بواعث الخلاص من الذنوب 5

الدرس في بواعث الخلاص من الذنوب 5، ألقاها الشيخ أبو يوسف عبد المجيد الشحري

مشهد الغضب الإلهي ودلالاته

يشرح المقطع مفهوم غضب الله تعالى وانتقامه من العصاة مستشهدا بقصة فرعون. الله يغضب على من يرتكب المحارم ويعاقبهم وقد يكون العقاب في الدنيا.

التحذير من الاستدراج والغفلة

يتناول التحذير من استدراج الله للعبد بالمعاصي والذنوب ويبين أن الله قد يعطي العبد على معصيته استدراجا له. يحذر من الغفلة عن غضب الله وانتقامه.

أثر تذكر الغضب الإلهي

تذكر مشهد غضب الله على العبد يعين على ترك الذنوب والخطايا. ينبغي طلب التوفيق من الله للابتعاد عما يسخطه.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، والصلاة والسلام على أشرف الخلق والمرسلين، نبينا محمد، على آله وصحبه أجمعين. أما بعد، قال المصنف -فقه الله- في تعليقه على فصل بواعث الخلاص من الذنوب من كتاب عدة الصابرين للإمام ابن القيم رحمه الله: قال الإمام ابن القيم رحمه الله: الرابع، أي من بواعث الخلاص من الذنوب، مشهد الغضب والانتقام. فإن الرب تعالى إذا تمادى العبد في معصيته غضب، وإذا غضب لم يقم لغضبه شيء، فضلا عن هذا العبد الضعيف، أي لا يستطيع أحد أن يرد غضب الله، ولا أن يدفع غضب الله سبحانه وتعالى. والغضب من صفات الله جل وعلا الفعلية المتعلقة بمشيئة الله سبحانه وتعالى، يفعلها جل وعلا متى ما شاء، وهو غضب يليق بجلال الله وعظمته وسلطانه، ليس كمثله شيء، وهو السميع البصير. فالله عز وجل يغضب إذا انتهك العباد محارمه، ووقعوا في معصيته، كما أخبر جل وعلا بذلك عن نفسه. ولهذا قال المعلق هنا: الأمر الرابع من هذه البواعث غضب الله عز وجل وانتقامه. فالله عز وجل يسخط ويغضب ممن عصاه، كما قال تعالى: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم﴾، آسفونا بمعنى أغضبونا، انتقمنا منهم، حصل الانتقام من الله. وهذه الآية أخبر الله عز وجل بها فيما فعل بفرعون وقومه، أو جنوده، هذا الطاغية الذي تكبر وتجبر، وادعى الربوبية والولوهية، واستخف بنبي الله موسى عليه السلام. كما قال الله جل وعلا: ﴿ونادى فرعون في قومه قال يا قوم أليس لي ملك مصر وهذه الأنهار تجري من تحتي أفلا تبصرون ما ترون ما أوتيت من الملك وما أوتيت من متاع الدنيا وما أوتيت من الكنوز ألا تبصرون ذلك وانظروا إلى موسى الفقير الذي لا يملك شيئا مما أملك أم أنا خير من هذا الذي هو مهين ولا يكاد يبين﴾، يقول: من أفضل، أنا أم موسى الذي يصفه بأنه مهين، أي ذليل حقير، هكذا يصف نبي الله جل وعلا موسى عليه السلام استخفافا، استكبارا وتجبرا، ولا يكاد يبين، أي ذا تكلم لا يفصح في الكلام، ما عنده فصاحة في النطق. قال الله عز وجل: ﴿فاستخف قومه فأطاعوه إنهم كانوا قوما فاسقين فلما آسفونا أغضبونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾، أي موسى، أي فرعون ومن معه، تعلمون تلك القصة، إهلاك فرعون، التي أخبر الله