الدرس في عشر ركائز في تربية الأبناء 3، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري
يؤكد الشيخ عبد الرزاق البدر على أن اختيار الزوجة الصالحة ركيزة أساسية في تربية الأبناء وتنشئتهم تنشئة صالحة. كما يستدل بحديث النبي صلى الله عليه وسلم الذي يشجع على اختيار المرأة ذات الدين.
النبي صلى الله عليه وسلم حث على اختيار المرأة ذات الدين في الزواج، حيث أن الزواج بامرأة صالحة يعين على إكمال نصف الدين ويعد من أسباب السعادة في الدنيا. الزوجة الصالحة تتميز بالإخلاص والنصح والصدق والأمانة.
الزوجة الصالحة تلعب دورا حاسما في نشأة الأسرة على الصفات التي يحبها الله، وتساعد في تنشئة الأبناء على الأخلاق الفاضلة. صلاحها ينعكس على الأبناء ويكون سببًا في تنشئتهم على أحسن تربية.
الحمد لله رب العالمين، صلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال الشيخ عبد الرزاق البدر حفظه الله في رسالته: عشر ركائز في تربية الأبناء. قال: الركيزة الأولى اختيار الزوجة الصالحة. قال: إن من أول الركائز في التربية اختيار الزوجة الصالحة، وهذه الركيزة تكون قبل أن يرزق الوالدان بالأولاد، فعليك أن تجتهد في اختيار زوجة معروفة بالاستقامة والصلاة والتقوى؛ لأنها ستكون عونا لك على تربيتهم وتأديبهم وتنشئتهم التنشئة الصالحة. وحتى لو لم تعن الزوجة الصالحة زوجها على تربية الأبناء، فإنها لن تكون ضررا عليهم في دينهم وأخلاقهم. نعم، هذه أول الركائز التي ينبغي الاعتناء بها لمن أراد أن يربي أولاده التربية الحسنة، أن يختار الزوجة الصالحة التي كما قال النبي صلى الله عليه وسلم: «إذا رآها سرته، وإذا أمرها أطاعته، وإذا غاب عنها حفظته في نفسها وماله وولده». هذه المرأة الصالحة التي تعرف حق الله جل وعلا، وتعرف حق زوجها، التي تسعى إلى سعادة زوجها والقيام بحقوقه، وكذلك حفظه في ماله وولده، والسعي إلى إصلاح الذرية وحسن تربية الأولاد. كما قال الله جل وعلا: ﴿فالصالحات قانتات حافظات للغيب بما حفظ الله﴾. هذه المرأة الصالحة التي إذا لم تعن الزوج على تربية الأولاد لم تكن سببا في فساد أخلاقهم، وفي فساد دينهم؛ لأنها امرأة تعرف حق الله جل وعلا وتخاف الله سبحانه وتعالى، فهي إن لم تكن عونا لزوجها في هذا الأمر لن تكون سدا مانعا له في حسن تربيتهم والسعي إلى إصلاح أخلاقهم. قال: ولهذا جاء الحث من نبينا الكريم صلى الله عليه وسلم على اختيار المرأة ذات الدين، فقال: «تنكح المرأة لأربع: لمالها ولحسبها وجمالها ولدينها، فاضفر بذات الدين تربت يداك». والحديث في الصحيحين من حديث أبي هريرة رضي الله تعالى عنه. ومعنى «تربت يداك»: هذه الكلمة تطلق عند العرب ولا يراد بها ظاهرها، وإنما المراد الحث والترغيب على فعل الأمر المطلوب. فالنبي صلى الله عليه وسلم أخبر أن رغبة الرجال في النساء تكون لأربعة أسباب: السبب الأول المال، أن تكون المرأة ذات مال فيرغب الرجل في الزواج بها، وربما تكون قليلة الجمال أو قليلة الحسب، لكن لأجل مالها يرغب في زواجها. وقد تكون الرغبة في الزواج بها لأجل حسبها، أن تكون من ذات الحسب والنسب والشرف، فيحب أن يتزوج بها، وأن كذلك تكون له علاقة وارتباط بأهل هذه المرأة. وقد يكون الداعي له إلى الزواج بها الجمال، أن تكون ذات جمال فيرغب في الزواج بها لأجل جمالها. وقد يكون الداعي إلى ذلك هو الدين، أن تكون ذات دين، امرأة صالحة مستقيمة، فيرغب في الزواج بها لدينها وصلاحها واستقامتها. فحث النبي صلى الله عليه وسلم على اختيار ذات الدين، فقال: «فاضفر بذات الدين تربت يداك»، يعني احرص إذا أردت الزواج أن تتزوج بالمرأة ذات الدين، المرأة الصالحة المستقيمة ذات الأخلاق العالية التي تعرف حق الله جل وعلا وحق زوجها وأولادها. ولا بأس أن توجد شيئا من الصفات الأخرى، أن تكون جميلة أو أن تكون ذات مال أو تكون ذات حسب، لكن الأمر الذي ينبغي أن يعتنى به وأن يكون محل نظر الزوج الذي يرغب في الزواج هو الدين، أن تكون المرأة ذات دين. ولهذا حث النبي صلى الله عليه وسلم على ذلك بقوله: «فاضفر بذات الدين تربت يداك». وإن حصل شيء من النقص في بقية الصفات - يعني إن كانت قليلة الجمال، الجمال نسبي - أو لم تكن من ذوات المال أو الحسب، لكنها ذات دين، فينبغي أن يظفر بها وأن يتقدم لها من أراد الزواج بالمرأة الصالحة، ولا يغلب بقية الجوانب على جانب الدين. فيندم بعض الرجال ربما ينظر إلى جانب الجمال، يريد ذات جمال، ولا ينظر إلى أمر الدين، فربما يتزوج امرأة ذات جمال، لكنها تذيقه الويل في حياته وعشرته؛ لضعف دينها وصلاحها واستقامتها، فربما يندم بعد ذلك. قال: وصح عنه صلى الله عليه وسلم أنه قال: «من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه، فليتق الله في الشطر الباقي». والحديث أخرجه الإمام الحاكم في مستدركه وصححه العلامة الألباني رحمه الله. فالنبي عليه الصلاة والسلام يخبر أن من رزقه الله امرأة صالحة فقد أعانه على شطر دينه - يعني على إكمال نصف دينه - قال: «فليتق الله في الشطر الباقي»، أي فيما يتعلق بفرائض الله عز وجل واجباته، وكذلك البعد عن نواهي ومحارمه. فانظروا إلى قيد النبي عليه الصلاة والسلام حصول كمال شطر الدين بالزواج بالمرأة الصالحة، هذا منطوق الحديث، مفهومه أن من رزقه الله امرأة لكنها غير صالحة لم يحصل له كمال شطر الدين؛ لحصول النقص الذي عنده بسبب عدم صلاح زوجته. قالوا: لهذا كانت الزوجة الصالحة من أعظم أسباب السعادة في الدنيا، كما أخبر بذلك نبينا صلى الله عليه وسلم، فقال: «من سعادة ابن آدم المرأة الصالحة». والحديث أخرجه الإمام أحمد رحمه الله في مسنده، وصححه العلامة الألباني رحمه الله. يعني إذا وفق الرجل بامرأة صالحة فهذا من أسباب سعادته، من أسباب سعادته في الدنيا. وهكذا في قول النبي عليه الصلاة والسلام: «الدنيا متاع، وخير متاعها المرأة الصالحة». والحديث صحيح، أخرجه الإمام مسلم. فإذا وفق العبد للزواج بامرأة صالحة فقد يعني وفقه للسعادة في هذه الحياة؛ لأن المرأة الصالحة تعين زوجها وتتحمل أحوال زوجها التي ربما تتقلب وتتغير بين الحين والآخر. فإن اغتنى شكرت الله وعانته على حفظ ماله، وإن افتقر صبرت وتحملت وعانت زوجها ووقفت إلى جانبه. نعم، فهي بكل الأحوال تعينه على ما فيه إرضاء الله جل وعلا وإصلاح دنياه وآخرته. وكذلك أيضا فهي