الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 135، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
يُرجع المؤلف كثرة الفتوحات في عهد عمر بن الخطاب إلى طول مدة خلافته واستقرار الجبهة الداخلية، مما مكن من التفرغ للجهاد الخارجي. وفي السنة العشرين هجرية تم فتح مصر والإسكندرية على يد عمرو بن العاص بتأييد الأقباط وانتصار على البيزنطيين.
نفذ عمر بن الخطاب وصية النبي صلى الله عليه وسلم بإجلاء اليهود من الحجاز، ثم استعرض أحداث السنة الحادية والعشرين وفيها فتح نهاوند على يد النعمان بن مقرن ووفاة خالد بن الوليد موتاً طبيعياً. أشار المؤلف إلى منهجه في اختصار أخبار الخلفاء الراشدين.
يبرز المقطع شجاعة الصحابة مثل خالد بن الوليد الذي مات على فراشه رغم جراحه، مؤكداً أن الموت بأجل مقدر لا يخيف أهل الإيمان. كما تبين قصة طليحة بن خويلد الذي ادعى النبوة ثم تاب وحسن إسلامه وجاهد في سبيل الله، مبيناً أن التوبة الصادقة تمحو ما قبلها عند أهل السنة.
كان طليحة بن خويلد كافراً ثم أسلم وحسن إسلامه فأثنى عليه العلماء، وشارك في قتال الفرس وأبلى بلاءً حسناً في معركة نهاوند. قُتل طليحة مع النعمان بن مقرن في تلك المعركة بعد جهاد في سبيل الله.
الحمد لله حمداً كثيراً طيباً مباركاً فيه، أشهد أن لا إله إلا الله وحده لا شريك له، وأشهد أن محمداً عبده ورسوله، صلى الله عليه وعلى آله وصحبه وسلم تسليماً كثيراً. أما بعد، قال الإمام المجدد محمد بن عبد الوهاب النجدي رحمه الله تعالى في كتابه مختصر سيرة الرسول صلى الله عليه وعلى آله وسلم: قال حوادث السنة التاسعة عشرة. قال: ثم دخلت السنة التاسعة عشرة، فتح فيها فتوح كثيرة شرقاً وغرباً، وكما ذكرنا أن زمن عمر بن الخطاب كان من أكثر الخلفاء الراشدين في عصره فتوحاً، وذلك لسببين اثنين: السبب الأول لطول مدة خلافته مقارنةً مع مدة خلافة غيره من الخلفاء، فقد دامت خلافة الفاروق قرابة عشر سنين، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، هذا سبب. والسبب الآخر أن في خلافة عمر بن الخطاب لم يكن هناك ما يشغله من الجبهات الداخلية، فلا يوجد من ينابذ المسلمين ممن هو قريب من مقر خلافتهم، فقضى الفاروق على كل من أراد بالمسلمين شراً ممن هو قريب منهم، فتفرغ للفتوحات البعيدة الخارجية، بخلاف مثلاً عهد أبي بكر الصديق رضي الله عنهم، فقد شغل رضي الله عنه بقتال أهل الردة، بقتال أهل الردة. وهكذا بعد موت الفاروق كسر الباب فظهرت الفتن، فخرج الخوارج في عهد عثمان رضي الله تعالى عنه وقتل من قبلهم، وهكذا ظهر في عهد علي بن أبي طالب الخوارج، الخوارج، وهكذا من غلوا فيه، فكثرت الفتن في تلك العصور أو تلك الخلافات، خلافة عثمان وخلافة علي رضي الله عنهما. أما خلافة الفاروق فكانت سداً منيعاً أمام الفتن، فلذلك كم مرت معنا من فتوحات في زمانه في الشام في العراق، وسيأتي معنا أيضاً في مصر وما حولها، فأكثر العقود والعهود أو أكثر الفتوحات كانت في زمن عمر رضي الله تعالى عنه لهذين السببين، والله تعالى أعلم. قال حوادث السنة العشرين. قال: ثم دخلت السنة العشرون، وفيها فتحت مصر والإسكندرية، وهناك معركة حدثت بين القوات المسلمة بقيادة عمرو بن العاص رضي الله تعالى عنه، إذ أعينه أمير المؤمنين عمر رضي الله تعالى عنه لفتح تلك البلاد، وبين الإمبراطورية البيزنطية التي كانت مسيطرة على مصر وما حولها كإسكندرية وغيرها، فحاصر المسلمون أولئك الكفار، واستجاب للمسلمين بعض من يسكن مصر كالأقباط وغيرهم، فنصر الله سبحانه وتعالى أهل الإسلام، وفتحت تلك البلاد في عهد الفاروق رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وفيها أجلى عمر رضي الله عنه اليهود من الحجاز إلى أذرعات وغيرها، يعني إلى الشام، وأذرعات هي بلد جهة الشام وما حولها، وكان بعض اليهود يسكنون الحجاز، يسكنون الحجاز من أرض العرب، فأجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه لما جاء عن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم في قوله: «أخرجوا اليهود من جزيرة العرب»، من جزيرة العرب، فأجلاهم عمر رضي الله تعالى عنه وأرضاه. انظروا إلى عز الإسلام، انظروا إلى عز الإسلام، والأمر كما قال الفاروق رضي الله تعالى عنه لما فتحت الشام، فتحت فلسطين: «نحن قوم أعزنا الله بالإسلام، فإذا ابتغينا العزة في غيره أذلنا الله»، فلما أعزوا أنفسهم