المحاضرة بعنوان فضل الشكر وأهله، والتي كانت بمسجد التقوى بدار الحديث بالشحر يوم الأحد 6 جمادى الآخر 1443هـ الموافق 9 يناير 2022م ألقاها الشيخ حسن بن علي عليوه
يبيّن المحور مكانة الشكر كأحد أركان السعادة الثلاثة مع الصبر والاستغفار، مفصلاً أنواعه باللسان والقلب والجوارح مستنداً إلى نصوص الوحي. ويؤكد أن الشكر قيد للنعم الحاضرة وجالب للمفقودة، محذراً من قلة الشاكرين بين عباد الله داعياً إلى دوام الحمد.
يسرد المحور قصة طلب سليمان للعرش وإتيان العفريت ومن عنده علم الكتاب به في لمح البصر، مما دفع سليمان للشكر الفوري مقراً بنفع الشكر لصاحبه. ويستخلص أن حفظ النعم مرهون بالشكر، مستشهداً بآيات قرآنية وأقوال علماء في أن كفران النعمة سبب لزوالها.
يستعرض المحور مصير القرى التي كفرت بأنعم الله فاستبدلت الأمن والجوع بالخوف والجوع، موضحاً أن المعاصي تزيل النعم بينما الشكر والطاعة تحفظها. ويذكر حديث ابن عمر في أهل النعم وقصة الخليل بن أحمد الفراهيدي وحديث القدر دالاً على ثقل النعمة عند الله.
يقرر المحور أن عقوبة الله للمقصر في شكر النعم ليست ظلماً بل عدلاً لأن النعم لم تؤدَ حقها. ويختم بالتأكيد على سعة رحمة الله سائلاً المولى العون على ذكره وشكره وحسن عبادته.
الحمد لله، وأشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمدًا عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وسلم. أما بعد: ففي هذا اليوم المبارك، الذي نسأل الله خيره وخير ما بعده، ونعوذ بالله من شر هذا اليوم وشر ما بعده. هذا اليوم يوم الأحد، السادس من جمادى الآخرة، من عام ثلاثة وأربعين وأربعمائة وألف من هجرة النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. وفي هذا المسجد المبارك، في هذه الدار المباركة، مسجد التقوى في مدينة الشحر، ودار الحديث بهذه البلاد المباركة، نتذاكر مع إخواننا في هذا الوقت المبارك ما ينفعنا مما نتذاكر به. فقد ذكر الإمام ابن القيم، وتبعه شيخ الإسلام محمد بن عبد الوهاب، رحمة الله عليهما، قال رحمه الله: "أسأل الله العظيم"، وهذا دعاء لنا جميعًا ولمن يسمع ولطلاب العلم: "أسأل الله العظيم رب العرش الكريم أن يتولاك في الدنيا والآخرة، وأن يجعلك مباركًا أينما كنت، وأن يجعلك ممن إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر؛ فإن هؤلاء الثلاث عنوان السعادة". هؤلاء الثلاث: إذا أعطي شكر، وإذا ابتلي صبر، وإذا أذنب استغفر. نتكلم على الشكر يا عباد الله، فإن الشكر قيد للنعم، وصيد لما فقد منها؛ فهو قيد للموجود، وصيد للمفقود. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِذْ تَأَذَّنَ رَبُّكُمْ لَئِنْ شَكَرْتُمْ لَأَزِيدَنَّكُمْ ﴾ [إبراهيم: 7]. فقال العلماء: الشكر يقيد النعم الحاصلة، ويصيد النعم الواصلة؛ فهو قيد الموجود، وصيد المفقود. الشكر يكون باللسان: ﴿ وَأَمَّا بِنِعْمَةِ رَبِّكَ فَحَدِّثْ ﴾ [الضحى: 11]، ويكون بالقلب: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]، ويكون بالجوارح: ﴿ اعْمَلُوا آلَ دَاوُودَ شُكْرًا ﴾ [سبأ: 13]، ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾ [سبأ: 13]. يا عباد الله، أكثر الناس في غفلة عن الشكر. الله عز وجل يخبر وهو أعلم: ﴿ وَقَلِيلٌ مِنْ عِبَادِيَ الشَّكُورُ ﴾. فإذا وفقك الله للشكر فقد وفقك لحفظ النعم، وجلب ما فقد منها. قال ربنا سبحانه وتعالى: ﴿ وَاللَّهُ أَخْرَجَكُمْ مِنْ بُطُونِ أُمَّهَاتِكُمْ لَا تَعْلَمُونَ شَيْئًا وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾ [النحل: 78]، ﴿ لَعَلَّكُمْ تَشْكُرُونَ ﴾. وقال الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿ هُوَ الَّذِي أَنْشَأَكُمْ فِي الْأَرْضِ وَجَعَلَ لَكُمُ السَّمْعَ وَالْأَبْصَارَ وَالْأَفْئِدَةَ قَلِيلًا مَا تَشْكُرُونَ ﴾ [المؤمنون: 78]. والنبي عليه الصلاة والسلام يقول: «عجبًا لأمر المؤمن، إن أمره كله له خير؛ إن أصابته سراء شكر فكان خيرًا له، وإن أصابته ضراء صبر فكان خيرًا له». انظر عجبًا له. والحديث رواه مسلم عن صهيب الرومي. عجبًا لهذا المؤمن الذي يعبد الله على كل حال: إن أنعم الله عليه بالنعم شكر النعمة، وإن ابتلاه الله بالبلايا صبر عليها. وإذا أذنب استغفر من ذنبه. فهذه الثلاث كما قال الإمام رحمه الله عنوان السعادة. فأنت بين نعمة واصلة، أو مصيبة حاصلة، أو معصية فاصلة، فتحتاج للثلاث العبادات: أنت بين نعمة واصلة فتحتاج لشكر، أو مصيبة فاصلة فتحتاج إلى صبر، أو معصية حاصلة فتحتاج إلى استغفار. ولا يخرج منا أحد عن هذه الثلاث. فنحن يا عباد الله نتمتع بنعم عظيمة، ومع ذلك ربما الواحد منا لا يستحضر، لا يستحضر. فلذلكم: إذا وفقت أيها العبد إلى أن تشكر النعمة، فشكرك للنعمة نعمة تحتاج إلى شكر، كما قال القائل: إذا كان شكري نعمة الله نعمةً ... علي له في مثلها يجب الشكر فكيف بلوغ الشكر إلا بفضله ... وإن طالت الأيام واتصل العمر وقال الشافعي، وقال غيره: إذا وفق العبد للشكر فقد وفق لنعمة يحتاج إلى شكرها. إذن يحتاج المسلم دائمًا أن يكون لسانه رطبًا بالحمد لله. قال النبي عليه الصلاة والسلام: «إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها، ويشرب الشربة فيحمده عليها». سبحان الله! تأكل أكلة: الحمد لله. تشرب شربة: الحمد لله. يرضى الله عنك. والحديث رواه مسلم عن أنس: «إن الله يرضى عن العبد أن يأكل الأكلة فيحمده عليها». الحمد لله، والحمد لله تملأ الميزان، ما شاء الله. انظر هذه الكلمة: "الحمد" وصف المحمود بالكمال محبة وتعظيمًا. الحمد معناه: وصف المحمود سبحانه بالكمال محبة وتعظيمًا. فأنت تحمد الله على كماله وجلاله وعظمته وجماله، وعلى إنعامه. كثير من الناس لا يحمدون الله إلا على إنعامه، وهو يحمد سبحانه وتعالى على كماله، على جماله، على جلاله، على عظمته، على إنعامه. فليس فقط يحمد حتى يحمد ربنا سبحانه وتعالى على كل حال. تجد المريض على السرير: كيف حالك يا فلان؟ الحمد لله، ما شاء الله. وفق هذا، هذا عبد موفق. بخلاف ذاك الذي يتسخط: إذا جئت تزوره: كيف حالك؟ أنا مريض، أنا تعبان، أنا مبتلى. قل: الحمد لله. إيش؟ الناس سيكشفون ضرك؟ ﴿ وَإِنْ يَمْسَسْكَ اللَّهُ بِضُرٍّ فَلَا كَاشِفَ لَهُ إِلَّا هُوَ ﴾ [الأنعام: 17]. الله سبحانه وتعالى يحمد على كل حال. إذا أعانك الله: «اللهم أعني على ذكرك، وشكرك، وحسن عبادتك». إذا أعانك الله، إذا أعانك الله على الشكر فقد فتح لك باب الخير. تشكر الله على نعمه. النبي عليه الصلاة والسلام يقول في حديث عباس المشهور، الذي فيه سبع عشرة جملة، وقد شرح بعض العلماء فيه رسالة مستقلة، كان يقول: «ربي أعني ولا تعن علي، وانصرني ولا تنصر علي، وامكر لي ولا تمكر علي، واهدني ويسر هداي إلي، وانصرني على من بغى علي. اللهم اجعلني لك شاكرًا، لك ذاكرًا، لك راهبًا، لك مطواعًا، إليك مخبتًا منيبًا. ربي تقبل توبتي، واغسل حوبتي، وأجب دعوتي، ثبت حجتي، واهد قلبي، وسدد لساني، واسلل سخيمة قلبي». والحديث عند أبي داود وغيره. انظر سبع عشرة جملة، وفيها: «اللهم اجعلني لك شاكرًا». يدعو الله أن يوفق لهذا. انظر سليمان عليه الصلاة والسلام لما آتاه الله سبحانه وتعالى الملك، قال الله سبحانه وتعالى لما أرسل إلى ملكة اليمن: ﴿ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * إِنَّهُ مِنْ سُلَيْمَانَ وَإِنَّهُ بِسْمِ اللَّهِ الرَّحْمَٰنِ الرَّحِيمِ * أَلَّا تَعْلُوا عَلَيَّ وَأْتُونِي مُسْلِمِينَ ﴾ [النمل: 30-31]. بعد ذلك قال تعالى عن سليمان: ﴿ قَالَ يَا أَيُّهَا الْمَلَأُ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا قَبْلَ أَنْ يَأْتُونِي مُسْلِمِينَ * قَالَ عِفْرِيتٌ مِنَ الْجِنِّ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ تَقُومَ مِنْ مَقَامِكَ وَإِنِّي عَلَيْهِ لَقَوِيٌّ أَمِينٌ * قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾ [النمل: 38-40]. سبحان الله! على ملك عظيم واسع، من الشام، من اليمن إلى الشام في لحظة. عرش بالقيس، عرش تلك المرأة ملكة اليمن، عرش عظيم. حتى الهدهد قال: ﴿ وَلَهَا عَرْشٌ عَظِيمٌ ﴾ [النمل: 23]. الهدهد طائر، تعجب من عرشها، ومن عظم عرشها، ومن زخرفة عرشها، ومن عظم هذا العرش. فسليمان تشوق أن ينظر هذا العرش. قال: ﴿ أَيُّكُمْ يَأْتِينِي بِعَرْشِهَا ﴾. قال الله سبحانه وتعالى: ﴿ قَالَ الَّذِي عِنْدَهُ عِلْمٌ مِنَ الْكِتَابِ أَنَا آتِيكَ بِهِ قَبْلَ أَنْ يَرْتَدَّ إِلَيْكَ طَرْفُكَ ﴾، يعني في لحظة، من اليمن إلى الشام، والعرش بين يديك على عظمه. فلما رآه مستقرًا عنده، أي رأى العرش بين يديه في