الدرس في آداب الدعاء 6، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور
الاعتداء في الدعاء يشمل الألفاظ والمعاني ويكون بسؤال الله ما هو ممتنع عقلًا وشرعًا. يشمل أمثلة مثل طلب إحياء الموتى أو رؤية الله في الدنيا أو طلب منازل الأنبياء.
يتناول أنواع الاعتداء في الدعاء مثل الدعاء بالشر واستخدام ألفاظ الشرك وكثرة السجع والتكلف في الدعاء ودعاء الله بأسماء غير مشروعة والإسهاب في الدعاء.
يشرح تفاصيل الاعتداء في الدعاء مثل التفصيل المبالغ فيه واستخدام أسماء الله بشكل غير مناسب ورفع الصوت أثناء الدعاء وعدم التضرع. يوصي باختيار الألفاظ المناسبة في الدعاء.
إن الحمد لله، نحمده تعالى ونستعينه ونستغفره، ونعوذ بالله من شرور أنفسنا وسيئات أعمالنا، من يهده الله فلا مضل له، ومن يضلل فلا هادي له، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليمًا كثيرًا. أما بعد، في درس أمس، إخواني في الله، وفي ذكرنا لآداب الدعاء، وخاصة ما يتعلق بالمحاذير التي ينبغي أن يجتنبها الداعي في دعائه، وقفنا عند مسألة الاعتداء في الدعاء، فهي من المحاذير التي أمرنا باجتنابها عند تضرعنا ودعائنا لربنا جل في علاه، كما قال سبحانه: ﴿أدعوا ربكم تضرعًا وخفية إنه لا يحب المعتدين﴾، فختم ربنا جل وعلا هذه الآية بهذا الحكم: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾. قال المفسرون: أي أن الله لا يحب المعتدين في دعائهم، فدل ذلك على أن هناك اعتداء في الدعاء، وأن هذا الاعتداء لا يحبه الله جل في علاه. يقول شيخ الإسلام رحمه الله تعالى: «قال الدعاء ليس كله جائزا، بل فيه عدوان محرم»، أي أنك عندما تنطلق في باب الدعاء لا تظن أن الباب قد فتح لك فتدعو بما شئت وكيف ما شئت، لا، هناك معايير، هناك ضوابط ومقادير عليك أن تتقيد بها. فأحيانًا الدعاء يصل إلى حد الحرمة، لا يجوز أن تدعو بهذا، لا يجوز أن تدعو بهذا. قال شيخ الإسلام: «الدعاء ليس كله جائزا، بل فيه عدوان محرم والمشروع لا عدوان فيه»، وأن العدوان يكون تارة بكثرة الألفاظ وتارة في المعاني. فشيخ الإسلام رحمه الله تعالى أوضح أن الاعتداء في الدعاء يكون من خلال الألفاظ التي تتلفظ بها، لا يجوز، وأحيانًا يكون الاعتداء في الدعاء من حيث المعنى المراد من هذا الدعاء، لا يجوز. مثاله، إخواني في الله، من الاعتداء في الدعاء مما يتعلق بالمعنى، أي بإمكاننا أن نختصر الأمر، فنقول: «دعاء غلط»، دعاء غلط، ما يمكن أن تدعو الله جل وعلا بهذا الدعاء، أي أنه يحمل معنى فاسدًا خاطئًا، لا يجوز أن تدعو الله جل وعلا بهذا. وممن وضع الضوابط للاعتداء في الدعاء من حيث أن المعنى لا يصح، ما ذكره العلامة ابن القيم رحمه الله تعالى، حيث قال: «قال الاعتداء في الدعاء هو كل سؤال يناقض حكمة الله، ويتضمن مناقضة شرعه وأمره، أو يتضمن خلاف ما أخبر به، فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله». هذا اجعلها معايير معك عندما تدعو، انتبه تدعو بمثل هذه الأمور، أن تسأل الله جل وعلا فيما هو فيه مناقضة لحكمة الله، أو ما فيه مضادة لشرعه وأمره، أو ما كان فيه خلاف بما أخبر