بالتمسك بهذا الدين أعزهم الله، فنصرهم وأذل عدوهم، ما يستطيع العدو أن يرفض أو أن يأبى، وخرج من جزيرة العرب، فخرجوا ذليلين، خرجوا ذليلين، قوة وعزة للإسلام والمسلمين. أما اليوم لما تخلف المسلمون عن التمسك بدينهم انعكس الأمر، فصار اليهود والنصارى هم من يتحكمون في المسلمين، نعم، ويحتلون بلادهم، ويتمكنون من بلادهم، ولا إجلاء لهؤلاء اليهود من بلاد المسلمين إلا متى ما تمسك المسلمون بدينهم. قال حوادث السنة الحادية والعشرين، والمؤلف في آخر هذا الكتاب يذكر الأحداث ذكراً مختصراً، وكما تقدم أن السيرة انتهت بموت النبي عليه الصلاة والسلام، مختصر سيرة الرسول انتهت بموت النبي عليه الصلاة والسلام، ولكن ذكر المؤلف الحوادث التي بعد موته عليه الصلاة والسلام من باب تتميم الفائدة، وذكر موجز لأهم الأحداث التي وقعت في عهد الخلفاء الراشدين، الخلفاء الراشدين، وعهد الصحابة رضي الله تعالى عنهم وأرضاهم، فهو يذكر هذه الأحداث ذكراً مختصراً، وإلا فلو ذكر الأحداث ذكراً مفصلاً لصار هذا الكتاب مجلدات، وقد ألف العلماء في تاريخ الخلفاء، فلو رجعت إلى البداية والنهاية، وإلى تاريخ الإسلام، وإلى غيرها من دواوين التاريخ لرأيت تفصيل هذه الأحداث، ولكن المؤلف هنا يختصر اختصاراً فقط من باب تتميم الفائدة. قال حوادث السنة الحادية والعشرين. قال: ثم دخلت السنة الحادية والعشرون، وفيها كان فتح نهاوند، وأميرها النعمان بن مقرن، وقتل يومئذ. وفيها مات خالد بن الوليد رضي الله عنه بحمص، وخالد بن الوليد ما مات في معركة القتال كما ربما يوهم ذكر المؤلف له في هذا الموضع، وإنما مات على فراشه موتاً طبيعياً، موتاً طبيعياً، وقد كانت حياته وتاريخه حافلاً بالتضحيات وكذلك بالنصر والفتوحات، رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فقد خاض معارك كثيرة في الإسلام، بل وقبل الإسلام كما هو معلوم، فلما من الله عز وجل عليه بالإسلام نصر دين الله عز وجل نصراً عظيماً، حتى لقبه النبي صلى الله عليه وسلم «سيف الله المسلول»، نعم لقبه بذلك، ومع هذا مات على فراشه، فلما حضرته الوفاة ذكر ما كان عليه من نصرة هذا الدين، وما خاض من معارك، وما في جسده من طعنات ومن ضربات، ثم قال رضي الله تعالى عنه: «وهاء أنا اليوم أموت على فراشي، فلا نامت أعين الجبناء»، أي أن الجهاد في سبيل الله ليس سبباً لموت ذلك المجاهد، فمن لم يمت بالسيف مات بغيره، تعددت الأسباب والموت واحد، فكم من شخص قاتل في سبيل الله وما ترك شاذاً ولفاذاً تغيظ أعداء الإسلام إلا وأتى بها، ومع هذا لم يمت في معارك القتال، وإنما مات بسبب آخر، أو مات وهو على فراشه، كما في سيرة خالد بن الوليد رضي الله تعالى عنه وأرضاه، فهذا فيه شجاعة أهل الإيمان، وأنهم لا يخافون من الموت، فيعلمون ويؤمنون بقول الله عز وجل: ﴿وما كان لنفس أن تموت إلا بإذن الله كتاباً مؤجلاً﴾، ويؤمنون بقول الله سبحانه وتعالى في كتابه الكريم: ﴿فإذا جاء أجلهم فلا يستأخرون ساعة ولا يستقدمون﴾، في أي مكان كان، فتجد أن أهل الحق وأهل الإيمان وأهل السنة لا يهابون الموت ولا يخافون من الموت إذا كان جهادهم وسعيهم وكذلك جهدهم في نصرة هذا الدين، فهم من أعظم الناس شجاعة، من أعظم الناس شجاعة أهل السنة، لأنهم يقتدون بنبيهم عليه الصلاة والسلام، وأعظم الخلق شجاعة رسول الله صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: وفيها مات عمر بن معدي كرب، وطليحة بن خويلد الأسدي الذي كان تنبأ، يعني ادعى النبوة، ادعى النبوة طليحة بن خويلد، ثم أسلم وحسن إسلامه، يعني رجع إلى الإسلام، وأبلى في قتال الفرس بلاء حسناً، وهذا فيه أن العبد مهما وقع في خطأ أو في زلل، ولو كانت ردة، ولو كان كفر، ثم تاب وأناب وحسن إسلامه أو حسن توبته واستقامته، فلا يعاب بعد ذلك، فهذا من منهج المعتزلة الذين لا يرون التوبة لمن تاب من معصيته أو من ذنبه، وأما منهج أهل السنة والجماعة فمن تاب تاب الله عليه، وإذا حسنت توبته لا يذكر إلا بالجميل، لا يذكر إلا بالجميل، ماذا بعد ادعاء النبوة؟ كفر، ومع هذا رجع هذا طليحة بن خويلد، وأسلم وحسن إسلامه، فكان العلماء يثنون عليه خيراً كما في هذا الموضع وفي غيره، فقال: ثم أسلم وحسن إسلامه، وأبلى في قتال الفرس بلاء حسناً، قتل مع النعمان بن مقرن بنهاوند، يعني بعد قتال وبعد جهاد في سبيل الله. طيب، نكتفي بهذا، وإلى هنا، والله تعالى، ترجمة نانسي قنقر.