الدرس في شرح مختصر سيرة الرسول 137، ألقاها الشيخ أبو معاذ أبو بكر باصلعة
بُويع عثمان بن عفان رضي الله عنه بالخلافة في أول محرم سنة 24 هـ بعد مشاورة أهل الحل والعقد، واتفق الستة المرشحون على اختياره. تميز بمناقبه العظيمة كسبقه إلى الإسلام، وهجرتيه، وصلاته للقبلتين، وزواجه بابنتي النبي صلى الله عليه وسلم، وحياء الملائكة منه.
في سنة 25 هـ توفي عدد من الصحابة البارزين كسراقة بن مالك وأم الفضل وأم أيمن وعبد الله بن أم مكتوم. وتناولت الرواية قصة مؤامرة عمير بن وهب وصفوان بن خلف لاغتيال النبي صلى الله عليه وسلم، وكيف أطلعه الله على سرهما فأسلم عمير، مؤكدين أن علم النبي بالغيب بإطلاع الله لا بذاته.
شهد عام 26 هـ غزو عبد الله بن سعد بن أبي سرح لإفريقية وانتصار المسلمين وقتل ملك البربر جرجير على يد عبد الله بن الزبير، ووفاة خارجة بن زيد الأنصاري الذي تكلم بعد موته كرامة. كما اعتمر عثمان رضي الله عنه وأمر بنقل ميناء السفن من الشعيبة إلى جدة لقربها من مكة واتساعها، فخرج عثمان لمعاينتها واعتمدها ميناءً رئيسياً.
الحمد لله والصلاة والسلام على رسول الله وعلى آله وصحبه ومن والاه. وبعد: قال: حوادث سنة أربع وعشرين. قال: ثم دخلت السنة الرابعة والعشرون، فاستخلف فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه، وكانت خلافته عن طريق الاستشارة؛ فإن عمر رضي الله عنه لما علم أنه قد حان أجله بسبب هذه الطعنات البالغة، اختار ستة من الصحابة رضي الله عنهم، ومنهم عثمان بن عفان، على أن يكون أمر اختيار الأمير والخليفة بمشورتهم واختيار أحدهم، وجعل ابنه عبد الله بن عمر رضي الله تعالى عنهما هو المشرف على هذا الأمر، وليس له في الخلافة شيء، وليس من الستة، وإنما هو من يشرف على اختيارهم. فاتفق الجميع على اختيار ابن عفان رضي الله عنه. وهذا إحدى الأمور التي بها يعين الأمير ويطاع، وكذلك يكون أميرا للمسلمين: إما بالتعيين والاختيار، وهذا وقع لعمر؛ فإن أبا بكر الصديق رضي الله تعالى عنه اختاره وحده ليكون خليفة من بعده. وقد يكون اختيار الأمير كذلك باستشارة أهل الحل والعقد، وذلك ما وقع لعثمان رضي الله عنه. ومنهما يكون باستتباب الأمر بالقوة والسيطرة ونحو ذلك، وهذا ما وقع في بعض خلافات الدولة الإسلامية في العهد الأموي وكذلك العهد العباسي ونحوهما. قال: فاستخلف فيها عثمان بن عفان رضي الله عنه لغرة هلال المحرم. الغرة هي أول شهر، أول يوم في الشهر يسمى غرة. لغرة هلال المحرم، أو لثلاث من المحرم، يعني في الليلة الثالثة، شك المؤلف. قال: بعد دفن عمر بثلاثة أيام؛ لأن عمر توفي رضي الله عنه، وبقيت أربع... وبقيت أربع ثم دفن. فبعدما دفن، ودفنه كان في أول يوم في المحرم، بعد ثلاث على القول بأن عثمان عُين بعد ثلاث من شهر الله المحرم. عُين رضي الله تعالى عنه بعد دفن عمر بثلاثة أيام. ثم شرع المؤلف في ذكر بعض مناقب عثمان على سبيل الإيجاز، فقال: أسلم قديما. أي: عثمان بن عفان من سيرته رضي الله عنه أنه أسلم قديما، وكان من ذوي السابقة، يعني ممن سبق إلى الإسلام في العهد المكي، ومن ذوي الشرف والعلم، أي من ذوي المكان عند قومه، من ذوي المكانة عند قومه، فهو ذو شرف، وكذلك ذو حكمة وعلم. قال: هاجر الهجرتين، يعني الهجرة إلى الحبشة والهجرة إلى المدينة. وصل القبلتين؛ لأن في أول الأمر كانت القبلة جهة بيت المقدس، ثم بعد ذلك حولت إلى البيت الحرام، فعثمان ممن صلى إلى جهة القبلتين، بمعنى أنه من السابقين. وزوجه رسول الله صلى الله عليه وسلم الابنتين، أي زوجه ابنتيه: أم كلثوم ورقية رضي الله تعالى عنهما. قال: ولم ينكح ابنتين نبي من آدم إلى قيام الساعة غيره. يعني: ما هناك أحد تزوج بابنتين نبي، لا أحد هناك تزوج بابنتين نبي إلا عثمان بن عفان، إلا عثمان بن عفان رضي الله عنه، وهذا يعد من مناقبه. وكان رسول الله صلى الله عليه وسلم يقدمه ويستحي منه، ويقول: «ما لي لا أستحي ممن تستحي منه ملائكة السماء»، والحديث في مسلم، حديث عائشة. هذه كلها من مناقبه رضي الله تعالى عنه وأرضاه. قال: وفي هذه السنة، يعني يذكر بعض الحوادث التي وقعت في هذه السنوات على سبيل الإيجاز والاختصار؛ لأن المؤلف لا يحتمل التطويل، فهو مختصر السيرة، وإنما ذكر ما بعد سيرة النبي عليه الصلاة والسلام تتميما للفائدة، فاختصر رحمه الله. قال: وفي هذه السنة توفي سراقة بن مالك، وأم الفضل زوجة العباس، وأم أيمن بركة، اسمها بركة، مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم. وهؤلاء صحابة أجلّ. فسراقة ممن وعده رسول الله صلى الله عليه وسلم بكنوز قيصر وكسرى، فلما فتحت في عهد عمر دعاه عمر وأعطاه منها، لما أدرك النبي عليه الصلاة والسلام في الهجرة. وكذلك أم الفضل زوجة العباس، وأم أيمن مولاة رسول الله صلى الله عليه وسلم، من الصحابيات اللاتي ذكرنا في مواقف عظيمة من مواقف السيرة. حوادث سنة خمس وعشرين. قال: ثم دخلت السنة الخامسة والعشرون، فتوفي فيها عبد الله بن أم مكتوم المؤذن، أي مؤذن النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. فالنبي صلى الله عليه وسلم كان يقول: «إن ابن أم مكتوم يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن...» الحديث: «إن بلالا يؤذن بليل، فكلوا واشربوا حتى يؤذن ابن أم مكتوم». وعمرو بن واهب بن خلف الجمحي، الذي حزر المسلمين يوم بدر. ومعنى حزر المسلمين: لأنه كان في صف المشركين، حزر المسلمين أي عرف عددهم بالظن والتخمين. الحزر هو التقدير بالظن والتخمين، وكان في صفوف المشركين. قال: ثم تعاهد وصفوان بن خلف الجمحي على اغتيال رسول الله صلى الله عليه وسلم، فذهب إلى المدينة بدعوى افتداء ابنه وهب الذي كان أسر يوم بدر. يعني ذهب من أجل أن يفدي ابنه، بمعنى يدفع شيئا من المال مقابل فك أسره، وأخذه معه؛ لأن في غزوة بدر قبل النبي صلى الله عليه وسلم من الأسرى الفداء كما هو معلوم. فذهب بهذه الدعوى، لكن نيته وقصده اغتيال النبي صلى الله عليه وعلى آله وسلم. قال: فلما دخل على رسول الله صلى الله عليه وسلم، قص عليه رسول الله صلى الله عليه وسلم ما تعاهد هو وصفوان عليه. بمعنى أن النبي صلى الله عليه وسلم أعلمه الله بما قالا وتعاهدا عليه، فالله عز وجل هو الذي أطلعه، وليس معنى ذلك أن النبي صلى الله عليه وسلم يعلم الغيب كما يدعي بعض الطوائف التي غلت في رسول الله صلى الله عليه وسلم فأثبتت له علم الغيب، وهذا خطأ يرده القرآن والسنة. وإنما يخبر النبي عليه الصلاة والسلام بأمور الغيب بما أطلعه الله عليه، بما أطلعه الله عليه، وإلا فهو لا يعلم الغيب، كما قال الله عز وجل: ﴿عَالِمُ الْغَيْبِ فَلَا يُظْهِرُ عَلَى غَيْبِهِ أَحَدًا﴾. أحدا هنا نكرة في سياق النفي، فلا يظهر على غيبه أحدا، فيشمل كل أحد، فلا يعلم الغيب لا نبي ولا ولي ولا ملك ولا أي مخلوق. ما يعلم الغيب إلا الله. لكن قال الله عز وجل: ﴿إِلَّا مَنِ ارْتَضَى مِن رَّسُولٍ﴾، فإنه يسلك من بين يديه ومن خلفه رصدا. يعني: إلا من أطلع الله عز وجل من عباده، أو أطلع الله عز وجل أحد عباده على شيء من أمور الغيب. فقد قال الله عز وجل حاكيا عن نبيه عليه الصلاة والسلام: ﴿وَلَوْ كُنْتُ أَعْلَمُ الْغَيْبَ لَاسْتَكْثَرْتُ مِنَ الْخَيْرِ وَمَا مَسَّنِيَ السُّوءُ﴾. بمعنى أنه ما يعلم الغيب عليه الصلاة والسلام. ولكن مثل هذه الحوادث تحمل على أن الله عز وجل هو الذي أطلعه، هو الذي أطلعه على مثل هذه الحوادث، فأخبر النبي صلى الله عليه وسلم عمير بن وهب وصفوان بن خلف ما قالا وتعاهدا عليه، فشهد شهادة الحق وأسلم، أي عمير بن وهب. وهذا الحديث يعد من دلائل نبوته عليه الصلاة والسلام وصدق رسالته. فماذا بعد هذا؟ أنت تضمر شيء، وما يراك أحد، ولا يسمعك أحد، بينك وبين هذا الذي حدثته في مكان بعيد، أنت متأكد أنه ما سمعك أحد، وما اطلع على ما أضمرته في قلبك أحد إلا الله، ثم تأتي إلى من تريد الوقيعة به فيخبرك بما قلت وما أضمرت. هذا دليل على أن الله عز وجل هو الذي أخبر نبيه، فهو نبي حقا وصدقا عليه الصلاة والسلام. فهذا الذي جعل عمير بن وهب رضي الله عنه يسلم ويشهد شهادة الحق. قال: وفيها توفي عروة بن حزام العاشق. حوادث سنة ست وعشرين. قال: ثم دخلت السنة السادسة والعشرين. ثم دخلت السنة السادسة والعشرين. وفيها غزا عبد الله بن سعد بن أبي سرح إفريقية، ومعه العباد له: عبد الله بن نافع بن قيس، وعبد الله بن نافع بن الحسين، وعبد الله بن الزبير. فلقي جرجير ملك البربر في مئتي ألف. يعني دارت معارك بين المسلمين وبين هذا الملك الكافر في إفريقية، فنصر الله عز وجل المسلمين، وقتل ملك هؤلاء البربر، وهو جرجير. قال: فقتل جرجير، قتله عبد الله بن الزبير، وفتح الله على المسلمين. قال: وفيها... وهذا يدلك على أن كذلك في زمن عثمان وقعت فتوحات، وإن كان أكثر الفتوحات كما تقدم في زمن عمر رضي الله تعالى عنه، ولكن أيضا في خلافة عثمان وقعت بعض الفتوحات. ولولا أهل الفتنة لاستمرت تلك الفتوحات، ونصر الله عز وجل المسلمين في الشرق والغرب، ولكن بسبب ما حدث من خروج الخوارج وتكالبهم على عثمان رضي الله تعالى عنه حتى قتلوه. قال: وفيها مات خارجة بن زيد الأنصاري الذي تكلم بعد الموت، وكان من كلامه: «خلت ليلتان وبقيت أربع، بئر أريس، وما بئر أريس». وهذه القصة ذكرت في التاريخ الكبير، وظاهر إسنادها الصحة. ذكرها أهل السير، وظاهر إسنادها الصحة، وهذا يعد من الكرامات. لكن تكلم دون أن يعني يقوم ويحيى بعد موته، وإنما مات فصدرت منه بعض الكرامات، ومنها ما ذكر، وتعجب الناس من ذلك، تعجب الناس من ذلك. وإلا فالميت لا يتكلم، وقد قرر أنه قد فقد روحه وأن روحه قد خرجت من جسده، ومع هذا سمعت منه مثل هذه الكلمات. خارج بن زيد الأنصاري، ذكر هذه القصة، أو ذكرت هذه القصة في التاريخ الكبير. قال: وفيه اعتمر عثمان، فكلمه أهل مكة أن يحول الساحل إلى جدة. ومعنى يحول الساحل: يعني مكان إرساء السفن، مثل ما نقول الآن الميناء. يسمعنا يحول الساحل يعني ينقل البحر إلى مكان آخر، لا، وإنما يحول يعني مكان إرساء السفن إلى جدة، لأنها قريبة من مكة كما هو معلوم الآن بالسيارة، ربما أقل من نصف ساعة من مكة إلى جدة، يعني قريبة. وجدة منطقة ساحلية، وكانت كما قال هنا: كانت الميناء في منطقة، وقالوا لها الشعيبة أو الشعيبية كما سيأتي. قال: فكلمه أهل مكة أن يحول الساحل إلى جدة، وقالوا: هي أقرب إلى مكة وأوسع. وكانوا يرسون قبل ذلك عندهن في الشعبية. هذا خطأ، وصوابه: الشعيبة أو الشعيبية. الشعيبة أو الشعيبية، وهذه منطقة معروفة ومشهورة إلى يومنا هذا في المملكة، وفيها في هذه الأيام فيها محطة التحلية والكهرباء، كهرباء المملكة من هذه المنطقة الساحلية تسمى الشعيبة أو الشعيبية، لأنها كانت أبعد من جدة إلى مكة، وكانت أضيق. فحول لهم ذلك. وكما قال: فخرج عثمان إلى جدة فرآها، وحول الساحل إليها. طيب، إليه والله تعالى.