تدخل عليه السرور في سائر أحواله وفي سائر تقلباته، بخلاف المرأة غير الصالحة، ربما إذا اغتنى لعبت بماله وبذرته وأضاعته في اللعب واللهو والتوسع في المباحات، أو ربما شراء بعض الأشياء المحرمات. وإن افتقر زجرته ووبخته وقدرت حياته ونكدت عليه عيشته، ولم تصبر على ما أصابه من ضيق العيش أو قلة ذات اليد، فتكون سببا في تنكيد حياته ومعيشته. قال: وإنما كانت المرأة الصالحة جزءا من سعادة المرء؛ لأن فيها صفات لا تتوفر إلا في الصالحة من النساء، كالإخلاص والنصح والصدق والأمانة والوفاء وحفظ المال واحترام الزوج وصيانة العرض وحسن التربية للأولاد. نعم، فهي مخلصة في القيام بحقوق الزوج، تفعل ذلك رغبة في الأجر والثواب من الله جل وعلا، فتقوم بهذا الأمر على أكمل وجه وعلى أحسن حال. تكون كذلك ناصحة، إن رأت من الزوج تقصيرا أعانته وربما نصحته وقومته وسددته؛ بسبب صلاحها هي، لا ترضى أن ترى زوجها عنده شيء من التقصير في جانب الفرائض والواجبات. ربما لو كان يرتكب شيئا من المحرمات نصحته وذكرته ووعظته، أو كذلك إذا وقع في شيء من المعاملات المشبوهة أو المحرمة رفضت ذلك وأوصته أن يعتني بالكسب الحلال. وهكذا هي ناصحة له، تقوم بتقويمه وإعانته إلى ما فيه صلاحه وفلاحه في الدنيا والآخرة. كذلك أيضا هي صادقة، الصدق في الكلام والحديث. كذلك الأمانة، فيحافظ للأمانة التي وكلها الله عز وجل بها في حفظ أولاده وحفظ بيته وحفظ ماله. كذلك احترام الزوج وتقديره في مخاطبته وفي معاملته، لا توبخ زوجها ولا ترفع صوتها عليه ولا تقل أدبها عليه؛ لأنها امرأة صالحة تعرف حق الله وحق زوجها، تريد ما عند الله عز وجل من الأجر والثواب. كذلك تصون عرضها عما حرم الله جل وعلا، وتحسن في تربية أولادها؛ لأنها ترى أنها أمانة في عنقها، فيتقوم بهذا الواجب كما أمر الله جل وعلا. قال: الظاهر إن صلاحها ينعكس على الأبناء غالبا؛ لشدة مباشرتها لهم وعنايتها بهم وتوجيهها المستمر لهم. نعم، صلاحها ينعكس على الأبناء؛ لأن المخالطة تؤثر. لما يرى الأبناء أمهم وهي محافظة على الصلاة، تؤدي الصلاة في أوقاتها بخشوع وطمأنينة وحضور قلب. إذا خاطبت زوجها تخاطبه بأدب واحترام وخفض صوت. إذا تكلمت صدقت في حديثها، لا تكذب ولا تلف وتدور. هي بعيدة عن المعاصي والذنوب، من سماع الغناء والمزامير أو النظر إلى ما حرم الله جل وعلا، وهكذا غير ذلك من الأمور. فيتربى الأبناء من أمهم على هذه الأخلاق الفاضلة وهذه الأخلاق الصالحة، فينشأون على أحسن تربية من مخالطتهم لأمهم، وكذلك حياتهم معها. قال: وقد أيضا توجيهها المستمر، إذا رأت منهم تقصيرا نصحتهم ووجهتهم، وكذلك يعني أمرتهم بالمعروف ونهتهم عن المنكر. قالوا: هذا أيضا من جملة السعادة التي يجعلها الله عز وجل في الزوجة الصالحة. إذن هذه أول الركائز المهمة في تربية الأبناء هو اختيار الزوجة الصالحة التي يعني تكون عونا للزوج في إصلاح أسرته وإصلاح ذريته، وإنشاء الأبناء على التربية الصالحة والتربية الحسنة، فينشأ هذا البيت وتنشأ هذه الأسرة على أحسن الأخلاق وعلى أكمل الصفات التي يحبها الله جل وعلا. صلى الله عليه وسلم على نبينا محمد وآله وصحبه أجمعين.