به سبحانه وتعالى. فكما قال ابن القيم: «فهو اعتداء لا يحبه الله ولا يحب سائله سبحانه وتعالى». وهذا من البلية أنك تتقرب إلى الله بشيء يبعدك عن ربك، تتقرب إلى الله بشيء يبعدك عن ربك. فمن ذلكم، إخواني في الله، أن تدعو الله جل وعلا بما هو ممتنع عقلًا وشرعًا، عقلًا وشرعًا. مثال أن تدعو الله بإحياء الموتى، ما يمكن هذا، إحياء الموتى هذا ليس دعاء تسأل الله جل وعلا به؛ لأن هذا ممتنع شرعًا وعقلًا، ممتنع أنك تدعو الله بمثل هذا الأمر، أو كذلك برؤية الله في الدنيا، وإن الله قال: ﴿إنك لن تراني﴾، لا يمكن أن يرى الله في الدنيا، فكيف تسأل الله بشيء قد أخبرك به ربك أنه لا يقع؟ وهكذا ما ذكره العلماء، أو أن تسأل معجزات الأنبياء بحيث تتحقق عليك شيء من معجزات الأنبياء، أو قل أن تسأل الله منازل الأنبياء في الآخرة، هذه منازل علية لا يصلها أحد من الخلق إلا من كان من صفوة البشر من أنبياء الله ورسله، فهذه منازل لهم، فلا تتعب نفسك بمثل هذا السؤال، أن تسأل الله جل وعلا أن يجعلك في مراتب وفي مصاف الأنبياء في الآخرة، أي معهم في منازلهم. أو أن تطلب ملك سليمان كحال من رأى هذه الأمور والأزمات وعنده علو همه فطالبًا من ربه أن يتحصل على ملك ملك سليمان، كيف تتحصل على ملك سليمان؟ وسليمان عليه السلام قال: «رب هب لي ملكًا لا ينبغي لأحد من بعدي»، هذا ما ينبغي أن يكون لأحد من بعدي، سليمان، ثم أنت تسأل هذه المناقضة، فهذا مما لا يجوز. أو كذلك أن تسأل الله المحرمات، تسأل الله المحرمات، وقد مر ذلك، معنى أن تسأل الله بإثم بأن يمكنك من فلانة لكي تفعل بها الفاحشة، أو أن يسر لك مال لكي تشتري به الخمور والمخدرات، أو يتيسر لك السفر إلى كذا وكذا البلاد لكي تفعل الخنا والفساد، هذا ما يجوز، هذا من الاعتداء في الدعاء؛ إذ أن الدعاء هذا ما ينبغي أن يتوجه به العبد إلى ربه سبحانه وتعالى. أو ما يكون أن تطلب من ربك الخلود في الدنيا، اللهم اجعلني خالدًا مخلدًا في هذه الدنيا، هل أحد يخلد في الدنيا؟ لا أحد يخلد في الدنيا، فكيف تسأل ربك هذا السؤال؟ هذا ما يليق. أو هكذا يا إخواني في الله، أو تكون معصومًا، تسأل ربك جل وعلا أن تكون معصومًا من الذنوب والخطايا من الصغائر والكبائر، ما هناك أحد معصوم إلا من عصمه الله سبحانه وتعالى. أو أنك تحجر في دعائك، قد مر ذلك، معنى كأن تقول: «اللهم اغفر لي وأهلي ولا تغفر لآل بني فلان»، هذا ما يجوز، هذا من الحجر في الدعاء. أو أنك تدعو على أهلك أو على مالك أو على نفسك بالهلاك والدمار والويل، وقد مضى ذلك، معنى هذا كذلك من الدعاء المتضمن لمعنى فاسد؛ إذ أن الشرع حرم على الداعي أن يدعو على مثل هذه الأشياء. أو هكذا أن تتمنى تعجيل العقوبة، وقد مضى ذلك معنى في قصة ذاك الرجل الذي دخل عليه نبينا، إذ كان من سؤاله أنه سأل ربه أن يعجل عليه عقوبة الآخرة، يعجلها في الدنيا، فنهاه نبينا عن ذلك، وقال: «إنك لا تطيقه»، إنك لا تطيقه. والإنسان ينبغي أن يحسن الظن بالله، فبعض الناس لربما يقول: «يا رب، إن كانت من عقوبة لي في الآخرة فعجلها لي في الدنيا»، لا، لا تفعل هذا، أولًا إنك لا تطيق، وهذا