الجواب الكافي 29

الدرس في الجواب الكافي 29، ألقاها الشيخ أبو خالد وليد مقرم

خطورة الاعتماد على عفو الله مع الإصرار

يتناول خطورة الاعتماد على عفو الله مع الإصرار على الذنوب، ويحذر من التهاون بأوامر الله. يستدل بنصوص قرآنية ونبوية توضح عقاب الله لمن يصر على الذنوب.

تحقيق التوازن بين الرجاء والخوف

يُناقش علاج الإفراط في الرجاء والخوف، ويُظهر أهمية التوازن بينهما. يرى ابن القيم أن من يفرط في الرجاء أو الخوف يحتاج لتذكير بنصوص التخويف أو الرجاء على الترتيب.

وجوب الخوف من مكر الله وعقابه

يُحذر من الأمن من مكر الله ومخالفة الأقوال للأفعال، ويستشهد بحديث أسامة بن زيد وأبي رافع لتوضيح العقاب لمن يخالف قوله فعله.

أهمية استغلال الوقت في الطاعات

يُنبه إلى خطورة تضييع الوقت ويحث على استغلاله في الأعمال الصالحة، ويختم بالصلاة على النبي محمد صلى الله عليه وسلم.

التفريغ النصي الكامل

الحمد لله رب العالمين، صلى الله وسلم وبارك على عبده ورسوله نبينا محمد، وعلى آله وصحبه أجمعين. قال الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في كتابه "الداء والدواء الجواب الكافي لمن سأل عن الدواء الشافي": قال رحمه الله: فصلوا في الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه. قال رحمه الله: وكثير من الجهال اعتمدوا على رحمة الله وعفوه وكرمه، فضيعوا أمره ونهيه، ونسوا أنه شديد العقاب، وأنه لا يرد بأسه عن القوم المجرمين. ومن اعتمد على العفو مع الإصرار على الذنب فهو كالمعاند. قال معروف: رجاءك لرحمتي من لا تطيعه من الخذلان والحمق. وقال بعض العلماء: من قطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. وقيل للحسن: نراك طويل البكاء، فقال: أخاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. وكان يقول: إن قوما ألهتهم أمان المغفرة حتى خرجوا من الدنيا بغير توبة، يقول أحدهم: لأني أحسن الظن بربي، وكذب. لو أحسن الظن لأحسن العمل. وسأل رجل الحسن فقال: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالسة أقوام يخوفوننا حتى تكاد قلوبنا تنقطع؟ فقال: والله لأن تصحب أقوام يخوفونك حتى تدرك أمنا خير لك من أن تصحب أقوام يؤمنونك حتى تلحقك المخاوف. قد ثبت في الصحيحين من حديث أسامة بن زيد رضي الله تعالى عنهما قال: سمعت رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "يؤتى بالرجل يوم القيامة فيلقى في النار، فتندلق أقتابه فيدور في النار كما يدور الحمار برحاه، فيطوف به أهل النار، فيقولون: يا فلان، ما أصابك؟ ألم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمركم بالمعروف ولا آتيه، وأنهاكم عن المنكر وآتيه". وذكر الإمام أحمد رحمه الله من حديث أبي رافع قال: مر رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم بالبقيع فقال: "أف لك". فظننت أنه يريدني. قال: "لا، ولكن هذا قبر فلان، بعثته ساعيا إلى آل فلان فغل نمرة، فدرع الآن مثلها من نار". وفي مسنده أيضا من حديث أنس بن مالك قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "مررت ليلة أسري بي على قوم تقرض شفاههم بمقاريض من نار، فقلت: من هؤلاء؟ قالوا: خطباء من أمتك من أهل الدنيا، كانوا يأمرون الناس بالبر وينسون أنفسهم، أفلا يعقلون؟". وفيه أيضا من حديثه قال: قال رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم: "لما عرج بي مررت بقوم لهم أظفار من نحاس يخمشون بها وجوههم وصدورهم، فقلت: من هؤلاء يا جبريل؟ فقال: هؤلاء الذين يأكلون لحوم الناس ويقعون في أعراضهم". وفيه أيضا عنه قال: كان رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم يكثر أن يقول: "يا مقلب القلوب والأبصار، ثبت قلبي على دينك". فقلنا: يا رسول الله، آمنا بك وبما جئت به، فهل تخاف علينا؟ قال: "نعم، إن القلوب بين أصبعين من أصابع الله، يقلبها كيف يشاء". وفيه أيضا عنه أن رسول الله صلى الله عليه وآله وسلم قال لجبريل: "ما لي لم أراك تضحك قط؟ قال: ما ضحكت منذ خلقت النار". وفي صحيح مسلم عنه قال: قال رسول الله عليه الصلاة والسلام: "يؤتى بأنعم أهل الدنيا من أهل النار فيصبغ في النار صبغة، ثم يقال له: يا ابن آدم، هل رأيت خيرا قط؟ هل مر بك نعيم قط؟ فيقول: لا والله يا رب. ويؤتى بأشد الناس بؤسا في الدنيا من أهل الجنة فيصبغ في الجنة صبغة، فيقال له: يا ابن آدم، هل رأيت بؤسا قط؟ هل مر بك شدة قط؟ فيقول: لا والله يا ربي، ما مر بي بؤس قط ولا رأيت شدة قط". ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الفصل الذين اعتمدوا على عفو الله فضيعوا أمره ونهيه، يعني أن من الناس من اعتمدوا على عفو الله، والله هو العفو، والله غفور رحيم، والله لا يتضرر بمعصية العاصي، ولا تنفعه طاعة الطائع، وغير ذلك. فاعتمدوا على سعة رحمة الله وعلى عفو الله جل وعلا ومغفرته، فضيعوا أمره ونهيه، تركوا الأوامر وتركوا الطاعات، ولم يمتثلوا الواجبات، وفعلوا المحرمات والعياذ بالله، وانتهكوا محارم الله اعتمادا على سعة عفو الله. يا فلان، اتق الله، إن الله غفور رحيم. يا فلان، اتق الله، إن الله يغفر الذنوب جميعا. يا فلان، اتق الله، ورحمتي وسعت كل شيء. ما شاء الله، ولا يقرأ في القرآن: "إن الله شديد العقاب". وفي القرآن كذلك: "إن الله شديد الانتقام"، وغير ذلك من النصوص. لكن الهوى يجعل الإنسان يأخذ من كتاب الله أو من سنة الرسول عليه الصلاة والسلام ما يوافق هواه، فيصر على الذنوب والمعاصي ويستمر عليها، ويستدل بسعة رحمة الله وعفوه. فبين رحمه الله تعالى أن هذا الغرور وهذا الاعتماد لا ينفعهم. نعم، إن الله غفور رحيم، وإن الله رحمته وسعت كل شيء، لكن كذلك هو جل وعلا شديد العقاب. فهل أنت أخذت بأسباب رحمة الله؟ الله غفور رحيم، هل أخذت بأسباب المغفرة والرحمة من الله؟ لحصول رحمة الله ومغفرة أسباب، ومن أعظمها امتثال الأوامر واجتناب النواهي. تريد رحمة الله وتريد مغفرة الله وأنت لم تأتي بالأسباب بأسباب تحصيل المغفرة وبأسباب تحصيل الرحمة، وإنما تفعل الأسباب التي هي من أسباب العذاب ومن أسباب العقوبة من الله جل وعلا لك. فإذن هذا عناد، وهذا من الحمق، كما بين رحمه الله تعالى. لأن الاعتماد على العفو مع الإصرار على الذنب فهذا المعاند، وكما نقل معروف أن من رجاء رحمة الله وهو لا يطيعه فهذا من الخذلان ومن الحماقة. ولذلك ذكر الإمام ابن القيم رحمه الله تعالى في هذا الفصل هذه النصوص التي فيها التخويف، لأن هذا هو العلاج لعلاج من يعتمد على عفو الله ويتكل على سعة مغفرة الله. هذا يحتاج إلى علاج، وهذا مريض، وقد ابتلينا بكثير من المرضى، هذا هو حالهم، وهذا مرضهم، يكثرون من ذكر نصوص الرجاء: "والله غفور رحيم"، "والله إلى آخر ذلك". فهؤلاء مرضى يحتاجون إلى علاج، والإمام ابن القيم يعالجهم، وهو طبيب، كما أنه طبيب أبدان فهو طبيب للقلوب رحمه الله، جمع بين طب الأبدان وبين طب القلوب، وله كتاب "الطب النبوي" مشهور ومعروف. فكأنه يقول: هؤلاء يحتاجون إلى علاج، الذين يعتمدون على عفو الله وهم مضيعون لأوامره ونواهيه يحتاجون إلى علاج. إذن ما هو العلاج؟ العلاج أن يذكروا بالنصوص الواردة في كتاب الله وفي سنة الرسول عليه الصلاة والسلام التي فيها التخويف. التي فيها التخويف ليعتدل عندهم الميزان، عندهم الميزان منكوس وعندهم ميلان، فيحتاجون إلى من يقومهم ويجعل حالهم مستقيما ويجعلهم معتدلين. فإذن يحتاجون إلى أن يذكروا بالنصوص التي فيها الخوف من الله جل وعلا ومن عذابه ومن عقوبته، وأن الإنسان غير آمن على نفسه غير آمن على نفسه من الوقوع في النار ومن الوقوع والعياذ بالله فيما لا يرضاه الله عز وجل. فلذلك يعتدل الميزان، فذلك ذكر جملة رحمه الله تعالى من هذه النصوص التي فيها التخويف، وهذا هو علاج من غلا في جانب الرجاء. كما أن هناك طائفة من الناس على العكس غلوا في نصوص الوعيد، غلوا في نصوص الوعيد، وهؤلاء مرضى يحتاجون إلى علاج، وعلاجهم أن يذكروا بنصوص الرجاء، فلا يقنطوا من رحمة الله جل وعلا مهما وقعوا فيه من ذنوب وتقصير. فباب التوبة مفتوح، والله جل وعلا غفور رحيم إذا تابوا وأنابوا. وهكذا هو العلاج، العلاج من كتاب الله ومن سنة رسول الله عليه الصلاة والسلام، وعلاج الشيء بضده. علاج من اتكل على الرجاء لأن يذكر بالوعيد، ومن غلا في الوعيد يذكر بالرجاء، فيحقق هذين الأمرين. وذكر كذلك نقولا عن السلف وعن بعض العلماء، ومنها قول بعض العلماء: انقطع عضوا منك في الدنيا بسرقة ثلاثة دراهم، لا تأمن أن تكون عقوبته في الآخرة على نحو هذا. أنت الآن في الدنيا إذا سرقت ثلاثة دراهم، عقوبة ذلك قطع اليد، وهي ثلاثة دراهم. سبحان الله، ثلاثة دراهم تقطع يد، يعني أي شيء، ثلاثة دراهم لا شيء، ومعها تقطع اليد. الأمر لا تستهين بالأمر، تقول سهل، ثلاثة دراهم لا، ثلاثة دراهم تسرق تقطع يدك. ومعنى قد تستهين ببعض الأمور وبعض الذنوب والمعاصي، هذه سهلة، هذه أيش عقوبتها؟ عقوبتها عند الله خفيفة، سبحان الله. هذه العقوبة في الدنيا قطع اليد على ثلاث دراهم، فهل تأمن أن يعاقبك الله جل وعلا على أمر تظنه سهلا وهينا تكون عقوبته مثل هذه العقرة. وكما قال سبحانه: "وتحسبونه هينا وهو عند الله عظيم". الأمر ليس بالذنب نفسه الذي تفعله، لأن الإنسان من الناس من يفعل الذنب مستصغرا له ومتجرئا على فعله، فذنبه يعظم. ومن الناس من يفعل الذنب مع شيء من الانكسار، وشيء من الوجل، ويفعل الذنب غير مجاهر به، وعنده شيء من الخوف، هذا يختلف. فإذا أنت لا تظن شيئا هينا، عظم الذنوب، لماذا؟ لأن الواجب عليك أن تنظر إلى من عصيت، ولا تنظر إلى المعصية وإلى صغر المعصية، كما قال بعض أهل العلم. لكن انظر: من عصيت؟ أنت إذا عصيت على حسب كلامك بصغيرة وبأمر هين، عصيت من؟ عصيت الله. فإذا عظم هذا، أنت ستعصي الله إن فعلت صغيرة وإن فعلت كبيرة. ومن الناس من يتهاون بالذنوب، والذنوب تجتمع عليه، كما في حديث اجتماع الأعواد، هذا يأتي بعود، وهذا بعود، وهذا بعود، فتصبح بعد ذلك نارا. وذكر عن الحسن البصري رحمه الله حين قيل له: نراك طويل البكاء، فقال: خاف أن يطرحني في النار ولا يبالي. هذا هو الخوف من الله، لا تأمن على نفسك. إذا كان الصحابة وهم أفضل الخلق وهم أفضل البشر بعد رسول الله عليه الصلاة والسلام وبعد الأنبياء يخافون على أنفسهم. في البخاري عن ابن أبي مليكة رحمه الله قال: أدركت ثلاثين من أصحاب رسول الله عليه الصلاة والسلام، كلهم يخاف النفاق على نفسه. أدركت ثلاثين من أصحاب النبي عليه الصلاة والسلام، كلهم يخاف النفاق على نفسه، ما أحد يأمن على نفسه، يقول: أنا آمن من النار، عندهم خوف. وأنت تتكل على سعة عفو الله وعلى سعة مغفرته، ما هي أعمالك مع أعمال الصحابة؟ لا شيء، فكيف أنت تأمن على نفسك وتتكل على سعة عفو الله ورحمته؟ وهؤلاء الصحابة الذين عندهم مثل الجبال من الأعمال يخافون على أنفسهم. وهكذا كما قال الحسن: أخاف أن يطرحني بالنار ولا يبالي. والجاحظ نقل عن الحسن رحمه الله تعالى كذلك هذه الوصية. وقبل هذا أن من الناس من ظن أن يحسن الظن، وبيّن رحمه الله أن الذي يحسن الظن الذي يحسن العمل، وإلا فهو كاذب. كما تقدر. ولما سأل رجل الحسن البصري قال له: يا أبا سعيد، كيف نصنع بمجالس أقوام يعني هذا رجل يجالس أقواما يذكرونه يخوفونه يخوفونه بالنار وبعذاب الله جل وعلا حتى أن قلبه ينقطع من ذلك. فلما قال الحسن البصري ذلك قال له: والله لأن تصحب هؤلاء الأقوام يخوفونك حتى تدرك أمنا من الله جل وعلا، والخير تدرك الخير، خير من أناس يؤمنونك يا رجل ما عليك؟ أنت لازلت شبابا وهذه أمور سهلة، هذه صغير، ما شاء الله. أنت محافظ على الصلوات وتفعل وتفعل، هذه أشياء سهلة يؤمنونك، كأنه أنت على أمن، نعم لا والله، وبعد ذلك تدرك المخاوف، تجلس مع أناس يؤمنونك يعطونك الأمان وأنك على أمان وأنك على خير وأنك ما شاء الله ما شاء الله ما شاء الله حافظ من القرآن وأنت كذا، وصلاتك بصلواتك جماعة وأمنونك. لا تجلس مع أقوام يخوفونك يخوفونك، وبعد هذا الخوف تدرك أمنا بعد ذلك أفضل من أن من أن تجلس مع أقوام يؤمنونك ثم بعد ذلك تلحق المخاوف بعد ذلك. وذاك جاء النبي عليه الصلاة والسلام في الحديث القدسي الذي يرويه عن ربه جل وعلا قال: "لا وعزتي وجلالي لا أجمع على عبدي خوفين وأمني، لا أجمع على عبدي خوفين وأمني". من أخافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة. إذن أنت إذا كنت من أهل الأمن في الدنيا فأنت على خطر، لأن من أمن مكر الله جل وعلا، ومن أمن الله جل وعلا فسيلحقه الخوف. ومن خاف الله جل وعلا في الدنيا فلن يجمع الله جل وعلا، فمن أخافني في الدنيا أمنته يوم القيامة، ومن أمنني في الدنيا خوفته يوم القيامة. فالحسن البصر رحمه الله تعالى يقول: أن تجلس مع أقوام يخوفونك حتى تدرك بعد ذلك أمنا خير لك من أن تجالس أقوام يؤمنونك ثم تلحق المخاوف بعد ذلك. وهذا فقه عظيم من الحسن البصري رحمه الله تعالى، وإن كان هذا الأثر بعض أهل العلم تكلم فيه وضعفه، إلا أنه قد جاء من طرق عن الحسن البصري رحمه الله تعالى. ثم ذكر رحمه الله تعالى بعد ذلك ما جاء في الصحيحين حيث ساق هذا الحديث يوجب الخوف وعدم الاطمئنان بالأعمال ووجوب الإخلاص لله جل وعلا في العمل وفي القول وعدم مخالفة الأعمال للأقوال. فحديث أسامة بن زيد هذا أخبر النبي عليه الصلاة فيه أنه يؤتى برجل يوم القيامة فيلقى في النار، تندلق أقتابه الأمعاء في النار تخرج وهو يدور بها يدور بأمعائه في النار كما يدور الحمار برحاه. يطوف بها أهل النار يعرفون فلان بالفلان هذا فلان بالفلان في الدنيا الذي كان يحاضر والذي كان يخطب والذي كان يتكلم والذي كان يقول اتقوا الله هذا حرام وهذا حلال كيف الآن في النار يدور بأمعائه الله المستعان. فيعرفون يقول: يا فلان ما أصابك؟ هل لم تكن تأمرنا بالمعروف وتنهانا عن المنكر؟ فيقول: كنت أمركم بالمعروف نعم يقول لهم هذا حرام وهو يخالف ذلك يحرم ذلك على الناس ولا يحرمه على نفسه. على الناس حرام وعليه حلال، الغيبة والنميمة حرام وهو يغتاب وكأنها جائزة له ويقع في الغيبة والنميمة وقطع الأرحام حرام وكذا حرام والحسد حرام ويدعو لهم هذا حرام وهذا منكر وهذا ثم هو يقع في المنكر ويقول لهم هذا معروف وهذا خير. يأمر الناس بالمعروف ولكن هو لا يأتي بالمعروف، سبحان الله أحواله وأفعاله تخالف أقواله، فانظروا العقاب الشديد في حق هؤلاء يؤلقى في النار وعياذ بالله. فالحذر الحذر، فهذا الحديث يوجب الخوف، فكيف بمن اتكل على عفو الله عز وجل؟ إذا كان هذا من الآمرين بالمعروف والنهيين عن المنكر في الدنيا ومع هذا العقاب يلحقه إذا خالف فعله قوله. فكيف من أصلا لا يأمر بالمعروف ولا ينهى عن المنكر وإنما يقع بالذنوب والمعاصي ويتكل على سعة عفو الله وسعة مغفرته؟ يقول: الله غفور الرحيم وهو يقع في الذنوب والمعاصي ولا يبالي. ثم ذكر بعد ذلك رحمه الله تعالى حديث أبي رافع عند الإمام أحمد رحمه الله تعالى في مسنده والحديث صحيح، العلامة الألباني رحمه الله تعالى وبعض أهل العلم ضعفه لجهالة بعض من في سنده. إلا أن الألباني رحمه الله صحح الحديث لأنه جاء من طرق، وخلاصة الحديث النبي صلى الله عليه وآله وسلم مر بالبقيع، البقيع مقبرة أهل المدينة، مقبرة في المدينة، وفيها دفن كثير من الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم. فقال: "أف لك". مر بالمقبرة قال: "أف لك". ومعه أبو رافع كان معه أبو رافع رضي الله عنه، أبو رافع ظن أن نبي الله صلى الله عليه وآله وسلم يقول: "أف لك" يعني يا أبا رافع. فقال: فظننت أنه يريدني. قال: "لا، ولكن هذا قبر فلان". هذا قبر فلان بعثته ساعيا إلى آل فلان يعني يأتي به زكاة منهم. قال: "فغل نمرة" أخذ منها نمرة، نمرة كساء بسيط، برده من صوف. كما في مختار الصحاح، شيء يسير، إنسان يظنه هينا، سبحان الله، برده من صوف، عسى ماذا يعني؟ إذا جعلتها ربما ما تستر الجزء العلوي منك، شيء يسير، ومن صوف أخذها. ماذا كانت النتيجة؟ درع الآن، قال: "مثلها من نار". إذن فكيف من يأخذ الأموال الكثيرة وهي أموال المساكين وأموال اليتامى، أموال الدعوة مثلت يأخذ منها يقول: هذا شيء يسير لا، ما هو شيء يسير. حتى خمسة ريالات لا تستهين بها، لا تضع من عندك ولا تأخذ، فربما تقول: هذا سهل، أنا أستحق هذا. انتبه، المال العام ومال المسلمين لا تأخذ منه شيء لا بترول ولا زيت ولا وقود. أخوان الشيخ العثيمين رحمه الله مما ذكر في ترجمته: نعم، كانت أعطوه سيارة، سيارة ليذهب بها عندها محاضرة وعندها درس وعندها كلا وعندها فتوى في المسجد الحرام إلى آخر ذلك. كانت سيارة تحت يده، فكانت يستخدمها في المصالح الشخصية، يجعل البنزين، سبحان الله، مع أنهم قالوا: لا، سهل، مشواري للسوق، مشواري للصلة الرحم، ما فيه مشكلة، لا، ما فيها شيء، سهل. عهدي بهذا في عرف الناس حتى يعني يتعرفون مدير المرافق وعندهم سيارات هي للعمل أصلا يأخذ مرة يأخذ أهلي إلى المكة ومرتين إلى المستشفى ومرتين بهذا الوقود، هذا شيء تساهل فيه الناس. لكن انظروا حرص العلماء، انظروا حرص العلماء، المشوار الخاص من جيبه ما يريد أن يستخدم السيارة في غير الدعوة إلى الله عز وجل، نعم محاضرة نعم على حساب الدعوة، وهذا يدلنا على فقه هؤلاء العلماء وعلى خوفهم وورعهم. أما من يغتر بأعمال يعملها ويقول: أنا أستحق إيش هذا؟ لا شيء، أنا أفعل وأنا أفعل وأفعل، هذا لا شيء، انتهى الوقت، نسى الله العافية والسلام. نصل الله وسلم وبارك على نبينا محمد وعلى آله وصحبه أجمعين.