عز وجل بها في مواضع من كتابه، كيف نجى الله جل وعلا موسى ومن معه، وفلق الله عز وجل البحر لموسى وقومه، ثم لما دخل فرعون بجنوده أمر الله البحر أن يرجع كما كان، فغرق فرعون ومن معه، فأغرقناهم أجمعين، فجعلناهم سلفا ومثلا للآخرين، أي عبرة وعظة يتعظوا بها ويعتبروا بها كل من تكبر وتجبر وطغى، أن هذه عاقبة المتكبرين، وعاقبة المجرمين والمذنبين والعاصين. فالشاهد أن الله عز وجل أخبر عن نفسه أنه يغضب، وإذا غضب انتقم جل وعلا ممن غضب عليه، فلما آسفونا انتقمنا منهم. وكم من الأمم التي أهلكها الله عز وجل بسبب الذنوب والمعاصي؟ ألم تر كيف فعل ربك بعاد إرم ذات العماد التي لم يخلق مثلها في البلاد؟ بما أوتوا من قوة وصلابة وشدة، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد، أو قبلها، وثمود الذين جابوا الصخر بالواد، جابوا الصخر بمعنى نحتوا الصخر، ينحتون الصخور من قوتهم، يفعلون لهم بيوتا من الجبال، وفرعون ذي الأوتاد الذين طغوا في البلاد، فأكثروا فيها الفساد، ما هي العاقبة؟ ﴿فصب عليهم ربك سوط عذاب إن ربك لبالمرصاد﴾، الله عز وجل بالمرصاد لكل طاغية ولكل متكبر. وهكذا قال الله جل وعلا: ﴿وكلا أخذنا بذنبه فمنهم من أرسلنا عليه حاصبا ومنهم من أخذته الصيحة ومنهم من خسفنا به الأرض ومنهم من أغرقنا وما كان الله ليظلمهم ولكن كانوا أنفسهم يظلمون﴾، أمم وأقوام، كل أهلكهم الله عز وجل بنوع من العذاب، العقوبة منهم من أرسل عليه حاصبا، أي حجارة من السماء، كقوم لوط، كذبت قوم لوط بالنذر، ﴿إن أرسلنا عليهم حاصبا إلا آل لوط نجيناهم بسحر نعمة من عندنا كذلك نجزي من شكر﴾، ومنهم من أخذته الصيحة، كقوم عاد وثمود، ومنهم من خسفنا به الأرض، كقارون الذي اغتر بكنوزه وبماله الذي أتاه الله جل وعلا، فخسف الله عز وجل به الأرض، هو وكنوزه وماله، ومنهم من أغرق الله جل وعلا، كفرعون وجنوده. ما هو السبب؟ هو الظلم، ظلم أنفسهم بالذنوب، الخطايا والسيئات. فالله عز وجل يغضب من عبده إذا ارتكب محارمه. الله عز وجل يغار على محارمه سبحانه وتعالى. في حديث عائشة في الصحيح: لما خطب النبي صلى الله عليه وسلم الناس يوما، قال: «يا أمة محمد، ما أحد أغير من الله من أن يزني عبده أو أن تزني أمته، ما أحد أغير من الله، غيور على محارمه». وفي حديث أبي هريرة في الصحيح: «إن الله ليغار، وغيرة الله أن يأتي المؤمن ما حرم الله عليه». يغار الله جل وعلا على محارمه، فيغضب سبحانه وتعالى على هذا العبد الذي ارتكب ما نهاه الله جل وعلا عنه. فقد ينتقم الله جل وعلا منه في الدنيا، ويعجل له العقوبة، وقد يؤخر الله عز وجل العقوبة لحكمة يعلمها سبحانه وتعالى. فلا يغتر العبد بما يقول: قد فعلت هذا الذنب، وأفعله منذ فترة، والحمد لله ما أصابني شيء. يقول: لا تغتر، فالله عز وجل قد يستدرج العبد، الله عز وجل يمهل ولا يهمل، قد يكون استدراجا من الله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إذا رأيت الله يعطي