أمر آخر أنك تغلق عليك سعة رحمة الله عز وجل. فأنت قادم على رب غفور، على رب رحيم، يتجاوز عن عبده، فلا تستعجل على نفسك يا عبد الله العقوبة. وهكذا قس يا عبد الله المعاني كثيرًا يذكرها العلماء، هذه كلها عبارة عن دعاء يتفوه به الداعي، لكن يحمل معاني فاسدة. كذلكم الوجه الثاني من أوجه الاعتداء في الدعاء، ما يكون من حيث اللفظ، الألفاظ التي تصدر منها غلط، الألفاظ لا يجوز أنك تتلفظ بها. من ذلك مثلًا أن تتلفظ بألفاظ الشرك والكفر في دعائك، كأن ترفع يديك وتقول: «المدد»، وتسأل غير الله عز وجل، وتريد المدد من المال والولد، تسأل ذلك من عند غير الله، هذا الشرك. أو يا من يهتف بأسماء الأولياء والأنبياء، يا علي، أو يا محمد، أو يا إبراهيم، يا عيسى، يا الرفاعي، يا الجيلاني، وقس على ذلك من أسماء هذه الشخصيات، وإن كانت لها شأن عند الله جل وعلا، لكنهم لا زالوا في مستوى البشرية، ما أحد منهم وصل إلى درجة الربوبية إلا الله عز وجل، فهو سبحانه وحده الذي يتوجه إليه بالطلب، أما أنك تهتف بأسماء أناس فتطلب منهم ما لا يجوز إلا طلبهم من الله، فهذا من الشرك، وهذا لا ينبغي. كذلك ما يكون من كثرة السجع، هذا من أخطاء الألفاظ في الدعاء، وقد مر ذلك في السجع، أنك تحاول أن تتعمد أن تتقصد الألفاظ بحيث تجعل هذا الدعاء كأنه شعر ينتهي بوزن وقافية وروي، ويكون هذا من نوع تكلف، هذا لا يجوز. وإنما يا عبد الله تدعو بما تيسر، فإن وافق ذلك كلامًا موزونًا، اللهم اغفر للمؤمنين والمؤمنات والمسلمين والمسلمات الأحياء منهم والأموات، سلاسة هذا من غير تكلف يخرج منه من غير تكلف، دعاء يسر على هذا، هذا ليس فيه شيء. أما أنك تختار كلمات تتعمدها حتى تأتي بوزن، أنت يا عبد الله في مقام افتقار وابتهال إلى الله عز وجل، فدع القلب هو الذي يتكلم بما في خاطرك وما يجول في صدرك. كذلك من الأخطاء الذي تقع عند الناس في ألفاظهم أن الإنسان الداعي يدعو الله جل وعلا بغير اسم سمى الله جل وعلا به نفسه. فأساء الداعي يطلب ويسأل ربه جل وعلا بأسمائه الحسنى، سبحانه وتعالى، ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها. تدعو الله بأسمائه، ولهذا يقول إمام الخطاب رحمه الله تعالى: «قال ومما يسمع على ألسنة العامة ومما يسمع على ألسنة العامة وكثير من القصاص قولهم: يا سبحان، يا غفران، يا سلطان»، هم أرادوا بهذا الدعاء إلى الله، لكن هل هذه من أسماء الله؟ الجواب: لا، ليست من أسماء الله، فكيف تدعو بها؟ فلا تأتي يا عبد الله باسم من عندك ثم تدعو به الرب سبحانه وتعالى، الله له أسماء جل وعلا سمى بها نفسه جل في علاه، وهي موجودة في كتابه وفي سنة رسوله، فقط تختار منها، أما أنك تأتي مثل هذه الأسماء ما أنزل الله بها من سلطان، فهذا من الأخطاء عند عامة الناس، كما أشار إلى ذلك الخطاب رحمه الله تعالى. أو ما يكون من أخطاء الناس في الدعاء الإسهاب والتفصيل والتطويل الذي لا داعي له، هذا من أخطاء الناس في ألفاظ الدعاء، الدعاء يمكن أن تختصره في مسألة، لكن يأتي هذا الداعي في هذه مسألة يفصل فيها من غير جدوى، من غير جدوى، هذا يعده الجماعة من أهل العلم