آداب الجشاء 2

آداب الجشاء 2

الدرس في آداب الجشاء 2، ألقاها الشيخ أبو هاشم جمال بن سرور

آداب التعامل مع الجشاء في المجالس وعلاقته بالوضوء

يتحدث هذا الفصل عن آداب التعامل مع الجشاء في المجالس، ويوضح أن الجشاء لا ينقض الوضوء بالإجماع، مع مناقشة بعض التفاصيل المتعلقة بخروج الريح من القبل.

تأثير الجشاء على العبادات

يناقش هذا الفصل تأثير الجشاء على مختلف العبادات مثل الوضوء والصيام والصلاة، حيث يرى العلماء أن الجشاء لا ينقض الوضوء ولا يفطر الصائم، مع اختلافهم في كيفية التعامل معه أثناء الصلاة.

حكم رفع الرأس أثناء الصلاة عند التجشؤ والدعاء

يتناول هذا الفصل حكم رفع الرأس أثناء الصلاة عند الشعور بالتجشؤ، ويخلص إلى عدم جواز ذلك، كما يتضمن الدعاء بأن ينفع الله بما قيل والصلاة على النبي محمد وآله وصحبه.

  • 30 جمادى الأولى 1443هـ - 03/01/2022مـ
التفريغ النصي الكامل

بسم الله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن ولاه، أما بعد. بالأمس، إخواني في الله، كان الحديث عن آداب الجشاء وما ينبغي فعله عند التجشؤ، وكان هذا بمناسبة ما مضى معنا من آداب متعلقة بالعطاس والتثاؤب. فكان من المناسب أن نذكر ما يتعلق بأحكام وآداب الجشاء، وعلمنا ما يتعلق بتعريفه وضابطه. علمنا وجه المذمة كما جاء في حديث ابن عمر عندما سمع نبينا ذلك الرجل الذي تجشأ في مجلسه، وقال: «كف عنا جشاءك». وعلمنا وجه الكراهة، التي تكمن في كيفية التعامل معه، وأيضا فيما يتعلق بسببه، وهو الشبع الزائد المفرط. وذكرنا أن من آداب الجشاء أولا الإقلال عن الطعام، وكذلك ما يكون من تغطية الفم قدر الإمكان؛ لأن عملية الجشاء تكون مصاحبة بصوت مرتفع، وأيضا برائحة كريهة. فالتغطية تكون بوضع اليد أو منديل أو ثوب على الفم، أو أن يلوي بوجهه عن الحاضرين حتى لا يظهر شيء من ذلك. وهل يحمد الله كما مر معنا؟ ليس هناك سنة؛ فليس هذه من سنن الأنبياء التي سطرها وذكرها لنا نبينا عليه الصلاة والسلام. فالحمد إنما جاء عند العطاس، وعند الأكل والشرب، أما عند التجشؤ فلم يأت عن رسول الله عليه الصلاة والسلام أن جعل لها ذكرا من الحمد ونحو ذلك. تأتي مسألة أخرى، وهي أن العلماء يقولون إن المذموم في مسألة التجشؤ ورفع الصوت فيه يكون عند وجود الحاضرين، وتكون في مجلس. لكن من كان لوحده، فالأمر في هذا سهل؛ لأن النبي صلى الله عليه وسلم عندما سمع ذلك الرجل الذي تجشأ في مجلسه، قال: «كف عنا جشاءك»، كأنه لو تجشأ لوحده ما هناك إشكال. فدل هذا على أن من كان خاليا لوحده فتجشأ، فالأمر في هذا سهل. لكن الكراهة كما يقول العلماء والإخلال بالأدب أن ترفع صوتك بالجشاء وأنت عند الحضور، وأنت عند من يكون بجوارك من أناس وضيوف وأصحاب وإخوان، فهذا لا تفعله. وإنما تتأدب بما جاء به السنة، أنك تكف عن الجشاء. وتأتي مسألة أخرى، وهي هل الملائكة تتأذى من الجشاء مثلا؟ بعض العلماء ذكروا العموم، وأن أي ريح كريهة فإن الملائكة تتأذى منها. وهنا مسألة وهي في بيان علاقة الجشاء بالعبادات، وخاصة في عبادة الطهارة والصيام والصلاة. نبدأ بالمسألة الأولى، وهي علاقة الجشاء بالطهارة، ومسألة هل الجشاء ينقض الوضوء؟ يقول بعض الناس إنه ريح، وإذا كان المتوضئ ينتقض وضوءه من أجل الريح الذي يخرج منه، فكذلك الجشاء ريح يخرج، إذن فالعلة واحدة. لكن القول ما قاله ابن عبد البر رحمه الله تعالى، كما في الاستذكار، قال: وأجمع على أن الجشاء ليس فيه وضوء بالإجماع. فأدل هذا على أن الجشاء لا يقاس بالفساء ونحو ذلك؛ بحجة أن الجامع ريح لا يقاس بهذا، بل الإجماع قد تم على أن الجشاء لا ينقض الوضوء. ومن خلال هذه المسألة، إخواني في الله، تأتي مسألة قريبة، وهي مسألة خروج الريح من القبل، من قبل الرجل أو المرأة، أي من الفرج. وهذه مسألة كثيرا ما تقع عند النساء، وهو أن يخرج الريح من غير محله المعتاد. والخلاف حاصل بين العلماء بين الآخذ بالعموم وبين المخصص لهذه المسألة. والذي يقوله العلماء، وهذا الذي أريده، يقول علماء أن الصوت أو الريح الخارج من قبل المرأة خاصة، وهكذا الرجل، وهذا نادر، لكن عامة من قبل المرأة، أن هذا الريح إنما خرج من باب الاضطراب والتحرك لأعضاء. قال: ومثاله لربما الرجل إذا تحرك أو حرك إبطه أو تحركت ركبته لربما أصدرت صوتا، هل هذا الصوت مدعاة للنقض؟ قالوا: لا. قال: وكذلك هذا الصوت الذي يخرج من قبل المرأة مثلا يكون هذا حاله. وابن العربي رحمه الله تعالى قال: وهذه الريح الخارج من قبل المرأة تقاس بالجشاء، والذي لا ينقض إجماعا؛ لما كان الجشاء عبارة عن ريح خرج لم نحكم عليه بأنه مبطل للوضوء أو ناقض للطهارة؛ لأنه خرج من الفم، ما خرج من المكان المعتاد. قال: وكذلك قبل المرأة هذا ليس المكان المعتاد لخروج الرياح من الفساء ونحوه. إذن بهذه المقارنة، كما قال ابن العربي رحمه الله تعالى المالكي، قال: يقاس هذه الريح الخارج من قبل المرأة تقاس بالجشاء، بأنها لا تعد ناقضة للطهارة، وهذا القول قوي جدا ووجيه. إذن هذه مسألة وهي علاقة الجشاء بمسألة الطهارة. المسألة الثانية علاقة الجشاء بالصائم، هل الجشاء يفطر الصائمين؟ الجواب: لا، ما يفطر. لكن أحيانا يكون هذا الجشاء يخرج معه شيء من الطعام، يخرج شيء معه من الطعام. هنا قال العلماء: هذا الطعام الذي خرج مع الجشاء يلفظ ويطرح ويرمى، لا تبقي. يخرج مباشرة هذا واضح. لكن يأتي الإشكال ما لو أن هذا الطعام ابتلع رجل صائم تجشأ مع جشائه صعد طعام خرج إلى الحلق، الواجب يلفظه. المشكلة أنه ابتلع، كيف الحكم؟ قال: الحكم التفصيل الآتي هو الحاكم. إن ابتلع هذا الطعام عمدا وقصدا فقد أفطر، وإن ابتلع من غير قصد خطأ ومن غير استطاعة ولا تمكن فهذا معفو عنه، فصومه صحيح. هذا علاقة ما نذكره من مسألة علاقة الجشاء في مسألة الصيام. العبادة الأخيرة وهي علاقة الجشاء بالصلاة، ما لو أن مصليا في أثناء صلاته تجشأ، وهذا يقع كثيرا من المصلي يتجشأ، كيف يتصرف؟ مرة معنا أنه يحاول أن يكف إما أنه يكظم، وإما أنه يضع يده، وإما أنه يضع ثوبه، يكف حتى لا يصدر الصوت ولا تخرج الريحة المصاحبة لهذا الجشاء. إلا أن هناك من الفقهاء من يرى أنه ينبغي على المصلي أن يرفع رأسه إلى الأعلى. ولعلكم تلاحظون هذا من بعض الناس يفعل هذا، يرفع رأسه إلى الأعلى عند الجشاء. وقد أرى هذا من بعض الناس يصلي بجوار أحدهم، فتجد إذا يرفع ويجعل يده على فمه ويصعد الجشاء إلى فوق إلى أعلى. طبعا هذا نعم، قال به جماعة من الفقهاء، وممن جاء عنه ذلك الإمام أحمد رحمه الله تعالى، كما في رواية أبي طالب ورواية المهنة، أنه سئل عن ذلك، قال: يرفع رأسه. ولماذا فعلوا ذلك؟ قالوا: حتى لا يكون الجشاء إن كان في الأسفل لربما انتشر الريح عند المصلين فآذاهم في صلاتهم. فحتى يبتعد عن هذه المسألة يرفع رأسه فيطلق الريح إلى الخارج. طيب هذه مسألة إخواني في الله تشكل جدا مع الأحاديث المروية والقاضية بالنهي الصريح الصحيح على عدم رفع الأبصار إلى السماء. لينتهين أقوام عن رفع أبصارهم إلى السماء، أو لتعودن، تهديد عظيم. بل قال: علماؤه هو المحرم رفع الأبصار إلى السماء في أثناء الصلاة محرم. بل ما هو أبعد من ذلك، الظاهرية ذهبوا إلى البطلان، إلى أن الصلاة باطلة تتلبس بهذا النهي. وأنت في الصلاة تصل ثم ترفع رأسك، يا لا، هذا صلاة باطلة. طيب كيف العمل؟ وهنا جماعة من الفقهاء يرى أنك إن تجشأت ترفع رأسك إلى السماء. ولهذا إخواني في الله الصحيح أنك لا ترفع رأسك، ما ينبغي رفع الرأس. وقد تكلم الشيخ العثيمين رحمه الله تعالى على هذه المسألة، وبين خطأ هذه المسألة، وإن كانت صادرة من جماعة من الفقهاء، لكن لا تقبل. وذكر عدة أمور، الأمر الأول ذكر أن هناك أنه عام، ومن أين جاء الاستثناء الذي يقول: لا، هو صحيح أنه حرام إلا في حال الجشاء لا بأس أن ترفع. من أين جاء الجشاء هذا من أين جاء الاستثناء؟ ما عندي استثناء أصلا حتى يقيد به هذا النص. فما جاء الاستثناء لا من قريب ولا من بعيد، لا عن سنة صحيحة ولا عن فعل السلف من أصحاب رسول الله. إذن نبقى على العموم، وهو أن المصلي يمتنع رفع رأسه إلى السماء في حال الجشاء أو في حال التثاؤب أو في أي مسألة، إلا أمر ضروري هذا أمر آخر. لكن كونه يتعمد ما يجوز هذا. الأمر الثاني كما يقول العلماء: أن المتجشئ لو تجشأ على حالته هو سيتجشأ إلى الأمام، يتجشأ للأمام، لن يتجشأ إلى يمنة ولا يسرة. فكان في الصلاة يعني هذا لو افترضنا أنه ما وضع يده على فمه أو ما غطى، بل خرجت منه هذا الجشاء غصبا، خرجت، فإنه سيتجشأ أمام، وما عنده أحد أصلا أمام من المصلين، يعني يواجهه كما يواجه الآخر. فالذي يواجهه عن يمين وعن يسار، وهذا بعيد. إذا العلم ما هي موجودة حتى يقول نهرب ونصعد إلى الأعلى، ما في دليل على الهروب. الأمر الثالث ما بيّنه الشيخ العثيمين حفظه الله، رحمه الله، قال: لو أن هذه المسألة فعلها مصل وهو ما الذي يفعل يتجشأ للأعلى، تخيل أن هذا المتجشئ قصير، قصير، وبجواره من الطوال من المصلين، إما عن يمينه وإما عن يساره، أو الكل من الطوال، وهو قصير. إذا ماذا فعل؟ هرب من الجوانب وأصعد الريح إلى الأعلى، قال: ها خذوا، كأنه يعطيهم، وهم في الأعلى سيتأذون منه. الذي واضح هنا الآن هو هرب من الجوانب، لكن صعد الريح إلى من هو أعلى، فأوصلها إليهم. إذن خرج هرب من شيء ووقع فيما هو أفحش، بل وقع في الذي هرب منه، وهو أذية المصلين. لهذا الصحيح إخواني في الله من خلال هذه المسألة المطروحة، وإن قال به جماعة من الفقهاء، وإن نرى فعلها من بعض الناس، لا تفعل، لا تفعل. فأنت يا عبد الله إذا جاءك جشاء تغطي، وحتى تكنس برأسك إلى الأسفل حتى تحد من حدة الريح، أو تضع ثوبا إذا كان تملك ثوبا، كمن عنده عمامة يضع ويتجشأ في داخل عمامة حتى تمسك الصوت وتسحب الريح. هذا إخواني في الله مسائل سريعة أذكرها في قضية الجشاء وعلاقتها بمسألة الطهارة ومسألة الصيام ومسألة الصلاة. بهذا انتهينا إخواني في الله من أهم مباحث وآداب ومسائل الجشاء. فأسأل مولانا جل وعلا أن ينفعنا بما قلنا، إنه ولي ذلك والقادر عليه. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه وسلم، والله تعالى أعلم.