العبد على معاصيه، فإنما هو استدراج يستدرج به هذا العبد». ثم تلا قول الله: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء حتى إذا فرحوا أخذناهم بغتة فإذا هم مبلسون﴾. والحديث في السنة، من حديث أبي أمامة، وعقبة بن عامر، أن النبي صلى الله عليه وسلم تلا هذه الآية: ﴿فلما آسفونا انتقمنا منهم فأغرقناهم أجمعين﴾. إلا أن في سنده عبد الله بن لهيعة، وهو سيء الحفظ، والمحفوظ الآية الأولى: ﴿فلما نسوا ما ذكروا به فتحنا عليهم أبواب كل شيء﴾. إذا الله عز وجل قد يعطي العبد على معاصيه وذنوبه استدراجا له، استدراجا لا يغتر بذلك، فهو بهذا يزيد من الذنوب والخطايا والسيئات، ويعظم الذنب على نفسه، والعقوبة على نفسه، فلا يغتر بذلك، ربما تأتيه العقوبة فجأة، فلا يجد خلاصا ولا يجد نجاة. قال: فإذا حدثت النفس صاحبها بالمعصية، فليذكر غضب الله عز وجل وانتقامه الذي لا يقاومه شيء، فكيف بهذا العبد الضعيف؟ إذا كان الله عز وجل انتقم من هذه الأمم القوية، قوية عندها قوة الخلقة، قوية في بدنها، أتاها الله عز وجل من القوة ما ليس ربما لغيرها من الأمم، ومع ذلك أهلكهم الله ودمرهم الله سبحانه وتعالى. فكيف بك أنت أيها الضعيف؟ هذه الأمة من أقصر الأمم خلقة، وأضعفها، وأقلها أعمارا، ومع ذلك تجد من يتكبر، ومن يتجبر، ومن يجاهر الله جل وعلا بالمعاصي والذنوب، ومن يصر على فعل الذنب والمعصية، ولا يبالي، ويظن أن عنده قوة وعنده فتوة، وهذا لا شك أنه من الجهل وقلة وضعف الإيمان في القلب. قال: والله تعالى يقول: «ومن يحلل عليه غضبي فقد هوى». قال: فليحذر العبد من فعل موجبات حلول غضب الله عليه، وأسباب نقمته وسخطه. ومن يحلل عليه غضبي، أي من يحل عليه غضب الله بسبب ذنوبه ومعاصيه، الذنوب المعاصي سبب لحلول الغضب، يعني بمعنى أن هذا العبد يستحق أن يعاقب، وأن يعذب. ﴿وإذا أردنا أن نهلك قرية أمرنا مترفيها ففسقوا فيها فحق عليها القول فدمرناها تدميرا﴾. وكم أهلكنا من القرون من بعد نوح؟ ﴿وكفى بربك بذنوب عباده خبيرا بصيرا﴾، كم من القرون، كم من أمم من بعد نوح، لأن نوح هو أول رسل الله جل وعلا إلى أهل الأرض، كم من القرون من بعد نوح أهلكها الله ودمرها وعقبها؟ أفيعجز جل وعلا أن يعاقبك أنت أيها الضعيف؟ الجواب: لا شك أنه لا يعجز عن ذلك سبحانه وتعالى. فاحذر أن يحل عليك غضب الله، وأن ينتقم الله سبحانه وتعالى منك، ولا تغتر بحلم الله، وبعفو الله، وباستدراج الله جل وعلا لك، بل عليك أن تبادر بالتوبة والرجوع إلى الله عز وجل، وكذلك أيضا بالإقلاع عن الذنب والمعصية. وإن حدثت نفسك أن تقع في شيء من الذنوب، فتذكر هذا المشهد العظيم، مشهد غضب الله عز وجل على العبد، وانتقامه منه، فذلك مما يعينك مما يعينك على ترك فعل الذنوب والخطايا والسيئات. أسأل الله عز وجل أن يوفقنا وإياكم لما يحب ويرضى، وأن يجنبنا جل وعلا ما يسخطه ويأباه. وصلى الله وسلم على نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين.