذلك كما يقول العلماء: التعليقات، يعني ما يتعلق بالإرادة الشرعية وما يتعلق بالإرادة الكونية. مثل لو قلنا: إيمان أبي بكر الصديق، إيمان أبي بكر الصديق هل هو إرادة شرعية أو إرادة كونية؟ إرادة شرعية كونية؛ لأن الله عز وجل أراد الإيمان من أبي بكر، وحصل ذلك الإيمان. فهذا إرادة شرعية كونية. طيب، إيمان أبي جهل، إيمان أبي جهل هل هو إرادة شرعية أو إرادة كونية؟ إيمان أبي جهل إرادة شرعية، هل حصل؟ هل حصل إيمان أبي جهل؟ ما حصل. يعني إذا كان ما حصل فهو ليس إرادة كونية، إرادة شرعية؛ أن الله عز وجل أراد منه الإيمان، بعث له النبي صلى الله عليه وسلم نذيرًا وبشيرًا، سبحانه عليه الصلاة والسلام، ودعاهم إلى الله أيضًا. إيمان فرعون، الله عز وجل أراد له أنه يؤمن، أرسل إليه موسى، وقال له: ﴿فقولا له قولًا لينًا لعله يتذكر أو يخشى﴾. أراد الله عز وجل منه الإيمان، لكنه لم يحصل، فهو إرادة شرعية ليست إرادة كونية. كفر -والعياذ بالله- معناه من باب التمثيل فقط. كفر أبي بكر الصديق رضي الله عنه، هل هو إرادة كونية أو إرادة شرعية؟ كفر أبي بكر الصديق -على ما فهمت الآن- ليس شرعية ولا كونية؛ لأنه أصلا لم يحصل، ولم يرده الله عز وجل، الله لا يرضى لعباده الكفر، ما يريد الكفر من عباده، فهو لم يحصل، فهو ليس شرعية وليس كونية. بخلاف كما قلنا: إيمان فرعون، إيمان فرعون قلنا شرعية. وكفر فرعون أو كفر أبي جهل يكون إيش؟ كونية. كفر أبي جهل كونية؛ لأنه وقع، والله عز وجل لا يريده، لا يريد أنه لا يكفرون، فهو لم يريده شرعًا، لكنه كان كونًا. فأي شيء يقع في الكون فهو مشيئة كونية، إرادة كونية بمعنى المشيئة. وأي شيء أحبه الله عز وجل من العباد وأراده سبحانه وتعالى محبة منه، فهو من باب المحبة الشرعية، أي شرعه الله عز وجل لهم، قد يعملون به وقد لا يعملون به، قد يؤمنون قد لا يؤمنون، قد يطيعون وقد لا يطيعون، قد يتبعون السنة وقد لا يتبعون السنة. فهذا الإرادة الشرعية هي التي معناها التي لا تكون فيها قهر على العبد، أنا أقصد أن سلطان الله عز وجل على العبد، وإنما سلطانه يكون بالفعل بالإرادة الكونية، فلا يقع شيء في الكون إلا بإرادة سبحانه وتعالى. فما كان من خير فهو من تقدير الله عز وجل وتوفيقه، وما كان من شر فجعله الله عز وجل لأجل أسباب، إما بسبب العاملين أو بسبب -مثلا- حكمة منه سبحانه وتعالى، لأجل إظهار شيء، أو مثلا لأجل -مثلا- عبادة، دعوة الناس، يهيئ الله عز وجل للدعوة، وغيرها من هذه الأمور التي تكون حكمًا بهذا المثابة. فهذا هو خلاص ما يذكر. فإذا قيل: ما هي مراتب القدر التي أثبتها الشافعي؟ هي الأربع نفسها: العلم، والكتابة، والخلق، والمشيئة. وما قول الشافعي في أفعال العباد؟ قوله: أن العباد هم حقيقة فاعلون، لكن أفعالهم تابع لمشيئة الله جل وعلا. لعلنا نقف عند هذا إن شاء الله؛ لأن بعض الأخوة اليوم ما حضروا، فغدًا إن شاء الله نأخذ ما بقي من بحث الإيمان. شكرًا.