من الاعتداء في الدعاء. ومن ذلك ما جاء في حديث سعد بن أبي وقاص رضي الله تعالى عنه أنه سمع ابنه يدعو فيقول: «اللهم إني أسألك الجنة ونعيمها وبهجتها وكذا وكذا»، أي أشجارها وأنهارها وثمارها، وإلى آخره، وقال: «وأعوذ بك من النار وسلاسلها وأغلالها وكذا وكذا»، أي وديانها وحياتها وعقاربها، وإلى آخره. فسعد سمع ابنه يعني يسترسل في هذه الكلمات من غير حاجة، فقال له: «يا بني، إني سمعت رسول الله صلى الله عليه وسلم يقول: سيكون قوم يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم». إني، سمعت رسول الله سيكون قوم يعتدون الاعتداء، يعتدون في الدعاء، فإياك أن تكون منهم». وعلى ماذا وضع إصبعه رضي الله تعالى على دعاء ابنه الذي فيه الإسهاب والتفصيل من غير داعي. ثم صحح المعلومة فقال له: «فإياك أن تكون منهم، إنك إن أعطيت الجنة أعطيتها وما فيها من الخير، وإن أعذت من النار أعذت منها وما فيها من شر». إذا ماذا كان يكفيك أن تقول: «اللهم إني أسألك الجنة»، اللهم إني أسألك الجنة، اللهم إني أسألك الجنة، كرر، اطلب من الله الجنة؛ لأنك إن أخذت الجنة ماذا في الجنة؟ فيها الجنات، وفيها الأنهار، وفيها القصور، وفيها الدور، وفيها الحور، إلى آخره. أما أنك تفصل الجنة وحورها وديارها وقصورها، هذا جعله سعد من الاعتداء الذي سمعه من رسول الله عليه الصلاة والسلام. وهذه بلية، إخواني في الله، ليس في هذه المسألة فقط، في هذه الحيثية، بل في كل أشياء كثيرة. مثل بعض الناس إذا أراد أن يدعو في تخفيف ما يتعلق بسكرات الموت، فيدعو ربه: «اللهم خفف عنا سكرات الموت»، عندما تغمض العيون وتبرد اللسان وتجف الأعضاء وحين يقف القلب، لماذا التفصيل؟ «اللهم خفف عنا سكرات الموت»، ادعو الله بسكرات الموت أن يخفف عنك وأن تخرج بلا إله إلا الله. أما أنك تذكر كل عضو بحركاته: «غمض العينين، واغلاق الفم، وارتخاء الأعضاء»، ما في داعي، وهذا مما يذكره العلماء من العيوب. أو كذلك في الدعاء على الكفرة، تجد تسمع من بعض الدعاء لربما يتحمس في دعائه، فإذا أراد أن يدعو على الكفرة يسهب: «اللهم أسقط طائراتهم، وفجر دباباتهم، وشوش على راداراتهم»، إلى متى تدعو بتفصيل هذا؟ «اللهم عليك دمر أعداء الدين»، اللهم عليك به، الله يجعل تدميره تدميرًا عليهم، أما تشخص في كل السلاح على حدة، تفصل تفصل. ولهذا ما أثير هذا عن السلف رحمه الله، التفصيل، الإسهاب، التطويل، فاختصر يا عبد الله، أنت تسأل ربك جل وعلا، فربك علام الغيوب جل وعلا، أي علام ما تريده، فاختر ماذا؟ جوامع الكلم الذي تجمع شتات الأمر في كلمة أو كلمتين، فتسأل ربك جل وعلا التدمير لأعداء الدين بما حولك. أما أنك تفصل كل قطعة عسكرية على حدة، أو أنك في سكرات الموت تجعل كل عضو له دعاء خاص، أو في الجنة تجعل لكل نعمة، لا تفعل هذا يا عبد الله، فإن هذا كما ذكره العلماء أنه من الاعتداء في الدعاء. وهكذا من الاعتداء في الألفاظ كما قال علماء: أنك لا تختار الإسم المناسب في هذا الدعاء الذي أنت بصدده. يعني قلنا: نعم، أن لله الأسماء الحسنى فادع الله باسمه الرحمن الرحيم الغفور التواب الكريم، لكن عندما تختار هذا الإسم انظر هل هذا الإسم يناسب هذا المقام؟ يناسب هذا الدعاء؟ لا بد، يعني مثل كما يقول علماء: كأن تقول: «اللهم يا شديد الانتقام اغفر لي»، أنت الآن بطلب المغفرة تأتي بهذا الوصف لله جل وعلا: «شديد الانتقام»، أو «يا منتقم ارحمنا»، أو «اللهم عليك بالكفرة يا غفور يا رحيم». وقد ذكر العلماء هذا، وستدلوا بهذه الآية: ﴿ولله الأسماء الحسنى فادعوه بها﴾، فمن حسن أسماء الله أنك تأتي بالإسم المناسب للدعوة المناسبة، توفق بينهما. اللهم اغفر لي يا غفور، ارحمني يا رحيم، تب علي يا تواب، ارزقني يا رازق، اشفيني يا شافي، تأتي بالإسم المناسب لهذا الصدد والدعاء الذي أنت تطلبه من ربك عز وجل. أما أن يكونك مناقضة الإسم يحمل معنى وأنت في معنى آخر، فهذا مما ذكر العلماء أنه من الاعتداء كذلك في الدعاء. وهكذا يا إخوان، في الدعاء من الاعتداء، قال العلماء: يكون بالألفاظ كما سمعنا، يكون بالمعاني، ويكون كذلك في الهيئة، هيئتك أحيانًا تحتوي على اعتداء في الدعاء. من ذلك ما أشار إليه العلماء من الاعتداء في الدعاء من حيث الهيئة، ما يكون من رفع الصوت، يا الله، تدعو لا ترفع صوتك بالضجيج، وقد صرح ابن جرير الطبري رحمه الله تعالى عند هذه الآية: ﴿إنه لا يحب المعتدين﴾، وذكر هذا عن بعض السلف كابن جريج رحمه الله تعالى، وعن جماعة من السلف كابن الجوزي وغيرهم، إلى أن من الاعتداء في الدعاء رفع الصوت. قد يكون لفظ صحيح، قد يكون معنى صحيح، لكن الأداء تؤدي هذا الدعاء بهذا الصياح والصراخ الذي ربما يملأ المكان، لا، وإنما الإنسان ماذا عليه؟ أن يخفض صوته عند الدعاء، وهكذا عند الذكر. وأيضًا كذلك من الهيئات ما يكون كما قال ابن القيم رحمه الله تعالى: أن تكون هيئتك ليست هيئة متضرع، ليست هيئة متضرع ولا استكانة. كان يكون واحد مشغول وهكذا يدعو الله بطرف لسانه، وقد تكلم ابن القيم رحمه الله تعالى عن هيئة التضرع التي ينبغي أن يتحلى بها الداعي عند دعائه، وقال: «ثم أخبر رحمه الله تعالى أن الذي لا يتضرع لا يظهر عليه الاستكانة والضعف والاستذلال عند دعائه»، قال: «وهذا من أعظم الاعتداء». كذلك أخيرًا، إخواني في الله، لولا أطير في هذا المقام من صور الاعتداء، كذلك لا تعتدي في دعائك عند علمك ظلمك، لا شك أن المظالم كثيرة والظلمة قد كثروا في هذه الأزمان، لا كثرهم الله، لكن لا يسوغ لك أنك إذا رفعت يديك للدعاء في أن تدعو على الظالم أنك تسترسل بما شاء فتدخل في اللعن: «اللهم العنه»، هذا ما يجوز. وصرح جماعة من السلف كسعيد بن جبير رحمه الله تعالى أن من الاعتداء على الدعاء أن تدعو على الناس بالخزي واللعن، هذا ما يجوز. أو أنك تدعو على أحد من الناس ولو كان ظالمًا أن يموت على الكفر والردة، ما يجوز أن تدعو عليه هذا اعتداء في الدعاء، هذا اعتداء في الدعاء. فالإنسان إخواني في الله يحرص على أنه إن دعى يدعو الله جل وعلا بما يكون من الألفاظ المناسبة، ومن المعاني المختارة التي توافق شرع الله جل في علاه. أسأل مولى جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه، وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.