الدرس في آداب المساجد 9، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
يُنبه الخطيب إلى أهمية تجنب الشركيات في المساجد ويشير إلى أنها معلم من معالم التوحيد. يُستدل بآية قرآنية وتفسير السعدي لها مع الإشارة إلى سيرة النبي صلى الله عليه وسلم عند فتح مكة.
نهى النبي صلى الله عليه وسلم عن اتخاذ القبور مساجد، ولعن اليهود والنصارى على فعلهم ذلك، حيث ثبت في الأحاديث الصحيحة أن هذا الفعل من ذرائع الشر ويعتبر من صنيع أهل الكتاب.
يتناول المقطع صور اتخاذ القبور مساجد مثل التعبد عند القبور أو الصلاة إليها، ويحذر من أن هذه الأفعال من مداخل الشرك وقد تصل إلى الشرك الأكبر. يُشرح حكم الصلاة في مسجد يحتوي على قبر ورأي العلماء في الفصل بين المصل والقبر.
يتحدث المقطع عن تطهير مساجد السنة من المظاهر الشركية، ويتضرع إلى الله أن ينفع بما قيل ويصلي على النبي محمد وآله وصحبه.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، من الآداب التي ينبغي أن يتخلق بها المسلمون تعظيمًا لبيوت الله والمساجد عدم ارتكاب المخالفات الشرعية. وقد مر معنا - لو تذكرون - في دروس قريبة، وخاصة عندما تحدثنا حول قضية الكلام في المساجد، وبيَّنَّا أن المعصية في المسجد تزداد إثمًا عما هي عليه في خارجه، وذلك لقداسة المكان ولقداسة المحل. ففعل المخالفات في المساجد يضيف إليها جرمًا أعظم من جرمها إذا أديتها في الخارج، والمخالفات كثيرة، إخواني في الله. وهنا أشير إلى مخالفتين اثنتين، وهما من الأصول في هذا الباب: الأمر الأول الشركيات، والأمر الثاني البدع والمحدثات، فهي من المخالفات العظيمة التي ينبغي أن تجتنب بالكلية. أولًا، الشركيات: ينبغي أن نعلم، إخواني في الله، أن المساجد تُعتبر معلمًا من معالم التوحيد. قال الله جل في علاه: ﴿وَأَنَّ الْمَسَاجِدَ لِلَّهِ فَلَا تَدْعُوا مَعَ اللَّهِ أَحَدًا﴾، فجعل ربنا سبحانه وتعالى هذه البيوت معلمًا من معالم وحدانيته، فلا يُشرك معه غيره، ولا يُدعى سواه. ولهذا يقول إمام السعدي رحمه الله تعالى في شرحه لهذه الآية: "فإن المساجد التي هي أعظم محال العبادة مبنيةٌ على الإخلاص لله والخضوع لعظمته والاستكانة لعزته جل في علاه". فالتوحيد يظهر جليًا في بيوت الله، فأن للشرك أو مظاهر الشرك أن تزاحم الرب في هذه المحال لا يجوز. وانظر، يا عبد الله، إلى سيرته عليه الصلاة والسلام عندما فتح مكة، كان من أوائل أعماله إذ أنه سارع إلى المسجد الحرام وأزاح الأصنام والأنداد والأوثان التي حول الكعبة، وكانت بالمئات، أزاحها وأراح الناس من شرها. إخواني في الله، فلا يجوز بحال أن تجعل هذه البقاع - وهي من أحب البقاع إلى الله - تكون وكرًا لفعل الشركيات والضلالات. والشركيات، إخواني في الله، لها صور عديدة، وإني في هذا المقام لأشير إلى ظاهرة واحدة، والتي ينبغي أن نهتم بها، وخاصة ونحن قد ابتلينا بها في هذه الأزمان، ظاهرة إدخال القبور للمساجد أو بناء المساجد على القبور. فهذه تعتبر ذريعة من ذرائع الشر، وكم هي الأحاديث الكثيرة المتكاثرة المتضافرة التي نهى فيها نبينا صلى الله عليه وسلم عن هذه الظاهرة. فمن ذلكم ما رواه مسلم من حديث جندب بن عبد الله رضي الله تعالى عنه قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم قبل أن يموت بخمس: "ألا وإن من كان قبلكم كانوا يتخذون قبور أنبيائهم مساجد، ألا فلا تتخذوا القبور مساجد". وثبت كذلك في الصحيح من حديث عائشة رضي الله تعالى عنها كيف أن نبينا صلوات ربي وسلامه عليه وهو في سكرات موته ومعه وهو في هذه الحال أوصى الأمة بهذه الوصية العظيمة، حيث كشف عن وجهه فقال: "لعنة الله على اليهود والنصارى، اتخذوا قبور أنبيائهم مساجد، فإني أنهاكم عن ذلك". وجاء كذلك من حديث عبد الله بن مسعود رضي الله تعالى عنه قال: قال عليه الصلاة والسلام: "إن من شرار الناس من تدركهم الساعة وهم أحياء، والذين يتخذون القبور مساجد". فذكر عليه الصلاة والسلام هذين الصنفين أنهم من شرار الخلق. بل إن هذه الفعلة، إخواني في الله، ليست من خصائص أهل الإسلام، بل هذه من فعل الكفار من أهل الكتاب، كما قال عليه الصلاة والسلام: "أولئك إذا مات فيهم العبد الصالح أو الرجل الصالح اتخذوا على قبره مسجدًا". هذا صنيعهم، وهذا ليس من صنيعنا. فهذه الأحاديث، وهي كثيرة جدًا، كلها تقول إلى هذا المعنى: عدم جواز اتخاذ القبور مساجد. وهذه الصورة، إخواني في الله، تشتمل على عدة مظاهر، منها البناء الصريح على القبور، وهذا يدخل في هذا الوعيد الشديد. كذلك من صور اتخاذ القبور مساجد أن المسلم يتحرى أن يتعبد الله عند قبر، وهذه الصورة أعم من هذا البنيان. تجد مثلًا بعض الناس يحرص على أن يتعبد الله عند قبر معين، يقال عنه أنه قبر ولي أو أنه قبر نبي، ثم يأتي عند هذا القبر ويتحرى أن يتعبد الله فيه، عبادة إما صلاة يركع عندها أو يسجد عندها أو يدعو الله عندها. وهذا مما ينهى عنه المسلم، فلا يجوز أن تتعبد الله عند قبر، سواء كان هذا القبر داخل المسجد أو خارج المسجد في مقبرة أو في مزار أو في مشهد. تتحرى أن تدخل عند هذا القبر وتدعو الله، لأن يظن أن في رحاب القبر تستجاب الدعوات، هذا من مداخل الشرك ومن براثنه ومن ذرائعه. وأما إن اعتقد أن صاحب القبر هو الذي يغيث وهو الذي يستجاب، فهذا الشرك الأكبر المخرج من الدين والملة. كذلك من صور اتخاذ القبور مساجد أنك تصلي إلى القبر، كأن تجعل القبر قبلة، وقد صح عن الرسول الله عليه الصلاة والسلام أنه قال: "لا تجلسوا على القبور ولا تصلوا إليها". الصلاة إزاء القبر منه عنه، نعم، الصلاة إن كان القبر موجود في أي ناحية من نواحي المسجد، فهذا لا يجوز إلا من خلف، لكن إن كان القبر أمامك، فهذا أشد وأعظم وأنكر وأشد جرمًا، لأنك صليت في مسجد فيه قبر وأنك تصلي إلى قبر، فهذا إثم أعظم. ولهذا قال العلماء: يرتفع هذا المظهر ويرتفع هذه المخالفة بأن يكون هناك جدار فاصل بين المصل وبين القبر. وهذا رأي جمهور العلماء، كأن يكون القبر في الخارج، فهذا سور المسجد، أنت في جهة والقبر في الخارج، هذا ليس به شيء إذا وضع سور، جدار فاصل بين المسجد وبين القبر يكفي. فهذا، إخواني في الله، مما يذكر من هذه المسألة، وهي اجتناب المساجد أن تكون وكرًا للشركيات ووكرًا للضلالات. وكم وقع من الضلال المبين في مساجد السنة والتي أراحها الله من هذه القبور، من هذه المناظر أراحها الله من السماع الشرك. فأسأل مولاي جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.