لحظة، قال: ﴿ هَذَا مِنْ فَضْلِ رَبِّي لِيَبْلُوَنِي أَأَشْكُرُ أَمْ أَكْفُرُ وَمَنْ شَكَرَ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ رَبِّي غَنِيٌّ كَرِيمٌ ﴾ [النمل: 40]. إذا شكرت يعود ذلك لنفسك، وإن كفرت ف الله غني عنك. الله سبحانه وتعالى يقول: ﴿ يَا أَيُّهَا النَّاسُ أَنْتُمُ الْفُقَرَاءُ إِلَى اللَّهِ وَاللَّهُ هُوَ الْغَنِيُّ الْحَمِيدُ * إِنْ يَشَأْ يُذْهِبْكُمْ وَيَأْتِ بِخَلْقٍ جَدِيدٍ ﴾ [فاطر: 15-16]. ﴿ وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾ [لقمان: 12]. انظر: الله عز وجل آتى لقمان الحكمة، ولقمان الصحيح أنه رجل حكيم وليس بنبي، فلم يذكر مع الأنبياء الخمسة والعشرين الذين ذكروا في القرآن، لم يذكر لقمان معهم. ﴿ حَكِيمٌ * وَلَقَدْ آتَيْنَا لُقْمَانَ الْحِكْمَةَ أَنِ اشْكُرْ لِلَّهِ وَمَنْ يَشْكُرْ فَإِنَّمَا يَشْكُرُ لِنَفْسِهِ وَمَنْ كَفَرَ فَإِنَّ اللَّهَ غَنِيٌّ حَمِيدٌ ﴾. ﴿ وَوَصَّيْنَا الْإِنْسَانَ بِوَالِدَيْهِ حَمَلَتْهُ أُمُّهُ وَهْنًا عَلَى وَهْنٍ وَفِصَالُهُ فِي عَامَيْنِ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ إِلَيَّ الْمَصِيرُ ﴾ [لقمان: 14]. شكر لله على أنه الخالق الرازق المحيي المنعم الفتاح الوهاب الرزاق، وشكر للوالدين على إحسانهما. ولا يشكر الله من لا يشكر الناس، كما جاء في سنن أبي داود عن أبي هريرة، النبي عليه السلام قال: «لا يشكر الله من لا يشكر الناس». ﴿ أَنِ اشْكُرْ لِي وَلِوَالِدَيْكَ ﴾. ولذلكم ربنا سبحانه وتعالى إذا ذكر إنعامه على الناس قال: ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِبَاسًا وَالنَّهَارَ مَعَاشًا ﴾ [غافر: 61]، ﴿ اللَّهُ الَّذِي جَعَلَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾ [غافر: 61]. أنت من الناس، انتبه نفسك، أنت من الناس. الله يخبرك، الله يخبرك أن أكثر من الناس أنت منهم. أخرج من هذا الوصف، أخرج من الكثرة الكافرة أو التي لا تشكر النعم، وكن شاكرًا لله سبحانه وتعالى. ﴿ اللَّهُ الَّذِي سَخَّرَ لَكُمُ اللَّيْلَ لِتَسْكُنُوا فِيهِ وَالنَّهَارَ مُبْصِرًا إِنَّ اللَّهَ لَذُو فَضْلٍ عَلَى النَّاسِ وَلَكِنَّ أَكْثَرَ النَّاسِ لَا يَشْكُرُونَ ﴾. وتفطن عدونا، نعوذ بالله من الشيطان الرجيم، تفطن لهذه العبادة. قال الله سبحانه وتعالى عن إبليس: ﴿ قَالَ فَبِمَا أَغْوَيْتَنِي لَأَقْعُدَنَّ لَهُمْ صِرَاطَكَ الْمُسْتَقِيمَ * ثُمَّ لَآَتِيَنَّهُمْ مِنْ بَيْنِ أَيْدِيهِمْ وَمِنْ خَلْفِهِمْ وَعَنْ أَيْمَانِهِمْ وَعَنْ شَمَائِلِهِمْ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾ [الأعراف: 16-17]. انظر: ﴿ وَلَا تَجِدُ أَكْثَرَهُمْ شَاكِرِينَ ﴾. وربنا سبحانه وتعالى يقول: ﴿ إِنَّ اللَّهَ لَا يُغَيِّرُ مَا بِقَوْمٍ حَتَّى يُغَيِّرُوا مَا بِأَنْفُسِهِمْ ﴾ [الرعد: 11]. اعلموا أيها الناس: أن الله إذا أنعم على عبد نعمة، فإنه يحفظها عليه حتى يكون العبد هو الذي يتسبب في زوالها. اعلموا أن الله إذا أنعم على العبد بنعمة حفظها عليه، حتى يكون العبد هو الذي يتسبب في إزالة النعمة. كم من إنسان ترونه كان تاجرًا كبيرًا غنيًا ثم صار فقيرًا؟ كان في نعمة، لعله ما شكر النعمة. ولذلك سئل الشيخ مبازي رحمة الله عليه عن أناس يعني حصل لهم ما حصل، قال: إما معصية ارتكبوها، أو نعمة لم يشكروها. انظر تفطن العلماء: إما معصية، والمعاصي تزيل النعم، أو نعمة ما شكرها. هذه النعم الله سبحانه وتعالى يحفظ عليك النعم إذا أنعم عليك نعمة حفظها عليك، لا يمكن أن يغيرها حتى تكون أن تتسبب ذلك، بأن الله لم يكن غير النعمة أنعمها على قوم حتى يغيروا ما بأنفسهم. ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ الْإِنْسَانَ لَظَلُومٌ كَفَّارٌ ﴾ [إبراهيم: 34]، ويقول: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا إِنَّ اللَّهَ لَغَفُورٌ رَحِيمٌ ﴾ [النحل: 18]، ويقول الله سبحانه وتعالى: ﴿ وَأَسْبَغَ عَلَيْكُمْ نِعَمَهُ ظَاهِرَةً وَبَاطِنَةً ﴾ [لقمان: 20]. ويقول الله سبحانه وتعالى وهو يبين في سورة النعم، سورة النحل، يسميها العلماء سورة النعم: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا وَأَكْثَرُهُمُ الْكَافِرُونَ ﴾ [النحل: 83]. ويقول: ﴿ وَمَا بِكُمْ مِنْ نِعْمَةٍ فَمِنَ اللَّهِ ﴾ [النحل: 53]. ويقول: ﴿ وَإِنْ تَعُدُّوا نِعْمَةَ اللَّهِ لَا تُحْصُوهَا ﴾ [النحل: 18]. هذه السورة، سورة النحل، يسميها العلماء سورة النعم، فإن الله ذكر أصول النعم وفروعها في أول السورة، وفي وسطها، وفي آخرها. ذكر أصول النعم، وأعظم نعمة هي نعمة الوحي، بدأ بها، ثم خلق السماوات والأرض، ثم خلق الإنسان وهو أشرف ما في الأرض، ثم ذكر الدواب والأنعام. وذكر أصول النعم وفروعها. ويقول بعد كل آيات: ﴿ يَعْرِفُونَ نِعْمَةَ اللَّهِ ثُمَّ يُنْكِرُونَهَا ﴾. انظر في عباد الله: النعم علينا تترى ليل نهار، نحن نتقلب في نعم الله سبحانه وتعالى. فإن شكرنا النعمة حفظها الله سبحانه وتعالى لنا، وإن نحن كفرنا النعمة: ﴿ أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ بَدَّلُوا نِعْمَةَ اللَّهِ كُفْرًا وَأَحَلُّوا قَوْمَهُمْ دَارَ الْبَوَارِ ﴾ [إبراهيم: 28]. انظر هؤلاء الذين كفروا نعم الله. وضرب الله مثلًا: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾ [النحل: 112]. كان عندهم الأمن ورغد العيش، فبدلوا، بدل الله لهم، أبدلهم لباسين: بدل اللباسين الأمن ورغد العيش، أبدلهم بالخوف والجوع. هذه مكة. وضرب الله مثلًا: ﴿ قَرْيَةً كَانَتْ آمِنَةً مُطْمَئِنَّةً يَأْتِيهَا رِزْقُهَا رَغَدًا مِنْ كُلِّ مَكَانٍ فَكَفَرَتْ بِأَنْعُمِ اللَّهِ فَأَذَاقَهَا اللَّهُ لِبَاسَ الْجُوعِ وَالْخَوْفِ بِمَا كَانُوا يَصْنَعُونَ ﴾. وانظر إلى سبأ، أرض مارب، أرض اليمن: ﴿ لَقَدْ كَانَ لِسَبَإٍ فِي مَسْكَنِهِمْ آيَةٌ جَنَّتَانِ عَنْ يَمِينٍ وَشِمَالٍ كُلُوا مِنْ رِزْقِ رَبِّكُمْ وَاشْكُرُوا لَهُ بَلْدَةٌ طَيِّبَةٌ وَرَبٌّ غَفُورٌ * فَأَعْرَضُوا فَأَرْسَلْنَا عَلَيْهِمْ سَيْلَ الْعَرِمِ وَبَدَّلْنَاهُمْ بِجَنَّتَيْهِمْ جَنَّتَيْنِ ذَوَاتَيْ أُكُلٍ خَمْطٍ وَأَثْلٍ وَشَيْءٍ مِنْ سِدْرٍ قَلِيلٍ * ذَلِكَ جَزَيْنَاهُمْ بِمَا كَفَرُوا وَهَلْ نُجَازِي إِلَّا الْكَفُورَ ﴾ [سبأ: 15-17]، إلى قوله تعالى: ﴿ وَجَعَلْنَا بَيْنَهُمْ وَبَيْنَ الْقُرَى الَّتِي بَارَكْنَا فِيهَا قُرًى ظَاهِرَةً وَقَدَّرْنَا فِيهَا السَّيْرَ سِيرُوا فِيهَا لَيَالِيَ وَأَيَّامًا آمِنِينَ * فَقَالُوا رَبَّنَا بَاعِدْ بَيْنَ أَسْفَارِنَا وَظَلَمُوا أَنْفُسَهُمْ فَجَعَلْنَاهُمْ أَحَادِيثَ وَمَزَّقْنَاهُمْ كُلَّ مُمَزَّقٍ إِنَّ فِي ذَلِكَ لَآيَاتٍ لِكُلِّ صَبَّارٍ شَكُورٍ ﴾ [سبأ: 18-19]. فانظر يا عبد الله كيف تتغير النعم، بسبب ماذا؟ بسبب العباد. إذا كنت في نعمة فاحفظها، فإن المعاصي تزيل النعم، وحافظ عليها بشكر الإله، فإن الإله سريع النقم. إذا يعني العبد عصى الله وأصر على ذلك، ولم يشكر النعم، فإن الله سبحانه وتعالى يسلب هذه النعمة. جاء عند أهل السنن أو بعضهم عن ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: «إن الله إذا أنعم... إن الله... إن الله سبحانه وتعالى... إن لله عبادًا اختصهم بالنعم». جاء من حديث ابن عمر أن النبي عليه السلام قال: «إن لله عبادًا اختصهم بالنعم لمصالح العباد، يقرهم فيها ما بذلوها، فإن منعوها انتزعها الله منهم وحولها إلى غيرهم». شف: الله يعطيك نعمة علم، إذا علمت بارك الله لك في علمك، وإذا كتمت العلم جعله في صدرك قبر، جعل صدر قبر لعلمك، تموت يوم تموت وعلمك مقبور في صدرك، ما شكرت النعمة. علمك الله التجويد، علمك الله التلقين، علمك الله القرآن: «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». جلست للناس تعلمت مجانًا، علم مجانًا، تعلمت مجانًا، فعلم مجانًا، جلس لك المعلمون علموك، اجلس علم الناس، رفضت أن تجلس، جعل الله علمك قبرًا في صدرك، قبر علمك، فلم ينتشر ولم يخرج علمك، جزاء وفاقًا، ما شكر النعمة، ما شكر النعمة. اجلس: «خيركم...» أنت خير الناس، «خيركم من تعلم القرآن وعلمه». هذا الخليل بن أحمد الفراهيدي المشهور، الإمام صاحب النحو، صاحب العروض، الذي ألف يعني علم العروض في بحور الشعر. لما مات رؤيا في المنام، قيل: ما فعل الله بك؟ قال: ذهب العروض، وذهب النحو، ولم يبق إلا عجائز كنت أعلمهن سورة الفاتحة. ما بقي لي إلا هذا العمل: عجائز، قال: كنت أذهب إليهن أعلمهن الفاتحة. أن تعلمك الله الفاتحة، علم... كم من شايب يكسر، كم من عجوز أيضًا تكسر. سبحان الله! فانظر هذا الخليل بن أحمد يقول: لم يبق إلا ما علمت عجائز في بلادي سورة الفاتحة. هذا العمل الذي بقي لي، عمل يسير وهو عظيم عند الله سبحانه وتعالى. ولذلك في حديث ابن الديلمي، ونختم به، أنه قال: وقع في نفسي شيء من القدر، فذهبت إلى أبي بن كعب، فقلت: يا أبا المنذر، وقع في نفسي شيء من القدر، فأخبرني بشيء لعل الله أن يذهب عني ذلك. قال: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم وهو غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». ولا عليك أن تذهب إلى أخي حذيفة بن اليمان. فذهبت إلى حذيفة فحدثني بمثل هذا الحديث. قال: ولا عليك أن تذهب إلى أخي ابن مسعود. فذهبت إلى ابن مسعود فحدثني بمثل هذا الحديث. قال: ولا عليك أن تذهب إلى أخي زيد بن ثابت. فذهبت إلى زيد بن ثابت، وقلت: إنه وقع في نفسي شيء من القدر، فأخبرني بشيء لعل الله نذهبه من قلبي. قال: قال رسول الله عليه وسلم... رفع زيد بن مسعود وأبي وحذيفة لم يرفعوا الحديث، ولو حكم الرفع، وزيد بن ثابت قال: سمعت رسول الله عليه وسلم يقول: «لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم، ولو رحمهم كانت رحمته خيرًا لهم من أعمالهم، ولو أنفقت مثل أحد ذهبًا ما قبل الله منك حتى تؤمن بالقدر، وتعلم أن ما أصابك لم يكن ليخطئك، وما أخطأك لم يكن ليصيبك». قال العلماء: معنى الحديث في شكر النعم. هذا الحديث معناه: لو أن الله عذب أهل سماواته وأهل أرضه لعذبهم غير ظالم لهم. قالوا في النعم: هذا تأتي نعمة واحدة، دع النعم، هذا تأتي نعمة واحدة ويأتي عمل الإنسان، فتوزن النعمة ويوزن العمل، فإذا بالنعمة ترجع والعمل أقل. فلو عذب الله العبد على عدم شكر هذه النعمة، والنعم الأخرى التي لم توزن، لعذبه غير ظالم. الله لكن الله سبحانه وتعالى يقبل القليل ويشكر: ﴿ إِنَّ هَذَا كَانَ لَكُمْ جَزَاءً وَكَانَ سَعْيُكُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإنسان: 22]. يشكر الله سعيك، هو الذي وفّقك لهذا السعي، وهو الذي يقبله منك، وهو الذي يثيبك عليه. ﴿ وَمَنْ أَرَادَ الْآَخِرَةَ وَسَعَى لَهَا سَعْيَهَا وَهُوَ مُؤْمِنٌ فَأُولَئِكَ كَانَ سَعْيُهُمْ مَشْكُورًا ﴾ [الإسراء: 19]. الله عز وجل يشكر سعيك، هو الذي وفّقك، هو الذي وفّقك، يشكرك ويجازيك، ويدخلك الجنة دار الكرامة. فإذا... إذا عذب الله العبد من هذا الباب، ليس أن الله يعذب العبد على غير ذنب، لا، بل إذا عذبه لعدم شكر النعمة، مش النعم كلها، نعمة واحدة، إذا جاءت نعمة وجاء العمل، النعمة رجحت. فإذا عذبك على التقصير في عدم شكر النعمة، لعذبك غير ظالم لك، وسائر النعم الأخرى لم تشكر، فإذا عذبك فهو غير ظالم لك. ولكن الله يرحم، فنسأل الله أن يعيننا على ذكره وشكره وحسن عبادته. وصلى الله على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين. الحمد لله رب العالمين.